اللي طلع م البيضة
خطوة عزيزة #4 | المطبخ
#جو عام
في «خطوة عزيزة» نستضيف القراء في غرف السلسلة التي وضع أساسها ودعا الناس للإقامة بها، هيثم الشاطر وهاني المصطفى للكتابة عن البيوت. وهذه المرة ندخل مع أحد مؤسسيّ السلسلة إلى أحب أماكن البيت، لكننا لن نطبخ أو «نلّقط»، بل سنحلق مع بطلة قصة كتبها هاني المصطفى، التي انقلبت حياتها تمامًا بسبب مقلب تعرضت له في المطبخ، ولنرى العالم اللي طلع منه.
#خطوة عزيزة
كنت في السادسة من عمري عندما استيقظت ذات صباح لأجد طبق البيض الموضوع على طاولة المطبخ بداخله بيضة مكتوب عليها بقلم رصاص مرتعش: «ماتاكولنيش، أنا نفسي أكبر وأبقى كتكوتة!»، صرخت وجريت نحو أبي الذي ذهب لإلقاء نظرة على تلك البيضة. ثم احمر وجهه ودخل غرفة أخي الأكبر ليوبخه على ترويعه لأخته الصغرى.
لا أعلم عدد المرات التي تقيأت فيها كلما أكلت بيضة، أو دجاجة، أو قطعة كيك، أو أي شيء تحتوي مكوناته على بيض أو دجاج. ثم تطور الأمر بشكل غير مفهوم للحليب والجبن والزبادي وباقي مشتقات الألبان. قد يكون اللون الأبيض الذي يذكرني بحادثة البيضة؟! تعامل أبي مع هذا الأمر في البداية باحترام الخوف الذي اعتراني يومها، ثم تطور إلى محاولات لإقناعي أنها كانت مجرد دعابة سخيفة من أخي، ثم تحول إلى إطعام بالإجبار والذي رفضته وتقيأته، ونُقلت إلى المستشفى في حالة إغماء بسبب الجوع وعُلقت لي محاليل.
من هنا بدأ أبي معي رحلتي العلاج العضوي والعلاج النفسي. شعر أخي الأكبر بالذنب، فصالحني بشراء«بيضة كِندر» بداخلها لعبة. اقتسمناها معًا، هو الشوكولاتة وأنا البيضة بلعبتها، وكانت هذه البيضة الوحيدة التي لا تشعرني بالغثيان.
قضى والدي أيامًا وشهورًا مهمومًا بحميتي الغذائية الناتجة عن تلك الصدمة. شُل تفكيره تمامًا في إيجاد حلول لهذه المأساة الجديدة بأثقالها النفسية والمادية. كان أبي شديد الصرامة تجاه مسألة تغذيتنا. فقد عانى في صغره من وفاة أمه التي لم تقو ركبتيها على حمل جسدها الضخم بعد حلول كثيرة كحقن الكورتيزون وتركيب المفاصل بعد ذلك. ربط أبي بين معاناة أمه ووقوفها بالساعات لطهو مأكولات تستنزف الوقت والصحة كالمحاشي وصواني البطاطس بالدجاج والمكرونة البشاميل وحتى فنجان القهوة ذات الوجه، فحرّمها على نفسه، ومن ثم على بيته بعد زواجه من أمي، التي لم تحتمل عاداته الغذائية الحنبلية، وانتهت علاقتهما بالانفصال بعد سنتين فقط من ولادتي. وزهد في أن تكون له شريكة حياة جديدة، لكيلا تفسد عليه وعلينا نظامه المعيشي، فوفر لنا أكثر الأغذية الصحية وسار الأمر على ما يرام لسنوات حتى أفسده أخي الأكبر بدعابته الحمقاء.
أُصبت ببعض أعراض لين العظام في بعض أجزاء جسدي، فأصبحت أعرج عرجة خفيفة في أثناء مشيي، تظهر جلية إذا حاولت الركض. كما أنني لا أستطيع الوقوف لوقت طويل، أو حمل أشياء ثقيلة جدًا. وتأثرت أسناني ببعض الهشاشة تختبئ وراء بعض التركيبات والتقويمات. شعري أيضًا أصبح كثير التساقط، وأعاني معظم الوقت من خمول عام. لم يتوقف أخي الأكبر عن الشعور بالذنب حيال كل ذلك.
ورث أخي الأكبر وسواس أبي بالصحة العامة والتغذية، كما أن معيشتنا بمفردنا، ومقاطعة أبي لكل أفراد عائلتنا عندما كنا صغارًا، جعلت منه مسؤولًا عن إعداد الطعام، وخصوصًا في أثناء غياب أبي بسبب العمل المسائي في بعض الأيام. شكل ذلك ضغطًا على أخي خاصة عندما كنت أرفض تناول بعض الأطعمة أو المشروبات التي يعدها لي. بل إنه صارح أبي بعدم قدرته على استذكار دروسه بسبب رعايته لي، وأخبره بحاجته للحصول على مجموع مرتفع للالتحاق بكلية هندسة البترول والتعدين في السويس. كان قد ذكر لي في إحدى ثوراته الغاضبة أنه يريد أن يذهب إلى السويس «عشان أرتاح من وشِّك!» وهذا ما أجبر أبي على التخلي عن عمله المسائي، وتوفير نفقات معيشتنا التي ضاقت بسبب العناصر الغذائية باهظة الثمن التي أصبحت لا أستطيع العيش دونها مثل حليب اللوز وزبدة الفول السوداني على حساب مصروف أخي الشخصي، وهو ما وافق عليه أخي طالما أنه لن يصبح مسؤولًا عني، أو عن قضاء وقت طويل بالمطبخ.
ولعله الآن يلعن ذلك اليوم الذي دخل فيه المطبخ ليكتب دعابته الحمقاء على البيضة، ليحول مسار أحلامه من الخلاص الفردي والهروب من البيت والمدينة بأسرها، إلى الاهتمام بي وبصحتي المتدهورة وتعزيز ذلك بالدراسة وتحضير وصفات صحية. قرر أن يغير قراره بدراسة الهندسة بتحويل شعبته العلمية في الثانوية العامة إلى شعبة العلوم. وبذل جهدًا مضاعفًا في المذاكرة ليلتحق بكلية الطب أو الصيدلة، كي يدرس وسائل علاجية لحالتي الصحية المستعصية أو وسائل تعويضية للمكونات الغذائية التي لا أستطيع تناولها. فعاش العام الأخير من الثانوية العامة بين كتب المدرسة والإنترنت والمطبخ.
لم يستطع أخي أن يلتحق بكلية الطب، ولا بالصيدلة. حصل على مجموع أقل بكثير، فدخل كلية العلوم وبكى بكاءً شديدًا لتبخر حلمه. أخبره أبي وأحد أصدقائه أنه إن استطاع النجاح في العام الأول بتقدير امتياز، فسيصبح قادرًا على التحويل إلى الصيدلة. وهذا ما قرر فعله. ووجد أنه يستطيع أن يستغل وجوده بالمطبخ لتعزيز دراسته النظرية بالتطبيق العملي، فتطور بحثه من مجرد وصفات صحية سهلة الإعداد إلى وصفات لتحضير المكونات نفسها.
تعلم كيفية صنع حليب اللوز لي بتحميص اللوز قليلًا ثم طحنه في الخلاط وهو ساخن، ليخرج منه بعض الزبد، يضيف إليها قليلًا من زبدة جوز الهند التي لا تصيبني بسوء، ثم إضافة الماء تدريجيًا وحفظه في درجة حرارة معينة كي يتحول إلى حليب أستطيع شربه. قل تساقط شعري بشكل ملحوظ بالمداومة على شرب هذا الحليب. كما تعلم أن إضافة معجون التفاح بدلًا من البيض في الكيك يجعله مستساغًا بالنسبة لي أيضًا. وطلب مني الصبر قليلًا على بدائل البروتين الحيواني حتى يتقدم قليلًا في دراسته.
نقلنا مكان استذكارنا من السفرة إلى المطبخ بسبب تلك التجارب التي يصنعها أخي ويجربها معي. «هذا آمن يمكنك تناوله، ضعي هذا على شعرِك، هذا جيد لأسنانِك، هذه جيدة لعظامِك،..» فواصل كهذه كانت تتخلل أوقات مذاكرتي. وكانت تفلح في معظم الأوقات، ما يشجع أخي على المضي قُدمًا في هذا الاتجاه. طبعًا لم يتغير أخي مائة بالمائة، وظلت هناك بعض المداعبات من حين لآخر، وأيضًا لأنني كبرت على تصديقها وأخذها على محمل الجد. فكتب لي رسالة ذات يوم معلقة في سُباطة الموز تقول:
«عزيزي المستهلك.
تحية طيبة وبعد؛
نحن سكان شجر جزيرة الموز الذين تشرفنا باستقرار أهلونا على رخامة مطبخكم الكريم. نود أن نلفت عنايتكم ببعض الإرشادات التي ستمكنكم من الاستمتاع بسُباطة الموز أشد استمتاع.
أولًا: لا تضع سباطة الموز على ظهرها ولا على جنبها الأيمن أو الأيسر. وبالطبع ليس على بطنها. الوضع الأمثل لسباطة الموز هو أن تكون في وضع مشابه لوضعها الطبيعي على الشجرة. أي معلقة. أخرجها من الكيس الذي وضعتها به. أبرم الكيس جيدًا ثم أدخله بين أصابع الموز واصنع منه حلقة. علقه على مسمار في الحائط أو علاقة أو حتى أحد مقابض ضلف دولاب المطبخ العلوية. أما إذا أردت أن تحصل على النتيجة الأفضل لنضج الموز، فعلقه على شباك نافذة المطبخ واتركها مفتوحة بعض الشيء.
نعم هكذا، كي يتسنى لنا نحن سكان شجر جزيرة الموز من القردة سرقته.
نشكركم على حسن تعاونكم معنا!»
وعندما شكوت ذات مرة من تراكم المواعين في حوض المطبخ، دخلت الحمام لأجد كفين مقطوعين وقدمًا وأسنانًا متسخة، فخرجت من الحمام أصرخ. فهدّأ أخي من روعي قائلًا لي هكذا تبدو المواعين بالنسبة له، إذا غسلنا ما نستعمل أولًا بأول ستُنسف أسطورة غسيل المواعين من الأساس. نجحت معي هذه الصدمة في التعامل مع ملف المواعين، وبالطبع لم أخبر أبي بفعلة أخي الجنونية حتى لا يعاقبه، وأيضًا رحمة به وشفقة عليه.
تعافى أبي من فزع أمراضي الجديدة ووجد سلواه في محاولات أخي الناجحة للتكفير عن ذنبه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، أصبح هذا الموقف الجديد فرصة لتوفير مصاريف أخي الجامعية من خروج وخلافه، لأنه أصبح منهمكًا في دراسته وفي مساعدتي، مما أراح أبي من عناء كسب المزيد من المال. اهتمامنا أنا وأخي بصحتنا وغذائنا أيضًا انعكس بالإيجاب على مزاجه العام، وشجعه على فتح العلاقات مع بعض الجيران وأفراد العائلة. فقد تأكد أننا لن نأكل إلا ما ينفعنا، ولن نضعف أمام الإغراءات.
كان يسعد عندما نصمم أن نتناول الفاكهة أو الحلويات قبل الطعام مهما استنكر مضيفونا ذلك، أو عندما نرفض شرب المياه الغازية والماء المثلج في عز الصيف ونفضل الشاي الأخضر أو الماء من الفلتر. كما أننا أصبحنا نبشر بعقيدتنا الغذائية الجديدة في محيط العائلة والأصدقاء دون خجل، وأصبح أخي نجم هذه الجلسات بفيض المعلومات عن كل الأطعمة والوصفات لأشهر المأكولات التي يظن البعض أنها من المستحيل أن تُصنع في المنزل.
في أحد الأيام أقام أحد أقاربنا الميسورين حفلة عيد ميلاد ابنه في أحد المطاعم الفخمة ودعانا للحضور. شعر أبي أنها محاولة استعراضية من قريبنا هذا فاعتذر. وعندما حوصر بالإلحاح من جهة قريبنا، ومن جهتي أنا وأخي، وافق لكنه اشترط أن يتصل بالمطعم للتأكد من وجود «منيو فيجان» من أجلي.
بعد انتهاء عيد الميلاد، لمح أخي بطاقة موضوعة على الطاولة باسم المطعم، وعلى ظهرها استبيان رأي عن جودة الطعام والخدمة. طلب أخي من النادل قلمًا كي يكتب ملاحظاته على جودة الطعام واقتراحاته ليكون صحيًا واقتصاديًا أكثر. كتب أيضًا عنوان بريده الإلكتروني ورقم هاتفه المحمول.
في اليوم التالي، عاد أخي يرقص من الجامعة ليخبرنا أنا وأبي أن إدارة المطعم اتصلت به وعبرت عن انبهارها بثقافته المطبخية، وعرضت عليه وظيفة طباخ تحت التمرين. عانقت أخي وقبلت رأسه العبقرية، بينما انعقد لسان أبي من السعادة وانهمرت الدموع من عينيه، فارتمينا أنا وأخي في حضنه ولم نفهم شيئًا من همهماته سوى «يامّا انت كريم يارب!» لم يمانع أبي فرصة عمل أخي، لكنه طلب منه أن يخبرهم أنه سيبدأ في أول أيام إجازة نصف العام.
أخبرت إدارة المطعم أخي أنهم ليسوا متأكدين من بقاء فرصة العمل إلى ذلك الوقت، وأعطوه يومًا للتفكير ومشورة أبي. بدا على أخي أنه يريد هذه الفرصة بشدة، أخبره أبي في البداية أن هذه الوظيفة قد تؤثر على التزاماته معي، فأعفيتُ أخي من هذه المسؤولية متعللة بتوافر كمية كبيرة من الأطعمة بالفعل، وأضاف أخي أنه سيصنع لي أضعاف هذه الأطعمة في أثناء فترة عمله بالمطعم. لكن عندما ذكره أبي بحلم الامتياز والتحويل إلى كلية الصيدلة، تراجع حماسه عن قبول الوظيفة. ولم يبد لي أنه أخبرهم بقراره. وعاد أخي إلى روتينه اليومي، وصنع لي كميات مضاعفة من الأطعمة والمواد الغذائية الخاصة بي، ليتمكن من استذكار دروسه لوقت طويل.
قبل آخر امتحان أصبح أخي مُحبطًا بشدة، ويجلس في غرفته ولم يخرج منها إلا للضرورة، رغم كل محاولاتنا معه للجلوس معنا أو التحدث إلينا. لم أصدقه عندما قال لي إنه أجاب بشكل جيد على الأسئلة في أول امتحانين، فقد أصبح قليل الكلام في المطبخ ونحن نأكل ونستذكر دروسنا، وعندما سألته تعلل بصعوبة مادة الامتحان الأخير.
في ليلة آخر امتحانات أخي، جلست وحدي في المطبخ مفتقدة إياه بشدة. لم أجد أنسًا سوى مع علب الأطعمة والمكملات الغذائية التي صنعها لي. أقرأ مكونات هذا العنصر الغذائي أو ذاك التي يلصقها على الكرتونة من الخارج. ربما لأنه يخشى أن ينساها إن أراد صنعها مجددًا. أو ربما يريد إضافتها على صفحته على الفيسبوك من أجل زيادة متابعينه. وجدت وسط الأوراق وصفات لم يجربها بعد، كوصفة صنع الزبادي من لبن اللوز، ووصفة شيء يُسمّى التوفو. يبدو أن أحلامه كانت أكبر بكثير مما يستطيع تحقيقه في هذه الكلية. وضعت جميع العلب والوصفات على طاولة المطبخ واحتضنتها جميعًا وزالت الوحشة بعض الشيء. وولدت فكرة في عقلي أسررت بها إلى أبي الذي وافقني على الفور.
في أول أيام إجازة نصف العام، استيقظ أخي ليجد إلى جانبه مبلغًا معقولًا من المال، وبجانبه رسالة مني ومن أبي تخبره بأننا خرجنا في جولة على محلات بقالة الحي بعينات من أطعمته واتفقنا على بيعها لهم بمقابل مادي مجزٍ، شريطة استخراج أوراق رسمية تعهد أبي بتحمل مسؤوليتها كاملة، وإلى جانب الرسالة والأموال بيضة كندر بداخلها لعبة.
ناداني أخي من الداخل لنفتح البيضة معًا. التهم الشوكولاتة وأعطاني البيضة كي أفتحها لأجد بداخلها أجزاءً ملونةً لطائر خرافي وورقة بها رسوم لخطوات تجميعها. لمعت عيناي فابتسم وداعب أنفي ثم قام ليفتح شباك غرفته المغلق منذ أيام. وعاد لنجمع معًا أجزاء هذا الطائر الخرافي، وكان هذا أول نشاط جمعني به منذ سنوات خارج المطبخ.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن