تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
في غرفة قريبة من الاستقبال داخل مستشفى أورام دار السلام «هرمل»، نظم نحو 50 مريضًا، الاثنين الماضي، وقفة احتجاجية، اعتراضًا على قرار الإدارة الجديدة التي ألزمتهم بفتح ملفات جديدة، بالإضافة إلى توجهها لإعادة إصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة.
وفي الطابق الأول، احتشد العشرات داخل غرفة، تتناثر في أيديهم الأوراق والتقارير الطبية، فيما تتكرر الأسئلة ذاتها: «أروح فين علشان أجدد القرار؟ وأسلم الورق لمين؟». وسط هذا الزحام، يقف موظف يبدو أنه المصدر الوحيد المتاح للمعلومات، محاصرًا بعشرات المرضى الذين يتحدثون في آن واحد. فلا توجد لافتات إرشادية، ولا نظام واضح للدخول أو المتابعة، فقط فوضى يومية اعتادها مَن يأتي للعلاج، في تجربة روّجت لها وزارة الصحة باعتبارها نموذجًا لتطوير المنظومة الصحية بالشراكة مع القطاع الخاص.

كان معهد «جوستاف روسي»، أحد أكبر مراكز علاج الأورام الفرنسية، قد تسلّم مسؤولية إدارة مستشفى «هرمل» عقب توقيع عقد شراكة، فبراير الماضي، بين الحكومة المصرية وشركة «إليفيت برايفت أكويتي»، بالشراكة مع المعهد، بهدف تطوير المستشفى وتشغيله وتحويله إلى مركز دولي تابع للمعهد الفرنسي لعلاج الأورام في مصر. جاءت هذه الخطوة في إطار تطبيق قانون «تأجير المستشفيات الحكومية» الذي أُقر في يونيو الماضي، ويتيح منح التزام إنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المرافق الصحية العامة للجهات الخاصة.
لكن التجربة الجديدة أثارت حتى الآن تحفظات المرضى الذين لم يلمسوا تحسنًا في الخدمة، حيث عبّر الكثيرون عن رفضهم لما وصفوه بـ«تطوير على حسابهم»، أدى إلى أن نسبة العلاج المجاني مهددة بالتراجع نتيجة المشكلات المستمرة في نظام العلاج على نفقة الدولة في ظل الإدارة الجديدة، وهو ما تسبب في غضب المرضى طوال الأشهر الماضية، وتكرار احتجاجاتهم، التي قابلها أفراد أمن المستشفى بالتعدي على عدد من المرضى وذويهم.
ووفقًا لشهادة أربعة مرضى تحدثوا إلى «مدى مصر»، فإنهم يتعرضون يوميًا لاعتداءات لفظية من الموظفين وطاقم الأمن الذي تعاقدت معه الإدارة الجديدة. «فيه إهانة كبيرة لينا من الأمن والموظفين هناك»، قال أحدهم، وهو ما لم ينكره مدير المستشفى، أحمد مرسي، في حديثه إلى «مدى مصر»، ملقيًا باللوم على أفراد الأمن.
تحدث صحفي «مدى مصر» إلى مرسي، بعدما تعرض لاعتداء من قِبل الأمن، في أثناء جولته هناك لإعداد هذا التقرير، فبعد دقائق من بدء عمله، احتجزه أفراد الأمن دون إبداء أسباب، قبل أن يتدخل مدير الأمن في المستشفى، ويصطحبه إلى مكتب مرسي، مدير المستشفى والمدير التنفيذي السابق للمبادرات الرئاسية لصحة المرأة والأورام السرطانية والمسؤول الحالي بشركة «إليفيت برايفت»، والذي كان حاضرًا العديد من جلسات التفاوض لإتمام عقد الشراكة.
من جهته، يقول المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء، محمود فؤاد، إن مرسي «معروف داخل الوزارة بأنه رجل قوي، ويحظى بثقة كبيرة لدى الحكومة، وكانت له ميزانية مفتوحة داخل الوزارة»، مضيفًا: «لا يمكن إنكار أن اللجان التي تولّى [مرسي] مسؤوليتها أنجزت عملًا يُوصف بالمحترم، لكن خروجه من الوزارة أثار الكثير من علامات الاستفهام»، خصوصًا بعد دوره في عملية التفاوض بين الحكومة والشركة الخاصة التي تولّت إدارة المستشفى في أثناء عمله بالوزارة.
فؤاد أوضح أن مرسي كان يعمل في وزارة الصحة خلال المفاوضات، قبل أن ينتقل للعمل كمسؤول داخل نفس الشركة التي أبرمت العقد، ويتولى إدارة المستشفى ممثلًا لها، وهو ما «فتح بابًا واسعًا للحديث عن تضارب المصالح»، بحسب فؤاد، الذي لفت إلى أن «ده مخالف للقانون 206 لسنة 2013 الخاص بتعارض المصالح، اللي بينص بوضوح على أن أي مسؤول شارك في تفاوض مع شركة خاصة بصفته الرسمية، لازم تمر 3 سنين قبل ما يشتغل في الشركة دي أو أي كيان تابع ليها، علشان نضمن مفيش شبهة استغلال للنفوذ».
خلال مقابلته مع «مدى مصر»، دافع مرسي عن موقفه، مؤكدًا أن «فيه جهات رقابية وسيادية متدخلة في كل تفصيلة، وشغلهم الأساسي الكشف عن أي شبهة تضارب مصالح». وأوضح: «أنا كنت مع إن معهد جوستاف روسي ييجي مصر، لكن أؤكد أنه [التفاوض مع المعهد] كان بتوجيه رئاسي وذلك قبل صدور القانون، وبسبب خبرتي في الأورام وعلاقاتي نجحت في التفاوض مع جوستاف روسي. وكان الاتجاه في البداية أن المشروع يكون في مستشفى نيو جيزة، لكن حصل طلب من جهة عليا أنه يكون في مستشفى هرمل. الاختيار ماكنش قراري».
وأشار مرسي إلى أن «التفاوض مع جوستاف بدأ من وقت ما كنت في الوزارة، وكنا اتفقنا على بنود مبدئية، لكن بعد صدور القانون الجديد الخاص بإدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية، بدأنا تفاوضًا جديدًا. دوري الأساسي في كل ده كان تحسين منظومة علاج الأورام في مصر، وده اللي حصل بالفعل في إطار المبادرة الرئاسية»، مضيفًا: «قبل صدور القانون، التفاوض كان مع مستوى أعلى وأطراف أخرى [رفض الإفصاح عنها]، وبعد صدور القانون، أصبح الملف بيد وزارة الصحة مباشرة»، لافتًا إلى أن عملية التفاوض استمرت عدة أشهر، لكنها بدأت بشكل جاد من نوفمبر الماضي وحتى فبراير.

ينص العقد المبرم بين الحكومة وشركة «إليفيت» والإدارة الجديدة لـ«هرمل» على منح الأخيرة حق تشغيل المستشفى لمدة 15 عامًا، على أن تحصل وزارة الصحة على 3% من الإيرادات خلال السنوات الثلاث الأولى، بحد أدنى 15 مليون جنيه سنويًا، وترتفع هذه النسبة تدريجيًا بدءًا من العام الرابع. كما يُلزم العقد الإدارة الجديدة بالحفاظ على نسبة لا تقل عن 70% من الأسرّة للعلاج المجاني، سواء من خلال قرارات العلاج على نفقة الدولة أو التأمين الصحي التقليدي والشامل.
ورغم تلك الضمانات، تراجعت خدمات العلاج المجاني بشكل ملموس خلال الأشهر الماضية، في ظل تعثر منظومة العلاج على نفقة الدولة، وغياب آلية رقابية واضحة تلزم الإدارة الجديدة بالشفافية أو المحاسبة، بحسب تقرير نشره «مدى مصر» في أبريل الماضي.
ويعد غياب الرقابة الحكومية، الذي لم يتطرق إليه العقد، أحد أبرز مخاوف نقابة الأطباء، وبالفعل حذرت منه في أثناء مناقشات القانون بالبرلمان العام الماضي.
«فجأة بسأل عن العلاج، قالوا لازم قرارات جديدة باسم مستشفى جوستاف روسي، و48 ساعة ويُفعّل. عدا أسبوعين ومفيش جديد، ولقيت أصلًا القرار اترفض»، تقول مريضة بالمستشفى، موضحة أنها تتابع علاجها داخل المستشفى منذ عام، حيث كانت «المعاملة جيدة للغاية، والعلاج متوفر»، بحسب وصفها.
لكن مع تولي الإدارة الجديدة، تراجع مستوى الخدمة العلاجية كثيرًا، خصوصًا أن طاقم الأطباء والموظفين الجدد ليست لديهم خبرة في التعامل مع الحالات داخل المستشفى. «ماشيين ببروتوكول إنهم يطفشوا الناس وخلاص. الطوارئ كانت خدمة 24 ساعة، حاليًا ده مش موجود. أطباء وتمريض مش فاهمين حاجة، وحتى علاج التأمين زاد أضعاف»، تقول المريضة.
وبحسب موظف داخل المستشفى، فقد توفيت طفلة، بداية الأسبوع الماضي، ووقعت مشادة بين والد الطفلة وأحد أفراد الأمن، تعرض خلالها والدها للاعتداء، وهناك فيديو يوثق الواقعة. كما أفاد موظف سابق بالمستشفى، بوفاة طفل آخر خلال نفس الأسبوع، موضحًا «كان المفروض يتعمله بَزْل وما تلحقش، وبعد ما اتعمله بَزْل بره اتوفى».
يقول فؤاد إن شكوى وردت إليهم بشأن وفاة طفل بسبب ما واجهته أسرته من عراقيل في أثناء محاولة إدخاله المستشفى لتلقّي العلاج، كما تُوفيت الطفلة في ظروف مشابهة. وبحسب فؤاد، فإن الشكاوى المتكررة التي تلقاها المركز تشير إلى وجود ارتفاع ملحوظ في عدد وفيات الأطفال المصابين بالأورام داخل المستشفى خلال الفترة الأخيرة.
من جهته، نفى مدير المستشفى وجود إهمال في الرعاية التي تلقاها الطفل الذي تُوفي الأسبوع الماضي، مؤكدًا أن حالته كانت متأخرة، ووفاته لم تكن ناتجة عن أي تقصير في تقديم الخدمة الطبية له.
خلال مقابلته مع «مدى مصر»، اصطحب مرسي الصحفي إلى إحدى الغرف الواسعة التي أُعيد تجديدها، والتي قال إنها تعكس النموذج الاستثماري الجديد للمستشفى. أمام تلك الغرفة، جلس العديد من المرضى على الأرض في انتظار تلقي العلاج أو تقديم شكاوى، بينما تجمع العشرات في الطابق السفلي، للاحتجاج على نظام الإدارة الجديد، ليبدأ مرسي في توجيه الموظفين لتنظيم استقبال الشكاوى، وأشار إلى أحد أفراد الأمن قائلًا: «هذا فرد الأمن الذي تجاوز في تعامله مع أهالي المرضى، وقد تم تحويله بالفعل إلى التحقيق».
وأكد مرسي أنه جرى بالفعل تغيير شركة الأمن بعد تسلم الإدارة الجديدة للمستشفى، إلا أن بعض أفراد الشركة السابقة ما زالوا متواجدين. وبحسب قوله فإن الشركة الجديدة تلتزم بتنفيذ التعليمات، إلا أن تطبيقها الصارم أحيانًا أدّى إلى بعض الاحتكاكات. «هناك أخطاء من قِبل بعض أفراد الأمن، وسيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة ومحاسبة المسؤولين عنها»، يقول مرسي، مضيفًا: «لا أنكر أن بعض الموظفين بحاجة إلى إعادة تأهيل في كيفية التعامل مع المرضى، إلا أن معالجة هذه الأمور تتطلب بعض الوقت».
رغم اعترافه بوجود أزمات، دافع مرسي عن العقد، معتبرًا إياه «خطوة مهمة لضمان استمرار تقديم الخدمة الصحية»، موضحًا أن «قبل التعاقد، كان المستشفى بيكلف موازنة الدولة 180 مليون جنيه سنويًا. دلوقتي البيئة التشغيلية الجديدة بتقلل من حجم الخسائر». وأشار إلى أن وزارة الصحة لا تتدخل في الإدارة، لكنها ممثلة في مجلس إدارة المستشفى، وتابع: «كنا نتمنى أن يتم التطوير بشكل أسرع، لكن إحنا بنشتغل في ظروف معقدة»، لافتًا إلى أن عدد طلبات العلاج على نفقة الدولة التي تسلمها المستشفى، منذ بداية يونيو الجاري، بلغ 2227، تمت الموافقة على 2140 منها.
أما عن تفاصيل التفاوض، أشار مرسي إلى أن المسودة الأولية التي وُضعت قبل صدور قانون التأجير كانت تتضمن مشاركة الحكومة بـ30% من العمالة في الخطة التشغيلية، لكن بعد تدخل البرلمان، تم تعديل النسبة لتصبح 25%، مع إدخال بنود إضافية تخص الالتزامات المالية للإدارة الجديدة تجاه الدولة.
كانت طبيبة داخل المستشفى قالت لـ«مدى مصر» في وقت سابق، إن الإدارة الجديدة قررت، فبراير الماضي، الاستغناء عن عدد كبير من الأطباء، مع الإبقاء على مجموعة منهم فقط بشرط العمل 12 ساعة لستة أيام أسبوعيًا. «إحنا عمالة رخيصة […] الإدارة الجديدة عايزة تستعبدنا»، بحسب تعبير الطبيبة وقتها، وأوضحت أن وزارة الصحة قررت نقل المفصولين إلى مستشفيات حكومية جديدة، «لكن هنشتغل في أماكن مش تخصصنا، والأمور حتى الآن مش واضحة».
مرسي أوضح أن بداية الأزمة تعود إلى رحيل اثنين من كبار الأطباء بالمستشفى، قبل أن تستعين الإدارة بأطباء فرنسيين للإشراف على الفريق الطبي، وهو اعتبره سببًا في إثارة حفيظة الطبيبين، محملًا إياهما مسؤولية رسم صورة قاتمة عن تدهور الرعاية الصحية داخل المستشفى.
ولفت مرسي إلى أن المستشفى كان يضم نحو 1200 موظف، بينهم 450 بعقود مؤقتة، لكن بناءً على عدد الأسرّة داخل المستشفى، لم تعد الإدارة بحاجة إلى أكثر من 350 موظفًا، ما أدى إلى نقل باقي العاملين إلى مستشفيات حكومية أخرى، فيما احتفظت الإدارة بعدد كبير من الموظفين الأساسيين، واستغنت عن نسبة كبيرة من الطاقم الإداري.
في النهاية، تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير». «المستشفى اللي كنا بنتعامل فيها كبني آدمين، وكان فيها اهتمام كبير بالمرضى وكأنها بيتنا التاني، بقينا دلوقتي بنتعامل فيها زي الحيوانات. كل شوية ملفات تضيع، أو دكاترة تعتذر، ونقف في الشمس من الساعة 8 الصبح لحد الساعة 2» تقول إحدى المريضات.
تقارير ذات صلة
الضريبة على «المشروبات المُحلاة».. بحثًا عن صحة أفضل أم موارد أكثر؟
مصدر: وزارة المالية متحفظة على إقرارها تجنبًا لأية إجراءات قد تغذي صعود التضخم الذي بدأ في التحسن
«التصرف السياسي» يحكم مصير إمبراطورية «بلبن»
إمبراطورية «بلبن» من «آسفين عشان جامدين» إلى «لو في غلط متقتلنيش».. فلم يقتلوا
مرضى سرطان بلا علاج في مستشفى هرمل بعد تولي القطاع الخاص إداراتها
منع العلاج لأطفال الأورام داخل المستشفى من الإدارة الجديدة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن