تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بنيامين

بنيامين

(1 من 3): الأحدب

كتابة: هانا آرنت 33 دقيقة قراءة

هذا هو الجزء الأول من الترجمة العربية لدراسة سيرية موضوعها حياة وأعمال فالتر بنيامين، منشورة بالألمانية، في 1968، وبالإنجليزية في العام نفسه. نُشر المقال المُطول أولًا (في يناير/ كانون الثاني) كمقدمة لكتاب يجمع مقالات متنوعة لبنيامين، اختارتها وحررتها الكاتبة نفسها (Illuminationen, Suhrkamp Verlag)، ثم مسلسلًا في ثلاثة أعداد من مجلة «ميركور» (Merkur)، بين يناير/ كانون الثاني، وأبريل/ نيسان. تتوفر الأجزاء المسلسلة على موقع المجلة (هنا وهنا وهنا) وفقًا لتقسيم المؤلفة مقالها إلى ثلاثة أجزاء، وقد اخترنا نشره بالعربية مسلسلًا بالطريقة نفسها. أما النسخة الإنجليزية، فقد نُشرت لاحقًا دفعة واحدة في «النيويوركر» (عدد 19 أكتوبر/ تشرين الأول) أيضًا بالتزامن مع صدور الطبعة الإنجليزية من الكتاب في نيويورك (Illuminations, Schocken). والمترجم هو هاري زورن Harry Zorn.

تفترق النسخة الإنجليزية في بعض المواضع عن الأصل الألماني، ولا يعود هذا إلى اختيارات المترجم المحتملة وحدها وإنما إلى ما يبدو أنه تدخلات تحريرية من المؤلفة نفسها، والتي كانت تكتب باللغتين. وأبرز هذه الاختلافات فقرات إضافية افتتاحية تحت عنوان الجزء الأول ليس لها مقابل في الأصل. وهذه النسخة العربية نتاج اشتغال م.ف. كَلْفَت على نسخة زورن، ومراجعة إسماعيل فايد لها بناء على مضاهاتها بالأصل الألماني.

ونود أن نشكر وكالة ورثة هانا آرنت Hannah Arendt التي أذنت لنا بالنشر.

لِفاما، تلك الإلهة التي يُطمع في ودها كثيرًا، إلهة الصيت والشهرة والشائعات، وجوه كثيرة، وللشهرة أشكال وأنواع وأصناف وأحجام من السيرة التي تتصدر الأغلفة وتلوكها الألسنة أسبوعًا، إلى جلال الأسماء الباقية. أما الشهرة بعد الموت فهي إحدى أدوات فاما النادرة أكثر والمرغوبة أقل، بالرغم من أنها أقل اعتباطية وكثيرًا ما تكون أمتن من ضروب الشهرة الأخرى، إذ قلما تخلع رداءها على مجرد سلعة تباع وتشترى. وهذه الشهرة الآتية بعد الموت، غير التجارية وغير الربحية، لحقت الآن في ألمانيا باسم وأعمال فالتر بنيامين، وهو كاتب من يهود ألمانيا كان معروفًا، لكنه لم يشتهر، كمساهم في المجلات وفي الأقسام الأدبية في الصحف، لأقل من عشر سنوات، قبل استيلاء هتلر على السلطة وتهجيره هو. قليلون هم من كانوا لا يزالون يعرفون اسمه عندما اختار الموتَ في تلك الأيام الخريفية المبكرة من العام 1940 والتي وافقت أحلك لحظات الحرب، سقوط فرنسا، خضوع إنجلترا للتهديد، سريان اتفاق هتلر-ستالين، وكان أخشى ما يُخشى منه هو التعاون الوثيق بين جهازي الشرطة السرية الأطول يدًا في أوروبا. بعد ذلك بخمسة عشر عامًا، صدرت في ألمانيا طبعة من كتاباته، في جزئين، وجلبت له على الفور تقريبًا حفاوة نقدية جاوزت حدود تقدير القلة الذي كان قد عرفه في حياته. وبما أن حسن السمعة وحده إذ يقوم على حكم خيرة العارفين لا يكفي أبدًا، مهما زاد، لكي يكسب الكتاب والفنانون رزقًا لا يؤمنه سوى الشهرة وحدها، والتي هي شهادة كثرة من الناس لا يُشترط أن تبلغ حجمًا فلكيًّا، يتضاعف الإغراء الذي يدعو المرء إلى أن يقول (مرددًا مع شيشرون): Si vivi vicissent qui morte vicerun.. لَكَمْ كان كل شيء سيختلف «لو أن من انتصروا في موتهم كانوا قد انتصروا في حياتهم.»

شهرة ما بعد الموت أمر أغرب من أن يُلام فيه عمى العالم أو فساد وسط أدبي. كما لا يمكن القول إنها الجزاء المرير لمن سبقوا زمنهم، كما لو كان التاريخ مضمار سباق يعدو فوقه بعض المتسابقين بسرعة بالغة إلى حد أنهم يختفون هكذا وببساطة من مجال رؤية المتفرجين. على العكس، فإن شهرة ما بعد الموت عادةً ما يسبقها أرفع تقدير بين أقران المرء. عندما مات كافكا، في 1924، لم تكن كتبه القليلة المنشورة قد بيع منها أكثر من مئتي نسخة، لكن أصدقاءه من الأدباء، وقرَّاءه القليلين الذين كانوا قد وقعوا صدفة تقريبًا على قطعه النثرية القصيرة (لم يكن أي من الروايات قد نشر بعد)، أيقنوا أنه أحد أساتذة النثر الحديث. كان فالتر بنيامين قد حظي بمثل هذا التقدير مبكرًا، وليس فقط بين من كانت أسماؤهم، آنذاك، لم تزل مجهولة، مثل جرهارد شولم، صديق طفولته، وثيودور فايزنجروند أدورنو، مريده الأول والوحيد، وهما المسؤولان معًا عن الطبعة الصادرة بعد وفاته من أعماله ورسائله. يحلو لي القول إن التقدير جاء فوريًّا وعفو الخاطر من هوجو فون هوفمانشتال، ناشر مقالة بنيامين عن رواية جوته «التجاذبات الاختيارية» Die Wahlverwandtschaften، عام 1924، ومن برتولت بريخت، الذي قيل إنه لدى تلقيه نبأ وفاة بنيامين وصف الأمر بأنه الخسارة الحقيقية الأولى التي ألحقها هتلر بالآداب الألمانية. يتعذر علينا أن نعرف إن كان ثمة شيء من قبيل عبقرية غير مقدرة بالمرة، أم أنها حلم يقظة الخالين من العبقرية، لكن في حكم المؤكد أن شهرة ما بعد الموت لن تكون من نصيبهم.

الشهرة ظاهرة اجتماعية؛ «لا يكفي رأي رجل واحد لنيل المجد أو الشهرة» (ad gloriam [aut famam] non est satis unius opinio كما لاحظ سينيكا بحكمة وحذلقة)، وإن كان يكفي للصداقة والمحبة. وما من مجتمع يستطيع القيام بوظائفه على نحو لائق دون تصنيف، دون ترتيب للأشياء والناس وفق فئات وأنواع لها مواصفات. هذا التصنيف الضروري هو أساس التمييز الاجتماعي كله، والتمييز، مهما يكن في هذا من مخالفة للرأي السائر، عنصر ليس أقل مساهمة في تكوين العالم الاجتماعي من مساهمة عنصر المساواة في تكوين العالم السياسي. النقطة الأساسية هي أن كل فرد في المجتمع ملزوم بالإجابة على سؤال ما هو -بوصفه متمايزًا عن سؤال من هو- وبأي دور ووظيفة يقوم، والجواب بالطبع لا يمكن أبدا أن يكون: أنا فريد من نوعي، ليس لما ينطوي عليه من غطرسة وإنما لأن هذا الجواب سيكون بلا معنى. وفي حالة بنيامين فإن المشكلة (لو كانت مشكلة) يمكن تشخيصها بأثر رجعي بدقة كبيرة، فعندما كان هوفمانشتال قد قرأ المقالة المطولة حول جوته بقلم المؤلف المجهول تمامًا وصفها بأنها «schlechthin unvergleichlich» (لا نظير لها على الإطلاق)، والمشكلة هي أنه أصاب القول حرفيًّا، إذ تعذرت مقارنتها بأي شيء سواها في سائر الأدب الموجود. مشكلة كل شيء كتبه بنيامين هي انتهاؤه دائمًا إلى فريدة يتيمة.

تبدو شهرة ما بعد الموت، إذن، نصيب الأعصياء على التصنيف، أي من لا ينسجم عملهم مع مقاييس النظام القائم ولا يستحدث نوعًا أدبيًّا يقبل التصنيف مستقبلًا. فالمحاولات التي لا تحصى للكتابة على طريقة كافكا، وكلها إخفاقات بائسة، لم يكن لها نفع سوى التأكيد على تفرد كافكا، تلك الأصالة المطلقة التي لا يمكن ردها إلى أسلاف ولا تتحمل أي أتباع. وهذا آخر ما يمكن للمجتمع أن يتصالح معه وما لن يختمه بخاتم القبول إلا كارهًا على الدوام. وبصريح العبارة، فإن التنويه اليوم بفالتر بنيامين، كناقد أدبي وكاتب مقالات، فيه من التضليل ما في التنويه بكافكا، 1924، ككاتب قصة قصيرة وروائي. ولكي يصف المرء عمله ويصفه هو كمؤلف وصفًا كافيًا في حدود إطارنا المرجعي المعتاد، لتعين على المرء الإكثار من جمل النفي الاستدراكية، من قبيل: كان شديد التفقه، لكنه لم يكن عالمًا؛ تألفت مادة موضوعاته من نصوص مصحوبة بتفسيرها، لكنه لم يكن محققًا لغويًّا؛ كان شديد الانجذاب ليس إلى الدين وإنما إلى اللاهوت وإلى النوع اللاهوتي من التفسير الذي يقدس النص نفسه، لكنه لم يكن لاهوتيًّا ولم يكن اهتمامه منصرفًا إلى «الكتاب المقدس»؛ ولد كاتبًا، لكن طموحه الأكبر كان أن ينتج عملًا يتألف بكامله من الاقتباسات؛ كان أول من يترجم بروست من الألمان (بمشاركة فرانتس هسل) وأول من يترجم سان-جون بيرس، وقبل ذلك كان قد ترجم «لوحات باريسية» Tableaux parisiens لبودلير، لكنه لم يكن مترجمًا؛ راجع الكتب وكتب عددًا من المقالات عن مؤلفين أحياء وراحلين، لكنه لم يكن ناقدًا أدبيًّا؛ ألف كتابًا عن الباروك الألماني وترك وراءه دراسة ضخمة غير مكتملة للقرن التاسع عشر في فرنسا، لكنه لم يكن مؤرخًا، أدبيًّا أم غير ذلك؛ وسوف أسعى إلى تبيين أنه كان يفكر بلغة الشعر، لكنه لم يكن شاعرًا ولا فيلسوفًا.

 

ومع ذلك، ففي اللحظات النادرة التي اهتم فيها بتحديد ما كان يفعله، رأى بنيامين نفسه ناقدًا أدبيًّا، وإذا أمكن القول من الأصل بأنه طمح إلى أي منصب في الحياة لكان منصب «الناقد الحقيقي الوحيد للأدب الألماني» (بتعبير شولم في إحدى رسائله المنشورة القليلة شديدة الجمال إلى صديقه)، لولا أنه هكذا يصبح عضوًا مفيدًا في المجتمع وهذه الفكرة من أساسها كانت ستثير نفوره. لا شك في أنه وافق بودلير: «دائمًا ما بدا لي شيئًا بغيضًا أن يكون المرء ذا فائدة» في الفقرات الافتتاحية من مقالته عن «التجاذبات الاختيارية»، شرح بنيامين مهمة الناقد الأدبي كما فهمها. فيبدأ بالتفريق بين التعليق الشارح والمعالجة النقدية. (وقد استخدم، دون أن يقول ذلك، وربما دون حتى أن يدركه، مصطلح «كريتيك» Kritik، كما استخدمه كانط في حديثه عن «نقد العقل الخالص»، لا بمعنى النقد والانتقاد كما في الاستعمال العادي.)

النقد معني بمكنون العمل الفني، أما التعليق الشارح فمعني بمادته. والعلاقة بينهما يحكمها القانون الأساسي للأدب، والذي بموجبه يزداد مكنون العمل صلة حية كلما ارتبط بمادته ارتباطًا متواريًا وحميمًا. ومن ثم لو تبين أن الأعمال التي في مادتها تنغرس حقيقتها أشد الانغراس هي بالتحديد التي تبقى، فالناظر إليها متأملًا فيها بعد زمانها بزمان يجد الحقيقيات أخّاذة أكثر وأكثر داخل العمل مع زوالها في العالم. معنى هذا أن المادة والمكنون، المتحديْن في أيام العمل الأولى، ينفصلان في مجرى حياته الثانية؛ تصبح المادة أخّاذة أكثر بينما يحتفظ المكنون بتواريه الأصلي. لذا يصبح تفسير الأخاذ والغريب، أي تفسير المادة، وبدرجة متزايدة على الدوام، شرطًا مسبقًا على أي ناقد متأخر. ويجوز للواحد أن يشبهه بعالِم الخِطاطة أمام رَقّ برشمان طَرَسَت نصَّه الممحوَّ كتابةٌ تحيل إلى النص بمعالمها الأبقى أثرًا. وتمامًا كما كان سيتعين على عالم الخطاطة البدء بقراءة خط الكتابة، لابد للناقد من البدء بالتعليق على نصه. ومن هذا النشاط ينشأ على الفور معيار نفيس للحكم النقدي: الآن فقط يمكن للناقد أن يطرح السؤال الأساسي في عموم النقد، ألا وهو: هل مكنون العمل المتوهج هو العائد إلى مادته أم أن بقاء المادة يعود إلى المكنون؟ فهما إذ ينفصلان داخل العمل، يحسمان أمر خلوده. وبهذا المعنى فتاريخ الأعمال الفنية يُعِدُّها للنقد، ولهذا تزيدها المسافة التاريخية قوة. وإذا استخدمنا تشبيهًا، فلو رأى المرء العمل الآخذ في النمو كأنه محرقة جنائزية، يمكن تشبيه محققه بالكيميائي، أما ناقده فبالخيميائي. بينما ينفرد الأول بالحطب والرماد كموضوعين وحيدين للتحليل، يعنى الثاني فقط بطلسم اللهيب ذاته: طلسم كونِه حيًّا. وهكذا يستقصي الناقد أمر الحقيقة التي يأخذ لهبها الحي في التوهج فوق حطب الماضي الثقيل ونثار رماد الحياة المتطايرة.

الناقد، بوصفه خيميائيًّا، يمارس فنًّا باطنيًّا هو فن تحويل هباء الواقع إلى تبر الحقيقة الباقي المتوهج، أو بالأحرى مشاهدة وتفسير السيرورة التاريخية التي تُحدِث مثل هذا التبدل السحري أيًّا يكن ما قد نظنه بهذه الشخصية، من الصعب أن تشبه أي شيء يخطر في أذهاننا عندما نصنف الكاتب ناقدًا أدبيًّا.

غير أن ثمة عنصرًا آخر، أقل موضوعية من مجرد حقيقة الاستعصاء على التصنيف، تنطوي عليه حياة من «انتصروا في موتهم.» إنه عنصر سوء الحظ، وهذا العامل، البارز بشدة في حياة بنيامين، لا يمكن إهماله هنا لأن بنيامين نفسه، مَن لعل شهرة ما بعد الموت لم ترد في أفكاره ولم تخطر في أحلامه قط، كان واعيًا به وعيًا استثنائيًّا حادًّا. فقد اعتاد في كتاباته كما في أحاديثه أن يتكلم عن «الرُّجَيْل المُقتَّب»، وهو شخصية من الحكايات الخرافية الألمانية وردت في «بوق الفتى السحري» Des Knaben Wunderhorn، المجموعة الشهيرة من الأغاني الشعبية الألمانية.

لَمّا أَنْزِلْ لِلْبَدْروم

علشان اَطَلّعْ نِبِيتايْتِي،

قزمْ مْقَتِّب قاعدْ فيه

إبريقيْ يِنْتِشُهْ مِنّي.

لَمّا أَدْخُلْ في مطبخي،

علشان أَعْمِل فيه شُورْبايْتِي،

قزمْ مْقَتِّب قاعدْ فيه

حَلِّتِي يِكْسَرْها لِي.

Will ich in mein’ Keller gehn,

Will mein Weinlein zapfen;

Steht ein bucklicht Männlein da,

Tät mir’n Krug wegschnappen.

Will ich in mein Küchel gehn,

Will mein Süpplein kochen;

Steht ein bucklig Männlein da,

Hat mein Töpflein brochen.

كان الأحدب أحد معارف بنيامين الأوائل، وكان قد التقاه أول مرة عندما وجد القصيدة، وهو بعد طفل، في كتاب أطفال، فلم ينسها أبدًا. ولكن لمرة واحدة فقط (في نهاية «طفولة برلينية حوالي عام 1900»)، عندما حاول، شاعرًا بدنو الأجل، أن يمسك بـ«حياة كاملة» [حياته]... وهي تمر كما يقال أمام أعين المحتضر،» ذكر بوضوح من الذي وما الذي كان قد أرعبه في وقت مبكر جدًّا من حياته وكان سيرافقه حتى مماته. مثل ملايين الأمهات في ألمانيا، اعتادت أمه أن تقول: «السيد ملبوخ يرسل تحياته» (Ungeschickt lässt grüssen) متى وقعت إحدى الكوارث الصغيرة التي لا تحصى في الطفولة. وكان الطفل يعلم بالطبع فيم كانت كل هذه الربكة. كانت إشارة الأم إلى «الرجيل المقتب» الذي جعل الأشياء تدبر مقالبها الشقية لتلاعب بها الأطفال؛ كان هو من كَعْبَلَكَ عندما وقعتَ وقرعتَ الشيء مفلتًا إياه من يدك فتحطم إربًا. وبعد الطفل جاء الرجل الراشد الذي علِم ما كان الطفل لا يزال يجهله، وذلك أنه لم يكن هو من استفز «الرجيل» بالنظر إليه - كما لو أنه الصبي الذي رغب في معرفة كيف يكون الخوف- وإنما أن الأحدب قد نظر إليه وأن الربكة كانت حظًّا سيئًا. فـ«أي شخص ينظر إليه الرجيل لا ينتبه؛ لا إلى حاله ولا إلى الرجيل. وفزِعًا يقف أمام كومة من الحطام» (Schriften I, 650-52).

وبفضل نشر رسائله مؤخرًا، يمكن الآن رسم الخطوط العريضة لقصة حياة بنيامين؛ وسيكون من المغري حقًّا أن نرويها كسلسلة من أكوام الحطام هذه، إذ يكاد ينعدم الشك في أنه هو نفسه رآها على ذلك النحو. لكن لُب المسألة هو أنه كان على دراية تامة بالتفاعل الغامض، بنقطة الالتقاء التي «يجتمع فيها الضعف بالعبقرية»، والتي شخصها هو عند بروست باقتدار شديد. فقد كان بالطبع يتحدث أيضًا عن نفسه عندما نقل عن جاك ريفيير، متفقًا معه تمامًا، قوله عن بروست: «مات بقلة الخبرة التي سمحت له بأن يؤلف أعماله. مات جهلا… فلم يعرف كيف يشعل نارًا أو يفتح نافذة» (من مقال «صورة بروست»). ومثل بروست، كان عاجزًا كل العجز عن تغيير «ظروف حياته حتى وهي على وشك سحقه» (بدقة توحي بمن يسير نائمًا إلى وجهته، كانت لَخْمَتُه تأخذه، دون أن تحيد عن ذلك، إلى بؤرة النكد، أو أينما قد يسعى في الخفاء أي شيء من هذا القبيل. وهكذا، ففي شتاء 1939-1940، جعله خطر القصف بالقنابل يقرر ترك باريس إلى مكان أكثر أمانًا. فماذا حدث؟ لم تُلْقَ قنبلة واحدة على باريس، أمّا مدينة وبلدية مو، حيث ذهب بنيامين، فكانت مركز تجمع قوات عسكرية وربما أحد الأماكن القليلة جدًّا في فرنسا التي تعرضت لخطر جدي في أشهر الحرب الكاذبة تلك. لكنه كان مثل بروست لديه كل سبب يدعوه إلى مباركة اللعنة وتلاوة الدعاء الغريب الوارد في ختام القصيدة الشعبية التي يختم بها ذكريات طفولته:

حبيبي يا صْغَنَّن أمانة عليك،

اِدْعِي للقِزم المِقتِّب معاك.

Liebes Kindlein, ach, ich bitt,

Bet fürs bucklicht Männlein mit.

أيها الطفل العزيز، أترجاك،

ادعُ للأحدب الصغير كذلك.

بأثر رجعي، يمكننا أن نرصد الشبكة التي لا ناكث لها والمنسوجة بخيوط الجدارة والمواهب الكبرى واللخمة والنحس والتي تخبطت حياته في أحابيلها، يمكننا رصدها حتى في فاتحة الخير التي لم تشبها شائبة في مطلع مسيرة بنيامين ككاتب. فبوساطة صديق، كان قد أمكنه نشر مقالة ««التجاذبات الاختيارية» لجوته في دورية Neue deutsche Beiträge [مجلة «المساهمات الألمانية الجديدة»] (1924-1925) لصاحبها هوفمانشتال. وهذه الدراسة، وهي رائعة من روائع النثر الألماني وما زالت تحتفظ بمكانة فريدة في الحقل العام للنقد الأدبي الألماني والحقل المتخصص لدراسات جوته، كانت بالفعل قد رُفض نشرها مرات عديدة، وجاءت الموافقة المتحمسة من هوفمانشتال في اللحظة التي كاد بنيامين أن ييأس فيها من «العثور على مُخاطر يشتريها» (Briefe I, 300). لكن كانت هناك عثرة حظ حاسمة، لم تُفهَم بالكامل أبدًا فيما يبدو، ومتصلة بالضرورة بهذه الفرصة، بحكم الظروف. فالأمان المادي الوحيد الذي كان بإمكان هذا الإنجاز المعلن الأول أن يوصِل إليه هو شهادة التأهل للأستاذية، وهي الخطوة الأولى في المسيرة الجامعية التي كان بنيامين يحضر نفسه لها آنذاك. صحيح أنها ما كانت لتمكنه بعد من كسب رزقه -فمن يسمى بالمدرس الخاص [المستقل، الخارجي] Privatdozent لم يكن يتلقى راتبًا- لكن لعلها كانت ستدفع أباه إلى إعالته إلى أن ينال الأستاذية الكاملة، بما أن هذه كانت ممارسة شائعة في تلك الأيام. ويصعب الآن أن نفهم كيف ساوره وساور أصدقاءه أدنى شك في أن طلب العلم لنيل درجة تأهل تحت إشراف أستاذ جامعي غير خارج عن المألوف مآله الانتهاء إلى كارثة. وإذا كان السادة المعنيون قد أعلنوا لاحقًا أنهم لم يفهموا كلمة واحدة من دراسته، المعنونة «أصل التراجيديا الألمانية»، والتي كان بنيامين قد سلّمها، يمكننا بالتأكيد أن نصدقهم. كيف كان لهم أن يفهموا كاتبًا كانت أكبر مفاخره أن «النص يتألف في أغلبه من الاقتباسات ومن بين التقنيات الفسيفسائية التي يمكن تخيلها هذا أشدها جنونًا»، كاتبًا شدد لأقصى حد على الشعارات الاستهلالية الستة التي تصدرت الدراسة: «لا أحد... يمكنه أن يجمع ما هو أندر أو أثمن منها» (Briefe I, 366). بدا كما لو أن أستاذًا قديرًا حقيقيًّا كان قد اجترح شيئًا فريدًا ما، لا لشيء إلا ليعرضه للبيع في أقرب مركز تخفيضات. حقًّا، فلا حاجة للاشتباه في معاداة ساميّة ولا في نية مبيتة نحو غريب -كان بنيامين قد نال درجته في سويسرا أثناء الحرب ولم يكن مريدًا لأحد- ولا في الارتياب الأكاديمي المعهود من أي شيء ليس متوسط المستوى وبشهادة ضمان.

على كل حال -وهنا تأتي الربكة وسوء الحظ- ففي ألمانيا، ذلك الزمان، كانت الأمور تسير بطريقة مختلفة، وكان مقاله عن جوته هو بالتحديد ما أفسد فرصة بنيامين الوحيدة في مسار بالسلك الجامعي. وكما هو الحال دائمًا مع كتابات بنيامين، كانت هذه الدراسة ذات روح سجالية، وكان الهجوم يمس كتاب فريدرش جندولف عن جوته. كان نقد بنيامين جامعًا مانعًا، ولكن لم يمنعه ذلك من أن يتوقع من جندولف وأعضاء آخرين في الدائرة المتحلقة حول ستيفان جايورج، وهي جماعة كان على دراية بعالمها الفكري في شبابه، تفهمًا أكبر من تفهم «المؤسسة»؛ ولعله لم يكن بحاجة إلى عضوية الحلقة لكي يستحق اعتماده الأكاديمي في ظل أحد هذين الرجلين الذين كانا، آنذاك، يبدآن لتوهما الحصول على موطئ قدم مريح نسبيًّا في العالم الأكاديمي. لكن الشيء الذي لم يكن يُفترض به أن يفعله هو أن يشن على أبرز وأقدر أكاديمي عضو في الحلقة هجومًا بلغ من الحَمِيّة أنْ كان من السهل للجميع أن يعرف، كما شرح لاحقًا باعتبار ما قد كان، أنه «بعيد كل البعد عن الأكاديميا… وعن الأنصاب التي نصبها رجال على شاكلة جندولف أو إرنست برترام» (Briefe II, 523). نعم، هكذا كانت الأمور. وتمثلت لخمة بنيامين أو عثرة حظه في إعلانه هذا للعالم قبل أن يُقْبَل به في السلك الجامعي.

غير أن المرء بالتأكيد لا يستطيع القول بأنه أهمل الحذر الواجب عامدًا. وعلى العكس، فقد أدرك أن «السيد ملبوخ يرسل تحياته» واتخذ احتياطات أكثر من أي شخص آخر عرفتُه. لكن نظام احتياطاته ضد المخاطر المحتملة، بما يشمل «اللباقة الصينية» التي ذكرها شولم، أهمل الخطر الحقيقي على طول الخط، وعلى نحو غريب وملغز. فما أن فر من باريس الآمنة إلى مو المعرضة للخطر في مطلع الحرب -إلى الجبهة، لو لم تجانبنا الدقة- حتى بعثت فيه مقالته عن جوته قلقًا لا داعي له بالمرة من أن يسيء هوفمانشتال الظن بإلماعة نقدية شديدة الحذر بخصوص ردولف بورشارت، أحد المساهمين الرئيسيين في دوريته. وفي الوقت نفسه لم يتوقع سوى الخير من اهتدائه «في سبيل الهجوم على أيديولوجيا مدرسة جايورج... إلى هذا المكان الأوحد الذي يصعب على من فيه تجاهل هذا الهجاء» (Briefe I, 341). لم يصعب عليهم ذلك مطلقًا. فلم يكن ثمة من هو معزول أكثر من بنيامين، الوحيد وحدة مطبقة. وحتى مرجعية هوفمانشتال -«الراعي الجديد» كما دعاه بنيامين في فورة السعادة الأولى (Briefe I, 327)- تعذر عليها تبديل هذا الموقف. فلم يكن لصوته شأن يُذكر مقارنة بالسطوة الحقيقية جدًّا التي لمدرسة جايورج، وهي جماعة ذات نفوذ لم يكن فيها حساب، كما هو الحال في مثل هذه الكيانات كلها، سوى للممالأة الأيديولوجية، إذ الأيديولوجيا وحدها، لا المرتبة ولا الجودة، يمكنها الحفاظ على تماسك جماعة. فبالرغم من اتخاذهم وضعية التسامي فوق السياسة، كان مريدو جايورج ملمين تمام الإلمام بالمبادئ الأساسية للمناورات الأدبية بقدر إلمام الأساتذة الجامعيين بأصول السياسة الأكاديمية أو إلمام الكتبة الصحفجيين والجورنالجيين بألف باء «رد الجمايل»

غير أن بنيامين لم يكن يرى الصورة الحقيقية. لم يعرف أبدًا كيف يتعامل مع مثل هذه الأمور، لم يكن قادرًا أبدًا على شق طريقه بين مثل هؤلاء الناس، ولا حتى عندما كانت «شدائد الحياة الخارجية التي تتكالب أحيانًا، تكالُب الذئاب» (Briefe I, 298) قد أمدته فعلًا بشيء من التبصر في أحوال الدنيا. وكلما حاول أن يكيف أموره ويكون متعاونًا بحيث تَثبُت الأرض تحت قدميه على نحو ما، كان في حكم المؤكد أن تسوء الأمور.

لم تخرج أبدًا إلى النور دراسة موسعة عن جوته من منظور الماركسية -كان بنيامين في منتصف العشرينيات على وشك الانضمام للحزب الشيوعي- لا في «الموسوعة الروسية الكبرى»، حيث كانت ستُنشر في الأصل، ولا في ألمانيا يومنا هذا. أما كلاوس مان، والذي كان قد كلفه بمراجعة «رواية البنسات الثلاثة» لبريخت للنشر في دوريته «التجميعة» Die Sammlung، فقد رد له المخطوطة لأن بنيامين كان قد طلب مقابلها 250 فرنكًا فرنسيًّا -10 دولارات أمريكية آنذاك- وأراد هو ألا يدفع أكثر من 150. وتعليقاته الشارحة على شعر بريخت لم تظهر في حياته. ثم تطورت أخيرًا المصاعب الأشد جدية بينه وبين معهد البحث الاجتماعي، والذي كان، كجزء من جامعة فرانكفورت في الأصل (وعاد كذلك الآن)، قد هاجر إلى أمريكا، وكان بنيامين يعتمد عليه ماليًّا. كان مرشداه الروحيان، ثيودور ف. أدورنو وماكس هوركهايمر «ماديين جدليين»، وكان فكر بنيامين في رأيهما «غير جدلي»، مجال حركته «مقولات فلسفية ذات طابع مادي، لا تتفق أبدًا مع المقولات الماركسية» و«تنقصه عملية التوسُّط» إلى حد أنه، في مقالة له عن بودلير، كان قد ربط بين «عناصر بعينها ظاهرة للعيان في البنية الفوقية… وعناصر مناظرة في البنية القاعدية، ربطًا مباشرًا، بل وربما سببيًّا.» وكانت النتيجة أن مقالة بنيامين الأصلية، «باريس الإمبراطورية الثانية في أعمال بودلير» لم تُطبع، لا آنذاك، في مجلة المعهد، ولا في الطبعة ذات الجزئين من كتاباته الصادرة، بعد وفاته. (وقد نشرت الآن أجزاء منها «المتصعلك» (Der Flâneur) في «دي نويه روندشاو» (المجلة الجديدة) Die Neue Rundschau، ديسمبر/ كانون الأول 1967، و«الحداثة» (Di Moderne) في المجلة الأكاديمية «الحِجاج»(Das Argument) مارس/ آذار 1968)

لعل بنيامين هو أغرب الماركسيين أطوارًا بين من أفرزتهم هذه الحركة، ويعلم الله أنها لم تنقصها الغرائب. كان الجانب النظري الذي من شأنه أن يفتنه هو القول بالبنية الفوقية، والذي لم يرسم ماركس سوى ملامحه العريضة بإيجاز، ثم إذا بدوره يتضخم داخل الحركة مع التحاق عدد من المثقفين كبير بشكل غير متناسب، أي التحاق أناس لم يكن يعنيهم سوى البنية الفوقية. لم يستخدم بنيامين هذا المعتقد إلا كمحفز منهجي-حدسي وكاد أن يكون غير معني بخلفيته التاريخية أو الفلسفية. فما كان فاتنًا له في المسألة هو أن الروح وتجليها المادي ارتبطا برابطة حميمة إلى حد أنه بدا مباحًا أن يكتشف في كل مكان التناظرات البودليرية، والتي أوضحت وأضاءت بعضها البعض عند إقامة علاقة ارتباطية ملائمة بينها، بحيث إنها في آخر المطاف لا تعود تتطلب أي تعليقات تفسيرية أو شارحة. كان معنيًّا بالعلاقة الارتباطية بين مشهد في الشارع، ومضاربة في البورصة، وقصيدة، وخاطرة، بالخط الخفي الذي يضمها إلى بعضها ويمكِّن المؤرخ أو فقيه اللغة من تمييز رجوعها بالضرورة إلى الحقبة نفسها. وعندما انتقد أدورنو ما يفعله بنيامين من «عرض مندهش لأحوال الواقع» (Briefe II, 793)، أصاب كبد الحقيقة؛ هذا بالضبط ما كان بنيامين يفعله وأراد أن يفعله. فبتأثير قوي من السوريالية، كانت تلك «محاولة لالتقاط ملامح التاريخ متجسدة في أقل تمثيلات الواقع شأنًا، فُتات الواقع، إن جاز التعبير» (Briefe II, 685). كان لدى بنيامين شغف بالأشياء الصغيرة، بل والضئيلة؛ ويحكي شولم عن طموحه لتدوين مائة سطر على صفحة عادية من دفتر، وعن إعجابه بحبتي قمح في القسم اليهودي من متحف كْلوني «كان واحد من أخوة روحي قد نقش عليهما صلاة «شماع يسرائيل» [اسمع يا إسرائيل] كاملة» فبالنسبة له كان حجم الشيء في علاقة تناسب عكسي مع أهميته ومغزاه. وهذا الشغف، الأبعد من أن يكون نزوة، نبع مباشرة من الرؤية الكونية الوحيدة على الإطلاق التي كان لها أثر حاسم عليه، من قناعة جوته بوجود ظاهرة أصلية Urphänomen وجودًا فعليًّا في الواقع، وهي ظاهرة نمطية أولية، شيء عيني يمكن اكتشافه في عالم التبديات وفيه سيتطابق «المغزى» ([والكلمة بالألمانية] Bedeutung، أشد الكلمات انتماءً إلى قاموس جوته، يتكرر ورودها في كتابات بنيامين) والمظهر، الكلمة والشيء، الفكرة والخبرة. وكلما صغر حجم الشيء، بدا له من الأرجح أن يحتوي كلَّ ما سواه بأشد الأشكال تركيزًا؛ ومن هنا يأتي ابتهاجه بأن يتسنى لحبتي قمح أن تَسَعا صلاة «شماع يسرائيل»، جوهر روح اليهودية، فيظهر الجوهر الأصغر على الكيان الأصغر، ومن الأول والثاني ينشأ كل شيء آخر، كل ما يتعذر، على كل حال، مقارنة أهميته ومغزاه بأصله ومنشأه. بعبارة أخرى، ما فتن بنيامين بعمق منذ البداية لم يكن أبدًا فكرة، وإنما كان دائما ظاهرة. «ما يبدو مفارقة في كل ما يسمى جميلًا وحسب هو حقيقة أنه يتبدى» (Schriften I, 349)، وهذه المفارقة -أو بمزيد من البساطة، أعجوبة التبدي- كانت دائمًا محط كل اهتماماته.

إن مدى ابتعاد هذه الدراسات عن الماركسية والمادية الجدلية تؤكده شخصيتها المحورية، المتصعلك. فهو من له، إذ يتسكع بلا هدف عابرًا وسط الحشود في المدن الكبرى، في تروٍّ يتباين مع نشاطهم المتعجل، الهادف، تتكشف الأشياء عن معانيها السرية: «تمر مارقةً صورة الماضي الحقيقية» (فلسفة التاريخ)، ووحده المتصعلك المتسكع مارًّا في تبطُّل هو من يتلقى الرسالة. وقد أشار أدورنو بنباهة شديدة إلى عنصر السكون عند بنيامين: «لكي يفهم المرء بنيامين فهمًا لائقًا لا بد له أن يتحسس وراء كل جملة من جمله تحول الاهتياج البالغ إلى شيء ساكن، بل سكون مفهوم الحركة ذاته» (Schriften I, xix). وبطبيعة الحال، فلا شيء يمكن أن يكون أكثر «لاجدلية» من هذا التوجه والذي يقضي بألا ينتقل «مَلاك التاريخ» (في الأطروحة التاسعة من «أطروحات حول فلسفة التاريخ») انتقالًا جدليًّا إلى الأمام نحو المستقبل، وإنما ووجهه «ملتفت نحو الماضي». «فحيث تبدو لنا نحن سلسلة من الأحداث، يرى هو كارثة واحدة وحيدة تظل تُراكِم الأنقاض على الأنقاض وترميها أمام قدميه. ويود الملاك لو يبقى، ويوقظ الموتى، ويجمع أشلاء ما كان قد حُطِّم إربًا.» (وهو ما من المفترض أنه يعني نهاية التاريخ.) «لكن عاصفة تهب من الفردوس» و«تقذفه قذفًا لا يُصد ولا يُرد إلى المستقبل الذي أدير له ظهره، بينما يعلو ركام الخراب أمامه صاعدًا إلى السماء. هذه العاصفة هي ما نسميه التقدم» هذا الملاك الذي رآه بنيامين في لوحة بول كْلي «الملاك الجديد» Angelus Novus، هو الذي فيه يخبُر المتصعلك تبدل هيئته النهائي. تمامًا كما يدير المتصعلك، من خلال الإيماءة التعبيرية المتمثلة في التسكع بلا غرض، ظهره للحشد حتى وهو مدفوع به ومنجرف في تياره، فهكذا حال «ملاك التاريخ»، غير ناظر إلى شيء سوى امتداد خرائب الماضي، تطيره إلى الوراء نحو المستقبل عاصفة التقدم. كيف لتفكير كهذا أن يحفل على الإطلاق بسيرورة متسقة، معقولة من الناحية الجدلية، قابلة للتفسير المنطقي؟ كان ذلك سيبدو ضربًا من ضروب العبث.

ويعد من البديهي أن تفكيرًا كهذا لم يهدف، ولا كان بوسعه الوصول، إلى أقوال ملزمة، سليمة في عمومها، وإنما يَستبدل بهذه، كما يلاحظ أدورنو في معرض نقده، «أقوالًا استعارية» (Briefe II 785). ففي انشغاله بحقائق عينية قابلة فعليًّا ومباشرة للاستدلال، بأحداث ووقائع لها «مغزى» ظاهر، لم يكن بنيامين مهتمًّا اهتمامًا كبيرًا بالنظريات و«الأفكار» التي لم تتخذ فوريًّا أدق شكل خارجي يمكن تخيله. وهذا المنوال الفكري شديد التعقيد، ولكن الواقعي للغاية، صارت فيه العلاقة الماركساوية القائمة بين البنية الفوقية والبنية القاعدية، علاقة استعارية بالمعنى الدقيق. فإذا، مثلًا -وينسجم هذا بالتأكيد مع روح فكر بنيامين- تتبعنا المفهوم المجرد «Vernunft» (العقل) إلى أصله اللغوي العائد إلى الفعل «vernehmen» (يدرك، يسمع)، قد يُعتقد أن كلمة من عالم البنية الفوقية قد استردت بنيتها القاعدية الحسية، أو، بشكل معكوس، أن مفهومًا قد مر بتحول ليصبح استعارة، شريطة أن يُفهم من «استعارة» معناها الأصلي، غير المتعلق بالتشبيه والرمز، وهو «metapherein» (ينقل). فالاستعارة تؤسس لرابطة محسوسة في حضورها الآني ولا تتطلب تفسيرًا، بينما دائمًا ما تنطلق أمثولة رمزية من فكرة مجردة ثم تخترع شيئًا ملموسًا لكي تمثله كما تهوى وتشاء تقريبًا. لابد من شرح الأمثولة قبل أن يتسنى أن يكون لها معنى، ولابد من إيجاد حل للغز الذي تقدمه، بحيث إن التأويل الشاق في أغلب الأحيان للشخصيات الرمزية دائمًا ما يكدر المرء بتذكر حل ألغاز القطع المبعثرة حتى عندما لا يتطلب الأمر نباهة أكثر مما يتطلب التمثيلُ الرمزي للموت بهيكل عظمي. وقد انطوت الاستعارة منذ هوميروس على ذلك العنصر الشعري الذي يوصل الإدراك المعرفي؛ فاستعماله يؤسس التناظرات بين أشياء متباعدة ماديًّا أشد التباعد، مثلًا عندما تتناظر في «الإلياذة» هجمة الخوف والأسى الضارية على قلوب الآخيِّين مع الهجمة المجتمعة لرياح الشمال والغرب على المياه القاتمة (Iliad IX, 1-8)؛ أو عندما يتناظر دنو الجيش الزاحف إلى المعركة صفًّا صفًّا مع عباب الموج الذي، مدفوعًا بالرياح، يمخر البحر طالعًا، ويتقلب إلى الشط صفًّا صفًّا، ثم يرعد على البر (Iliad IV, 422-23). الاستعارات هي الوسيلة التي تنجلب بها وحدة العالم على نحو شعري. ما يصعب فهمه للغاية بشأن بنيامين هو أنه دون أن يكون شاعرا كان يفكر تفكيرًا شعريًّا ومن ثم كان من شأنه أن يرى الاستعارة أعظم هدايا اللغة. يمكّننا «النقل» اللغوي من منح ما هو غير مرئي شكلًا ماديًّا -«الرب إلهنا قلعة حصينة»- وبهذا يجعله قابلًا لأن يُخبَر. لم يجد مشكلة في فهم نظرية البنية الفوقية باعتبارها المحصلة النهائية لمذهب التفكير الاستعاري تحديدًا لأنه دون ضجة كبيرة وضاربًا صفحًا عن كل «التوسطات» عقد صلة مباشرة بين البنية الفوقية والبنية القاعدية المسماة «مادية»، وهو ما كان يعني عنده المدخلات المختبرة حسيًّا في كليتها. كان جليًّا أنه افتتن بذات الشيء الذي وسمه الآخرون بـ«الماركسية المبتذلة» أو التفكير «غير الجدلي».

يبدو من المعقول أن بنيامين، الذي كان كيانه الروحي قد تشكل وتغذى معرفيًّا على يد جوته، وهو شاعر لا فيلسوف، والذي كان اهتمامه يثيره الشعراء والروائيون على نحو يكاد يكون حصريًّا، بالرغم من أنه درس الفلسفة، سَهُل عليه التواصل مع الشعراء أكثر من المنظرين، أكانوا من النوع الجدلي أم الماورائي. وليس ثمة شك في أن صداقته ببريخت -وهي صداقة فريدة في كونها جمعت أكبر شاعر ألماني حي بأهم نقاد زمنه، وهي حقيقة كان كلاهما واعيًا بها- كانت ضربة الحظ الثانية والأهم في حياة بنيامين. وسرعان ما جرّت أشد التبعات ضررًا؛ استعْدَت أصدقاءه القليلين، عرضت للخطر علاقته بمعهد البحث الاجتماعي، والذي لم تنقصه هو أسباب «الانصياع» لـ«اقتراحاتـ»ـه (Briefe II, 683)، وكان السبب الوحيد في أنها لم تكلفه صداقته بشولم هو التزام شولم بالوفاء وكرمه المثير للإعجاب في كل ما يتعلق بصديقه. كلاهما، أدورنو وشولم، أنحى باللائمة على «التأثير الكارثي» لبريخت (Scholem) في استعمال بنيامين، عديم الديالكتيكية انعدامًا واضحًا، للمقولات الماركساوية، وفي قطيعته الحاسمة مع الماورائيات برمتها؛ وكانت المشكلة أن بنيامين، والميال عادة إلى تقديم التنازلات وإن تكن التنازلات غير الضرورية في أغلبها، علم وكرر أن صداقته ببريخت تشكل حدًّا نهائيًا ليس فقط للانصياع بل وللدبلوماسية، فـ«تجاوبي مع إنتاج بريخت هو إحدى أهم النقاط وأشدها إستراتيجية في موقفي برمته» (Briefe II, 594). لقد وجد في بريخت شاعرًا ذا مَلَكات فكرية نادرة وكذلك، وبالقدر نفسه تقريبًا من الأهمية عنده آنذاك، شخصًا من اليسار ليس، بالرغم من كل الحديث عن الديالكتيك، مفكرًا جدليًّا بأكثر من كونه هو مفكرًا جدليًّا، لكن ذكاءه لصيق بالواقع على نحو فذ. ومع بريخت أمكنه أن يمارس ما كان بريخت نفسه يسميه «التفكير الفج» (das plumpe Denken): «الشيء الأهم هو أن تتعلم كيف تفكر بفجاجة. التفكير الفج، ذاك هو تفكير العظماء» كما قال بريخت، وأضاف بنيامين على سبيل الإيضاح: «كثيرون فكرتهم عن الجدلي هي أنه عاشق لدقائق الأمور… على العكس، ينبغي أن تكون الأفكار الفجة جزءًا لا يتجزأ من التفكير الجدلي، لأنها ليست سوى إحالة النظرية إلى مجال الممارسة… لابد للفكرة أن تكون فجة لكي تفلح في مجال الفعل» والحال أن ما جذب بنيامين إلى التفكير الفج ربما لم يكن إحالته إلى الممارسة بقدر ما كان إحالته إلى الواقع، وتجلى هذا الواقع عنده بأشد الأشكال مباشرة في الأمثال الشعبية وتعابير اللغة اليومية. «الأمثال مدرسة للتفكير الفج» كما كتب يقول في السياق نفسه؛ وفن أخذ كلام الأمثال والتعابير الاصطلاحية حرفيًّا مكّن بنيامين -كما مكّن كافكا، والصور المجازية عنده كثيرًا ما يسهل تمييزها بوضوح كمصدر للإلهام وتعطينا مفتاح الكثير من «الأحاجي»- من كتابة نثر بذلك الاقتراب اللصيق من الواقع اقترابًا ساحرًا ومسحورًا على نحو لا شبيه له.

أينما نظر الواحد في حياة بنيامين، سيجد الأحدب الصغير. فقبل بلوى الرايخ الثالث بزمن طويل كان الأحدب الصغير يلعب ألعابه الشريرة، فيُفلس الناشرين الذين كانوا قد وعدوا بنيامين بمبلغ سنوي ثابت مقابل قراءة المخطوطات أو تحرير دورية لهم؛ يفلسهم قبل ظهور العدد الأول. ولاحقًا سمح الأحدب فعلًا بطباعة مجموعة من الرسائل الألمانية الرائعة، المُعَدة بعناية لا حد لها والمزودة بأبدع التعليقات الشارحة—بعنوان «Deutsche Menschen» [«ألمان»] ملحوقًا بشعار "Von Ehre ohne Ruhm/Von Grösse ohne Glanz/Von Würde ohne Sold" («عن الشرف دون صيت / عن العظمة دون أبهة / عن الكرامة دون مقابل»)؛ لكنه أشرف بعدها على إيداعه قبو الناشر السويسري المفلس، بدلًا من توزيعه كما انتوى بنيامين، الذي وقع المجموعة باسم مستعار، في ألمانيا النازية. وفي هذا القبو اكتُشفت الطبعة في 1962، في ذات اللحظة التي كانت قد خرجت فيها طبعة جديدة من المطبعة في ألمانيا. (ومن شأن المرء كذلك أن يقيد على حساب الأحدب الصغير أنه حتى الأشياء القليلة التي كانت ستأخذ منحى جيدًا أطلت في مظهر لا يوحي بالخير. ومن خير الأمثلة على ذلك ترجمة قصيدة «الزحف» "Anabase" لألكسي سان-ليجير ليجير (سان-جون بيرس) والتي باشرها بنيامين رغم اعتقاده أن العمل «قليل الأهمية» (Briefe I, 381)، لأن هذا التكليف، مثل ترجمة بروست، أتاه بمعرفة هوفمانشتال. لم تظهر الترجمة في ألمانيا إلا بعد نهاية الحرب، إلا أن بنيامين كان مدينًا لها بأنها أوصلته بليجير، الذي كان قادرًا، بصفته دبلوماسيًّا، على التدخل لدى الحكومة الفرنسية وإقناعها بإعفاء بنيامين من اعتقال ثانٍ في فرنسا أثناء الحرب وهي ميزة قليلون هم من تمتعوا بها من بقية اللاجئين) ثم وبعد اللعب الشرير جاءت «أكوام الركام،» وآخرها، قبيل وقوع الكارثة عند نقطة الحدود الإسبانية، شعور التهديد الذي كان قد انتابه، منذ 1938، بأن معهد البحث الاجتماعي بنيويورك، «السند المادي والمعنوي» الوحيد في منفاه الباريسي (Briefe II, 839)، سيتخلى عنه. «إن ذات الظروف التي تمثل خطرًا هائلًا على أوضاعي في أوروبا هي التي قد تجعل هجرتي إلى الولايات المتحدة مستحيلة» هكذا كتب في أبريل/ نيسان من عام 1939 (Briefe II, 810)، وهو ما زال واقعًا تحت تأثير «الضربة» التي تلقاها من خطاب رفض أدورنو النسخة الأولى من دراسة بودلير في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1938 (Briefe II, 790).

وشولم محق بالتأكيد عندما يقول إنه إلى جانب بروست، شعر بنيامين بأشد التقارب الشخصي حميمية نحو كافكا من بين كل الكتاب المعاصرين له، ولا شك أن بنيامين كان يفكر في «حقل الخرائب ومنطقة الكوارث» المتمثلة في أعماله هو عندما كتب أن «أي فهم لإنتاج [كافكا] يقتضي، بين أشياء أخرى، الإقرار البسيط بأنه كان شخصًا فاشلًا» (Briefe II, 614). وما قاله بنيامين عن كافكا بهذا السداد الفريد ينطبق عليه هو نفسه كذلك: «هذا الفشل له ملابسات من شتى الأنواع. ويغريني القول بأنه: ما إن تيقن من فشله النهائي، سار كل شيء لصالحه، وهو في طريقه، كما لو في حلم» (Briefe II, 764). عندما كانت قصة «الوَقّاد» هي كل ما كان قد قرأه لكافكا، كان بنيامين بالفعل قد اقتبس قول جوته عن الأمل في مقالته عن «التجاذبات الاختيارية»: «مر الأمل فوق رأسيهما كالنجم يسقط من السماء»؛ والجملة التي يختتم بها دراسته تُقرأ وكأن كافكا هو من كتبها: «لخاطر اليائسين وحدهم وُهبنا الأمل» (Schriften I, 140).

في 26 سبتمبر/ أيلول، 1940، أنهى فالتر بنيامين، وهو على أبواب الهجرة إلى أمريكا، حياته عند الحدود الفرنسية-الإسبانية. وتعددت الأسباب. كان الجستابو قد صادر شقته في باريس، والتي ضمت مكتبته (كان قد أمكنه إخراج «نصفها الأهم» من ألمانيا) والكثير من مخطوطاته، وتوفرت لديه دواعي القلق بشأن المخطوطات الأخرى والتي، بوساطة جورج باتاي، كانت قد حلت في المكتبة الوطنية قبيل فراره من باريس إلى لورد، في فرنسا غير المحتلة. كيف كان له أن يعيش من دون مكتبة، وكيف يكسب رزقه من دون المجموعة الواسعة من الاقتباسات والمقتطفات الموجودة وسط مخطوطاته؟ وإلى ذلك، فلا شيء كان يجذبه إلى أمريكا، حيث، كما اعتاد أن يقول، ربما ما كان الناس ليجدوا له نفعًا سوى أن يجروه جرًّا في عربة لعرضه في أنحاء البلد باعتباره «الأوروبي الأخير.» لكن الظرف المباشر الخاص بانتحار بنيامين كان عثرة حظ قل مثيلها. فبموجب اتفاق الهدنة الموقع بين فرنسا الفيشية والرايخ الثالث، كان اللاجئون من ألمانيا الهتلرية -اللاجئون القادمون من ألمانيا les réfugiés provenant d'Allemagne، كما كان يشار لهم رسميًّا في فرنسا- معرضين لخطر إعادتهم بحرًا إلى ألمانيا، فقط إذا، كما يفترض، كانوا معارضين سياسيين. ولإنقاذ هذه الفئة من اللاجئين -والتي ينبغي ملاحظة أنها لم تشمل أبدًا الكتلة غير المسيسة من اليهود التي تبين لاحقًا أنها الفئة الأكثر عرضة للخطر من كل ما عداها- كانت الولايات المتحدة قد وزعت عددا من تأشيرات السفر الاستثنائية عبر قنصلياتها في فرنسا غير المحتلة. وبفضل جهود المعهد في نيويورك، كان بنيامين من بين أوائل الحاصلين على مثل هذه التأشيرة في مارسيليا. كما أنه حصل سريعًا على تأشيرة المرور الإسبانية لتمكينه من الوصول إلى لشبونة وركوب سفينة هناك. غير أنه لم يحمل تأشيرة الخروج الفرنسية، والتي كانت لا تزال إلزامية وحرمت منها اللاجئين الألمان الحكومةُ الفرنسية، المتلهفة على إرضاء الجستابو. ولم يكن كل هذا في العموم يمثل صعوبة كبيرة، إذ إن طريقًا قصيرًا نسبيًّا وليس بالمرة شاقًّا فوق الاحتمال ويمكن قطعه بالأقدام على الجبال المؤدية إلى بورت بو كان طريقًا معروفًا وليس تحت حراسة شرطة الحدود الفرنسية. ومع ذلك، فبالنسبة لبنيامين، الذي عانى فيما يبدو من مشكلة في القلب (Briefe II, 841)، كان السير حتى لأقصر المسافات يعني بذل مجهود كبير، ولابد أنه قد وصل في حالة إجهاد شديد. وما إن وصلت المجموعة الصغيرة من اللاجئين التي كان قد التحق بها إلى المدينة الحدودية الإسبانية حتى علمت بأن إسبانيا كانت قد أغلقت الحدود في ذلك اليوم نفسه وأن المسؤولين على الحدود لم يقبلوا التأشيرات المستخرجة في مارسيليا. كان يُفترض باللاجئين أن يعودوا أدراجهم إلى فرنسا من نفس الطريق في اليوم التالي. وفي الليل أنهى بنيامين حياته، ما حدا بموظفي الحدود، الذين أثر هذا الانتحار فيهم، إلى السماح لرفاقه بإكمال طريقهم إلى البرتغال. بعد ذلك بأسابيع قليلة رُفع الحظر على التأشيرات مرة أخرى. لو بكر بنيامين يومًا واحدًا لمر دون أي مشاكل؛ ولو تأخر يومًا واحدًا لكان الناس في مارسيليا قد علموا أن المرور بإسبانيا غير ممكن إلى حين. في ذلك اليوم فقط كان وقوع الكارثة ممكنًا.

[يُتبع… انتهى الجزء الأول ويتبعه الجزءان الثاني والثالث.]

1-  Walter Benjamin, Schriften, Frankfurt a.M., Suhrkamp Verlag, 1955, 2 vols., و Briefe, Frankfurt a.M., 1966, 2 vols. الإحالات الواردة هي لهاتين الطبعتين.

2- إن أردت الذهاب إلى مُطيبِخي

لأطهو حسائي

يقف هناك قزم أحدب

يكسر قِدري («طفولة برلينية في مطلع القرن العشرين»، ترجمة: أحمد فاروق، مشروع كلمة، 2014). المترجم.

3- «ذات روح سجالية» Polemik inspiriert، وفي النسخة الإنجليزية: inspired by polemics، أي ذات نفس تفنيدي، على نحو يستدعي ممارسة التناطح الفكري وتقاليد المعارك الأدبية والمناظرات. ويبدو أن آرنت لا تصف صراحةً دراسة بنيامين المذكورة، وكتاباته عمومًا، بأنها سجالية أو تفنيدية بشكل متأصل فيها، بقدر ما تلاحظ وقوعها تحت تأثير هذا التراث. وهناك تعليق لافت لآرنت في الهامش رقم 3 لمقدمة كتابها عن الثورة (On Revolution, 2006, Penguin Classics, p.274, fn 3) بخصوص السجالية، أو التفنيدية، وأدبياتها polemics، في معرض شرحها لمدى تأثر الفكر المحافظ والحركات الرجعية بالثورة الفرنسية، على نحو اشتقاقي أو عديم الأصالة، إلى حد عدم إنتاج فكرة واحدة ليست سجالية أو تفنيدية بالأساس. وتعزو آرنت إلى ذلك تفوق المفكرين المحافظين في السجال والتفنيد، بينما تعلم الثوريون هذه الصنعة منهم. وتزيد آرنت على ذلك قائلة إن النزعة المحافظة، لا الليبرالية ولا الثورية هي السجالية في الأصل بل وبحكم التعريف. ومن المؤسف أن المصطلح يترجم في الطبعة العربية إلى «جدلي» و«جدل»! («في الثورة»، حنة أرندت، ترجمة: عطا عبد الوهاب، المنظمة العربية للترجمة، 2008، ص 23). المترجم.

4- Yearbook of the Leo Baeck Institute, 1965, p. 117. 

5- مصدر سبق ذكره.

6- يرد الوصف الكلاسيكي للمتصعلك في مقالة بودلير الشهيرة عن قنسطنطين جايز «رسام الحياة الحديثة» "Le pPeintre de la vie moderne" - انظر Pleiade edition, pp. 877-83. وكثيرًا ما يحيل إليها بنيامين بشكل غير مباشر ويقتبس منها في مقالته عن بودلير. [انظر الهامش الرابع هنا لمطالعة نقاش حول المقابل العربي. المترجم]

7- انظر ترجمة أميرة المصري للمقال، «عن مفهوم التاريخ» (2018)، وترجمة أحمد حسان «أطروحات في فلسفة التاريخ» في «فالتر بنيامين: مقالات مختارة»، دار ميريت، القاهرة، 2010، ص 219-229. المترجم.

8- كلاهما أعاد التأكيد على ذلك مؤخرًا. شولم في محاضرة ليو بايك التذكارية لعام 1965، والتي قال فيها: «إني أميل إلى اعتبار تأثير بريخت على نتاج بنيامين في الثلاثينيات تأثيرًا مؤذيًّا، ومن بعض النواحي كارثيًّا»، وأدورنو في تصريح لتلميذه رولف تيديمان، والذي وفقًا له اعترف بنيامين لأدورنو بأنه كان قد كتب «مقالته حول العمل الفني لكي يبز بريخت في الراديكالية، وهو الذي كان يخشى بريخت» (مقتبس في Rolf Tiedemann, Studien zur Philosophie Walter Benjamins, Frankfurt, 1965, p. 89). من غير المحتمل أن يعبر بنيامين عن الخوف من بريخت، ولا يبدو أن أدورنو يدعي أنه عبر عن ذلك. أما بالنسبة إلى بقية التصريح، فالأرجح بشدة، للأسف، أن بنيامين أدلى به خوفًا من أدورنو. من الصحيح أن بنيامين كان شديد الحياء منذ شبابه في تعاملاته مع من لا يعرفهم، لكنه لم يخشَ سوى من كان يعتمد عليهم. وهذا الاعتماد على بريخت كان سيحصل فقط لو أنه كان قد عمل باقتراح بريخت وانتقل من باريس إلى جوار بريخت في الدانمرك الأقل غلاءً بدرجة معتبرة. وكما تبين، فقد ساورت بنيامين تشككات جدية في مثل هذا «الاعتماد على شخص واحد» اعتمادًا حصريًّا في بلد غريب «لغتها غير مألوفة أبدًا» (Briefe II, 596, 599).

9- في مراجعة «أوبرا البنسات الثلاثة» Dreigroschenroman. قارن. Versuche über Brecht, Frankfurt, 1966, p. 90.

10- يبدو الآن أن كل شيء قد تم إنقاذه. فالمخطوطات المخبأة في باريس أرسلت، تماشيًا مع تعليمات بنيامين، إلى ثيودور ف. أدورنو؛ ووفقًا لتيديمان (op. cit., p. 212), فهي مستقرة الآن في «المجموعة الخاصة» لأدورنو في فرانكفورت. وتستقر نسخ مطبوعة ومنقولة من معظم النصوص في مجموعة [جرهارد] جيرشم شولم الشخصية في القدس. أما المصنفات التي صادرها الجستابو فقد عاودت الظهور في جمهورية ألمانيا الديموقراطية. انظر "Der Benjamin-Nachlass in Potsdam" by Rosemarie Heise in alternative, October-December 1967.

مَحمد هُوجْلا-كَلْفَتْ (hooglakalfat.com، والمعروف بـ م.ف. كلفت سابقًا) كاتب، وقيِّم سينمائي، ومحرر، يعمل حاليا على تأليف كتابه الأول، «تغطية العري»، الحاصل على منحة كتابة من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق).

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن