تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
النزوح إلى الجحيم

النزوح إلى الجحيم

كتابة: عمر شرارة 9 دقيقة قراءة

«شقتك موجودة، انشالله فرحك يتم في ميعاده». حاولت الأم تخفيف وقع الصدمة عن ابنها، في أول اتصال هاتفي تمكنا من إجرائه بعد ثلاثة أيام من انقطاع التواصل بفعل توابع زلزال «طوفان الأقصى»، في السابع من أكتوبر الماضي. 

على دوي القصف وأزيز المُسيّرات (الزنانة)، طمأنت الأم ابنها على العائلة: «خرجنا من الدار سالمين.. الحمد لله كَتَب لنا حياة جديدة». طمأنها هو بأنه سليم معافى، إلّا أنه محاصر في مقر عمله بمدينة غزة المحاطة بالنيران من كل مكان. ردت الأم بجرعة أمل غير واقعية: «انشالله الحرب تخلص قبل العُرس»

كانت العائلة حددت موعد زفاف عدن* في الخامس من نوفمبر الماضي.  

بسبب الحرب، تحولت عائلة عدن من أناسٍ يكدحون ويحلمون بالمستقبل والزواج وتربية الأطفال، رغم الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة قبل الحرب، إلى مجرد أرقام في إحصاء النازحين، ضمن أكثر من مليون آخرين من سكان غزة البالغ عددهم 2.5 مليون فلسطيني.     

لحسن حظي أني كنت قد تعرفت قبل «الطوفان» على عدن -الإنسان وليس الرقم- بحكم عمله الصحفي، وبعد اندلاع الحرب أصبحتُ مهمومًا بوضعه وعائلته تحت القصف المتواصل. وفي ظل انقطاع الاتصالات عن غزة، حاصرني الهَم بالأسئلة المُقبضة: هل ما زال على قيد الحياة؟ هل فقد أحدًا من عائلته أو أصدقائه؟ أين هو أصلًا؟ وكيف يعيش؟

عادت الاتصالات بشكل مؤقت.  

صباح السابع من أكتوبر، استيقظ عدن قرب الثامنة بعد نومٍ متقطع. كان بين اليقظة والنوم يفكر في لوازم زواجه الوشيك، أكثر ما يشغل باله في تلك الأيام إلى جانب مسؤولياته تجاه العائلة، التي تعيش في منزل مكون من أربعة طوابق كل منها مكون من شقتين. في الطابق الأول «شقة العائلة» تعيش الأم مع الأبناء الثلاث العزاب (بنت وثلاثة أولاد، بينهم عدن). وفي شقتي الطابق الثاني، يُقيم شقيقان متزوجان مع أطفالهما، وفي إحدى شقتي الطابق الثالث يسكن شقيق آخر مع زوجته وأبنائه، فيما كان عدن قد بدأ في إعداد الشقة المقابلة لزواجه. بينما كان الطابق الرابع خاليًا في انتظار زواج عازب آخر من العائلة. أما الأخوات المتزوجات فقد انتقلن للعيش في منازل أزواجهن.   

بعد وفاة الأب عام 2017، تشارَك عدن وأحد إخوته مسؤولية الإنفاق على العائلة. كانت الحياة قبل حرب السابع من أكتوبر «صعبة كتير، العائلة ليس لديها مصدر رزق إلا ما أجنيه من عملي، ومن عمل أخي مهندس الديكور»، يقول عدن، موضحًا أن راتبه الشهري كان يقسمه إلى جزئين: «جزء لحاجيات الدار وجزء لدار العُرس»، مشيرًا إلى اضطراره لقطع المسافة بين مسكنه في مدينة جباليا (شمالي القطاع) وعمله في مدينة غزة (نحو خمسة كيلومترات جنوب جباليا) مشيًا على الأقدام، ليوفر بضعة شيكلات.

خلال ساعات معدودة، بعد فجر السابع من أكتوبر، تغيّرت كل خطط عدن وعائلته حتى إشعار آخر، وربما للأبد. 

«اتحركت على شغلي جري، ما أخدتش لا بطاقتي الشخصية ولا بطاقة العمل، الكاميرا والاستاند فقط»، يتذكّر عدن، الذي يعمل مصوّرًا صحفيًا، وقع خبر «طوفان الأقصى» عليه. بدأ، من خلال عدسة كاميرته، في توثيق مأساة شعبه ومأساته. في هذا الوقت «ما كناش عارفين إنها هتبقى إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، يقول عدن.

caption

كانت أخبار العائلة قد انقطعت عن عدن منذ ذهابه إلى عمله صبيحة هذا اليوم. طيلة ثلاثة أيام ظل يحاول الاطمئنان عليهم دون جدوى. «أمتار قليلة بتبعدنا عن بعض، لكن النار محاوطانا من كل مكان»، يقول عدن، موضحًا أن الاحتلال قصف غالبية أبراج الاتصالات، وقطع الشبكة عن الأبراج التي لم تُقصف، مما زاد من صعوبة التواصل.

حين عادت شبكات الاتصالات إلى العمل، في 10 أكتوبر، تمكن عدن من الاطمئنان أن عائلته ما زالت على قيد الحياة، لكنها فارقت الدار بعد اقتراب القصف من محيطها.

في 8 أكتوبر، لملمت العائلة القليل من الضروريات والمؤن مما يمكن حمله مع الأطفال، وانطلقوا فارين يملأهم الرجاء بأن تصمد الدار ويعودون إليها قريبًا بعدما يزول الخطر. لم يكونوا قد ساروا سوى 200 متر عبر شارع يافا حين سمعوا دوي غارة تصم الآذان من شدة قربها، توقفوا ملتفتين إلى الوراء ليجدوا المنزل وقد شطرته قذيفة -طوليًا- إلى نصفين: أحدهما أصبح ركامًا، والآخر ظل صامدًا تظهر فيه شقة عدن وقد صارت حطامًا. 

بخطوات بطيئة، حملت العائلة أحزانها وإحباطها وأطفالها وأم مسنة مريضة، تحت القصف، لمسافة 2 كيلومتر تقريبًا، سيرًا على الأقدام، نحو جباليا البلد (غربي المدينة) بحثًا عن ملجأ آمن.

وبينما كانت العائلة تهرب من القصف، كان عدن يحمل معداته ويسعى لاهثًا وراء أصوات الانفجارات لتغطية ما خلفته من دمار، وهو يحسب في كل خطوة احتمالات نجاته، ويحمد الله في كل ليلة يعود فيها إلى ملجأه سالمًا داخل ساحات مجمع الشفاء الطبي، الذي لجأ إليه مع آلاف النازحين والجرحى يأكل معهم «اللي ياكلوه… في المجمع كنا نقعد بالثلاثة أيام لحد ما ناكل أكلة، وزيّهم حتى تأتينا ميّه»، يقول عدن.

وصل الزمن إلى الثاني من نوفمبر، وكان من المفترض أن يكون عدن يُعد الترتيبات النهائية لزفافه، لكنه حينها كان -في مجمع الشفاء- يفكر في مصير عائلته ويخشى على حياته من القصف والجوع. 

سألته: أين المساعدات «الإنسانية» التي يُقال إنها وصلت أخيرًا شمالي القطاع؟ أجاب: «ولا شيء يصل إلينا، فيه شُح في الأكــ…….»

انقطع الاتصال.

على مدار 36 يومًا، دأبتُ على متابعة علامة الرسالة المقروءة على «المسنجر».. لم تصل رسالة الاطمئنان. أتابع عن كثب تطورات الحرب، واقتراب الخطر من مجمع الشفاء، حتى اقتحمه جنود الاحتلال في 15 نوفمبر، وبدأ عدّاد الأخبار يُحصي أرقام القتلى والجرحى جراء الهجوم. الأرقام لن تنبئني عن مصير عدن أبدًا، فقط تسكب الزيت على نار الأسئلة المُقبضة في رأسي، حتى حل السادس من ديسمبر. 

أخيرًا، رسالة منه تخبرني أنه سالم برفقة جزء من عائلته في مخيمات للنازحين بمدينة رفح الفلسطينية على الحدود المصرية أقصى جنوبي القطاع. 

سارعتُ للاتصال به.

«بدأ قصف جباليا يتسع على مدار الأيام، حتى وصل إلى جباليا البلد [غربي المدينة] حيث انتقلت أسرتي. لكن، بعد إصابة ابن أخي وزوجة أحد إخوتي برُكام البنايات المقصوفة، اضطروا جميعًا للمغادرة مرة أخرى، في 20 أكتوبر»، يقول عدن. ظنت العائلة أن شرقي المدينة أصبح أكثر أمانًا، بما أنه قد دُمر بالفعل، وبالتالي لن يكون هناك داعٍ لقصفه مجددًا، فحزموا ما تبقى من أمتعتهم وخاضوا رحلة العودة إلى شرق المدينة بنفس الطريقة التي ذهبوا بها إلى غربها.. سيرًا على الأقدام.  

هذا ما علمه عدن، في 24 أكتوبر، من رواية أحد إخوته للأهوال التي لاقوها طيلة فترة انقطاع الاتصال معه.

بعد التحرك نحو الشرق، تعبت الأم وأرادت العودة إلى حي القرم مرة أخرى، لكن الحطام المتراكم على الطرقات أعاق وصولهم إلى هناك، لهذا نامت العائلة ليلتين في العراء قُرب «القرم». وفي 22 أكتوبر قرروا الانقسام إلى فريقين: أحدهما واصل الطريق إلى شرق جباليا، والآخر توجه نحو جنوبي القطاع.

«لما عرفت إن هذا صار بكيت، تمنيت لو استطعت التواصل معهم لإقناعهم بالمغادرة مع الباقين، إمّي كانت عايزة ترجع بيتها وتقعد فيه»، يتذكر عدن.

نام فريق العائلة المتجه إلى الجنوب ليلتين أخريين في العراء دون مؤنٍ سوى رغيفي خبز تناولهما الصغار، وبضع زجاجات مياه، نفدت قبل وصولهم.

في هذا الوقت، كان عدن يمارس عمله في توثيق وضع الجرحى الذين يصلون لباحات «الشفاء الطبي» حتى «صار القصف يستهدف المشفى [في 10 نوفمبر] لهذا اضطررتُ اضطرارًا مثل غيري إلى النزوح نحو الجنوب». هكذا غادر عدن مدينة غزة نازحًا نحو خان يونس بعد مرور 35 يومًا من العدوان، ضمن عدد غير قليل من النازحين.

«طلعنا من المجمع وضلينا نمشي حتى وصلنا على دوار الكويت.. قابلنا قوات الاحتلال، طلبوا منّا نرفع إيدينا وهويتنا ونمشي في ممر على جانبيه الدبابات، كان اللي بدهم إيّاه ياخدوه، انت ونصيبك، سواء مرقت [مررت] أو اعتُقلت»، يقول عدن، واصفًا رحلته إلى خان يونس، حيث يستقبل أهلها النازحين من الشمال: «أكلت معهم اللي فيه النصيب وشربت ميّه، ونظفت حالي بعد أكثر من شهر لم أنظف نفسي خلالها قهرًا»

في 11 نوفمبر، التقى عدن، أخيرًا، جزءًا من عائلته في مجمع ناصر الطبي في خان يونس، حيث يلجأ آلاف من النازحين.

عند وصوله كانت «الحياة في خان يونس أهدأ من [مدينة] غزة»، يروي عدن الذي استقر رفقة النازحين من عائلته في مخيمات الإيواء قُرب مجمع ناصر جنوب غربي خان يونس. «كنا نأكل وجبة واحدة خلال اليوم، كل الناس هناك كانت وما زالت تعاني من عدم إمكانية توفير الغذاء، كنا نأكل من غير عيش.. ذلك سبّب معاناة جوع كبيرة جدًا لدى الأطفال»

لم يدُم هدوء خان يونس النسبي طويلًا، فسرعان ما فضه قصف الاحتلال المكثف عقب انتهاء الهدنة الإنسانية التي استمرت ستة أيام، وانتهت في الأول من ديسمبر. «بدأ الاحتلال عملياته في الجنوب بعد الهدنة، أصبح الوضع صعب كتير، الناس مكدسة في مساحات جغرافية صغيرة»، يقول عدن.

في 5 ديسمبر، نزح عدن مجددًا مع مَن التقاه من عائلته إلى رفح أقصى جنوب القطاع، ظنًا أنها أكثر أمانًا، بعد تكثيف الاحتلال غاراته وهجماته على خان يونس. «ليس معنا إلا ما نرتديه من ملابس، والأمطار تثلج الجو كتير. ننام في مخيمات النازحين برفح»، يصف عدن حالتهم هناك، مشيرًا إلى أن رحلة النزوح الأخيرة كان عناؤها أقل مقارنة برحلات النزوح السابقة التي خاضوها، من حيث المسافات التي قطعوها سيرًا على الأقدام.

لكن، أملهم في آخر المناطق «الآمنة» خاب مجددًا. لم يمر وقت طويل حتى حامت طائرات الاحتلال فوق رفح الفلسطينية توزع الموت على النازحين، وأصبح الوضع في رفح «من سيئ إلى أسوأ»، بحسب كلمات عدن. رغم ذلك كان يرى أن هذا الوضع ربما أفضل مما هي عليه الحياة في الشمال كما عرفها من أمه وبقية عائلته حين تمكن من الاتصال بهم، في 2 ديسمبر. حتى ذلك الوقت كانت العائلة في الشمال تسكن خيمة أضيق من «عشة الفراخ» و«الناس هناك تشرب ميّه المطر، فلا يوجد ميّه يصلح أن يشربها إنسان، هناك مجاعة مؤكدة بسبب انعدام المواد الغذائية».

«إنا لله وإنا إليه راجعون»، كتب عدن على وسائل التواصل الاجتماعي، ناعيًا ابنة أخيه التي قُتلت في غارة أصابت أمه وأخواته وإخوته وزوجاتهم، وبترت سيقان ثلاثة أطفال من عائلته، في 22 ديسمبر.

كان مَن بقي مِن العائلة في جباليا قد انتقلوا من «العشة» إلى ضيافة أسرة لم يُقصف منزلها. لكن هذا المنزل قصف أيضًا: «كانوا حوالي 50 شخصًا». في ذلك الوقت، كان عدن يحاول بلا كلل الاتصال بأخيه للاطمئنان عليهم، ولم يتمكن من ذلك حتى يوم «استشهاد» بنت أخيه، إلى جانب 13 فردًا من العائلة المُضيفة.

«الشهداء خلوهم مكانهم تحت الحيطان ما قدروش يطلعوهم لدفنهم»، خرج الناجون من تحت الأنقاض يحملون المصابين فوق الأكتاف. هول القصف لم يدع لتلك الأجساد المصابة الإحساس بما أصابها، لم يفكروا سوى في إنقاذ ذويهم: «جريوا على مدرسة قريبة لقوا بها نقطة إسعافات أولية أوقفت نزيف المصابين واكتشفت كسور في عظام الناجين»

لا يزال نصف العائلة في شمال القطاع محاصرًا ومصابًا وجائعًا، فيما حُشر عدن مع النصف الآخر في أقصى الجنوب تحت وطأة ظروف لا تقل بشاعة. 

*اسم مستعار

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن