تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الفن من حولنا: «حالة عشق» و6 فنون للسرد 

الفن من حولنا: «حالة عشق» و6 فنون للسرد 

كتابة: دينا حسين، لينا عطاالله 4 دقيقة قراءة

شاهدنا في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي فيلم كارول منصور الوثائقي «حالة عشق»، الذي يتتبع رحلة الجرّاح غسان أبو ستة في غزة وخارجها. تقدّم لنا منصور فيلمها الوثائقي في قالب تقليدي لا يحاول الإغراق في التجريب، فهي تعتمد على ثقتها في القصة وفن السرد الجيد.

ما هي مكونات فن السرد الجيد بالنسبة لكم؟

بالنسبة لنا، تعتبر التفاصيل مكونًا أساسيًا، تفاصيل تشابك الحبكات الرئيسية والفرعية، مما يعكس تعقيد القصة. لا نبحث عن التعقيد حبًا في التعقيد، فقط إدراك تشابك وتعددية وتناقضات حياتنا، في ذلك لمحات من الجمال والفكاهة في أحلك الأماكن. السينما هي حقل مغناطيسي يجذب ما بداخلنا إلى الخارج، وفي الوقت نفسه، يتمايل بنا عائدًا إلى داخلنا. تخرج من قاعة السينما وتتساءل: ماذا حدث للتو؟ كيف أثَّرَ فيَّ هذا الفيلم؟ كيف أضاف لقصتي أو أزال منها؟ تركنا القاعة بهذه الأسئلة بعدما شاهدنا «حالة عشق».

باح أبو ستة برأي والده، طبيب الأطفال، بأنّ الجراحة التجميلية بمثابة طب مبتذل. تحدث عن صراعه مع المعنى، ولم يتردد مرة أخرى في وصف الجراحة التجميلية بالكابوس الذي لاحقه إلى غزة قبل الإبادة، حين عثرت عليه امرأة أجرى لها عملية لأنفها لتخبره بأنّ النتيجة لم تُعجبها. يصبح سرد القصة هنا فعلًا من البوح.

ينتقل أبو ستة من جراحة التجميل إلى نزع مِزَق البوليستر المحترقة والملتصقة بأجساد الأطفال، وإزالة الشظايا التي لا تُحصى من أفخاذهم، وبتر أطرافهم. كانوا كثيرين. في لحظة ما، أدرك أنّ عددًا من هؤلاء الأطفال فقد كامل أفراد أسرته. كانوا أطفالًا وحيدين تمامًا على أرضيات المستشفى وأسِرّته. نشاهد بشكل متقطع المشاهد المروعة من غزة، الإبادة الجماعية المتلفزة التي أمسينا معتادين على وجودها في حياتنا اليومية. هذا التنقل بين الصور الشاملة للدمار ورواية أبو ستة الشخصية يذكرنا بأنّنا مهما عرفنا القصة من جميع جوانبها، تظل تجربة عيشها مصدرَ معناها الحقيقي وحياتها. حرص أبو ستة على تذكيرنا بأنّه قبل كل هذا الموت، كانت توجد مؤشرات على حياة عادية لم يُكتب لها التحقق، مثل طلاء الأظافر على أطراف أصابع الفتيات.

نرى حساسية التعامل مع الموت ورعاية الرفات البشري، رغم العدد الهائل من الضحايا في غزة. تحدث أبو ستة عن مقبرة صغيرة خُصصت لدفن أذرع وأرجل الأطفال المبتورة. كل طرف مبتور كان قبل دفنه يُوضع في صندوق صغير يحمل اسم صاحبه. قصة كهذه قد تكون مدخلًا للفلسفة، فهي تفتح تساؤلات عن كيف نعيش بعد كل هذا الموت، بعد كل من ماتوا.

والقصة تتحول لمادة سياسية حين نرويها من مواقعنا. يتحدث أبو ستة عن الملابس المصنوعة من البوليستر الرخيص التي يرتديها الناس في غزة، والتي تشتعل بسرعة وتلتصق بأجسادهم، لتحرقهم حتى الموت. كانت هذه طريقته للحديث عن عوز المضطهَدين، وعن عنف الفقر والعوز وسط هذا المشهد الوحشي.

والقصة أيضًا هي خيال عابر. نرى أبو ستة يقود سيارته في شوارع مدينة الكويت، حيث نشأ، مشيرًا إلى موقع منزله القديم، ثم يقف أخيرًا أمام عيادة والده. يقول: «مش كان أحسن أروح على عدن؟» يتذكر أبو ستة حين كان شابًا أنّه أخبر والده ذات يوم برغبته في الذهاب إلى عدن ليلتحق بمعسكر تدريبي. رد والده قائلاً: «هيدا أصبع البنا، في يوم حيشاور الناس بالبنان ويحكوا هدا غسان أبو ستة»، في محاولةٍ منه ليغريه بالتركيز على دراسة الطب. توقفنا للحظة لنتخيّل الحياة الأخرى التي كان ليعيشها لو ذهب إلى عدن.

يبدو جسد أبو ستة محدودبًا قليلًا؛ يمكنك أن تلاحظ ذلك من طريقة مشيه أمام الكاميرا. يتحدث عن المضي قدمًا من خلال نوع من الزخم نحو الأمام. نبحث عن تعريف «الزخم نحو الأمام» في القاموس: «إذا اكتسبت عملية أو حركة زخمًا، فإنّها تستمر في التطور أو الحدوث بتسارع وتصبح أقل عرضة للتوقف». هذه طريقة مُضي أبو ستة قدمًا، طريقة مضي الفيلم قدمًا، وطريقة استمرار النضال ضد الظلم من خلال هذه القصة والعديد من القصص الأخرى. نحب الفكرة القديمة بأنّ القصص تُروى لتترك لنا شيئًا، درسًا أو عبرة ربما.

حصدت كارول منصور ومنى الخالدي، مخرجتا الفيلم، جائزة سعد الدين وهبة عن فئة أفضل فيلم عربي في المهرجان، إلى جانب جائزة مسابقة الفيلم الفلسطيني وجائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فئة أفضل فيلم وثائقي طويل. جاء الفيلم ثمرة جهد جماعي مشترك، حيث دعمه الكثيرون بشكل عفوي وبعيدًا عن شركات الإنتاج الكبرى، فأضفى مزيدًا من العمق على عنوانه. بالإنجليزية، حالة عشق يترجم لـ«state of passion». حالة هنا هي نفس كلمة دولة. لنتخيل دول عشق كحل الدولة الوحيد. 

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن