«المرض الغامض» الذي فاجأ «الصحة» مرارًا
منتصف يوليو الماضي استغاث عمدة قرية «العُليقات»، إحدى قرى محافظة قنا، من «مرض غامض» ظهر بنجع سندل، أحد نجوع القرية، خلال مداخلة تلفزيونية مع برنامج «حقائق وأسرار» الذي يقدمه الإعلامي، مصطفى بكري، بعد شهرين من انتشار المرض.
استبق العمدة استغاثته بإعلان تأييده لـ«القائد الزعيم فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي» لأن «في عهده دخلت قرية العليقات مبادرة 'حياة كريمة'».. يعني «رفع كفاءة جميع الكفاءات يا أستاذ مصطفى».. يعني «بعد انتهاء 'حياة كريمة' قرية العليقات هتبقى مدينة… مش هتبقى قرية»، مذكّرًا بأن قريته سجّلت أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات الماضية والاستفتاء على تعديل الدستور، واعدًا باستمرار قريته في مقدمة المشاركين خلال الانتخابات القادمة، لأنهم جميعًا في القرية «قلبًا وقالبًا مع القيادة السياسية».
ثم بدأ يستغيث:
«طلبنا حضرتك عشان فيه حالات مرضية منتشرة.. يعني من 150 إلى 200 حالة.. وفيه زيادة كمان.. في نجع سندل في قرية العليقات»، يقول العمدة لبكري، شارحًا أعراض «المرض الغامض»: «ارتفاع في درجة الحرارة.. تكسير في العظام.. صداع ودوخة.. مرارة في الحلق.. إرهاق شديد في الجسم. والحالة دي بتقعد من 3 إلى 7 أيام»، والمشكلة «طبعًا عشان سيادتك عندنا مفيش غير الوحدات الصحية.. اتنين داخلين تطوير في 'حياة كريمة'.. وبُعد مسافة مركز قوص 15 كيلو من قرية العليقات [حيث أقرب مستشفى]، فأغلب الناس بتركب محاليل في البيوت وكلام زي كده»، مطالبًا «بنزول فرق من الطب الوقائي يشوفوا المرض ده إيه من أساسه.. وإيه المشكلة بتاعته».
كان «المرض الغامض» قد ضرب أيضًا، في مايو الماضي، مدينة القصير بمحافظة البحر الأحمر الملاصقة لمحافظة قنا. وقبل أسابيع من استغاثة عمدة «العليقات»، تحديدًا في 26 يونيو الماضي، زار مساعد وزير الصحة للطب الوقائي، عمرو قنديل، محافظة البحر الأحمر لتفقد جاهزية المنظومة الصحية هناك. وبعد أسبوعين من الزيارة، وجه وكيل الوزارة بـ«البحر الأحمر»، إسماعيل العربي، الأطقم الطبية بمستشفى ووحدة صحة مدينة سفاجا إلى «الالتزام بكافة وسائل مكافحة العدوى وتطبيق كافة الإجراءات الوقائية والاحترازية»، دون أن يوضح طبيعة العدوى.
مصادر بنجع «سندل» قالت لـ«مدى مصر»، إن وزارة الصحة أرسلت فرقًا من الطب الوقائي في اليوم التالي لمداخلة عمدة العُليقات، وجمعت عينات من مياه الشرب بمنازل معدودة قريبة من الشوارع الرئيسية بالنجع، ومن بعض الأهالي، وبعدها بيومين عادوا وكتبوا على أبواب المنازل، التي أثبتت نتائج العينات إصابتها «إيجابي: صحة ناقلات قوص.. 17/7/2023».
وفي 18 يوليو، أعلنت وزارة الصحة، في بيانٍ رسمي، اكتشافها لغز «المرض الغامض»: إنه حمى الضنك. كما أعلنت وجود البعوضة الناقلة للمرض والمعروفة باسم الزاعجة المصرية بعد أخذ عينات بيئية من المياه والصرف الصحي، وأخذ عينات من البعوض ويرقاته.
على مدار أسابيع، تنقل «مدى مصر» بين نجوع قرية العُليقات وأحياء مدينة القصير، لرصد واقع انتشار حمى الضنك بهما، وأسبابه، ومدى جاهزية المنظومة الصحية والبنية التحتية في تلك المناطق للتعامل مع الأوبئة، بعد كل هذه السنوات.

«الأعداد زادت أول يونيو، وأنا اتصبت في الفترة دي، بعدي اتصاب 9 أشخاص في الأسرة، والبيت اللي قدامي فيه 20 مصاب، في الشارع بتاعنا بس 65 مصاب»، هكذا أوضح محمد وهب الله، أحد القيادات المحلية بنجع سندل، لـ«مدى مصر»، اتساع حجم الإصابة.
المرض الذي لم يكن يعرف أهالي النجع طبيعته، ظهر في بداية مايو الماضي. «فيه ناس اتحجزت في مستشفى قوص المركزي، وحميات قنا والأقصر، حتى القافلة الطبية اللي حطوها في مركز الشباب، كان فيها أربع ستات على جهاز التنفس»، بحسب المصدر السابق.
وفقًا لشهادات بعض الأهالي بنجع سندل، الذين تحدث معهم «مدى مصر»، قال لهم مسؤولون إن النجع بؤرة الإصابة، بعد ذلك امتد المرض إلى النجوع والقرى المحيطة. وجميع الشهادات أكدت لـ«مدى مصر» وجود حالات حرجة، عكس ما صرحت به وزارة الصحة ومسؤولوها. «فيه أربع شباب عندهم نزيف، وحالتين كبار في السن محجوزين في مستشفى خاص في قنا، من حي العسياب في نجع سندل»، بحسب شهادات أهالي النجع، الذين أشار بعضهم إلى وفاة أربع حالات كانت مصابة بحمى الضنك، «اتنين في نجع السديس، واتنين في حي العرب بنجع سندل».
في مدينة القصير، وصف أحد سائقي التاكسي لـ«مدى مصر» ذروة انتشار المرض بقوله: «في نص يونيو، كان فيه طوابير قدام مستشفى القصير والوحدة الصحية في المدينة، كنت رايح جاي عليهم بالزباين».
هاني أبو النجا، تاجر خضار بمدينة القصير، قال لـ«مدى مصر»، إن حالات ظهرت في منتصف مايو، ومع تزايد أعداد المصابين في منتصف يونيو اتضح للأهالي أنه مرض الضنك، الذي سبق وانتشر في مدن البحر الأحمر عام 2017، «حاليًا؛ كل بيت في القصير فيه مصاب أو اتنين بحمى الضنك على الأقل»، يقول أبو النجا.
ويضيف: «فيه أربع حالات وفاة في القصير»، وهو ما رددته شهادات بعض أهالي المدينة لـ«مدى مصر». حاولنا التأكد من أسباب الوفيات من أسر الضحايا، إلا أن جميعهم طلب عدم التعليق، باستثناء حالة، أكد صديق مقرب من أسرته صحة وفاته بنزيف جراء المضاعفات الناتجة عن الإصابة بحمى «الضنك»، إلا أنها لم تسجل كذلك.
بحسب شهادات عديدة جمعها «مدى مصر» من أهالي قرية العُليقات ومدينة القصير، نتجت الوفيات بسبب نزيف أو جلطات، إما من تلوث مواضع تلقي المحاليل في العيادات والصيدليات الخاصة، التي لجأوا إليها لتجنب ازدحام المستشفيات الحكومية، وعدم توفر العلاج والرعاية الطبية بها، أو نتيجة استخدام مضادات حيوية بعد شرائها من الصيدليات دون تشخيص، الأمر الذي يضر مصابي «الضنك»، وفقًا لتحذيرات وزارة الصحة.
ولأن أهالي العُليقات يواجهون المرض لأول مرة، اعتقد أغلبهم أنه «كوفيد-19». يقول وهب الله: «اعتمدنا على صيدليات القرية، والناس خدت أدوية من الصيدليات من غير كشف على أساس أنه كورونا». ويضيف: «لما المسؤولين زاروا القرية الصيدليات قفلت، لأنهم أدوا الناس مضادات حيوية، واكتشفنا أنه غلط مع المصاب بحمى الضنك، ومرضى كتير زاد عليهم التعب بسبب الأدوية دي».
يذهب أهالي النجع إلى الصيدلية لشراء الدواء دون تشخيص عادةً، فبحسب شهادات الأهالي لا يوجد بالوحدة الصحية بالنجع أي أدوات تساعد الطبيب، أو أدوية، فضلًا عن كونه طبيب أسرة منتدب، يعمل لمدة ساعتين في اليوم، بين العاشرة صباحًا و12 ظهرًا، ولا يحتمل أغلب أهالي القرية كلفة الطبيب الخاص، أو قطع مسافة 15 كيلو متر إلى أقرب مستشفى بمركز قوص، عبر طريق نصفه غير ممهد. ما دفع الأهالي لرفع شكاوى، حصل «مدى مصر» على نسخ من بعضها، لمجلسي الوزراء والنواب والمحافظة ووزارة الصحة منذ سنوات، لكن شيئًا لم يتغير.
أما مدينة القصير، التي عرفت «الضنك» قبل ست سنوات، فتمتلك مستشفى وحيدًا مُنشأ حديثًا، بعد تحويل المستشفى القديم بالكامل إلى وحدة غسيل الكلى ومكاتب لموظفي الوزارة. لكن، وفقًا لأحد شباب القصير، الذي تحدث لـ«مدى مصر»، شرط عدم ذكر اسمه، تحوّل المستشفى من مجاني إلى تخصصي رفع من تكلفة الكشف والعلاج.

«كانت التذكرة بجنيه، كنت أدفع وأسيب باقي العشرة جنيه للي مش قادر، دلوقت بقت بعشرة جنيه، غير أن التحاليل والأدوية بقو بفلوس»، هكذا يقول أحد شباب القصير. ويكمل: «العيان طبعًا عايز أكل عشان يتعافى، وكل بيت فيه حالة واتنين مصابين، والناس هنا على قد حالها، يا معاشات وموظفين، يا صيادين، يا شغالين في السياحة، ودي مهن بتبقى في المواسم وأغلبها باليومية، يعني اللي يرقد في البيت عشان تعبان هيبقى من غير دخل تقريبًا». ويؤكد: «لما جاني الضنك خدت مضاد حيوي، عارف أنه غلط، بس كان لازم أقف على رجلي بسرعة، عشان في بيت مفتوح».
يضيف المصدر السابق أن «الأدوية نقصت في السوق وسعرها زاد الضعف في الصيدليات الخاصة، والعيادات الخاصة رفعت تمن الكشف، بس أهل الخير والجمعيات الخيرية بيعملوا اللي عليهم».
للاطلاع على واقع الحال، توجه كاتب التقرير إلى مستشفى القصير كمريض، وتابع إجراءات الكشف وتحليل الدم وتلقي العلاج، ما كلفه أكثر من 200 جنيه. جرى الكشف في غرفة لا تتجاوز أربعة أمتار مربعة، بداخلها أربعة مرضى ينتظرون أدوارهم، بخلاف الطبيب والممرضة، وكان مصابون بأعراض «الضنك» يتوافدون، ووصِف للجميع نفس العلاج، بما فيهم الكاتب الذي لا يعاني من أي إصابة: «مسكن للآلام وخافض للحرارة ومضاد احتقان ومضاد حيوي».

وبينما اكتفت مديرية الشؤون الصحية بمحافظة قنا بالرد على أسئلة «مدى مصر» بشأن جاهزية المنظومة الصحية في المحافظة، بأنها نشرت كل المعلومات حول المرض في قرية العُليقات، وليس لديها إضافة، امتنع رئيس المجلس القروي لـ«العُليقات»، عن الإجابة على استفساراتنا، لأن المحافظة حذرت المسؤولين من الإدلاء بتصريحات حول المرض، على حد قوله.
ينتج «حمى الضنك» عن فيروس ينتقل عبر بعوضة «الزاعجة المصرية»، التي تنتشر في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، ويسبب ارتفاعًا في درجة الحرارة، وقيئًا، وإسهالًا، وآلامًا في الجسم، وأحيانًا طفحًا جلديًا ومرارة بالحلق. وبحسب منظمة «DNDi» لتطوير أدوية الأمراض المُهمَلة، «لا توجد أدوية محددة لعلاج حمى الضنك». لكن «في البلدان التي يتوفر فيها الكشف المبكر والرعاية الطبية، انخفض معدل الوفيات الناجمة عن حمى الضنك إلى أقل من 1%».
وترى الباحثة في منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية (CSIRO)، سامية الفقيه، ومُطلقة مشروع لرسم خرائط انتشار «الزاعجة» في إفريقيا والشرق الأوسط، أنه «في ظل غياب أي لقاح رخيص وفعال لحمى الضنك، تظل مراقبة التفشيات، وتحسين استراتيجيات مكافحة الآفات الخاصة بالناقل، هي السبيل الأكثر فعالية لمكافحة حمى الضنك».
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية «ما يقرب من نصف سكان العالم معرّضون لخطر الإصابة بحمى الضنك في الوقت الراهن، حيث تشير التقديرات إلى حدوث نحو 100 إلى 400 مليون حالة إصابة سنويًا».
وفي بيانٍ صحفي، قال رئيس البرنامج العالمي لمكافحة أمراض المناطق المدارية المُهمَلة بمنظمة الصحة العالمية، رامان فيلايودان، إن التغير المناخي يلعب دورًا كبيرًا في توسع انتشار «الضنك»، الذي زاد معدل الإصابة به عالميًا ثمانية أضعاف ما كان عليه عام 2000.
وأضاف: «في بعض الحالات، خاصة عندما تصاب بالعدوى للمرة الثانية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى حمى ضنك شديدة، ويمكن أن تكون قاتلة أيضًا» .
من جانبها، حذرت منظمة الصحة العالمية مصر في تقريرها السنوي عام 2015، من زيادة الإصابة بـ«الضنك» والأمراض المعدية بالنواقل بسبب التغيرات المناخية. بينما توقع فريق من قسم الصحة الاستوائية في المعهد العالي للصحة العامة بجامعة الإسكندرية، تعرض مصر «لخطر انتقال فيروس حمى الضنك، والشكونغونيا، والحمى الصفراء، والزيكا»، التي تنقلها «الزاعجة المصرية». ويعد «الزيكا» أخطرها، لارتباطه بتشوهات خلقية لحديثي الولادة، وفق تحذيرات منظمة الصحة العالمية.
بخلاف تأثير التغير المناخي على مدى وكثافة انتشار «الزاعجة المصرية»، كانت دراسة لفريق من قسم الحشرات بكلية العلوم في جامعة عين شمس، مع باحثين من جامعة زيورخ، أجريت في مدينتي الغردقة والقصير بمحافظة البحر الأحمر، أثناء تفشي المرض بهما عام 2017، حددت سببين محتملين لعودة «الزاعجة»: الأول؛ عبوره البحر الأحمر على متن السفن القادمة من المملكة العربية السعودية. والثاني؛ عبر حركة المرور مع السودان بريًا.
ذلك لا يعني أن مصر لم تعرف «الضنك» قبل ذلك. بحسب مقالة نشرها نائب مدير الإدارة الصحية المصرية، إف إم ساندويش، عام 1888، تفشى «الضنك» في مصر لأول مرة نهاية القرن الثامن عشر، واستمر طوال القرن التاسع عشر. وذكرت مقالة طبية أخرى أنه استمر حتى بداية القرن العشرين. لكن استخدام مادة DDT في القضاء على الآفات خلال الحرب العالمية الثانية، قلل كثافة تواجد «الزاعجة».
منذ تلك الفترة، لم يُسجل تفشي حمى الضنك، إلا في نهاية السبعينيات، حين أصاب عشرة آلاف مواطن وقتل 60 آخرين في الدلتا، واختفى بعدها، حتى اكتشفت إيطاليا إصابة مسافرين اثنين عائدين من جنوب مصر في 2011.
ثم سجلت منظمة الصحة العالمية أول تفشي حديث لحمى الضنك في مصر نهاية أكتوبر 2015، حينما أخبرتها نقطة الاتصال المعنية باللوائح الصحية الدولية في مصر عن انتشاره بمحافظة أسيوط، حيث استقبلت مستشفى حميات مركز ديروط 253 حالة. وبحسب بيان منظمة الصحة العالمية؛ أُرسلت العينات، التي حللتها مختبرات وزارة الصحة وثبت إيجابيتها، إلى مختبر وحدة الأبحاث الطبية NAMRU-3، التابعة للولايات المتحدة، للتأكد.
طبيب في مستشفى حميات ديرمواس بمحافظة المنيا، قال لـ«مدى مصر»، شرط عدم ذكر اسمه، إن «الضنك» انتشر في محافظة المنيا بالتزامن مع انتشاره في أسيوط، وكان مركزه قرية «دلجا» غرب مركز ديرمواس، الملاصق لمركز ديروط بمحافظة أسيوط. ويؤكد أن المرض تكرر حدوثه في 2016، واستمر ثلاثة أشهر، بين يوليو وأكتوبر في المرتين، رغم تحذير «الصحة العالمية» لمصر في بداية العام.
يضيف المصدر السابق: «في موجة حمى الضنك في 2015، مفيش حد كان عارف المرض، كنا بنتعامل مع أعراضه على إنها نزلة برد، إذا كان قيء، أو سخونة، أو آلام في الجسم. بعد شهرين فريق الطب الوقائي التابع لوزارة الصحة خد عينات من المصابين، واكتشف إنها حمى الضنك».
يتفق ما ذكره طبيب حميات ديرمواس مع تقريرٍ نُشر في منتدى الجمعية الأمريكية للأمراض المعدية، حول تفشي حمى الضنك في مصر 2015، والذي أوصى بأن «تثقيف العاملين في مجال الرعاية الصحية حول الأمراض المعدية المحتملة، كان من شأنه أن يوقف تفشي المرض في وقت أبكر».

انتشار البعوض الناقل لحمى الضنك يعززه تدهور البنية التحتية لمياه الشرب والصرف الصحي، وعدم جاهزية المنظومة الصحية الوقائية والعلاجية، وهو ما كان مشتركًا بين قرية العُليقات ومدينة القصير، اللتين انتشرت بهما الحمى مؤخرًا.
يرى وهب الله أن «اللي مخلي الإصابة كتير، إن الناس بتخزن مياه لأنها بتيجي في اليوم ساعة، فالناس بتعمل حسابها وتخزن»، بالإضافة إلى ذلك هناك أحياء على أطراف القرية لا تصلها المياه نهائيًا، ما يضطر الأهالي هناك لجلبها من حنفيات عمومية أنشأها مقتدرون في القرية، تتجمع تحتها وحولها برك من المياه، تصبح مع الوقت مصدرًا للتلوث وجذب البعوض، بحسب وهب الله.
أحد العاملين بمحطة تحلية مياه القصير قال لـ«مدى مصر»، شرط عدم ذكر اسمه، إن «تخزين المياه لازم، عشان كل منطقة بتيجي لها المياه كل عشر أيام، الناس ساعتها بتعبي الخزانات والجراكن، وأي حاجة ينفع يتخزن فيه مياه، ولما تخلص بتضطر انك تشتري، أو تعبي من الغراب (الحنفيات العمومية) اللي عاملها مجلس المدينة، ودي لوحدها مصدر تلوث».
يذكر الموظف في محطة التحلية أن مصادر مياه القصير تتمثل في: الأول، محطة التحلية، التي تنتج من ثمانية إلى عشرة آلاف متر مكعب مياه يوميًا. والثاني، خط مياه قنا/ سفاجا، الذي يجلب للقصير 11 ألف متر مكعب من مياه النيل، إلا أن كليهما يوفر مياه أقل مما تحتاجه المدينة، بحسب الموظف.


ويرى المصدر السابق أن الأزمة ليست متعلقة بخزانات مياه شركة الشرب، لأنها تُغسل سنويًا، وهي مدة ليست كبيرة على خزانات عملاقة، ويقيّم جودتها فريق من وزارة الصحة بشكل دوري، ويرفع تقريره إلى المحافظ، وإن كانت نتائج تلك الفحوصات ﻻ تعلن أبدًا. تكمن المشكلة من وجهة نظر المصدر في الخزانات الخاصة بالمنازل، حيث تصدأ الخزانات المعدنية القديمة، وتُترك الخزانات البلاستيكية الجديدة دون غطاء محكم، أو توضع في مكان قريب من الأرض، فضلًا عمن يبنون خزانات تحت الأرض، تكون قريبة لمصادر التلوث والصرف الصحي. كما أن «عربيات المياه اللي بتنقل للبيوت والمحلات، وبيحصّل المجلس رسوم على تعبئتها للمياه من الحنفيات العمومية، مفيش معاها تصريح من الصحة».


ماذا عن الصرف الصحي؟ في مدينة القصير كما في قرية العُليقات، لا يوجد صرف صحي، حيث يصرف المواطنين مخلفاتهم في غرف يبنونها تحت الأرض، وتفرغها سيارات شفط على نفقتهم الخاصة عند امتلائها، رغم الوعود المتكررة لإتمام مشروع الصرف في القصير منذ عقود، أو كما وعد مشروع «حياة كريمة» قرية العُليقات مؤخرًا، والذي توقف العمل به، بحسب مصادر في المجلس القروي، تحدثت مع «مدى مصر».

أيضًا، مع بداية الألفية أُنشئت أحواض لمياه الصرف الصحي بالقرب من نجع سندل، الذي شهد أكبر عدد من مصابي حمى الضنك في تفشيه الأخير، وخُصصت لري مشروع الغابة الشجرية، ما مَثّل بيئة جاذبة لناقل المرض «الزاعجة». «أحواض الصرف دي كان المفروض تبقى شرق طريق القرية، على بعد 5 كيلو من مكانها دلوقت، لكن لقوا أرض على بعد 2 كيلو من نجعنا مهيئة، فقرروا يعملوها جنبنا، ومن ساعتها الناموس زاد»، يقول وهب الله.


بحسب المصدر السابق، لا يرفع مجلس القرية المخلفات الصلبة وروث البهائم عن جانبي الطريق، والإدارة الزراعية لا تُكافح الناموس والآفات في القرية «قبل الفترة دى مكناش بنشوف عربيات رش المبيد خالص، مرة واحدة طلبنا عربية في 2021 لما الناموس زاد، ودفعنا احنا تمن الجاز [الوقود] بتاعها». يضيف «»حتى في يومين الأزمة اللي فاتوا، رشوا الشوارع الرئيسية لمدة أسبوعين، وما شوفناش عربيات الرش تاني».
وضع مكافحة الناموس في القصير لا يختلف كثيرًا عن العليقات. لتوضيح ذلك، اصطحب بعض الأهالي «مدى مصر» إلى موقع تواجد سيارات رش المبيدات الحشرية، بجوار مبنى مجلس المدينة، وأكدوا أنها لم تبرح مواقعها إلا وقت اشتداد الأزمة، وباستثناء مرور سيارة واحدة كل عدة أيام في الشوارع الرئيسية، لم ير من تحدث معهم «مدى مصر» تلك السيارات في أي من شوارع المدينة الفرعية حتى أثناء ذروة التفشي.

كان «الضنك» قد اجتاح محافظة البحر الأحمر عام 2017، بحسب أهالي، وأظهر ضعف جاهزية المنظومة الصحية، وتداعي البنية التحتية، واستمرار تكتم الحكومة وتخبطها، ما سيتكرر خلال التفشي الأخير.
في 2017، قدّر وزير الصحة الأسبق، أحمد عماد الدين، في تصريحاتٍ صحفية، نسبة الإصابة في مدينة القصير بنحو 5% من السكان، أي ما يتجاوز ثلاثة آلاف إصابة في مدينة واحدة من مدن محافظة البحر الأحمر الخمس.
وطوال أكتوبر 2017، امتلأت مستشفيات مدن المحافظة بالمصابين في مرسى علم، ورأس غارب، وسفاجا، والغردقة، وسط عجز في الأطباء والعلاج. فيما احتُجزت حالات في «حميات قنا»، وخُصص طابق كامل لمصابي «الضنك» بحميات أسوان، قادمة من محافظة البحر الأحمر القريبة منهما.
تحدث «مدى مصر» مع بعض أهالي القصير، الذين أكدوا انتشار «الضنك» بداية أغسطس من عام 2017، لكن ظهوره الملفت كان منتصف سبتمبر. تتسق تلك الشهادات مع ما نشرته «المصري اليوم»، نهاية أغسطس، حول وفاة ستة حالات في يومٍ واحد بين زوار مولد أبى الحسن الشاذلي بمرسى علم (140 كيلومتر جنوب القصير) وإصابة عدد آخر بأعراض الحمى. وبحسب «المصري اليوم»، رفض مسؤولو الصحة حينها «الكشف عن الواقعة أو أسباب الوفاة».
مع بداية انتشار «الضنك» بالقصير في 2017، نفى مجلس المدينة وجود مرض. وظلت وزارة الصحة تشير إليه بـ«المرض الغامض»، ما سيتكرر في التفشي الوبائي الأخير. إلى أن اعترفت الوزارة، نهاية سبتمبر 2017، بوجود الفيروس. حينها، أعلنت مديرية صحة البحر الأحمر الطوارئ في المحافظة، وقرر المحافظ التخلص من جميع خزانات المياه الخاصة المتهالكة، وتسليم المواطنين أخرى مجانًا. وهو ما نفته شهادات الأهالي، الذين قالوا لـ«مدى مصر»، إن مجلس المدينة أمرهم بتغيير الخزانات على نفقتهم الخاصة وقتها. كما صورت «مدى مصر»، بعد ست سنوات، الخزانات المتهالكة المستخدمة وغير المستخدمة.
كما ذكر موظف بمحطة التحلية لـ«مدى مصر»، أن القصير لازالت تعاني من عدم كفاية مياه الشرب، «المياه كانت بتيجي للناس في الشتا كل أربع أيام بقت كل سبعة، وفي الصيف من سبعة بقت 10 أيام». رغم ما أعلنه مجلس الوزراء خلال الأزمة، حول استكمال منظومة الصرف الصحي، وإحلال وتجديد لخطوط المياه، وتوسيع محطات تحلية مياه الشرب، فضلًا عن إنشاء محطة أخرى بالقصير، والتي يجري العمل على إنشائها منذ ثلاث سنوات.
ساعد هذا التهالك في البنية التحتية للمياه والصرف في القصير، على خلق بيئة جاذبة لناقل «الضنك»، البعوض. وفاقم من انتشار المرض وحدته تهالك مشابه في البنية الصحية.
بحسب الأهالي الذين تحدثوا إلى «مدى مصر» عن الوضع في 2017، ظلت مستشفى القصير وباقي مدن المحافظة تعاني من نقص الأدوية والكادر الطبي، إضافة إلى أن سيارات رش الشوارع بالمبيدات للقضاء على البعوضة عملت أيامًا معدودة، قبل أن تستقر بجوار سور مجلس مدينة القصير بلا حِراك.
ورغم تقديم نواب المحافظة، وقتها، بيانات في البرلمان بسبب غياب تدابير مكافحة المرض، إلا أن الرقابة الإدارية تفقدت مدينة القصير للوقف على تدابير المكافحة، وشهدت بسلامة تدابير الحكومة. فيما كشفت «المصري اليوم» حينها صدور تعليمات من مديرية الصحة بالبحر الأحمر بعدم إجراء أو إعلان نتائج فحوصات وتحاليل المصابين بـ«الضنك» لدى المستشفيات الخاصة بمدينة الغردقة، والاكتفاء بتقديم العلاج وقياس درجة الحرارة.
قاوم أهالي القصير التعتيم بأشكال متعددة، منها إضراب أحد المصابين عن الطعام داخل مستشفى القصير، اعتراضًا على تقاعس الحكومة عن مكافحة المرض وإهمال المصابين. ورفع بعض أهالي المصابين دعاوى قضائية على الحكومة بتهمة التقصير. وناشد أحد أبطال حرب أكتوبر بالمدينة، الذي أصيب بـ«الضنك»، السيسي للتدخل. وأُرسلت استغاثات لمجلس الوزراء، وحتى لموقع برلماني التابع لصحيفة «اليوم السابع» القريبة من الدولة، بخلاف النشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتطورت الاحتجاجات إلى تظاهر أهالي القصير، في سبتمبر 2017، كما تظاهر سائقو «التروسيكل»، في أكتوبر، بعد إغلاق المحافظة للحنفيات العمومية، التي كان توصيل مياهها إلى البيوت مصدر رزق أساسي لهؤلاء السائقين. ومع بداية العام الدراسي في أكتوبر، منع الأهالي أبناءهم من الذهاب إلى المدارس، واستمر غيابهم حتى منتصف الشهر نفسه، رغم تأكيد وزير التربية والتعليم السابق، طارق شوقي، على خلو المدارس من إصابات «الضنك». بينما نفى نائب وزير الصحة للطب الوقائي، عمرو قنديل، أي احتجاجات من أهالي القصير، مُشيرًا إلى أنها إشاعة «إخوانية».
أحد أهالي مدينة القصير الناشطين في احتجاجات 2017، قال لـ«مدى مصر»، إنه في اليوم التالي للمظاهرة «قبض الأمن الوطني على شخصين، حسن جابر ومصطفى سباق، اللي كان لهم صوت مسموع وقت تجمع قيادات المدينة المحلية في مقر جمعية أهلية، وفضلوا عندهم 45 يوم». وأضاف أن القبض على جابر وسباق أخاف الجميع، فهدأت الاحتجاجات. «دلوقت لو مجموعة شباب صوتهم اترفع على القهوة وهمَّ بيتكلموا في السياسة، الأمن الوطني يبعت لهم مخبر، أما بالنسبة للأسماء المعروفة للأمن فبطلت تتقابل خالص»، يقول المصدر.
يُرجع الناشط بالمدينة التعامل الأمني العنيف، والتكتم الحكومي حول «الضنك» في محافظة البحر الأحمر تحديدًا، إلى تأثيرها الكبير على نشاط السياحة، خاصة بالنسبة للسياح الروس، أكثر زوار مدن البحر الأحمر.
في نوفمبر 2017، أعلنت روسيا عن إصابة اثنين من مواطنيها بحمى الضنك عقب عودتهما من مصر، بالتزامن مع محاولات الحكومة المصرية استئناف رحلات الطيران مع روسيا، بعد حظر موسكو لها، منذ سقوط طائرة روسية قادمة من شرم الشيخ نتيجة تفجير في 2015.
وبالإضافة إلى الحالتين الروسيتين، تم رصد أربع حالات أخرى، في نوفمبر أيضًا، لمواطنين أوروبيين آخرين عائدين من مدينة الغردقة.
بعد ست سنوات، قالت هيئة الرقابة الصحية الروسية، في 17 يوليو الماضي، إنها عززت البروتوكولات الأمنية للرحلات الجوية من مصر، بعد تفشي مرض غير محدد في ذلك البلد، تتشابه أعراضه مع حمى الضنك، بحسب وكالة الأنباء الروسية. في اليوم التالي لبيان الهيئة الروسية، أعلنت «الصحة» المصرية، بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من ظهور المرض وانتشاره، نجاحها في حل لغز «ضنك الصعيد».
تقارير ذات صلة
الضريبة على «المشروبات المُحلاة».. بحثًا عن صحة أفضل أم موارد أكثر؟
مصدر: وزارة المالية متحفظة على إقرارها تجنبًا لأية إجراءات قد تغذي صعود التضخم الذي بدأ في التحسن
تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير»
«التصرف السياسي» يحكم مصير إمبراطورية «بلبن»
إمبراطورية «بلبن» من «آسفين عشان جامدين» إلى «لو في غلط متقتلنيش».. فلم يقتلوا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن