تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«إسعاف 24».. الحكومة تدخل سوق الدواء على طريقة «ماكدونالدز»

«إسعاف 24».. الحكومة تدخل سوق الدواء على طريقة «ماكدونالدز»

كتابة: رنا ممدوح 14 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

في أبريل 2024، أرسل رئيس هيئة الدواء، المختصة بإصدار تراخيص المنشآت الصيدلية، والتابعة لرئاسة الوزراء، طلبًا إلى رئيس مجلس الدولة للحصول على فتوى قانونية بشأن ما إذا كانت الشركة المصرية لتجارة الأدوية، المالكة لصيدلية الإسعاف، بحاجة إلى ترخيص من الهيئة لفتح فروع لصيدلية الإسعاف ومخازن أدوية في جميع المحافظات.

في طلب الفتوى، الذي حصلنا على نسخة منه، أوضح رئيس هيئة الدواء أن الرئيس الأسبق، جمال عبد الناصر، أصدر قانون إنشاء المؤسسة المصرية العامة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية رقم 113 لسنة 1962، ومنحها سلطة تنفيذ السياسة الدوائية للدولة، واستيراد الأدوية والمستلزمات والكيماويات الطبية اللازمة للبلاد، وتوزيعها. كما أجاز لها إنشاء وإدارة الصيدليات والمؤسسات الصيدلية، وأعفاها من الحصول على تصريح من وزارة الصحة المسؤولة عن الترخيص للمنشآت الصيدلية آنذاك.

وتنفيذا للقانون، أنشئت المؤسسة الشركة المصرية لتجارة الأدوية سنة 1965، لتتولى مهام توزيع جميع الأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية التي تستورد من الخارج أو التي تنتجها الشركات المحلية، على المستشفيات الحكومية والخاصة والصيدليات، بعدها أنشئت الشركة صيدلية الإسعاف لتبيع الأدوية للجمهور على مدار 24 ساعة دون ترخيص من وزارة الصحة، مستفيدة من الإعفاء الوارد بقانون المؤسسة. 

وبحسب طلب رئيس هيئة الدواء، قدمت الشركة في بداية 2024 عدة طلبات إلى الهيئة لمعاينة بعض المواقع والتحقق من استيفائها للاشتراطات الصحية المنصوص عليها في قانون الصيدلة (من حيث المساحة، ودرجة الحرارة، والرطوبة.. إلخ) تمهيدًا لفتح فروع لصيدلية الإسعاف بجميع المحافظات.

وقال رئيس الهيئة في طلب الفتوى إن بحث طلبات الشركة أثار خلافًا حول ما إذا كانت الشركة ما زالت تتمتع بالإعفاء من الترخيص الوارد بقانون المؤسسة الملغي عام 1976، خاصة بعدما انتقلت ملكية الشركة إلى هيئة الشراء الموحد في عام 2020.

ردًا على الطلب، انتهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في أغسطس 2024، في فتوتها المنشورة، إلى عدم أحقية الشركة المصرية في إنشاء صيدليات أو مخازن أدوية دون ترخيص، مستندةً إلى خلو قرار إنشائها من أي استثناء يسمح لها بذلك، دون الإشارة إلى موقفها كذلك من قرارات الإدارة المركزية لشؤون الصيدلة التي تحظر على مستوردي الادوية والمستحضرات الصيدلية وشركات ومخازن توزيع الأدوية بيع الادوية للجمهور.

قبل صدور الفتوى بشهر، أعلن اللواء بهاء زيدان، رئيس هيئة الشراء الموحد، المالك الحالي للشركة المصرية، افتتاح 13 صيدلية «إسعاف» في 12 محافظة أخرى، بينها ثلاث باسم «إسعاف 24» تنفيذًا لتوجيهات رئيس الوزراء بـ«التوسع جغرافيًا لتحقيق أكبر انتشار لسلسلة صيدليات إسعاف 24» في جميع المحافظات المصرية. 

وبعد صدور الفتوى، وصل عدد صيدليات «إسعاف 24» بنهاية عام 2024 إلى ما لا يقل عن 26 صيدلية، دون توضيح لموقف تلك الصيدليات من الترخيص من قبل هيئة الدواء التي طلب متحدثها الرسمي، ياسين راجي، من «مدى مصر»، في 19 مارس الجاري، منحه مهلة لعرض الفتوى على المسؤولين بالهيئة للرد، ولكن الرد لم يصل حتى موعد النشر.

الصيدليات الجديدة فتحت ضمن خطة بدأت الحكومة وهيئة الشراء الموحد تنفيذها في أكتوبر 2023، ومن المقرر أن تستمر حتى 2027، لفتح أكثر من 200 صيدلية في عدة أماكن على رأسها المستشفيات الحكومية والجامعية، على أن يدير القطاع الخاص أكثر من نصفها مستخدمًا الاسم التجاري الجديد «إسعاف 24»، بحسب ما قاله مسؤولان بالشركة المصرية لـ«مدى مصر». 

أثار انتشار صيدليات «إسعاف 24» تساؤلات عن فرص المنافسة بينها وبين أكثر من 81 ألف صيدلية في جميع أنحاء البلاد، نظرًا لسلطتها على توريد الدواء من الخارج للمستشفيات العامة والخاصة والصيدليات، وقدرتها على التوزيع مع انتشار فروعها. كما أثار انتشار الصيدليات تساؤلات عن تداعيات وجودها داخل المستشفيات الحكومية على توفير الدواء بالمجان.

صورة أرشيفية لصيدلية الإسعاف

وقفت آمال، صاحبة الـ70 عامًا، أمام شباك ضيق في صيدلية الإسعاف بعد تغيير اسمها إلى «إسعاف 24» في وسط القاهرة، وأمامها طابور طويل. تشكو حالها: «أنا ست كبيرة وابني بيصرف علاج نفسي من 30 سنة من مستشفى الدمرداش، والنهاردة قالوا لنا خلاص مفيش علاج، روحوا الإسعاف». آمال واحدة من عشرات السيدات اللواتي التقى بهن «مدى مصر» خلال معايشته لتجربة الحصول على علاج من الصيدلية في منتصف فبراير الماضي.

صيدلية الإسعاف في رمسيس هي أحد معالم الشارع الحيوي المكتظ بالمؤسسات العامة والمحال والناس. أنشئت في 1972 كأول صيدلية تابعة للشركة المصرية لتجارة الأدوية، وتبيع جميع أنواع الأدوية للجمهور على مدار 24 ساعة. اشتهرت منذ إنشائها في السبعينيات بأنها الصيدلية الوحيدة في الجمهورية التي يتوفر بها أنواع الأدوية الناقصة كافة، ولهذا تكون الخيار الأخير لأي مريض يبحث عن علاجه.

أما إيمان، فاصطفَّت في الطابور المخصص للنساء أمام الصيدلية للحصول على جرعة علاج سكر لوالدتها، كانت تصرفها بالمجان من الوحدة الصحية القريبة من منزلها بمنطقة المرج قبل أن تخبرها صيدلية الوحدة الصحية بعدم توفرها، مما اضطرها للحضور إلى صيدلية الإسعاف برمسيس التي تبيع الدواء بسعر السوق. إلى جوارها، وقفت ماري ذات الـ60 عامًا، تحمل في يديها المرتجفة، جراء تأخر حصولها على جرعة علاج أعصاب، روشتة علاج مختومة وبطاقتها الشخصية. طوال أكثر من أسبوعين، بحثت في صيدليات منطقة شبرا عن علبة دواء ولم تجدها. 

في طابور الرجال، وقف إسماعيل، صاحب الـ64 عامًا، يشكو من آلام العظام، قائلًا إنه جاء من مرسى مطروح ليصرف شريط ترامادول بـ25 جنيهًا بعد أن وصل سعره في بعض الصيدليات إلى ألف جنيه، فيما توقف المستشفى العام عن صرفه له.

تركزت روايات غالبية المصطفين في الطابور حول عدم توفر أدويتهم في المستشفيات الحكومية والجامعية، التي كانت تصرفها لهم مقابل تذكرة الكشف، وفي ظل عدم توافر أدويتهم في الصيدليات القريبة من منازلهم بسعر السوق، أصبح الوقوف في طوابير صيدليات الإسعاف لشراء العلاج خيارًا وحيدًا، خاصة مع استغلال بعض الصيادلة نقص عدد من الأدوية لبيعها بأضعاف ثمنها.

caption

قبل أكتوبر 2023، كانت الشركة المصرية تمتلك صيدليتين فقط باسم «الإسعاف»، الأولى في شارع رمسيس بوسط القاهرة، والثانية في محافظة الإسكندرية، وكان يتوافر فيهما قوائم الأدوية الناقصة، بحسب مدير عام صيدليات الإسعاف بالشركة المصرية لتجارة الأدوية، زكريا سعد، الذي يوضح أن الشركة مسؤولة عن تموين المستشفيات والهيئات والمؤسسات العلاجية والتأمين الصحي بكل احتياجاتهم من الأدوية، كما أنها المستورد الرئيسي للأمصال والطعوم وأدوية الأورام وجميع الأدوية الناقصة، والمورد لوسائل منع الحمل إلى جميع مراكز تنظيم الأسرة في المحافظات، والمصدر الوحيد للعلاجات النفسية والأدوية التي ليس لها بدائل محلية. 

تمتلك الشركة أيضًا عددًا من الصيدليات الداخلية الموجودة بالجهات والهيئات الحكومية، والتي تبيع الدواء للعاملين فيها فقط، ومجموعة من الصيدليات الخارجية تبيع أدوية الكبد والأورام بسعرها السوقي للمرضى في وقت الأزمات إلى جانب فرعي صيدليات الإسعاف في القاهرة والإسكندرية.

«كانت هناك أزمة في الأدوية وزيادة في عدد النواقص، ففكرنا في التوسع وتخفيف العبء عن الصيدليتين. مينفعش الناس تيجي من المحافظات عشان تشتري الدواء من الإسعاف في وسط البلد أو الإسكندرية. ومن ناحية أخرى، لدينا علامة تجارية كبيرة اسمها "صيدليات الإسعاف"، موجودة منذ الستينيات، ولا نستغلها»  يتابع سعد، مضيفًا أن الشركة خاطبت المحافظين لتوفير أماكن بعواصم المحافظات لتعميم تجربة الإسعاف: «كل ما نحتاجه هو مكان لا يقل عن 80 مترًا مربعًا، به منفذ بيع على شارع رئيسي، ومرافق (دورة مياه، كهرباء، صرف صحي)». استجاب بعض المحافظين بتوفير الأماكن «وقمنا بتأجيرها وتجهيزها ومراعاة الاشتراطات الصحية. في بعض المحافظات، كنا نبحث بمفردنا عن أماكن مناسبة ونأجرها من أصحابها. بدأنا بفتح خمس صيدليات، وبعدها 24 صيدلية في غالبية المحافظات باستثناء بعض المحافظات الحدودية، ما جعل إجمالي ما تملكه الشركة المصرية باسم البراند الجديد (إسعاف 24) 29 صيدلية».

مسؤول ثاني بالشركة، طلب عدم ذكر اسمه، يحدد آلية استفادة الشركة من وراء التوسع في إنشاء صيدليات الإسعاف، قائلًا: «دور صيدلية الإسعاف خدمي بالأساس، نوفر الأدوية عديمة وقليلة الربحية جنبًا إلى جنب مع الأدوية الأخرى التي يصل نسب الربح فيها إلى 27%. عندنا أصناف بنبيعها بسعرها دون ربح مثل أدوية الأورام وغيرها. بالنسبة للأدوية العادية، بنستورد وبناخد حصة من إنتاج الشركات المحلية وبنوزع على مستشفيات وزارة الصحة والصيدليات الأهلية مقابل نسبة ربح. بناخد الأدوية من شركات إنتاج الأدوية مقابل نسبة خصم 27%، ونوفرها للصيدليات في جميع أنحاء البلاد مقابل 20% خصم، فالمكسب بيكون 7%. وفي حال بيع الشركة المصرية الأدوية في صيدلياتها الموجودة داخل المنشآت والهيئات الحكومية، توفرها بنسبة خصم 10% وهنا يكون ربح الشركة 17% من قيمة الأدوية. أما في حال بيع الأدوية في صيدليات الإسعاف الجديدة، فالبيع بسعر السوق بما يعني ربح 27% من قيمة الأدوية التي تبيعها للجمهور»، بحسب المصدر، الذي يضيف أن الشركة تستقطع من نسبة الربح رواتب مديري الصيدليات والصيادلة وأمناء المخازن ومدخلي بيانات الذين تعينهم في الفروع الجديدة لصيدليات الإسعاف.

تصميم مهرة شرارة

ويقول سعد إن الشركة سوف تستمر في التوسع خلال العامين المقبلين للوصول إلى المستهدف، مشيرًا إلى أن وزير الصحة اقترح تخصيص أماكن لإنشاء صيدليات خاصة داخل المستشفيات الحكومية، على أن تمنحها الشركة حق استغلال العلامة التجارية للبراند الجديد «إسعاف 24»، وتوفر لها الأدوية الناقصة، وتلتزم الأخيرة بشروط العمل داخل صيدليات الإسعاف ومن بينها بيع جميع أنواع الأدوية بسعرها السوقي دون خصومات.

ويضيف مدير عام صيدليات الشركة المصرية: «الأدوية الناقصة لا تتوافر إلا عندنا، ونحن نوفر جميع أنواع الأدوية»، لافتًا إلى أن صيدليات الإسعاف لها مصداقية وسمعة طيبة كمكان موثوق فيه وقادر على توفير جميع الأدوية. وبالتالي «الأمر أشبه بشخص يريد فتح مطعم وأمامه خياران: إما أن يفتح مطعمًا ويطلق عليه اسمًا جديدًا ويبني العلامة التجارية له من البداية، أو يستغل علامة تجارية ناجحة وموجودة بالفعل ويحصل منها على حق استغلال الاسم التجاري.. مطعم الحبايب أم مطعم ماكدونالدز؟» 

كما يشير إلى أن وزارة الصحة جهزت 35 صيدلية بكبرى المستشفيات الحكومية في عدد من المحافظات، ويجري وضع شروط إسنادها للقطاع الخاص سواء شخصًا أو كيانًا. «سنأخذ مقابل استغلال العلامة التجارية، ووزارة الصحة ستأخذ مقابل الإيجار ونسبة من المكسب». وفي حال نجاح التجربة، سننتقل إلى المرحلة التالية لتحقيق المستهدف، وهو 200 صيدلية تحمل العلامة التجارية لصيدليات «إسعاف 24»، وبهذا المشروع يحل أزمة الدواء ويجعله متاحًا للجميع، يضيف سعد. 

في المقابل، يقول المصدر المسؤول بالشركة إن الانتقال إلى المرحلة التالية وإنشاء فروع لصيدليات الإسعاف داخل المستشفيات الحكومية مع منح القطاع الخاص سلطة إدارتها هو أمر محل بحث. «هل نعطي القطاع الخاص نفس مزايا صيدليات الشركة من حيث توفير الأدوية الناقصة ونفس نسب الخصم على الأدوية؟» 

مراحل توسع وانتشار البراند الجديد لصيدلية الإسعاف التي حددها سعد ليست بعيدة عما أشارت إليه بيانات مجلس الوزراء بشأن الخطة. كان رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، اجتمع مع الرئيس السابق للهيئة المصرية للشراء الموحد، اللواء بهاء الدين زيدان، في أكتوبر 2023، لمناقشة ملامح خطة تطوير صيدليات الإسعاف. 

تضمنت الخطة تعديل اسم الصيدليات إلى «صيدلية إسعاف 24»، نظرًا لأنها تعمل لخدمة المرضى على مدار 24 ساعة، وتوحيد الرؤية البصرية الخاصة بتلك الصيدليات (الاسم والعلامة التجارية)، والتوسع جغرافيًا لتحقيق أكبر انتشار لـ«سلسلة الصيدليات» في جميع المحافظات. في بيانه، أشار مجلس الوزراء إلى أن الخطة تتضمن دراسة التنسيق مع وزارتي الصحة والتعليم العالي لاقتراح أماكن بالمستشفيات التابعة لكل منهما بعواصم المحافظات، لتعميم نموذج صيدليات «إسعاف 24» بها في أقرب وقت من أجل خدمة المرضى في «المستشفيات وخارجها». 

وفي السادس من يناير الماضي، قال رئيس الوزراء خلال اجتماع مع وزير الصحة، خالد عبد الغفار، ورئيس هيئة الشراء الموحد السابق، بهاء الدين زيدان، ورئيس هيئة الدواء، علي الغمراوي، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه بتعظيم الاستفادة من مشروع تطوير صيدليات الإسعاف من خلال وجود شبكة واسعة الانتشار لهذه الصيدليات، تسهم في إتاحة وسد احتياجات المواطنين من الأدوية في حالة ظهور أي أزمة أو نقص.

خلال الاجتماع، كشف وزير الصحة عن آلية الانتشار التي ستكون عبر «فتح صيدليات كبيرة في المستشفيات العامة الموجودة في مواقع مميزة وتشهد تردد عدد كبير من المواطنين عليها». مقترح آخر أورده المتحدث باسم مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، ضمن نتائج الاجتماع، يتمثل في إطلاق تطبيق إلكتروني «بالشفا» لتوسيع نطاق صيدليات الإسعاف، حيث يتيح التطبيق طلب الأدوية بسهولة من أي صيدلية إسعاف في أي وقت دون الحاجة لزيارة الصيدلية.

caption

«البراند الجديد وُلِد عملاقًا ليحتكر سوق الدواء»، يقول النقيب السابق لصيادلة مصر، محيي عبيد، متسائلًا: «هيئة الشراء الموحد والشركة المصرية ووزارة الصحة بينافسوا مين؟»  

يقول النقيب السابق لـ«مدى مصر» إن إنشاء الهيئة سلسلة من الصيدليات مخالف لقانون ممارسة مهنة الصيدلة الذي يحظر إنشاء السلاسل، وقانون نقابة الصيادلة الذي يلزم بأن تكون النقابة طرفًا في أي تعاقد بشأن إنشاء الصيدليات، وحظر تملك الصيدلي أكثر من صيدليتين، ولذلك فأنه يهدد مهنة الصيدلة وأكثر من خمسة ملايين شخص يعملون بها لأنه يقلل الطلب العام على الأدوية.

«الحكومة بتصعب المنافسة، مرة الصندوق السيادي يعمل شراكة مع صيدليات العزبي، ودلوقتي الشراء الموحد تفتح صيدليات خاصة» يضيف عبيد. وكان صندوق مصر السيادي أعلن في مايو 2023 عن شراكة مع صيدليات العزبي، وشركة بي انفستمنتس، لإنشاء شركة جديدة «لتقديم خدمات لوجستية وإدارية للمؤسسات الصيدلية، وخدمات توزيع وتجارة الأدوية»، تحت اسم «EZ International»، وهي الصفقة التي عارضها الصيادلة في حينها لتقنينها عمل سلاسل الصيدليات وتمكين أصحابها من السيطرة على سوق الدواء بالمخالفة لقانون الصيدلة.

يتفق مع عبيد رئيس شعبة الدواء باتحاد الغرف التجارية، علي عوف، قائلًا: «لو الدولة عايزة تفتح صيدليات وتحارب القطاع الخاص تقول للصيادلة يقفلوا ونخلص. إحنا عندنا حوالي 81 ألف صيدلية رغم أن مصر محتاجة 40 ألف صيدلية فقط. أي شخص عايز صيدلية هيلاقي على بعد 50 متر صيدليات موجودة في الحواري والقرى والنجوع. مفيش مكان في مصر ناقص صيدليات». 

ويعتبر عوف أن دخول الحكومة في مجال إنشاء الصيدليات «ضد مبدأ المنافسة وسيترتب عليه غلق نصف صيدليات البلد».

النقابات الفرعية للصيادلة، من جانبها، أصدرت بيانات متلاحقة بداية من منتصف فبراير الماضي، تطالب فيها كل من وزارة الصحة وهيئتي الشراء الموحد والدواء المصرية بـ«توفير الأدوية في الصيدليات التي يزيد عددها عن 81 ألف صيدلية بدلًا من التفكير في إنشاء صيدليات داخل المستشفيات الحكومية بحجة توفير النواقص من الأدوية». 

ويشير عبيد إلى تبعية الصيدليات الجديدة لهيئة الشراء الموحد التي تحتكر عملية شراء المستحضرات والمستلزمات الطبية لجميع الجهات والهيئات الحكومية، وللشركة المصرية لتجارة الأدوية. ويتساءل: «كيف للصيدليات الموجودة في الشارع منافسة الصيدلية التي يديرها القطاع الخاص داخل المستشفى الحكومي بعد أن تمدها الهيئة والشركة بكل ما تحتاجه من أدوية غير متوفرة في باقي الصيدليات المحيطة بذلك المستشفى؟»  

«عمل صيدلية من الصيدليات المرتقب فتحها داخل أي من المستشفيات العامة يعني توقف ما لا يقل عن 20 صيدلية محيطة بالمستشفى»، يقول المتحدث الرسمي لنقابة الصيادلة ورئيس لجنة الدواء بها، محفوظ رمزي، مشيرًا إلى أن غالبية المواطنين يترددون على مستشفيات الحكومة للكشف والعلاج، وإذا كانت الصيدلية الحكومية بالمستشفى لا يتوافر فيها سوى صنف واحد من الأدوية التي يصفها الأطباء لكل مريض، فالبديل الحالي هو لجوء المرضى للصيدليات المحيطة بالمستشفى لشراء باقي الأدوية أو المستلزمات اللازمة لعلاجه. أما بعد فتح الصيدلية الجديدة، فسيكون البديل الأول هو الصيدلية الخاصة الموجودة داخل المستشفى. 

عضو اللجنة الثلاثية لإدارة النقابة العامة لصيادلة مصر، وأمين سر لجنة الشؤون الصحية في مجلس النواب، كريم بدر، قدم في الثاني من مارس الجاري طلب إحاطة ضد وزير الصحة لإلغاء مقترحه بفتح صيدليات يديرها القطاع الخاص داخل مستشفيات الحكومة مع منحها حق استغلال العلامة التجارية لصيدليات الإسعاف، مبررًا ذلك بعدم أحقية وزارة الصحة والشركة المصرية المالكة لصيدليات الإسعاف قانونًا تأجير صيدليات للغير، ومعتبرًا أن تطبيق القرار من شأنه تدمير اقتصاديات الصيدليات الصغيرة والقضاء على فرص المنافسة، فضلًا عن أنه يمهد لخصخصة صيدليات المستشفيات الحكومية، بحسب بدر.

ويضيف رمزي أنه في ضوء خطة الحكومة لتوفير الأدوية الموجودة في الصيدليات التابعة لـ«إسعاف 24» عبر تطبيق إلكتروني، سوف تسجل الصيدليات الموجودة داخل مستشفيات الحكومة قاعدة بيانات مرضى الأمراض المزمنة الذين يترددون دوريًا على المستشفيات لصرف العلاج لتوصيل الأدوية إلى منازلهم مقابل رسوم إضافية.

ويحظر قانون الصيدلة بيع الأدوية خارج الصيدليات المرخصة، فيما تلاحق نقابات الصيادلة التطبيقات الإلكترونية لبيع الأدوية قضائيًا وتعتبر أنها بابًا لانتشار الأدوية المغشوشة واحتكار السوق.

مصير الصيدليات الموجودة داخل المستشفيات الحكومية بعد افتتاح صيدليات «إسعاف 24» بها ليس أفضل حالًا من الصيدليات الموجودة خارج المستشفى، فبحسب مدير أحد المستشفيات الحكومية بالقاهرة، «صيدلية المستشفى الحكومية هتفضل موجودة ولكن حاجتها للأدوية هتقل». ويفسر ذلك المدير، الذي تحدث لـ«مدى مصر» بعدما اشترط عدم ذكر اسمه، بأن الصيدلية الحكومية عادةً يتوفر بها الأدوية التي تصرفها للمرضى والمختومة بشعار «ممنوع التداول للبيع»، وعادةً تنحصر تلك الأدوية في ستة أصناف (مضاد حيوي - ومضاد للالتهاب - خافض حرارة.. إلخ). ويصرف المستشفى علاجًا واحدًا لكل مريض في الفترة من 9 إلى 12 صباحًا على تذكرة الكشف بالمجان. 

في ظل وجود صيدلية قطاع خاص داخل المستشفى، فالمنطقي أن تحد إدارة المستشفى من كمية الأدوية التي تشتريها من الشراء الموحد لتفسح المجال للصيدلية الجديدة، لكون صندوق المستشفى سيكون له نصيب في أرباحها.

ويقول المسؤول نفسه إن الإجراء المتبع لطلب الأدوية داخل المستشفيات الحكومية يجري عبر عدة مراحل؛ الأولى أن تتقدم صيدلية المستشفى إلى المدير بقائمة بالأدوية التي يحتاجها المستشفى، ليكون من حق المدير اعتمادها كما هي أو التعديل عليها بالحذف أو الإضافة لكميات وأنواع الأدوية. وفي المرحلة الثانية، يرفع مدير المستشفى القائمة إلى مدير المديرية التابع لها المستشفى، ليعدل بدوره الكميات أو الأنواع. وبعدها، تعرض القائمة على وزارة الصحة، التي يكون لها حق قبول القائمة أو رفضها أو تعديلها قبل الوصول إلى المرحلة الأخيرة، بإرسال القائمة إلى هيئة الشراء الموحد. وبالتالي، يمكن تقليل كميات وأنواع الأدوية المطلوبة لكل مستشفى من خلال أي جهة من الجهات السابقة.

ويشير مدير المستشفى الحكومي إلى أن فتح صيدليات في المستشفيات العامة هو أحد ثلاثة أهداف أعدت من أجلها الحكومة قانون منح القطاع الخاص سلطة إدارة المستشفيات العامة (قانون تأجير المستشفيات الحكومية) الذي أصدره الرئيس العام الماضي، موضحًا أن المسؤولين في الحكومة وجهات أخرى، عندما فكروا في طريقة للاستثمار في البنية التحتية للمنشآت الصحية لتقليل الإنفاق على القطاع الصحي الحكومي وضخ موارد من القطاع الخاص لرفع كفاءته، حددوا عددًا من الأماكن بكل منشأة صحية على رأسها «الرعاية المركزة والصيدلية والمعمل» لتأجيرها للقطاع الخاص.

ويقول مدير المستشفى إن وزارة الصحة بدأت خطتها الاستثمارية في أغسطس الماضي بتأجير أقسام الرعاية المركزة في خمسة مستشفيات حكومية بالأمر المباشر إلى البنك الأهلي، مرجحًا اللجوء إلى الآلية نفسها عند تأجير سلسلة صيدليات «الإسعاف 24» داخل المستشفيات الحكومية وعدم طرح الأمر للمناقصة العامة.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن