تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
السياسة في العمارة.. البحث عن إنجازات

السياسة في العمارة.. البحث عن إنجازات

كتابة: محمد يحيى 6 دقيقة قراءة

«إنها العاصمة الجديدة، بها استاد رياضي وقاعة مؤتمرات ومناطق أولمبية وحكومية وسياحية وسكنية ومنطقة الجامعة الجديدة، إنها أول مدينة في مصر خُططت وفقًا لآخر نماذج التخطيط المعاصر، بأحدث الخدمات من شبكة مواصلات ومن بنية تحتية» نحن نتكلم عن مدينة نصر، فهكذا كانت تصفها جهات التخطيط ووسائل الإعلام في ستينيات القرن العشرين، وهو ما يعرضه كتاب «الحداثة الثورية: العمارة وسياسات التغيير في مصر 1936-1967» لمؤلفه محمد الشاهد، الحاصل على الدكتوراه من جامعة نيويورك، وترجمة أمير زكي، والصادر عن المركز القومي للترجمة.

caption

يعرض الكتاب، وهو عبارة عن رسالة الدكتوراه الخاصة بالكاتب، العلاقة بين العمارة والسياسة في مصر، في الفترة ما قبل وبعد انقلاب/ ثورة يوليو 1952، وصولًا لاقتراب نهاية العهد الناصري في 1967. كيف تغيرت -أو استمرت- سياسات السلطة المتعلقة بالبناء والعمارة، كيف تتحول العمارة والبناء لأدوات في منظومة الدعاية الخاصة بنظام يوليو؟

caption

يرى الكتاب أن البحث الدائم للنظم العسكرية عن إنجازات «ملموسة» يجد ضالته في أكثر وأكبر ما يمكن لمسه، وهي الإنشاءات بكل أنواعها من مبانٍ وموانئ وعمارات سكنية وطرق وكباري. في جولة في الصحافة القومية عام 1962 على سبيل المثال، نجد أخبارًا في مجلة «بناء الوطن» عن تطوير ميناء الإسكندرية، بشكل عالمي، وتسليم خمس آلاف شقة، تحت عنوان «ثورة التعمير والإسكان في محافظة الإسكندرية» أما في «الأهرام»، فنجد تقريرًا تحت عنوان «ماذا فعلت الثورة للعاصمة الثائرة» عن بناء نصف مليون وحدة سكنية، و850 مدرسة، وإنشاء برج القاهرة، واستاد القاهرة، وعدة فنادق جديدة، خلال عشر سنوات من عمر «الثورة» وتكون الذروة في إنشاء مدن وأحياء جديدة مثل حي العجوزة ومدينة الأوقاف التي تحولت لحي «المهندسين» وصولًا للعاصمة الجديدة «مدينة نصر» التي تعبر عن مصر جديدة حديثة، خلقتها السلطة الجديدة. 

يجيب الكتاب أيضًا عن سؤال كيف تحول وتكيف المهندسون في ثقافتهم ومفاهيمهم وفقًا لرغبات السلطة، ويعرض كمثال على ذلك نموذج المهندس سيد كريم، أول من حصل على الدكتوراه في العمارة في مصر، وأول من أنشأ مكتبًا استشاريًا في العمارة والتخطيط بمصر، بالإضافة إلى إصداره أول مجلة معمارية بالمنطقة. 

ساهم كريم في تخطيط العديد من المدن العربية، في مصر وسوريا والسعودية والجزائر. وبعد حصوله على الدكتوراه من أوروبا عاد متحمسًا ومتأثرًا بالحداثة العالمية في البناء، وفي نفس الوقت متبنيًا هدف الوصول لشكل قومي في البناء، يتماشى مع الحداثة، ويعبر في الوقت نفسه عن الطابع القومي لمصر، بما يناسبها من طرز وما يتوافر فيها من مواد بناء.

caption

عام 1945، كتب كريم مقالًا في مجلة «الاثنين والدنيا» يشكو فيه من نجاة القاهرة من الهدم الذي طال مدنًا عديدة أثناء الحرب العالمية الثانية، والذي كان سيوفر له فرصة إعادة تخطيط شاملة للقاهرة.

ولذلك، يطرح تصورًا لتطوير القاهرة عن طريق إنشاء جسر يبدأ من حي «جاردن سيتي» ويمر بجزيرة «الروضة» ليصل للضفة الغربية من النيل. وفي عام 1950، كتب في مجلة «الهلال» تصوره عن القاهرة في عام 2000، الذي يشمل تحويل هضبة المقطم لمدينة حدائق، يتم ربطها بهضبة الأهرام، عن طريق الترام المعلق.

في مشروعاته وتصوراته يبحث كريم عن رعاية السلطة، ممثلة في الملك فاروق، الذي يمكن أن يقوم بتكليفه بمشروعات عملاقة يحقق من خلالها أحلامه المعمارية، ويحقق الملك إنجازاته في تغيير وجه المدينة، لتنتهي تلك المشروعات مع انقلاب يوليو، ويقوم سيد كريم بأعمال التخطيط وإعادة البناء في بورسعيد بعد حرب 1956 والتخطيط للعاصمة الجديدة «مدينة نصر» التي سوف يشكو عام 1993، في حوار صحفي، من عشوائية البناء فيها. ولتختلف رؤية كريم ومشروعه الباحث عن طابع قومي للبناء في مصر، لتتحول لعملية تلبية لاحتياجات ومتطلبات السلطة الجديدة المشغولة بالمشروعات العملية، لا المشروعات ذات الجماليات الباحثة عن هوية معمارية.

ميدان التحرير: مَن يحكم مصر؟

caption

يظهر ميدان التحرير كمرآة عاكسة للوضع السياسي في مصر، فيعرض الكتاب محاولات الإعلان السياسي في الميدان، منذ كان يحمل اسم ميدان الإسماعيلية في العهد الملكي، فتُقام مسابقة في عام 1950 لعمل تمثال للخديوي إسماعيل من أجل وضعه في ميدان الإسماعيلية. ولكن حدوث الانقلاب العسكري لم يعط الفرصة إلا لوجود القاعدة الجرانيتية للتمثال، لتظهر بعد ذلك اقتراحات باستبدالها بتمثال النسر كرمز للثورة، أو عمل نصب تذكاري للجندي المجهول، فوق قاعدة التمثال، الموجودة بالفعل. 

وبعد اقتراحات وخطط عديدة، كان قرار نظام يوليو عام 1956 هو تغيير ملامح ميدان التحرير ببناء ثلاثة مبانٍ جديدة: بلدية القاهرة (المجمع حاليًا)، جامعة الدول العربية، وفندق النيل هيلتون. وتحويل ثكنات قصر النيل لحديقة عامة ونافورة، والإبقاء على قاعدة تمثال الخديوي إسماعيل. 

وبعد جيل هُدمت كاتدرائية «كل القديسين»، التي كانت تقع خلف المتحف المصري، وهُدم فندق «سميراميس» القديم لارتباطهما برعايا بريطانيا.

ويمكننا أن نلاحظ استمرار رمزية الميدان في الفترة اللاحقة لعام 1967، في  ارتباطه بالمظاهرات المعارضة على مر السنوات، ثم ما مثله ميدان التحرير في ثورة 25 يناير وما تلاها. 

وهو ما يفسر تعامل النظام الحالي مع الميدان، الذي بدأ كمكان للمظاهرات، ثم غلق الميدان وحمايته بالدبابات وقوات الأمن خوفًا من المعارضين للنظام، لنصل لمرحلة تطوير الميدان وتجميله بالمسلة والكباش الفرعونية، ليصبح رمزًا لصورة جميلة يقدمها عهد جديد قام بالقضاء على «فوضى» الميدان وتحويله لمكان تحت السيطرة الأمنية، التي تجعله أكثر نظامًا.

من بناء الاشتراكية لأبراج دبي

يبين الكتاب أيضًا تأثر أنماط العمارة بالحالة السياسية. ففي العهد الملكي الأكثر ليبرالية وانفتاحًا تتنوع أشكال العمارة بين التأثر بالعمارة العالمية والأوروبية تحديدًا ومحاولة محاكاتها، أو التأثر بالحداثة مع محاولة إيجاد نموذج حداثي ذي خصوصية مصرية يستفيد من العالم ولا يقلده، أو العودة لطابع بناء مصري قديم واستلهامه مثل العمارة الفرعونية أو القبطية أو الإسلامية.

أما بعد يوليو 1952 فكان المطلوب هو عمارة عملية تؤدي المستهدف دون تركيز على الجماليات، عمارة اشتراكية متأثرة بنموذج الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا. وبالقياس، في العهد الحالي نستطيع أن نلاحظ تركيز الدولة في مشروعاتها على نموذجي دبي والصين، المثل الأعلى بالنسبة للنظام والمتمثل في بناء الأبراج وناطحات السحاب التي قد تكون منطقية في ميناء ومركز تجاري محدود المساحة مثل دبي، ولكنها تبدو عبثية عند محاكاتها في امتداد صحراوي شاسع مثل العاصمة الإدارية الجديدة. وهو كذلك ما نشاهده في توجه أصحاب التجمعات السكنية الجديدة «الكومباوند» لمنح تجمعاتهم طرازات إسبانية وإيطالية وأمريكية باعتبارها المثال المطلوب، بالنسبة للطبقة المترفة.

caption

من خلال الكتاب، يتبين أن عملية التحديث والبناء كانت دائمًا قاصرة في قراراتها على النخبة الحاكمة وأجهزة النظام الحاكم، في ظل تحويل المجالس المحلية لجزء من السلطة التنفيذية، بصدور القانون 124 في عام 1960، الذي بموجبه أصبحت المحافظات لا المجالس المحلية هي من تقوم بتنفيذ خطط التنمية، ويقوم المحافظ المُعين من قبل الرئيس بتعيين رؤساء المجالس المحلية في المدن والقرى التابعة له، ويحوّل مبنى بلدية القاهرة لمبنى الاتحاد الاشتراكي. ويُهجّر أهالي النوبة من أجل مشروع قومي هو السد العالي، وتصمم قصور الثقافة ومراكز الشباب في المحافظات المختلفة وفقًا لرؤية الحكومة المركزية في القاهرة، هذا يشبه ما يحدث الآن من إزالة للمساكن من أجل إقامة المحاور والكباري، أو إخلاء مناطق كاملة من أجل تحويلها لأبراج فاخرة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن