«النضال سيستمر»: حوار مع القيادي بـ«حماس» محمد نزال
مطلع أكتوبر الجاري، اتخذت حركة حماس خطوة محسوبة قبل أيام من حلول الذكرى السنوية الثانية للحرب التي دمّرت فيها إسرائيل غزة وقتلت عشرات الآلاف على الأقل. فقد قررت الحركة استخدام ما بدا وكأنه آخر ورقة ضغط لديها لمحاولة إنهاء المقتلة: تسليم الأسرى المحتجزين في القطاع.
جاءت هذه الخطوة ردًا على مقترح الـ20 نقطة الذي قدّمه البيت الأبيض، وتناول تبادل الأسرى ونموذج حكم ما بعد الحرب في غزة. طُرح المقترح خلال مؤتمر صحفي مشترك بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حيث تبادل الزعيمان عبارات الإطراء، لكنهما وجّها في الوقت ذاته إنذارًا نهائيًا لـ«حماس»: القبول بالاتفاق وإلا...
وافقت «حماس» على الجزء المتعلق بتسليم الأسرى الأحياء وجثامين القتلى، مع ترك القضايا الخلافية في الخطة -بما في ذلك الوصاية الفعلية على غزة وإنهاء خدمة قوات الأمن التابعة لـ«حماس»- للحوار الفلسطيني الداخلي، والالتزام بالمواقف المقبولة دوليًا تجاه حل الدولتين.
في شرم الشيخ، أوائل الشهر الجاري، اجتمع مفاوضون من تركيا ومصر وقطر و«حماس» وإسرائيل والولايات المتحدة على مدار عدة أيام، وتوصلوا إلى اتفاق بشأن المرحلة الأولى من المقترح، التي تتعلق بتبادل الأسرى وإدخال المساعدات وتحديد نطاق الانسحاب الإسرائيلي الأولي، بينما أُرجئت القضايا الحساسة في مقترح الـ20 نقطة إلى المرحلة الثانية.
حتى الآن، صمدت الهدنة إلى حد كبير. قتلت إسرائيل أكثر من مئة شخص اقتربوا من «الخط الأصفر» -اللون الرمزي للحدود التي يُفترض أن تنسحب إليها القوات الإسرائيلية، وحولها الاحتلال من مجاز إلى واقع فعلي بإقامة حواجز مطلية باللون نفسه. تكررت زيارات المسؤولين الأمريكيين إلى إسرائيل منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فيما حلّقت طائرات مسيرة أمريكية فوق غزة لضمان الالتزام بالهدنة. وفي الوقت نفسه، تراجعت الإدارة الأمريكية عن موقفها بشأن ما إذا كانت ترى أن إعادة فرض «حماس» للأمن يُعد مشكلة. في المقابل، انتقدت إسرائيل «حماس» لتباطؤها في إعادة جثامين الأسرى، وهددت بتقييد دخول المساعدات.
لكن الانتقال إلى المرحلة الثانية لا يزال متعثرًا، فقد استضافت مصر وفودًا من «حماس» و«فتح»، في محاولة لطرح مقترح موازٍ لخطة البيت الأبيض، يقوم على تشكيل مجلس فلسطيني غير سياسي لإدارة غزة.
للحديث عن كل ما جرى منذ مطلع أكتوبر وما تلاه، أجرى «مدى مصر» حوارًا مع القيادي في حماس وعضو مكتبها السياسي، محمد نزال.
***
في 19 أكتوبر الجاري، أعلنت حركة حماس وصول وفدها إلى القاهرة برئاسة خليل الحية، لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع الوسطاء والفصائل والقوى الفلسطينية.
يقول نزال إن وفد الحركة التقى ممثلي الفصائل للتشاور حول تشكيل اللجنة الإدارية الفلسطينية التي ستتولى إدارة قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أنه تم ترشيح نحو 40 شخصية فلسطينية مستقلة من التكنوقراط، لا ينتمون لأي تنظيم فلسطيني، ومعظمهم من قطاع غزة ولم يغادروه خلال الحرب، وسيُختار من بينهم 10 إلى 15 شخصية لتشكيل اللجنة.
حتى الآن، لم يحرز تقدم يُذكر نحو المرحلة الثانية، بل إن بعض بنود المرحلة الأولى لم تُنفذ بعد، ويرى نزال أن سبب التأخير يعود إلى أن الاحتلال لم يرغب أصلًا في الاتفاق على وقف إطلاق النار، «وبالتالي يضع العقبات أمام سير الاتفاق بصورة سلسة وسهلة»، مؤكدًا أن الاحتلال لم يلتزم بالاتفاق في مرحلته الأولى، «فلم يُفتح معبر رفح، ولم تدخل المساعدات بطريقة سلسة».
ويعتبر نزال أن المسألة تحتاج إلى تدخل القيادة الأمريكية والدول الثلاث، مصر وقطر وتركيا، للضغط على الاحتلال لبدء المرحلة الثانية، مضيفًا: «بعد عامين من الحرب لا يمكن أن نقدم تنازلات عن حقوق الشعب الفلسطيني. نحن لا نتحدث عن عملية سلام، نحن نتحدث الآن عن وقف حرب الإبادة على قطاع غزة. نريد لهذا الاتفاق أن يستمر أطول فترة ممكنة».
تواجه المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار توترات متصاعدة بسبب أزمة تسليم جثامين الأسرى الإسرائيليين.
يقول نزال إن ما أُنجز حتى الآن يقتصر على تبادل الأسرى، لكن هناك مشكلة تتعلق بتبادل الجثامين، فـ«هذه مسألة ليست سهلة لوجستيًا وتحتاج إلى وقت، وليس قصيرًا»، مضيفًا: «لقد أبلغنا الوسطاء أننا نحتاج إلى وقت، وطالبنا بتدخل دول لديها الخبرة في ذلك، ومنها تركيا. لكن الاحتلال رفض دخولها. هناك جهود من بعض الدول لتسريع عملية التنفيذ والخروج من المرحلة الأولى».
خلال زيارة جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إلى القدس الأربعاء الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنهما ناقشا تصورات «اليوم التالي» لانتهاء الحرب في غزة. وردًا على سؤال حول فكرة وجود قوات أمن تركية في القطاع، قال نتنياهو بنبرة حادة: «لدي آراء قاطعة حول ذلك. هل تريد أن تخمن ما هي؟». أما فانس فقال إن تركيا يمكن أن تلعب «دورًا بنّاءً»، لكنه شدد على أن «واشنطن لن تفرض أي شيء على إسرائيل عندما يتعلق الأمر بوجود قوات أجنبية على أراضيها».
يعلّق نزال بأن رفض نتنياهو لأي دور تركي في قطاع غزة «يعكس حساسية كبيرة من نتنياهو تجاه تركيا، فهو يراها عدوًا»، ويضيف: «هناك حالة من عدم الارتياح بين أردوغان ونتنياهو. وعلى الرغم من أن موقف تركيا يشبه مواقف الدول التي تدين الاحتلال، فإن هناك حساسية بالغة نتيجة الدور الإقليمي الذي تلعبه أنقرة. الاحتلال استبعد تركيا طوال الفترة الماضية من أن تكون وسيطًا، لكنها دخلت على خط الوساطة فقط خلال الأسابيع الأخيرة، بعد الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب».
في الأيام الأخيرة، برز في الإعلام الإسرائيلي حديث متصاعد حول موقف الحكومة من جثمان يحيى السنوار. فقد أشارت تقارير عدة، من بينها ما نشرته وول ستريت جورنال وإذاعة الجيش الإسرائيلي، إلى تشدد واضح داخل القيادة الإسرائيلية الرافضة لإعادة الجثمان ضمن أي اتفاق تبادل. مصدر أمني إسرائيلي قال صراحة: «لن تُسلَّم الجثامين»، ما أضاف طبقة جديدة من التوتر إلى مسار المفاوضات.
يقول نزال إن إحدى المسؤولات في حكومة نتنياهو اقترحت حرق جثمان السنوار، مضيفًا «بينما هم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على جثثهم، علمًا بأن الكثير من الجثث تحللت، وكثير منها ضاعت معالمها. لكن يصر الاحتلال على الإفراج عنهم دون استثناء واحد»، ويتابع: «هناك اقتراح لحرق جثمان السنوار. وهذا دليل على السادية التي يمتاز بها الاحتلال، وحتى السجناء الذين توفوا في سجونه، تُسلّم جثثهم في حالة بشعة، فقد سُرقت أعضاؤهم وشُوهت معالمها بفعل التعذيب».
ويرى نزال أن ما جرى في 7 أكتوبر «كشف طبيعة هذا الاحتلال، الذي كان يُنظر إليه في الغرب على أنه الديمقراطية الوحيدة في غابة الوحوش، قبل أن تكتشف الدول الغربية أنه لا علاقة له بالإنسانية»، ويضيف «جثمان السنوار، على الرغم من تقديرنا لهذا الشخص العظيم، ليس أغلى من الجثامين التي لم تُسلم بعد. وبالتأكيد لن ننسى أسرانا، سواء الأحياء أو الأموات».
خلال مفاوضات شرم الشيخ، كان خروج الستة أسرى الكبار، بينهم الشخصية البارزة مروان البرغوثي، من السجون الإسرائيلية، أحد أكثر الملفات حساسية، وكادت تؤدي إلى انهيار الاتفاق بالكامل.
يقول نزال: «بالنسبة للستة الكبار، نحن ما زلنا ندفع بهذا الملف للعودة إلى طاولة المفاوضات. نحن نعتبرهم مسؤولية الشعب الفلسطيني والفصائل، ولا بد من العمل على إطلاق سراحهم». ويضيف أن المفاوضات في شرم الشيخ استمرت حتى اللحظات الأخيرة لمحاولة إدراجهم ضمن الصفقة، لكن التعنت الإسرائيلي كان غير طبيعي، وحين تبيّن أن الإصرار على الإفراج عنهم قد يعطل الاتفاق، فضّل الوسطاء والقيادة الأمريكية تأجيل النقاش حولهم إلى مرحلة لاحقة.
بعد أيام قليلة من بدء وقف إطلاق النار، شهد القطاع اشتباكات بين أفراد من شرطة «حماس» ومجموعات تنتمي إلى عائلات كبيرة، أسفرت عن مقتل عدة أشخاص، بينهم صحفي فلسطيني بارز.
يعلّق نزال على ذلك قائلًا: «المشكلة ليست مع العائلات أو العشائر. هناك أشخاص في بعض العشائر تواصل الاحتلال معهم لإثارة الفتنة، لكن العشائر فوتت الفرصة عليه»، ويضيف: «نحن نقدر قبيلة الترابين في غزة، ومشكلتنا ليست معها، بل مع ياسر أبو شباب الذي قبل على نفسه أن يكون في يد الاحتلال. المؤكد لدينا أنه عميل، ومشكلتنا مع هؤلاء الأشخاص».
من جهته، قال فانس، الأربعاء الماضي، إن إسرائيل والولايات المتحدة تواجهان مهمة صعبة تتعلق بنزع سلاح «حماس» وضمان أنها لم تعد تشكل تهديدًا لإسرائيل.
يوضح نزال أن هناك تصريحات كثيرة تدلي بها الإدارة الأمريكية، لكنها تأتي في سياق العملية التفاوضية، وليست مطروحة على طاولة المفاوضات كعنوان مباشر، «فهناك تفاصيل كثيرة بخصوص ذلك، وننتظر عروضًا وتصورات رسمية تُطرح على الطاولة»، مضيفًا أن فكرة نزع السلاح تحتاج موقفًا فلسطينيًا موحدًا، وليست شأنًا خاصًا بحركة حماس، بل ينبغي التشاور بشأنها مع جميع الفصائل، ومن المفترض أن يتم ذلك في المرحلة الثانية.
في 9 سبتمبر الماضي، استهدفت غارات إسرائيلية منطقة كتارا في العاصمة القطرية الدوحة، حيث يقيم أعضاء وفد «حماس» المفاوض. يتذكر ويتكوف في تصريحات إعلامية ، الأسبوع الماضي، ذلك اليوم قائلًا: «كان رون ديرمر، الوزير الأول في إسرائيل، وجاريد [كوشنر] في منزلي. وكنا نستعرض مقترحات السلام التي كنا نطرحها على الطاولة. وفي ذلك الوقت، كنا نناقش صفقات التسوية، ما يُسمى بـ«العشرة والعشرة»: يخرج عشرة رهائن، ويُترك عشرة للمفاوضات النهائية [..] استيقظنا في صباح اليوم التالي لنكتشف وقوع هذا الهجوم [..] كان لذلك تأثير واسع النطاق، لأن القطريين كانوا أساسيين في المفاوضات [..] وفقدنا ثقة القطريين. وهكذا اختفت حماس، وأصبح الوصول إليهم صعبًا للغاية».
يستعيد نزال تفاصيل ذلك اليوم قائلًا إن الغارات وقعت في الرابعة إلا ربع عصرًا، واستهدفت المكتب الذي كان يُفترض أن يجتمع فيه خليل الحية والوفد المفاوض لدراسة المقترح الأمريكي، لكن الوفد لم يكن مجتمعًا حينها. وتم نقل من استُهدفوا إلى مكان آمن، ويضيف «كان من الصعب التواصل معهم، تقريبًا كان أول لقاء مع خليل بعد شهر، وكان اللقاء عاطفيًا، فقد أرسلت له رسالة تعزية في نجله همام قبل اللقاء، خاصة أنه الابن الثالث الذي يفقده. فقد ابنه حمزة عام 2009 وكان من كتائب القسام، وابنه الأكبر أسامة في 2014، وهمام الآن».
ويضيف نزال أن قطر رفضت بعد الهجوم استئناف دورها في الوساطة إلا بشرطين: الأول أن يعتذر الاحتلال، والثاني أن يتعهد بعدم تنفيذ أي عملية تمس بأمنها. «وبعد الاعتذار الذي قدمه نتنياهو مرفقًا بتعهد بعدم التكرار، وافقت قطر على مواصلة الوساطة، وأُبلغنا بذلك. ومن جانبنا كنا حريصين على استمرار المفاوضات لأن هدفنا الأساسي هو وقف الحرب في غزة» يقول نزال.
كما تحدث القيادي في «حماس» عن المقترحات التي طرحها جاريد كوشنر لإعادة إعمار المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في قطاع غزة، في محاولة لنزع سلاح الحركة. تنص الخطة على تقسيم القطاع إلى منطقتين: واحدة تحت السيطرة الإسرائيلية، وأخرى تحت سيطرة «حماس».
يقول نزال إن الإدارة الأمريكية تقدم نفسها كزعيم للعالم، لكن تصريحاتها اليومية متناقضة، مشددًا على أن «ما يهمنا هو ما يقال على طاولة المفاوضات»، ويضيف: «نحن لسنا لدينا مشكلة في أن المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال يعاد إعمارها ، فهذا في مصلحة الشعب الفلسطيني، لكن في الوقت نفسه نصر على أن يشمل الإعمار المناطق التي تسيطر عليها حماس الآن. هناك صراع ميداني على إعادة الإعمار، ولا ينبغي أن يتوقف».
صوت الكنيست، الخميس الماضي، بالقراءة التمهيدية على مشروعين: الأول لضم الضفة الغربية، والثاني لضم مستوطنة «معاليه أدوميم». يعلق نزال بأن قرار الضم ليس جديدًا، مشيرًا إلى أن قادة الاحتلال يعلنون نواياهم منذ سنوات، لكنه يرى أن المشكلة الحقيقية هي «الديموغرافيا»، موضحًا: «الشعب الفلسطيني متجذر في أرضه، ولا يقبل أن يُخرج منها. ويواصل صراعه في كل المجالات. إذا كان الاحتلال يعتقد أن مثل هذه القرارات ستسمح له بمواصلة إبادة الشعب الفلسطيني، فهو واهم، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر التي أثبتت صمودنا».
ويضيف نزال أن هذا القرار يهدد الاتفاق القائم، «لكننا لن نستسلم. سنواصل الدفاع عن شعبنا على الصعيدين الدولي والإقليمي، وستستمر كل أشكال النضال».
ويختتم نزال حديثه بالإشارة إلى مخطط التهجير المستمر بحق الفلسطينيين، مؤكدًا أن «القضية ليست مجرد عقار أو مال، بل مصير شعب وأرض»، مضيفًا «الشعب الفلسطيني هو من سيقود مواجهة المخطط، وليس هناك قوة تستطيع إخراجنا من أرضنا. بعد معركة 7 أكتوبر، ظن الاحتلال أن هذه فرصته، لكن الشعب الفلسطيني صمد وبقي في غزة. فلسطين ليست عقارًا حتى يتم التعامل معها بهذه الطريقة، بل قضية شعب صامد».
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن