تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الصوت في غير مكانه

الصوت في غير مكانه

كتابة: إيمان مرسال 8 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

مع إيمان مرسال نتخيل أن للصوت أمكنته. فحين ينتقل ناطق الصوت إلى بلد تسيطر عليه لغة غير ما ألفه لسانه، يكون الصوت في غير مكانه، يميز فيه السامع صراع لسانين (المنشأ والمُكتسب)، اللكنة أو كلمات بعينها يتعامل الناطق معها بحذر كأنها مطبات مثلما تكتب إيمان في «الصوت في غير مكانه» المنشور لأول مرة، قبل 14 عامًا في مطبوعة «الأذن الوسطى» التي نستعيدها كل سبت.

للتعرف على باقي حكاية «الأذن الوسطى» اقرؤوا حوار مها مأمون وهيثم الورداني هنا، وخريطة محمد عبد النبي للسمع والعصيان.

يهيء لي أن الصوت هو خيط مضيء يمتد بين فم المتكلم إلى أذن من يسمعه، بين النية وما تؤول إليه من تأويل في ذهن متلقيها. وأن اللكنة ذبذبات سوداء اللون كأنها انقطاعات في هذا الخيط، تعطله أحيانًا. كلمة واحدة تسقط من جملة ملضومة في حبل مضيء كافية لأن يتوتر الخيط ويهتز، تتسع عينا صاحب الأذن وتنشط حاسة البصر لالتقاط الكلمة التي تسقط بفعل اللكنة قبل أن تصل إلى الأرض. قد تتسع عينا المتكلم أيضًا، قد تحضر أعضاؤه كلها بلغاتها لتساعد في توصيل نيته رغم انقطاعاتها إلى الأذن التي تنتظرها. أظن أنني أفكر بالصوت الفردي هنا لا كمنتج فيزيقي للحبال الصوتية التي يحملها الهواء، ولا كحامل لنية اللغة وهدفها ولا كنقيض للموت، بل كطاقة تولّدها اللكنة لكي تحمل الصوت الفردي واللغة التي ينطقها والنية التي يقصدها. 

طاقة اللكنة تتبع وقتًا / إيقاعًا آخر يخص اللغة الأم، وعندما يحملها الصوت في لغة أجنبية يولد التشوش الذي أتخيله وكأنه محاولة نطق لغتين في نفس اللحظة، واحدة ظاهرة والأخرى مختفية، واحدة تتحرك والأخرى مركونة وتحارب ضد الإهمال والترك. اللكنة ليست أحد أمراض النطق بالضرورة بل هي دفاع اللغة الأم المستميت ضد الفناء، منافسة اللغة الأجنبية عبر تخريب العلاقة بين الصوت وإيقاعه، فيُبتر مقطع هنا أو هناك، يتسارع حرف غريب حيث كان يجب أن يتباطأ، يقفز صوت على رأس صوت آخر ويقضم جزءاً من فضائه. التخريب قد يأتي أيضًا من كرم اللغة الأم في التعامل مع الوقت، بإضافة حركاتها لسواكن اللغة الأجنبية، يصبح street Estreet وcloth clothES. 

إذا تخيلنا أن صاحب اللكنة وهو يتلفظها هو فرد في غير مكانه فلنتخيل معًا أن اللكنة هي صوتٌ في غير مكانه. قد يتدرب صاحب اللكنة على أن ينتمي لمكانه الجديد، قد ينجح في تخبئة لكنته وفي قمعها طويلًا، ثم تأتي تلك اللحظة التي يخونه فيها التدريب. ليست مصادفة أن لحظات الغضب هي أكثر اللحظات التي تقب فيها اللكنة بكامل بهائها، ربما لأن الغضب ألصق باستنفار الأحبال الصوتية من الهدوء، أكثر تهييجًا للذاكرة واستحضارًا للغة الأولى التي تنتقم بممارسة صوتياتها وبإشاعة الفوضى. صاحب اللكنة ليس بالضرورة مهاجرًا من لغة إلى أخرى بل قد يكون مهاجرًا من لكنة إلى أخرى داخل نفس اللغة؛ عم عوض بواب العمارة التي أسكن فيها في القاهرة يتحدث للسكان بأدب جم، بقاهرية لا غبار عليها، تقفز لكنته الصعيدية بمجرد أن يصرخ في أحد أبنائه أو يتعارك مع أحد بوابي العمارات المجاورة. 

                                              ــــــــــــــ

صوت شخص ما يكون أكثر فردية في لغته الأم، يتم التعرف عليه بنبرته الشخصية، بحبته وتضلعاته إذا أردت صوتنة أفكار رولان بارت بلكنة عربية. حين يحمل الصوت لغة أخرى تشوّش اللكنة على فرديته، تشير بدأب إلى جماعية زمن آخر وصوتيات مختبئة. صوت الـH في الانجليزية يصبح أقرب إلى الخاء العربية عندما تتحدث لي ناتالي زميلتي في العمل. إنه صوت الروسية وليس ناتالي فقط. في سنتي الأولى في أمريكا كان صوت حرف الـP يبدو لي مثل حجر قادر على إسقاط أي كلمة تحتويه من خيط الضوء الذي أقف وراءه. هذا هو الحرف الذي نسميه بالعربية باء ثقيلة، حرف ليس من لغتنا ويكفي الفشل في نطقه لتخمين أن العربية هي اللغة المركونة في الداخل. 

                                          ــــــــــــــ

عندما تقدمت لوظيفة أستاذ في جامعة ألبيرتا كان عليّ أن أمر بكل ما تستدعيه المنافسة في سوق العمل الأكاديمي من اختبارات: تدريس فصل لطلاب أمام لجنة أكاديمية، مقابلات منفردة مع الأساتذة والطلاب والعميد، ولكن أقسى الاختبارات كان إلقاء محاضرة لمدة 45 دقيقة أمام حشد من الأكاديميين والجمهور الجامعي. لم يكن مضمون ما أريد قوله هو ما يرعبني بل كيف يمكنني أن أقوله بنعومة وبدون الاصطدام بمطبات الكلمات الطويلة، الكلمات ذات السواكن بلا حركة تفصل بينها، الكلمات المفصلية التي يعني سقوطها من التواصل سقوطي في الوصول إلى الوظيفة. بدت اللكنة مثل عاهة نطق يجب التقليل من خسائرها. البصريّ واصل بن عطاء (80- 131 هـ)؛ الفقيه المعتزلي الفصيح الذي لا يشق له بنان والذي كان يخطب بلغته الأم، كان يتنمر عليه أعداءه بسبب لثغته، بسبب صوت واحد لا يستطيع نطقه كما يجب وهو حرف الراء. عبقرية ابن عطاء اللغوية ألهمته أن يخبيء عاهته بتفادي الكلمات التي بها هذا الحرف، كان عليه أن يستبدل قرب بدنو، أنوار بآلاء، يغفر بيعفو، فراش بمضجع ومطر بغيث. له خطبة كاملة بدون حرف راء واحد. هذا ما كان عليّ عمله، تفادي الأصوات التي قد تبعثرها اللكنة فلا تصل لأحد. لا أذكر الآن كم من كلمات تم استبدالها لكني أذكر أن أفكاري كانت تتطور وتنتعش بسبب لعبة الاستبدال. بعض الكلمات لم يكن ممكناً استبدالها وأذكر منها كلمة: Architecture، آرك تيكْتشر، هكذا حاولت أن أراها بحروف عربية، بجسد لغة أليفة حتى أتذكرها. لحظة نطقي بالكلمة في المحاضرة ترجرجتُ،  خُيّل إليّ أن مسجدًا أمويًا بالتحديد ينهار في مكان ما وأن صوت زجاج شبابيكه المتكسرة يخرج مع صوتي.

                                      ــــــــــــــ

 صاحب اللكنة لا يختار الكلمات الأكثر دقة في لغته الأجنبية ليعبر عما يريد قوله كما يفعل في لغته الأم، إن عليه تفادي الكلمات التي رغم دقتها قد تعطل صوته لأن اللكنة لن توصلها بالوضوح اللازم. اللكنة تختار لصاحبها كلمات مناسبة بتفادي كلمات أخرى قد تكون أكثر دقة ولكن صوتياتها مستحيلة. يمكننا تخيل أن غياب الدقة قد يشوش مضمون الرسالة المتلفظ بها عما تصل لأذن من عليه تأويلها. يمكنها أن تعطل وصول الرسالة ربما، لكن الأكثر جمالًا هو أن نتخيل تلك اللكنة وهي تغير مضمون الرسالة أو تحول مساره، تستبدل رسالة باردة برسالة أكثر حنانًا، أو جملة متحفظة بجملة أكثر جرأة. بعد وصول رسالة لم يقصدها صاحب الصوت قد يُفاجأ بجمالها، حتى ولو لم يقصدها فإنها وُلدت وسيكون محبطًا أن يصححها طبقًا لنية هو وحده يعرفها. يكون عليه أن يستمر مع خطأها فيراوده إحساس أشبه بالشطح. اللغة ليست وحدها عاجزة بل الصوت أيضًا عاجز، اللكنة تجعلك تتداعى مع الكلمات كي تنتصر على العجز مثل متصوف، تأخذك لمسارات ورسائل وأحوال لم تظن أنها موجودة إلا بفضل لعبة الاختيار والتفادي اللانهائية. 

                                     ــــــــــــ

الجسد هو دعامة بصرية يعتمد عليها خيط الصوت في الوصول بلكنته وبالرغم منها. غياب الجسد يجعل الخيط ضعيفًا وعرضة للتقطع والضياع. كثيرًا ما أفهم أناس محددين عندما نتبادل حديثًا وجهًا لوجه، على الهاتف تتضخم الانقطاعات ويتم التحجج بأن سماعة الهاتف قديمة وسيئة من أجل أن يكرر المتحدث جملته. الأمان الذي يشعه الجسد الذي نتحدث إليه يهدئ من روع الصوت، يساعده ليس على التخلص نسبيًا من لكنته بل على تجاهلها. عندما تتوقع أن الأذن التي تتحدث إليها لن تفهمك قد ترفع صوتك أكثر لتؤكد حضورك، لتصبح مرئيًا، لتشغل أكبر حيز من الفراغ يمكن لصوتك أن يحتله. ولكن قد تخفض صوتك أيضًا وكأنك تريد أن تختفي من مشهد محكوم عليك فيه بالفشل. في الحالتين تتحكم اللكنة في الصوت وتهيمن على درجته.

عندما كنت أذهب مع جدتي من القرية إلى مدينة المنصورة أو القاهرة لزيارة مريض في مستشفى أو أقارب متمدينين، كانت تبدو لي كشخصٍ آخر، ملابسها كانت تبدو ضيقة لأنها ملابس الخروج المركونة في الدولاب والتي لم تلبسها منذ زمن، الذهب أيضًا الذي لم تكن ترتديه أثناء حياتها اليومية بين الخبيز والطبيخ كان يغير شكل وجهها ورقبتها، خشونة أصابعها كانت تلفت نظري عندما تزينها بالخواتم. مؤكد أن خروجها من ترف ممارسة سلطاتها على أفراد أسرة كبيرة داخل بيتها إلى مجرد زائرة في مدينة واسعة كان له دور في شعوري باختلافها عن ما أعرفه عنها، ولكن اللكنة أيضًا كانت تلعب دورها في ذلك. أتخيلها الآن تقول شيئًا من قبيل «محمد أبو اسماعيين اتجوّز نوها» كان صوت «اسماعين» بدلًا من «إسماعيل» و«نوها» بدلًا من «نُهى» يشككني في سلطتها المطلقة ويشعرني بتوتر لم أكن أدري له سببًا محددًا. 

لا تصبح اللكنة مصدرًا للشعور بالعار ولا تجعل صاحبها يتوتر إلا إذا كانت دلالة على وضعيته الأقل من وضعية الأذن التي يتوجه إليها بصوته، ما يحدد الوضعية يكون عادة أكبر من حبل الصوت ونيته، قد تكون علاقة المركز بالأطراف، علاقة المستعمر بلكنة سكان مستعمراته وهم يتحدثون لغته، التعليم بالأمية، المدينة بالريف، الطبقات المحظوظة بالطبقات الأقل حظًا. لا يمكنني أن أتخيل صاحب لكنة اكسفوردية يشعر بالعار وهو يتحدث مع صاحب إحدى لكنات الطبقة العاملة في انجلترا، ولا باريسيّ يتوتر وهو يسمع لكنته جنبًا إلى جنب مع لكنة مهاجر من السنغال. اللكنة هي مجاز شفاف عن علاقات القوة.

أحياناً تحاول اللكنة الأكثر دونية في علاقات القوة هذه أن تتخلص من عارها بأن تكون أكزوتيك. أعتقد أنني أقوم بذلك في بعض الأحيان لكني لا أنتبه لذلك إلا عندما أرى مثقفات يقمن به أثناء إلقاء محاضراتهن في المؤتمرات الأكاديمية أو كاتبات من أماكن أخرى يناقشن أعمالهن مع جمهور يتحدث اللغة الأكثر قوة. لي صديق مصريّ كان له حظ الحصول على تعليم انجليزي منذ الحضانة وقضى سنوات الجامعة في إحدى جامعات انجلترا، هذا الصديق قال لي مرة مغازلًا أو مجاملًا: «أحب انجليزيتك». فاجأني رد فعلي الغاضب على جملته، لا أحد يحب أن يكون اكزوتيك في بيئته الأصلية، شعرت أن صديقي يمارس نوعًا ما من التفوق أمامي، ذلك أنه لكنته تجعله أقرب إلى الانجليزيّ «الأصليّ» الذي يمكن أن يدرك أو يحب الأكزوتيك في التحدث بلغته. 

                                             ـــــــــــــــ

 بعد كل هذه السنوات من التحدث والتدريس والكتابة بلغة أجنبية، من الصراع مع اللكنة، يفاجئني أحيانًا شعور بأن صوتي بالعربية مختلف عن صوتي بالانجليزية، ليس أفضل أو أسوأ، فقط مختلف. أتذكر مرة استمعت بالصدفة لرسالة مسجلة كنت تركتها على تليفون بيت صديقة استوضح منها العنوان الذي تهت كالعادة عنه.  يعجبني أن أؤوّل أجامبن الذي رأى أنه لا يمكن التفرقة بين النطق والخطاب في الصوت الذي يلفظهما. صوت تائه متوتر ليس لعدم معرفته بخطابه الذي يبحث فيه عن طريق صحيح للوصول، بل لأن لكنته تجعل كل طريق للوصول رحلة من التوهان. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن