على موتوسيكل هندي موديل «بوكسر 2020»، جلس عمر مرتديًا جاكيت شركة «طلبات» البرتقالي، يضيّع الوقت في قرقضة أظافره، ومراقبة المارة في شارع 9 بالمعادي، والاستماع إلى أغاني المهرجانات من خلال التليفون المثبّت على جادون الموتوسيكل، ومن حين لآخر، يتابع الساعة. كانت 8:50 ليلًا، وبقيت أمامه 14 دقيقة على استلام وجبة من مطعم يقدّم الفراخ المقلية، ضمن مطاعم الوجبات السريعة المنتشرة في الشارع الموازي لشريط المترو.
قبلها بيوم، في 9 أبريل الماضي، أنهى عمر مع زملائه الطيّارين إضرابًا عن العمل ضد إدارة الشركة. استمر الإضراب ثلاثة أيام لرفع أجرة توصيل الطلب أربعة جنيهات إضافية. تتفاوت أسعار خدمة الدليفري في تطبيق «طلبات» بالنسبة للمستهلك على حسب نوع المطعم وأسعار الطلبات به وبُعد المسافة بينه وبين العميل، لكن في كل الأحوال يحصل عامل الدليفري من خدمة التوصيل التي يدفعها المستهلك على 15 جنيهًا بالنسبة للطيارين الذين يتمتعون بتقييم جيد، أو 13 و12 جنيهًا بالنسبة للعاملين الذين لا يتمتعون بأعلى تقييم في التطبيق.
التحق عمر بشركة طلبات قبل ثلاثة أشهر من الإضراب. يتلقى التطبيق طلبات المستهلكين، ويوفر عمر خدمة التوصيل. سّهل من التحاقه بهذا العمل امتلاكه موتوسيكل جديدًا وموبايل آيفون موديل 7 بلس، وهو رأس المال الذي يستند عليه الطيارين في التحاقهم بتلك المهنة، اشتراهما من أرباح عمله السابق كمستأجر مع مجموعة شركاء لأحد أكشاك «أمان» التابعة لوزارة الداخلية.
يعمل عمر 10:35 ساعة يوميًا، وهي فترة الوردية في التطبيق بالنسبة لعمال الدليفري. لا يمتلك حرية قبول أو رفض طلب دون الآخر، كما لا يمتلك رفاهية الاستئذان أو الانصراف المبكر من الوردية. وإذا حدث ذلك، يُعتبر كأنه غاب أو تأخر، ويخفّض التطبيق من تقييمه أوتوماتيكي.
أحيانًا، يواجه العاملون صعوبة في الوصول إلى العنوان الذي وضعه المستهلك، أو أن يكون اسم الشارع غير مطابق لاسمه في الخريطة الموجودة في التطبيق. في تلك الحالة، وبحسب عمر، يجب أن يراجع الطيار بيانات العميل مع خدمة الدعم الفني التي توفرها الشركة. لكن إدارة الدعم الفني لا توفّر لهم المساعدة الكافية، بحسب عمر، وهي إحدى المشكلات التي طالب العمال بإصلاحها أثناء الإضراب.
قبل أسبوعين من الإضراب، كان على عمر توصيل طلب في حي دار السلام. انطلق من شارع أحمد زكي إلى أن وصل عند كوبري دار السلام، ولم يستطع الوصول إلى البيت. اتصل بخدمة الدعم الفني، لكن بدلًا من أن يساعدوه ألغوا الطلب، وانخفض تقييمه داخل التطبيق حتى أصبح مقابل حصوله على التوصيل 13 جنيهًا بدلًا من 15. هناك أسباب أخرى لخفض التقييم، مثل أن يتأخر المطعم في إعداد الطعام، أو اضطرار عامل الدليفري إلى الاتصال بالعميل نفسه. وكلها أسباب لا ذنب للعامل فيها.
منذ بداية شهر رمضان الماضي، اضطر عمر إلى الإفطار والسحور في الشارع، لأن وردية العمل في التطبيق تستغرق 10:35 ساعات، ويجب إكمالها دون إغلاقها. زوّد ذلك من تكلفة العمل عليه بسبب اضطراره للإفطار أو السحور كل يوم في الشارع، وهو ما ضايق الطيّارين ودفعهم إلى المطالبة بزيادة قيمة التوصيل. يحقق عمر يوميًا حوالي 300 جنيه مقابل متوسط عدد الطلبات التي ينجزها، عادة تكون بين 20 و25 طلبًا، يُخصم منها 30 جنيهًا للبنزين، و20 جنيهًا من أجل صيانة الموتوسيكل أو الإصلاحات الطارئة، فيتبقى معه 250 جنيهًا. عندما اضطر إلى الإفطار والسحور خارج البيت، انخفضت يوميته إلى أقل من 150 جنيهًا، حدث ذلك مع جميع الطيارين دون أن يلاحظ «سيستم» الأبليكشن، فلجأوا للإضراب.
انضم عمر للإضراب عن طريق مجموعات واتسآب التي يتجمع عليها عمال الدليفري العاملون في الشركة. «كنت رايح أوصل طلبين في مصر حلوان الزراعي لقيت الشباب بيتجمّعوا، وطلبت منهم ينتظروني أوصل الطلب وأروح معاهم، طلعنا من شارع مصر حلوان الزراعي ولمينا الطيارين من شارع اللاسلكي وزهراء المعادي، وروحنا عند مقر الشركة في الزهراء». كانت هذه أول تجربة للإضراب يعيشها عمر، وقرر الانضمام لها بعد تفكير منطقي: عدم الاشتراك في الإضراب كان يمكن أن يسبب له خسارة مادية، إذ سيكون مضطرًا إلى تغطية أغلب أحياء جنوب القاهرة لعدم وجود عاملين متاحين في التطبيق، ما يضطره لقطع مسافات أكبر بين المطاعم والمستهلكين، وبدلًا من أن يوصل طلبين في الساعة يوصل طلبًا واحدًا. «لو اشتغلت على الأرض لوحدي هتسوح، ممكن أكون موصّل طلب في شارع مصر حلوان الزراعي ويجيلي أوردر في صقر قريش، أطلع فاضي وأحرق بنزين كتير».
كان طول المسافة التي يغطيها عامل الدليفري مع شركة «طلبات» أحد الانتقادات التي نادى العاملون بتصحيحها، لأنها تعني مزيدًا من احتراق الوقود وقلة عدد الطلبات التي يحققها. يوصّل عمر الطلبات في نطاق أكبر من حي المعادي، ويضطر لتغطية الأحياء الممتدة بين الكورنيش والأوتوستراد ودار السلام والمعادي وطرة وكوتسيكا.
الشيء الثاني الذي يبرر عمر من خلاله سبب انضمامه للإضراب أن «إضراب الطيّارين لمصلحتنا كلنا».
يعدّ إضراب أولئك العمال أول إضراب لعمال دليفري ضد شركة تتعاقد مع عمالها من خلال التطبيقات الحديثة في مصر، بعد إضراب سائقي أوبر قبل عامين.
لإنهاء إضراب العاملين في توصيل الطلبات، قررت الشركة منحهم مكافآت في شهر رمضان تشمل 250 جنيهًا أسبوعيًا لكل 45 ساعة عمل، و400 جنيه أسبوعيًا لكل ستين ساعة عمل، و600 جنيه أسبوعيًا لكل 80 ساعة عمل، لكنها لم تقدم أي وعود بشأن المطلب الرئيسي لإضراب العاملين، أي زيادة مقابل توصيل الطلبات أربعة جنيهات للطلب الواحد. ما اعتبره عمر «تثبيت» من الشركة للطيارين، بحسب تعبيره.

أحيانًا تدور في ذهن عمر أفكار مقلقة أثناء عمله، أكثرها قلقًا أن يدخل بيت لتسليم طلب ويخرج منه فلا يجد «المكنة»، ما يعني خسارة السبيل الوحيد لأكل عيشه. في الغالب، عندما يتعرض أحد الطيارين لذلك لا تقف بجانبه الشركة. حضر عمر أكثر من مناسبة لجمع تبرعات من أجل أحد الطيارين لتعويضه عن سرقة مكنته أو التكفّل بمصاريف علاجه إذا تعرض لحادث، إذ لا تلتزم الشركة بتكفّل مصاريف علاج المصابين من الطيارين في الحوادث التي يتعرضون لها على الطرق السريعة، أو تعويضهم عن الأيام التي يقضونها في العلاج. بعد مرور ثلاثة أشهر على عمل عمر مع «طلبات»، لم يعرض عليه أحد في الشركة أي تأمين ضد الحوادث، وهو أحد الطلبات التي نادى بها الطيارون في إضرابهم.
ومع ذلك، يحقق عمر يوميًا للشركة أكثر من 20 طلبًا خلال عشر ساعات ونصف، بمعدل طلبين في الساعة، يُحصّل خلال الوردية بين 5000 إلى 6000 جنيه.
مرت أربع دقائق وتبقت عشر على استلام الأوردر. لا يعلم مكان تسليم الطلب حتى استلامه من المطعم في التاسعة وأربع دقائق. هذا هو النظام في الأبلكيشن. معه الآن 967 جنيهًا حصيلة الطلبات التي سلمها خلال الساعتين الماضيتين، إذا تعدى المبلغ 1000 جنيه بعد تسليم الطلب الذي ينتظره من المطعم، تُغلَق محفظته، ولن يسمح التطبيق له بتلقي طلبات جديدة. حينها يتعين عليه إرسال الأموال للشركة عن طريق أحد المكاتب في المعادي أو من خلال ماكينات «فوري» المنتشرة في الأكشاك. بعكس تحصيل الشركة اليومي، فإن عامل الدليفري يحصل أجره المدفوع للشركة إلكترونيًا مرة كل أسبوع، يتأخر الأمر أحيانًا إلى عشرة أيام. دفع هذا الأمر الطيارين إلى تضمين ضبط مواعيد صرف المستحقات أسبوعيًا تفاديًا للتأخير، ضمن طلباتهم في الإضراب.
هناك هواجس أخرى، تحدث أحيانًا، ولكنها أقل وطأة عليه. قبل أسبوعين من الإضراب، تسلم طلبًا من مطعم في شارع النصر، كان يطير على طريق الأوتوستراد عابرًا إلى زهراء المعادي، وعندما وصل إلى بيت طالب الطلب انفلت التليفون من يديه أثناء إخراجه الوجبة، انكسرت الشاشة، وكلّفته 600 جنيه، وهو أجر يومين ونصف عمل تقريبًا.
تعتبر القاهرة أحد أكبر أسواق الشرق الأوسط من حيث معدل الاستهلاك والقوة الشرائية، بحسب المدير التنفيذي السابق لشركة طلبات. يصاحب ذلك تنوعًا في شرائح المستخدمين، ما يعطي لأي شركة تدخل السوق المصري مرونة كبيرة في التوسّع، خصوصًا مع ميزة عدد السكان الضخم ونسبة فئة الشباب الأكثر استهلاكًا للسلع من الإنترنت، مع تواجدهم في نطاق أصغر. ومع ذلك، لا يوجد منافسون مهمون لشركة طلبات سوى تطبيق «المنيوز»، ما أعطاها مساحة أكبر للتحكم في سعر خدمة التوصيل وأجر عامل الدليفري.
في أبريل 2018، ظهر لـ«طلبات» منافسًا جديدًا هو شركة «جلوفو» الإسبانية التي اتخذت برشلونة مقرًا لها عند تأسيسها عام 2015، وأصبحت ثالث شركة تكنولوجيا إسبانية تتجاوز قيمتها مليار دولار. حازت مجموعة «ديلفري هيرو»، التي تدار من مدينة برلين وتمتلك كامل أسهم شركة «طلبات»، 16% من أسهم «جلوفو». وفي يناير 2022، أصبحت المساهم الأكبر في «جلوفو» بعد رفع حصتها إلى أكثر من 80%.
خلال 18 شهرًا، تجاوز عدد الطيارين مع «جلوفو» أكثر من ثلاثة آلاف طيّار، ووسّعت شبكتها من مستخدمي الموتوسيكلات إلى أصحاب الدراجات والباتيناج أيضًا. تجاوزت نسبة أصحاب الدراجات 70% من المسجلين في بيانات التطبيق، أغلبهم من طلبة الجامعة سكّان وسط وجنوب القاهرة. كان يمكن رؤية مراهقين من محبي ركوب الباتيناج في الشارع يتجولون في أحيائهم مرتدين الجاكتات الصفراء لتوصيل الطلبات. وكحافز جديد لتوسيع شبكتها لعمال الدليفري، بدأت الشركة تفكر في التعاقد مع محال الدراجات لبيعها بأسعار مخفضة للمراهقين كحافز لتشجيع حاجة العمل عند أولئك الشباب. على عكس ذلك، انحصرت نسبة أصحاب الدراجات من «طلبات» بعد اتساع النطاق الجغرافي الذي يتحرك فيه الطيارين.
لكن في مايو 2019، أعلنت «جلوفو» خروجها من مصر، ضمن خطة انسحاب نهائي من أربعة أسواق، بعد سعيها للحصول على 150 مليون يورو تمويل من صندوق استثمار Lakestar and Drake. رهنت شركة «ديليفري هيرو» التي تمتلك 16% من أسهمها والمالكة لشركتي «طلبات» و«كاريدج»، المنافستين لشركة «جلوفو»، موافقتها على السماح بحصولها على التمويل بتخارجها من السوق المصري والتشيلي، بحكم امتلاك «ديليفري هيرو» 16% من شركة «جلوفو» الإسبانية ما يمنحها حق التصويت بقبول أو رفض صفقة التمويل. عندما انتشرت تلك المعلومات في الصحافة وقتها، حاول جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية حل ذلك اللغز. ألزم الجهاز في 28 مايو 2019 شركتي «ديليفري هيرو»، و«جلوفو» إخراج مصر من الاتفاقات التي تبرم بينهما مع إعادة الوضع كما كان، واستمرار شركة «جلوفو» في العمل في السوق المصري، وعدم قيام الشركة بالتصفية كونها أكبر منافس لـ«طلبات» المملوكة لشركة «ديليفري هيرو» في مصر، إكرامًا للمنافسة داخل السوق المصري الذي تصب في عدم تحجيم فرص الاختيار المتاحة أمام مستخدمي الخدمة، سواء مستخدمو خدمات التوصيل، أو السائقون والمطاعم.
لكن، يبدو أن المسألة كانت أكبر من جهاز حماية المستهلك ومنع الممارسة الاحتكارية. في يناير 2020، أعلنت «جلوفو» الانسحاب من القاهرة والإسكندرية نهائيًا ضمن ثماني مدن حول العالم. مثلت المدن الثمانية نحو 1.7% من مبيعات الشركة من إجمالي 306 مدن عملت فيها الشركة خلال عام 2019 أغلبهم في أمريكا اللاتينية.
بالتوازي مع ذلك التخارج، كان لاعب جديد يستعد لدخول السوق المصري من السعودية بعد أن بدأت شركة «مرسول» عملها في مصر لتبادل الأشياء بين الأفراد داخل المدن. أما طيارو الدليفري، انتقل أغلبهم من «جلوفو» إلى الالتحاق بـ«طلبات» و«أوبر سكوتر»، بعد فشلها في توسيع نشاط «أوبر إيتس»، جذبت «طلبات» حوالي ألفي عامل كانوا يعملون في «جلوفو».
مع تمام الساعة التاسعة وثلاث دقائق، ترك عمر الموتوسيكل وعبر شارع 9 إلى المطعم، دخل من الباب الجانبي لعمال الدليفري، وبعد أقل من 30 ثانية خرج بالطلب ووضعه في صندوق حفظ الطعام، فتح التطبيق بعد أن أدار الموتوسيكل وانتظر دقائق، ضغط على استلام الطلب، أخبره التطبيق بمكان تسليمه، في شارع دجلة بحي المعادي. فرح عمر، لن يستغرق توصيل الطلب سوى 11 دقيقة من مكانه، ابتسم أثناء ضبطه وضعية الموتوسيكل، وأصبح جاهزًا للانطلاق.
تقارير ذات صلة
حرية الظهور
ياسر علوان يصور، وجون مولينو ينظّر، وأشرف عمر يترجم
حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ
إسكات مطالب العمال بالقبضة الأمنية وتقاعس «العمل» عن إنفاذ قرار الحد الأدنى للأجور
ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»
في فبراير الماضي أقر المجلس القومي للأجور حدًا أدنى لأجور العمل المؤقت عند 28 جنيهًا للساعة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن