تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بعد الفاجعة: علي شري يقاضي إسرائيل في مقتل عائلته

بعد الفاجعة: علي شري يقاضي إسرائيل في مقتل عائلته

كتابة: لينا عطاالله 6 دقيقة قراءة
أسرة علي شري، بإذن من علي شري

في 26 نوفمبر 2024، كان علي شري، الفنان اللبناني المقيم في باريس، يتحدث هاتفيًا مع والدته نادرة حايك، المقيمة في بيروت، قبل صعوده إلى الطائرة متجهًا إلى فيينا لافتتاح معرضه. عند هبوط الطائرة بعد ساعة، تلقّى رسائل بأن المكان الذي يقطنه والداه، حي النويري، تعرّض لغارة إسرائيلية، وأنهما لا يجيبان على هواتفهما. بحلول صباح اليوم التالي، عندما وصل شري إلى بيروت، كان تبيّن أن والدته ووالده نعيم شري، إلى جانب مساعدتهما المنزلية بيركي نيغيسا، قد قُتلوا جميعا، مع أربعة أشخاص آخرين.

كانت الضربات جزءًا من القصف الإسرائيلي على لبنان منذ أكتوبر 2023، والذي تصاعد في سبتمبر 2024، بدعوى ردع حزب الله. حدثت الغارة في الساعات الأخيرة السابقة لتنفيذ وقف إطلاق النار، وهي لحظة كثيرًا ما يختبر اللبنانيون كثافة الهجمات فيها. ومع استهداف إسرائيل المتكرر لمناطق سكنية مكتظة بذريعة وجود أهداف عسكرية، أسفرت الهجمات عن مقتل الآلاف.

بعد أكثر من عام بقليل، تقدم شري يوم 2 أبريل 2025 بدعوى مدنية لاختصام قتلة أهله أمام القضاء الفرنسي، وتحديدًا وحدة جرائم الحرب، مستندًا إلى كونه يحمل الجنسية الفرنسية، ومُمثَّلًا من قبل الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومدعومًا من تحقيقات أجرتها منظمة العفو الدولية ومؤسسة العمارة الجنائية «Forensic Architecture». اختار شري أن يحوّل فاجعته إلى فعل، قد لا تكون نتيجته مضمونة، لكنه يرى في خوضه أهمية في حد ذاتها.

«عندما تفقد شخصًا بهذا القرب، والمكان الذي وُلدتَ وترعرعتَ فيه، يموت شيء في داخلك. جزء كبير مني مات مع وفاة والديّ. لكن ماذا تفعل بهذه الفاجعة؟ ماذا تفعل بعد أن تتجاوز الذهول؟ ماذا تفعل بكل هذا الحطام؟ هناك شيء فظيع في مواجهة مشهد مليء بكل هذا العنف، وهو في الوقت نفسه مشهد شخصي للغاية»، يقول.

بعد شهر من مقتل والديه، أطلع الفنان أكرم زعتري صديقه شري، على أعمال المحامية كليمانس بكتارت، منسقة مجموعة التقاضي في الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، المنظمة الحقوقية الدولية، وهي محامية متخصصة في تمثيل ضحايا جرائم ضد الإنسانية في المحاكم الفرنسية والدولية. 

بالفعل، التقى شري وبكتارت في فبراير 2025، وبدآ العمل على القضية.

لا تملك المحاكم الفرنسية الولاية القضائية إلا في الجرائم المرتكبة على الأراضي الفرنسية، أو من قبل مواطن فرنسي، أو ضد مواطن فرنسي. غير أن كون شري فرنسي الجنسية يفتح للمحكمة الاختصاص للتحقيق في القضية، بصفته مالك الشقة التي تعرّضت للقصف. 

توضح بكتارت أن هذه القضية قد تشكّل سابقة قضائية، إذ ستنظر محكمة فرنسية في دعوى مدنية تتعلق بجرائم حرب -وفق التعريفين الفرنسي والدولي- وتحديدًا استهداف ملكية مدنية لمواطن فرنسي.

إلى جانب سعيه لتحقيق العدالة لوالديه، يتحرك شري بدافع مسؤولية أوسع: «لدي واجب تجاه من لا يستطيعون القيام بذلك، لأنهم لا يحملون جنسية أخرى. في لبنان، لا توجد وسيلة لرفع دعاوى ضد إسرائيل». في بيانه مع «الفيدرالية»، وصف شري خطوته بأنها نابعة عن كونه «ابنًا، ومواطنًا، وضحية».

بحسب بكتارت، إذا وصلت القضية إلى وحدة جرائم الحرب، فستُنظر أمام جهة قضائية ذات خبرة واسعة في القضايا الدولية، وهي نفسها التي أصدرت مذكرات توقيف بحق الرئيس السوري السابق، بشار الأسد، بتهم «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

لإعداد ملف القضية، عمل شري وفريقه القانوني على توثيق الحادثة بدقة، خاصة أن «الدولة اللبنانية لا تملك الموارد، ولا نعرف إن كانت تملك الرغبة في توثيق هذه الاعتداءات. كان تقريرا الشرطة والجيش محدودين جدًا»، بحسب شري، وهو ما أكدته «العفو الدولية».

للعمل على هذا التوثيق، كلّف فريق شري «Forensic Architecture» بإعداد تقرير يوثّق الهجوم، وذلك عبر إعادة بناء الموقع باستخدام نموذج ثلاثي الأبعاد يحاكي الموقع. اعتمد الفريق على صور ومقاطع فيديو التقطها شري وعائلته من شقتهم عقب الهجوم مباشرة، إضافة إلى مواد من المصادرة المفتوحة جمعت في تلك الليلة، كما أُجريت عمليات تصوير جوي بطائرات مسيّرة لتعزيز دقة النموذج، بحسب المديرة المساعدة في المؤسسة، والمسؤولة عن التحقيق، سمانيه موافي. 

كان هذا العمل ضروريًا، بحسب شري، لأن موقع الجريمة قد لا يبقى كما هو عند بدء المحكمة في عملية التحقيق.

أظهر النموذج أن الدمار كان متركزًا على أربعة طوابق في المبنى، مع أضرار جسيمة في شقة عائلة شري تحديدًا، بحسب موافي، كما أظهر تحليل دقيق لآثار الاختراق والتشوهات التي حدثت في المبنى أن الشقة كانت هدفًا لعدة صواريخ.

الدمار كان متركزًا على أربعة طوابق في المبنى، مع أضرار جسيمة في شقة عائلة شري تحديدًا، بإذن من Forensic Architecture
بإذن من Forensic Architecture

عثر الفريق كذلك على بقايا ذخائر تبيّن أنها تعود إلى قنبلتين من طراز «GBU-39»، وهي قنابل موجهة عالية الدقة طوّرتها الولايات المتحدة وتستخدمها هي وحلفاؤها على نطاق واسع، وخاصة إسرائيل، بحسب موافي، التي أضافت أن هذه القنابل تعتمد، وفقًا للجيش الأمريكي، على نظام توجيه عبر «GPS» للوصول إلى هدفها بدقة.

هنا تبرز أهمية تحقيقات «العمارة الجنائية» الأخرى في مواقع متعددة بغزة ولبنان ومؤخرًا إيران، والتي تشير إلى نمط متكرر: استخدام أسلحة «دقيقة» تؤدي في الوقت نفسه إلى خسائر بشرية كبيرة. «تُستخدم الضربات الموصوفة بالدقيقة كأسلحة دمار واسع، ولا يمكن إبراز ذلك إلا عبر توثيق دقيق لحالات على حدة. دعوة شري لإنجاز هذا التحقيق وتعاونه معنا هو ما جعل العمل ممكنًا»، تقول موافي.

هذه الرغبة في «الدمار الواسع» تبدو أكثر ترجيحًا عند تحليل طبيعة الهجوم الذي تسبب في مقتل والدي شري، والذي حققت به منظمة «العفو الدولية» ضمن تقرير صدر في فبراير 2026 حول هجمات إسرائيلية لم تسبقها أوامر إخلاء، ولم تعقبها أي إعلانات عن اغتيالات من أي طرف، سواء من الدولة اللبنانية أو حزب الله أو إسرائيل. 

بالنسبة لشري، كان عمل «العفو الدولية» على التحدث مع سكان الحي في غاية الأهمية، لأنهم يعيشون في المنطقة لمدد طويلة، يعرفون بعضهم البعض، وبالتالي لديهم معرفة مركزية لخلق الدلائل والبراهين.

تساءل البعض، بحسب مقابلات «العفو الدولية» مع سكان الحي، عما إذا كان المستهدف شقيقين لنائب برلماني في حزب الله يقيمان في المبنى، ليس لديهما نشاط سياسي أو عسكري، «كانا يسيران في الشوارع يوميًا»، كما قال السكان، مستنكرين: إذا كانا هما الهدف، فلماذا استهدافهما داخل مبنى سكني؟

ــــــــ

توضح الباحثة في «العفو الدولية»، سحر مندور، أن الناجين كانوا يحاولون فهم طبيعة المستهدف في غياب أي إعلان رسمي، مشيرة إلى أن إسرائيل لم تستهدف في هذه الحرب أو سابقاتها نواب حزب الله أو أقاربهم إلا إذا كانوا على خطوط القتال، وهو ما لم ينطبق في هذه الحالة.

تعرف مندور علي بشكل شخصي، وتستعيد احتفالات عيد ميلاده التي كانت تقيمها والدته في صور، عند البحر، حيث كانت تُعد مائدة طويلة من السمك رغم أنه لا يأكله، وكانت مزحة سنوية بينهما. عندما علم شري بمقتل والديه، اتصل بها قائلًا: «راحوا أهلي.. نار عم تطلع من بيتهم».

«كل ما كنت أحاول تجنبه في هذه الحرب صار يسكنني»، تقول مندور، مضيفة أن مبادرة شري فتحت نافذة للمساءلة، وساعدتهم على «مدّ أيديهم خارج حالة العجز المطبق تمامًا».

«هذا ساعدنا كعائلة على توجيه طاقتنا نحو مشروع، على أن نفعل شيئًا»، كذلك يقول شري. «عندما تفقد والديك، تصبح ضحية، لكننا نحاول أيضًا أن نملك القدرة على الفعل، لا أن نبقى فقط في موقع التلقي».

«لا أوهام لدي بشأن ما ستؤول إليه هذه القضية، ولا إن كانت ستغير الواقع. لست ساذجًا. لكن ربما تكون الرحلة أهم من النتيجة -المطالبة بالعدالة كحق إنساني أساسي».

خلال إعداد هذا التقرير، تحدث كثيرون عن شجاعة شري وامتنانهم له. ردًا على ذلك، قائلًا: «لا أشعر أنني بطل. أنا فقط شخص لم يستطع إنقاذ عائلته، ويحاول على الأقل تكريم ذكراهم، على مستوى إنساني بالأساس. ولكن في الواقع، أنا أتحدث من مكان مكسور».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن