تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«بس سكِّر عيوني بالليل بشوف المشاهد».. شهادات من الساعات الأولى للتصعيد الإسرائيلي في لبنان 

«بس سكِّر عيوني بالليل بشوف المشاهد».. شهادات من الساعات الأولى للتصعيد الإسرائيلي في لبنان 

كتابة: دانا حوراني 6 دقيقة قراءة

قرابة الثالثة عصر ثلاثاء الأسبوع الماضي، كانت تالا في طريقها لمغادرة منزلها في منطقة الرويس في ضاحية بيروت الجنوبية  حين سمعت دوي انفجار قادم من داخل سيارة في شارعها، على بعد بضعة أمتار منها. ارتبكت وواصلت السير، ليصل لمسامعها مزيد من أصوات الانفجارات، وتلاحظ دخانًا يتصاعد من شقق قريبة، وسط حالة هلع عامة في الشارع. 

«ما كنت عارفة إنه تفجير إرهابي»، قالت تالا لـ«مدى مصر»، «بس وصلت عالأوتوستراد شفت العالم عم تركض مش فاهمة شو صاير».

لم تكن تالا تدرك أنها تعيش اليوم الأول من الهجمات التي شنتها إسرائيل الأسبوع الماضي على لبنان، وأن حوالي أربعة آلاف جهاز استدعاء «بيجر» موزعة على أعضاء حزب الله وموظفي المؤسسات التابعة له انفجرت بشكل متزامن.

أسفرت عملية الثلاثاء عن مقتل 12 مدنيًا على الأقل وإصابة حوالي 2750 آخرين. وفي اليوم التالي، ضربت موجة ثانية من الانفجارات مناطق مختلفة من بيروت ولبنان، هذه المرة من أجهزة لاسلكي، بعضها انفجر في وسط حشود اجتمعت لتشييع ضحايا اليوم السابق، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 14 شخصًا وإصابة أكثر من 450، بحسب الإحصاءات الأولية، التي حدّثها وزير الصحة اللبناني، الخميس الماضي، معلنًا وقوع 37 قتيلًا و3539 جريحًا على مدار اليومين.

«بس عرفت أنه استهداف، ركضت لساعد عالم قد ما فيي»، قالت تالا، مشيرة إلى تعاون المواطنين لإطفاء الحرائق، وإسعاف المصابين، وفتح الطرق لسيارات الإسعاف.

التقارير الأولية المستندة إلى مصادر أمنية لبنانية أشارت إلى أن أجهزة الاستدعاء والاتصال كانت مفخخة بمواد متفجرة قبل وصولها إلى أيدي أعضاء حزب الله. وأعلن مسؤولون من حزب الله والحكومة اللبنانية أن إسرائيل تقف وراء الهجمات. وعلى الرغم من عدم تبني تل أبيب مسؤولية تلك الهجمات رسميًا، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية ذكرت أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وحكومته أعطوا الضوء الأخضر للعملية.

لم يتضح بعد كيف ومتى فُخخت الأجهزة. وفقًا لمصدرين أمنيين تحدثا إلى «رويترز»، وزع حزب الله أجهزة استدعاء جديدة تحمل علامة «Gold Apollo» على أعضائه قبل ساعات فقط من انفجارها. أحد المصادر قال إن عضوًا في حزب الله استلم جهاز الاستدعاء الإثنين، ثم انفجر الجهاز في اليوم التالي وهو لا يزال في عبوته. نفت شركتان تعملان في سلسلة التوريد لإنتاج الأجهزة، إحداهما في تايوان والأخرى في المجر، تورطهما في الأمر. كما أوضحت الحكومة التايوانية أن الأجزاء المستخدمة لم يكن مصدرها تايوان. في الوقت نفسه، صرحت شركة يابانية كانت تنتج أجهزة اللاسلكي التي انفجرت يوم الأربعاء، بأنها توقفت عن إنتاج هذا الطراز قبل عقد. 

نُقلت مئات الحالات لغرف طوارئ  المستشفيات اللبنانية، وكافحت الفرق الطبية لمواكبة الوضع. ومع امتلاء غرف العمليات، اضطر الأطباء إلى إجراء عمليات جراحية في غرف الطوارئ. هرعت الممرضات بين الأسرّة، فيما بدأت الإمدادات الطبية بالنفاد مع تدفق المزيد من المصابين.

أُصيب حوالي 1850 شخصًا في الضواحي الجنوبية لبيروت، الثلاثاء، بالإضافة إلى حوالي 750 في جنوب البلاد و150 في البقاع. ونٌقل العديد من المصابين في الجنوب إلى مستشفيات في صيدا، والنبطية، وصور، فيما عمل الإسعاف على نقل الحالات الخطيرة إلى مستشفيات أكثر تخصصًا في بيروت والشمال.

اندفع الأطباء إلى العمل مع وصول موجة تلو الأخرى من المصابين، ومنهم كثر يعانون من إصابات خطيرة في العيون والأيدي. وصفوا الرعب الذي اعتراهم أثناء معالجة ضحايا فقدوا أصابعهم أو أصابتهم شظايا في أعينهم، وفي بعض الحالات، أصيبوا بالعمى الكامل.

بالنسبة للَما، الممرضة البالغة من العمر 20 عامًا والتي تخرجت حديثًا، كانت التجربة صادمة بشكل خاص. كان هذا أسبوعها الأول في العمل بالمستشفى الواقع خارج بيروت، وبدأ يومها بشكل هادئ تُجري فيه فحوصات روتينية في قسم الأطفال. وبحلول العصر، جاءتها أصوات الصرخات والبكاء من غرفة الطوارئ.

«كل الطاقم الطبي، أطباء وممرضين، نزلوا يساعدوا»، قالت لما لـ«مدى مصر»، «بس أنا الوحيدة الجديدة، وكتير خفت وانضغطت».

بدأت سيارات الإسعاف تتوافد إلى المستشفى محملة بمئات المصابين. واجهت لما مشاهد مروعة: أطراف مبتورة، ووجوه مشوهة، ومحاجر عيون فارغة تنزف. كان معظم الضحايا من الرجال في العشرينات من عمرهم.

«كان دوري هو محاولة ضمان استقرار أكبر عدد ممكن من المرضى والتأكد من تعقيم الجروح»، حكت لما، «بس الأمر كان صعب مع كل المشاهد الصادمة، ما بعرف من وين وجدت القوة للاستمرار».

كما عالجت لما نساء محجبات، حرصت على توفير الخصوصية لهن في غرف منفصلة. رغم قلقها وخوفها، بقيت ملتزمة بواجبها كممرضة. 

«عملنا أكتر من 55 إكس راي [أشعة سينية] بأقل من 30 دقيقة، شي ثلاثة أو أربعة منهم بعدُن بِشوفوا»،  قالت لما، مضيفة بصوت يثقله الإنهاك: «بس سكّر عيوني بالليل، بشوف المشاهد من المستشفى، بس فخورة بحالي وبالطاقم الطبي لقدرنا نعالج هالقد عالم».

كان يوم الأربعاء أخف وطأة بالنسبة للما، لأن مستشفاها استقبل عددًا أقل من المصابين، إذ نُقل العديد منهم إلى مستشفيات بيروت.ومع ذلك، كانت الأجواء مليئة بالأسى في مقر عملها، حيث لبثت عائلات المصابين في ممرات المستشفى، آملة في الوصول إلى أخبار عن تعافي أحبائهم أو إمكانية استعادة بصرهم بعد إصاباتهم.

كانت زينب، البالغة من العمر 31 عامًا، تحضر محاضرة جامعية عندما انتشرت أخبار هجمات الثلاثاء. في غضون دقائق، استقبلت أكثر من 20 مكالمة والعديد من الرسائل من عائلتها وأصدقائها، يحثونها على العودة إلى المنزل فورًا.

«عنّا قريبين ورفقى وجيران جرحى»، قالت زينب لـ«مدى مصر»، «أول صعوبة كان نلاقى وين، لأن الإسعافات كانت عم تنقل كتير مرضى وصعب تعرفي تلاقيُن»، أشارت زينب إلى اعتماد المستشفيات الأرقام عوضًا عن الأسماء، لتعجيل عملية فرز المصابين.

تعيش عائلة زينب في بيروت، لكنهم هرعوا لصيدا حيث نُقل أكثر من عشرة من أقاربهم إلى المستشفى لإصابتهم في الهجمة. أدركت العائلة مدى الفوضى والهلع عند وصولهم للمستشفى، ولكن زينب وجدت القوة في  صمود أقاربها الجرحى. 

 «أول شي كان فيه صدمة، بس راحت»، قالت زينب، «جرحانا هني لمناخد منهن قوتنا».

 لا تزال زينب مطاردة بذكرى سؤالها عن فرد من عائلتها أصيبت عينيه الخضراء، كما وصفتها، «سألت الدكتور: 'دخيلك، قلنا إذا راحوا عيونه الحلوين'». علمت العائلة مؤخرًا أن إحدى العينين فقدت الرؤية بالكامل، بينما لا تتجاوز فرصة استعادة النظر في العين الأخرى 10%. 

ورغم الأسى، شددت زينب على إحساس المصابين بواجب التضحية.

«الجرحى دايمًا بقولوا الحمد لله، قدروا يعطوا تضحيات على سبيل القضية الفلسطينية. بيعرفوا المقاومة إلها تضحياتها وبتجي بسعر»، قالت زينب، مضيفة أنهم يستسقون قوتهم من جرحاهم. 

والآن، وبينما يبدأ المصابون رحلة التعافي، أعرب الكثيرون بالفعل عن رغبتهم في العودة إلى الخطوط الأمامية، لا تثنيهم إصاباتهم. كما شهدت زينب أفراد عائلات أخرى يعرضون التبرع بأعينهم لأحبائهم، متوسلين إلى الأطباء لإجراء العمليات الجراحية فورًا.

انقلبت حياة الكثير من العائلات، مثل عائلة زينب، رأسًا على عقب، مع شعورهم بأن هذا الواقع الجديد هو كابوس لا ينتهي.

«نهار تكوني عم تطمني على عيلتك، بترجعي بتفيقي بلاقيُن بالمستشفى وحياتُن قلبت»، قالت زينب. 

ورغم صمودها، تعترف زينب، وهي أم لطفلين، بأنها لا تزال تكافح للتكيف مع هذا الواقع الجديد. فالوقع النفسي، إلى جانب متطلبات العمل وتربية أطفالها، ألقت على كاهلها عبئًا ثقيلًا. 

«الواحد بقول الحمد الله على كل شي»، قالت، «كل عيل الضحايا والشهداء عندن الصبر وحس المقاومة. وعم يتوكلوا بالله، عارفين إنه طول ما فيه الله، فيه نصر».

كان الثلاثاء والأربعاء مقدمة للعدوان الإسرائيلي الذي تصاعد على مدار الأيام التالية، بغارات طالت الكثير من مدن وقرى جنوب لبنان، وصولًا إلى العاصمة بيروت، وخلّفت حتى عصر أمس 558 قتيلًا بينهم 50 طفلًا و94 امرأة إلى جانب جرح أكثر من 1835 بحسب آخر البيانات المجمعة من وزارة الصحة اللبنانية،

* تم استخدام أسماء مستعارة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن