بلغة عربية سليمة مشوبة بلهجة صعيدية، خرج «خُط الصعيد الجديد»، محمد محسوب إبراهيم، في بث مباشر عبر صفحته على فيسبوك في 17 فبراير الماضي، يسرد قصة ما وصفه بـ«ظلم تعرض له من ضباط مركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط». على مدار ثلاثة أيام تلتها، وبينما يشتبك مع قوات «بلاك كوبرا» التابعة لوزارة الداخلية، ظل يكرر قصته، متحدثًا عن «تصفية» وزارة الداخلية لأهالي الصعيد، وعن تطبيق الدستور والقانون، محملًا «الداخلية» مسؤولية الحفاظ على حياته وحياة أسرته، واستمر هذا حتى مقتله.
انشغلت التغطية الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية بالتأكيد أن الشرطة لا تقتل المدنيين المسالمين وعلى «حرص وزارة الداخلية الشديد على ألا يصاب طفل أو سيدة من أهله خلال الاشتباك»، وكذلك التشديد على أن محسوب «شقي خطر معروف في قرية العفادرة»، وأن هذه النهاية «حتمية لأي حد يرفع السلاح في وش الدولة».
من جانبه، انفرد مساعد وزير الداخلية السابق، محسن الفحام، بمعلومات إضافية. في مداخلته على قناة «العربية»، أوضح أن بداية نشاط محسوب مُشاجرة بسيطة بين الجيران عام 2004، أدت إلى الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات غيابيًا، وطبقًا للفحام، انخرط محسوب في جماعة الإخوان المسلمين، واحتضن العديد من أفرادها في أسيوط منذ ثورة يناير 2011، خصوصًا بعد سقوط نظام الإخوان، وهو أمر نفته مختلف المصادر التي تحدث إليها «مدى مصر».
فور مقتل محسوب وسبعة آخرين من أقربائه، بينهم ابنه الكبير، صقر، توالت شهادات الأهالي المشككة في الرواية الرسمية، مشيرة إلى عنف الشرطة في مركز ساحل سليم، والذي تنوع بين التصفية والاعتقال والإجبار على شراء سلاح لتسليمه للشرطة. كما بدأت الشهادات تتوسع جغرافيًا في إقليم الصعيد، وتُحيي شهاداتٍ قديمة تشير إلى شيوع تلك الممارسات في صعيد مصر خاصة خلال السنوات الثلاث الماضية.
بحسب رصد أجراه «مدى مصر» في 12 يناير الماضي، قُتل نحو 42 مواطنًا في صعيد مصر خلال 45 يومًا، أثناء حملات «الداخلية» على «البؤر الإجرامية» إلا أن الوزارة ظلت متمسكة بالنفي، والزعم بأن تلك الشهادات ما هي إلا «مخططات آثمة للجماعة الإرهابية».
على مدار الأسابيع الماضية، جمع «مدى مصر» عددًا من الوثائق ونقّب في عشرات الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي بينها حسابات أدارها محسوب قبل مقتله، وقابل 14 من أهالي ساحل سليم وأسر بعض القتلى والمساجين والمطاردين من «الداخلية». يشترك أصحاب تلك الشهادات في أنهم أطراف في خصومة ثأرية، أو أن حظهم العاثر ألقى بهم في مكان يوجد به أطراف في خصومة ثأرية.
في النهاية، تستمر دائرة العنف فيما تعتمد الدولة على سياسات عرفية للتعامل مع مشاكل مماثلة في بنية عائلية تقليدية. ونتيجة لهذا، يستمر حصار كثيرين في دائرة الجريمة، ويزداد تورطهم في دائرة العنف، بما يجلب عنفًا مقابلًا من الشرطة، لينتهي الحال بكثيرين مصابين أو حتى في بعض الأحيان قتلى، في دائرة عنف لا تقتصر نارها عند المتورطين.

يحكي ابن عم محسوب ورفيقه خلال الأيام الأخيرة التي سبقت مقتله، لـ«مدى مصر»، مشترطًا عدم نشر اسمه، أن والد محسوب توفي بعد تخرجه من المدرسة الثانوية الأزهرية، ما اضطره إلى التركيز في رعاية أرضه، لأنه أكبر إخوته، الذي يعاني أحدهم من إعاقة، منتظرًا فرصة سفر مثل أبناء قريته «العفادرة»، التي باتت تُعرف بـ«قرية اليورو»، بسبب كثرة من هاجروا منها إلى أوروبا، وخاصة اليونان. لكن محسوب أصبح «مسجلًا خطرًا» في عمر 21 عامًا، يقضي لياليه بين الزراعات، وسط المطاردين مثله، وتجار السلاح والمخدرات، «ما فيش شجرة رمان ولا مانجة في قرية العفادرة ما نمتش تحتها يا محسوب»، يقول ناعيًا إياه.
البداية، كما تبدأ قصة أي «خُط» لمع في صعيد مصر، كانت بمشاجرة. «شومة» صوبها نحو رأس صهره عام 2004، أصيب الأخير جراءها بارتجاج في المخ، وتعافى بعدها بيومين. لكن محسوب ظل مطاردًا نصف حياته المتبقية، إثر حُكمٍ غيابي بالسجن لثلاث سنوات، ليس بسبب ما اقترفه فعلًا، وتصالح بشأنه مع خصمه، لكن لحيازته بندقية آلية.
ابن العم يؤكد أن هذه البندقية لم تكن ملكًا له، لكنه اشتراها لتسليمها إلى الشرطة مقابل عدم تحرير قضية ضده، وهي ممارسة شائعة يتحدث عنها مختلف المصادر. إلا أن الضابط الذي يذكره محسوب كثيرًا في تدويناته وفيديوهات خالف الاتفاق، وقيد البندقية في محضر الضبط كحرز عثر عليه أثناء تفتيش منزل محسوب، طبقًا لابن العم، ولهذا صدر حكم ضد محسوب بالسجن ثلاث سنوات.
رغم عدم استكمال دراسته في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر كما تمنى، ظل محسوب قارئًا نهمًا للأخبار، مثلما توضح تعليقاته حول الشأن العام المحلي والدولي عبر صفحاته على فيسبوك. أثناء الحرب على غزة، انقسمت منشوراته بين متابعة الإبادة وحملات «الداخلية» على «البؤر الإجرامية». ولفت انتباه المتعاطفين والكارهين بفصاحته غير المعهودة عن أشقياء الصعيد، كما تميز عنهم باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي لبث خطابٍ مُسيس، يزعم أن وزارة الداخلية تسعى إلى تصفية أبناء الصعيد، الأمر الذي كوّن له نواة من المتابعين.
تمكن محسوب من البقاء هاربًا لفترة طويلة. ساعده على ذلك الأموال التي ساهم بها أبناء عائلته الذين يعيشون في اليونان (34 من العائلة، سبعة منهم أبناء إخوته)، والتي مكنته من الاستمرار في الهروب دون اللجوء لتجارة المخدرات كغيره من «مطاريد القرية»، بحسب ابن عمه. وبدأ في استثمار جزء من مدخرات عائلته في شراء الأراضي الزراعية، والإنفاق على زراعتها، أو شراء منازل.
استمر هذا حتى عام 2009، حين تورط محسوب في قتل أحد جيرانه خلال مشاجرة، ثأرًا لمقتل أحد أبناء عمومته، واستمر هروبه.
لكن الهروب والمطاردة أنهكته ماديًا في النهاية، فبدأ في الإتجار في السلاح بشكلٍ محدود، بحسب ابن عمه.
انتشرت تجارة السلاح في صعيد مصر، خاصة في أعقاب ثورة يناير 2011. حتى قبل الثورة، أغلب «الناس هنا يعرفوا سكة السلاح حتى لو ما تاجرش»، يقول عمار، ابن سالم أحمد سالم (الشهير بسالم حلاقة)، صديق محسوب المقرب الذي قُتل قبل عشر سنوات في اشتباكٍ مع «الداخلية». لكن عقب ثورة يناير، شاع الثأر في المركز، ما دفع الأهالي إلى شراء السلاح تحسبًا للتورط في خصومة. «قريتنا قبل الثورة كان فيها خصومتين، دلوقت فيها سبع خصومات»، يقول عمار.
يشير إلى أنه حينما تطول مدة الخصومة الثأرية، تضطر بعض العائلات إلى الإتجار في السلاح أو المخدرات لاستمرار الإنفاق على متطلبات الثأر، وأحيانًا تُنشئ العائلات ورشًا لتعبئة الذخيرة وتصنيع السلاح، للتقليل من تكلفة الإنفاق. بحسب بيانات وزارة الداخلية، ضُبط منذ بداية 2012 وحتى نهاية ديسمبر 2016، أي خلال خمس سنوات فقط، نحو 18 ورشة تصنيع سلاح وذخيرة في ساحل سليم وحدها. في إحدى الحملات لتحرير مختطف عام 2016، اكتشفت قوات الأمن مصادفة مصنع متفجرات بالمركز.

تجارة محسوب في السلاح كانت «على خفيف» وجاءت بمساعدة من سالم، بحسب عمار.
لعب سالم دورًا في جعلهما خصمًا لأفراد شرطة مركز ساحل سليم، كما لعب دورًا رئيسيًا في تغيير كمية ونوعية السلاح المتوفر لدى أهالي المركز.
أنهى سالم خصومته الثأرية التي بدأت عام 2009، بحمل كفنه حسبما أقرت لجنة المصالحات العرفية بداية عام 2012، و«بالتنسيق مع مركز شرطة ساحل سليم»، وفق ما نشره موقع «اليوم السابع» وقتها، في محاولة منه للعودة إلى حياة طبيعية، والبدء من جديد بعدما باع أراضٍ تمتلكها عائلته لينفق على شراء الذخيرة والسلاح، وأعاد بناء منزله بعد هدمه لإجباره على قبول الصلح.
يقول عمار إن العائلة الأخرى تنازلت عن اتهام أبيه وعمه، بعد أن حملا الكفن أثناء عقد المصالحة، لهذا لم يعودا مطلوبين أمنيًا، و«شال القضية ولد عم أبوي، عبده صالح»، مثلما قضت اللجنة.
لكن بعد نحو ثلاث سنوات من الصلح، ستحتفي «الداخلية» بمقتل سالم في حملة اعتبرتها في بيانٍ لها: «أحد أقوى الضربات الأمنية»، مستعرضة جثة سالم ورفيقٍ له، واصفة إياهم بـ«عناصر إجرامية شديدة الخطورة».
يفسر عمار تحول أبيه من رجل غير مطلوب على ذمة قضايا أو محاضر لـ«عنصر شديد الخطورة»، بأن والده بعدما قرر الالتفات إلى عمله ورعاية أسرته، طالبته الشرطة بتسليم قريبٍ له، يدعى أشرف حلاقة، بعدما ذاع سيطه في الإجرام، حتى أرهب قريتهم «الشامية»، حينما بدأ في فرض إتاواتٍ على المواطنين المسيحيين في القرية، عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، 14 أغسطس 2013.
تورط أشرف حلاقة في قتل مواطنين مسيحيين في سبتمبر 2013، كان أحدهما ناشطًا سياسيًا معروفًا، وعضوًا بالمكتب السياسي للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الأمر الذي سلط الضوء على الحادث، لاهتمام العديد من السياسيين بالقضية، كان أبرزهم رئيس الحزب، محمد أبو الغار، الذي كتب مقالًا حينها يزعم أن قاتل الناشطين «مدفوع من جماعة إسلامية».
بعد مقتل الناشط، احتجزت الشرطة حوالي 300 فرد من عائلة سالم دفعة واحدة، وهدمت ثلاثة منازل تعود له، بخلاف تدمير زراعته. «أبويا وقتها عرف أن قتله مسألة وقت»، يقول عمار. وبدأت الحرب التي تحولت لفوضى في المركز.
رغم هذا، أصر سالم على رفضه تسليم قريبه، لتبدأ الشرطة في مطاردته، حيث تحول إلى متهم رئيسي في أي جريمة يرتكبها الأخير، ليخسر أمواله وممتلكاته بسبب هذه المطاردة.
بحسب عمار، هذه الخسارة والمطاردة هي ما دفعت أباه للعمل مع أشرف كوسيط بينه وبين المطالبين بدفع الإتاوة أو أهالي المختطفين، مقابل المناصفة معه في أموال الإتاوة أو الفدية. كما تورط أكثر في تجارة السلاح. «أول واحد يدخل الـRPG في مركز ساحل سليم كان أبويا»، يقول عمار.
في غضون 15 شهرًا بعد مقتل الناشط وحتى مقتل سالم نهاية 2014، ستتحول ساحل سليم إلى ساحة معارك. بحسب بيانات «الداخلية»، ضُبط بالمركز نحو 867 قطعة سلاح ناري بمركز ساحل سليم، بخلاف الذخيرة، شملت مدافع «RPG» وسلاح المتعدد و«هاون» و«جرينوف». كما شاعت جرائم خطف المواطنين، خاصة المسيحيين، الأمر الذي اضطر الكوادر الطبية في مستشفى مركز ساحل سليم والمركز الملاصق له، البداري، إلى إعلان الإضراب جراء تكرر اختطاف الأطباء واقتحام المستشفى بدافع السرقة. كما تظاهر أهالي المركز أكثر من مرة للسبب نفسه، واستمرت جرائم الخطف حتى بعد قتل سالم بنحو أربع سنوات. «إحنا أول ناس خطفنا، بعد كده أي حد بقى يخطف على حسّنا»، يقول عمار.
استمرت صداقة محسوب بسالم حتى مقتل الأخير. ورغم مشاركة محسوب في تجارة السلاح، إلا أن عمار وثلاثة مواطنين مسيحيين تحدثوا إلى «مدى مصر»، اثنين من قرية سالم «الشامية»، وآخر من قرية محسوب «العفادرة»، جميعهم نفوا تورط محسوب في فرض الإتاوات أو عمليات الخطف. المصدر الأخير اعتبر أن الزج باسم محسوب في قضية فرض الإتاوات مسألة «كيدية».
فنّد محسوب في أكثر من بث مباشر مزاعم اتهامه بفرض إتاوات على المواطنين، إلا أنه اشترك في صد الحملات الأمنية التي استهدفت سالم، بحسب مصدرين من العائلتين تحدثا إلى «مدى مصر». كما يرى عمار، فإن هذا ما يقتضيه «واجب الصداقة».
انفجار الأوضاع -خصوصًا بعد الثورة- بهذا الشكل في الصعيد لا يمكن فصله عن طبيعة الإقليم وظروفه الاجتماعية والاقتصادية، والطريقة التي أدارت الدولة بها أزماته، والتي اعتمدت بشكل كبير على مجموعة من الأطر والقواعد العرفية، خارج إطار القانون.
تعترف الدولة على لسان مسؤوليها، حتى الأمنيين منهم، بارتباط العنف في الصعيد بتهميش الإقليم. وتزايد الحديث عن هذا الارتباط خلال العنف الجهادي المسلح في التسعينيات، الذي كان مركزه الصعيد، خاصة محافظة أسيوط.
رغم مرور عقود، لا تزال محافظات الإقليم تتصدر قائمة أفقر محافظات مصر، وأقلها حظًا من خدمات الصحة والتعليم. في هذه الظروف التي تندر بها فرص الترقي الاجتماعي، يخوض الأفراد رحلة ترقيهم في عائلاتٍ كبيرة العدد، تعتمد على أموال أبنائها في الخليج وجنوب أوروبا لبناء منازلها بشكلٍ متجاور في قراهم، غالبًا على أراضٍ زراعية بالمخالفة للقانون، ما يجعلها مهددة دائمًا بالإزالة.
بحسب 20 مواطنًا من ساحل سليم تحدث معهم «مدى مصر»، يعمل أكثر من نصف الرجال في عائلاتهم إما ضمن العمالة الرخيصة بالخارج، خاصة السعودية وليبيا واليونان وإيطاليا، أو في محافظات الوجه البحري بمصانع السادس من أكتوبر ومدينة بدر وبعض مزارع البحيرة، لتتحول مدخراتهم المحدودة إلى مبانٍ متواضعة وسط أراضيهم الزراعية، التي يسعون في الوقت نفسه إلى ميكنة زراعة القسم المتبقي منها، ومحاولة التوسع في حيازة الأراضي الزراعية الصغيرة، حيث لم تتجاوز حيازة أكثر العائلات ثراءً أكثر من 18 فدانًا لأسرة مكونة من عشرة أفراد.
طبقًا لهم، غالبًا ما يبدأ الثأر بمشاجرةٍ على أحقية شراء أراضٍ وفقًا لأعراف البيع في القرى، والتي تقضي بأن الأقارب والجيران أولى بالشراء حال رغب أحد في بيع أرضه، لتجاوز خلافات أولوية الري وغيرها من المشكلات الدائمة بين الجيران. جميع الشهادات، باستثناء شهادة واحدة، اتفقت على أنهم تورطوا في ثأرٍ مع أبناء عمومتهم وجيرانهم لهذا السبب.
في هذه البيئة التي يتشارك بها أفراد العائلة السكن والملكية، وتمهد لسفر أبنائها في الخارج، وإعادة استثمار المدخرات المتولدة من غربتهم، يصبح الثأر لمقتل رجل من العائلة واجبًا يلزم تسخير موارد العائلة كافة لتحقيقه. في المقابل، طوال عقود، اعتمدت الدولة على مجموعة من الترتيبات العرفية للتعامل مع أزمات مجتمع الصعيد، وخصوصًا أزمات الثأر.
إحدى هذه الأدوات هي لجان المصالحة، المستندة على قواعد عرفية غير مكتوبة، تراكمت طوال قرون. ويقدر من خلال هذا العرف حجم التعويضات أو تقديم الكفن أو التهجير من القرية، لكنها لا تضمن عقوبات بدنية أو سالبة للحرية.
ويعرض طرفا الخصومة خلال جلسة الصلح العرفي المشكلة وأسبابها وتداعياتها والأدلة الداعمة لموقف كل طرف، بعدما يختار طرفا الخصومة مكانًا محايدًا لعقد الجلسة ومجلس الصلح. ثم يصدر الحكم بعد اختلاء أعضاء المجلس بأنفسهم، ويحرر محضر بذلك، يشمل المعلومات الأساسية للجلسة، إضافة إلى الحكم، الذي يقترن بشروط جزائية على الطرفين في حالة الرجوع عنه. و«تختلف قوة ونفوذ أعضائها طبقًا لطبيعة المشكلة، ومدى تصاعدها، ونفوذ وقوة العائلات أطراف النزاع، والعلاقة بأجهزة الدولة»، بحسب تقرير للمبادرة المصرية تناول جلسات الصلح العرفي في الأزمات ذات البعد الطائفي.
مسؤول ملف الدين والحريات في المبادرة المصرية، إسحق إبراهيم، أوضح لـ«مدى مصر» أن الشرطة من مصلحتها استتباب الهدوء في المناطق ذات التركيبة الاجتماعية القبلية والعائلية، «خاصة في حوادث القتل، سواء كان له طبيعة جنائية أو طائفية». ولهذا السبب، في بعض حالات الخصومة المستعصية على الحل، أو بدافع الإسراع من الحل تضغط الدولة بكافة أدواتها على أطراف الخصومة وليس الشرطة فقط، «يعني تبدأ حملات التموين والصحة تنزل للمحلات التابعة للعائلات المتورطة في خصومة، حملات إزالة للمنازل، الاشتباه في أفراد هذه العائلات أثناء مرورهم على الكمائن، وهكذا»، مضيفًا أن كثير من العائلات تضطر للتصالح رغبة في «الإفراج عن أفراد العائلة المقبوض عليهم بسبب الخصومة».
لا يرفض إبراهيم آليات التدخل الاجتماعي لفرض السلم الأهلي بشكلٍ عام، إلا أنه يرى ضرورة ألا يكون هناك إجبار لأحد الأطراف أو كليهما على التنازل عن حقوقهم القانونية. بحسب رأيه، فإن إجراءات مثل توقيع أطراف الخصومة على إيصالات أمانة قبل الجلسة العرفية، وهي أحد الشروط المتبعة لعقد الجلسات، يُقيد حق أطراف الخصومة في التراجع عن الحل العرفي والاستمرار في التقاضي، مضيفًا: «ده انتهاك للحقوق الدستورية والقانونية، وبيفتح باب لتجدد الخصومة طالما في طرف حاسس إنه استُضعف وطرف لم يدفع تمن جريمته».
يشير إبراهيم إلى أن المجلس العرفي يتشكل من القيادات الطبيعية في المنطقة التي جرت بها الجريمة، ويعكس ذلك على الأغلب توازن القوى في القرية أو المركز. وبناءً على نتائج الجلسة، تتنازل الأطراف عن المحاضر والقضايا المرفوعة في حق بعضهم البعض، إذا كانت الجرائم بسيطة. لكن إذا شملت الجرائم المرتكبة على جرائم لها شق مجتمعي، مثل القتل أو الحرق أو الترويع، من المفترض أن تستكمل درجات التقاضي، و«المحكمة بتاخد أحيانًا في عين الاعتبار الصلح اللي تم، لكنها غير ملزمة به».
وحتى وقوع خصومة ثأرية بين قبيلتي الدابودية والهلايلة في أسوان عام 2014، التي استدعت أن يبادر شيخ الأزهر بتشكيل لجنة عليا دائمة للمصالحات، تتفرع منها لجان في كل قرية، لم يكن هناك شكل ثابت لمجالس المصالحات، باستثناء المنطقة الواقعة من محافظة سوهاج شمالًا إلى أسوان جنوبًا، والتي تضم عادةً عمد القرى والعائلات وزعماء القبائل، فضلًا عن قيادات دينية وأمنية سابقة، تعمل بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية.
ورغم عدم وجود نص قانوني رسمي، سوى توجيهات المحافظين في عدد من محافظات مصر ذات الطابع القبلي، التي تقضي بتشكيل لجان مصالحات على مستوى المحافظة، وتلعب وزارة الداخلية دورًا أساسيًا في إدارة هذه العملية. تحوي لجان المصالحة في المعتاد ضابط شرطة على الأقل. وإذا فشلت اللجان في عملها، تتدخل الشرطة بشكل كبير من أجل الضغط على العائلات المتورطة في خصومة ثأرية، عبر استنزافها ماديًا أو معنويًا، لإجبارهم على القبول بالصلح.
هذا الضغط يعني في كثير من الأحيان اللجوء إلى أدوات ووسائل تقع في منطقة رمادية من ناحية القانون. في مقابلة مع بودكاست «أوراق القضية»، يشير مدير المباحث الجنائية السابق في محافظة سوهاج وعضو لجنة المصالحات بالأزهر، خالد الشاذلي، إلى تلك الأدوات التي يلجأ إليها ضباط الشرطة لفرض الصلح على أطراف الخصومات الثأرية.
على سبيل المثال، طبقًا للشاذلي، يمكن لضابط الشرطة وقف أو نقل أفراد العائلات المتخاصمة في عملهم بعيدًا عن أماكن إقامتهم، أو نقل أطفالهم إلى مدارس أخرى في مراكز مجاورة، أو إصدار قرارات إزالة للمنازل غير المرخص ببنائها وتحريك حملة أمنية شهريًا على أطراف الخصومة. وفي حالة وصل الضابط لطريق مسدود معهم، «يعمل لأصحاب الخصومة ملف أمني»، وهو الأمر المؤرق للعائلات التي تحدثت مع «مدى مصر»، كونها تزعزع مكانتهم الاجتماعية بالقرية.
تسببت تلك الضغوط في توتر مستمر بين الأهالي والشرطة، تصاعد كثيرًا بعد ثورة يناير 2011، بحسب عمار ومصادر أخرى بساحل سليم. وبدأت سلسلة استهدافات لأفراد الشرطة، افتتحت بعد أقل من شهر على ثورة يناير، بمقتل رقيب شرطة، ومحاولة قتل معاون مباحث المركز، وعٌثر بين أحراز المتهم حينها على قنبلة موقوتة في فبراير 2012، تلا ذلك إصابة مأمور شرطة ساحل سليم نفسه في أبريل من ذات العام.
بعدها، شهد مركز شرطة ساحل سليم أول هجوم في مايو 2012، لتهريب بعض المحتجزين. وعقب انتحار محتجز بعد أربعة أيام من الهجوم، قطع الأهالي الطريق الزراعي، فيما جرى استهداف آخر لأفراد شرطة ساحل سليم نهاية 2017.
انفجر العنف في ساحل سليم بشكل أكبر بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة عام 2013، حين حاول أشخاص اقتحام قسم الشرطة على مدار يومين متتالين، مستخدمين قذائف «هاون»، ما أسفر عن مقتل خفير نظامي.
انفجار العنف لم يكن لأسباب سياسية فقط ولكن بعضها كان بسبب أداء الشرطة لدورها في القبض على مطلوبين أو لأسباب أخرى، فقط أصيب خلال وقائع مختلفة عقب ذلك ضابط وثلاثة رقباء ومخبر شرطة ومجندين، فيما هاجم مسلحون دورية شرطية بالمركز، بالمقابل شن الأمن حملات مكثفة لمطاردة عدد كبير من المطلوبين، بحسب عدد من أهالي المركز تحدثوا إلى «مدى مصر».
إحدى أهم النقاط التي أثارها محسوب قبل مقتله هي اتهامه للشرطة بالقيام بتصفية عدد كبير من أهالي الصعيد خارج إطار القانون، وهي اتهامات ترددت طوال الأعوام الماضية.
في 18 يونيو 2023، تداول نشطاء فيديو لسيدة في حالة انهيار، تزعم تصفية الشرطة لزوجها، فيصل عنتر، وخمسة من أصدقائه من آل صديق. سرعان ما حُذف الفيديو، لكن أعيد نشره مجددًا بعد أقل من شهرٍ.
[فيديو شيماء أحمد عن مقتل زوجها]
تواصل «مدى مصر» مع شيماء أحمد، صاحبة الفيديو. «جوزي كان عايش وبيقول إحنا مسلّمين روحنا»، تُصر شيماء على أن زوجها «صُفي ولم يقتل في تبادل إطلاق نار»، موضحة أن الحملة بادرت بإطلاق النيران فور وصولها إلى منزلها في قرية بني فيز بمركز صدفا، ثم داهمته. في تلك الأوقات، بدأ الرجال في النزول من المندرة (مكان الضيافة) لاستطلاع الأمر، «كل اللي ينزل من المندرة يتضرب».
في هذه الأثناء، احتجزت «الداخلية» زوجة فيصل وأطفاله الثلاثة في إحدى غرف المنزل بعد انتزاع الهواتف من أيديهم، طبقًا لها. ظلت شيماء خلال هذا الوقت تسمع صوت إطلاق نيران متقطع، مؤكدة أنها حينما خرجت من الغرفة لدقائق شاهدت زوجها «واقف على رجليه، وحاطين المسدس على رأسه»، إلا أن أفراد الأمن أعادوها إلى غرفتها، قبل أن تعود أصوات طلقات النيران، «كنت سامعة ساعتها صوت جوزي واتنين عايشين معاه بيقول للظابط حرام عليك يا باشا».
تضيف شيماء أنها وجدت بقايا من ذقن أحد القتلى نتيجة كثافة النيران، ولم تلتفت«الداخلية» إلى الأشلاء التي خلفتها، وعلى عجل وضعت الجثث بعضها فوق بعض في عربة الشرطة «زي الكلاب»، تقول شيماء.
شيماء، الحاصلة على ليسانس حقوق من جامعة أسيوط، أوضحت أن زوجها كان يعمل مقاول سيراميك في السعودية منذ 20 سنة، مثل إخوته جميعًا، الذين حصلوا على تعليم متوسط، باستثناء أخيه الأكبر، الذي يعمل محاميًا في الكويت، مؤكدة أن العائلة غير متورطة في خصومة ثأرية. لذلك لا يعرف أي من العائلة كيفية استخدام السلاح، خاصة فيصل، المعفى من الخدمة الإلزامية في الجيش. كما أن أسرة فيصل تمتلك مزرعة رمان على مساحة خمسة أفدنة معدة للتصدير، ناهيك عن تجارة البهائم، أي أن الأسرة «مش محتاجة تتاجر في المخدرات والسلاح زي ما كتبوا في محضر الضبط»، حسبما تقول.
تشرح شيماء سبب قتل زوجها، الذي عاد إلى مصر قبل شهرين من قتله لإحياء «ختمة رمضان لوالده»، المتوفى قبلها بثلاث سنوات، بأن ذلك يعود إلى استقباله خمسة من آل صديق. ارتبط فيصل بصداقة ثلاثة منهم خلال إقامته في السعودية، وكانت عائلة صديق طرفًا في خصومة ثأرية بمركز ساحل سليم، الذي يقيمون به، إلا أنهم لم يحملوا سلاحًا أثناء زيارتهم الأخيرة لفيصل، بحسب شيماء.
استغاثت شيماء في تلغرافات رسمية إلى النائب العام ووزارة الداخلية ورئيس الوزراء والمجلس القومي لحقوق الإنسان، متهمة مركز شرطة ساحل سليم بقتل زوجها خارج إطار القانون، كما قدمت شكواها للنيابة عقب مقتل زوجها، الأمر الذي دفع النيابة إلى التحقيق معها بعد أربعة أيام من مقتل زوجها، دون اتخاذ أي إجراءات.
تتحدث شيماء عن الفزع الذي أصاب القرية بأكملها بعد الحادث، «عيالنا بقت تستخبى تحت الكنب لما تشوف عربيات الداخلية في الشوارع، عملوا لنا رعب»، مضيفة: «بقينا نحس الأيام دي أن الدولة شادة حيلها على الصعيد».
أحمد صديق، أحد الأخوة المتبقين من آل صديق، قال لـ«مدى مصر»، إن ابن عمه، عزمي صديق، الذي قتلته «الداخلية» بصحبة عدد من عائلته، كان أخذ بثأر عمه الكبير، جمال صديق، الذي قُتل في خصومة ثأرية مع أصهار العائلة قبل ثلاث سنوات.
يضيف صديق أن عزمي بعدما أخذ ثأره، قبل ثلاثة أيام من مقتله، تواصل أحد أمناء مركز شرطة ساحل سليم مع العائلة طالبًا تسليمه، وهو ما كان سيحدث، إلا أنهم انتظروا تدخل لجنة المصالحات لضمان تقليص الحكم على عزمي، وترتيب أمورهم. لذلك كان فيصل مطمئنًا حين استقبلهم، لكنه قُتل معهم دون ذنب، مشيرًا إلى أنه لم يكن على أي من القتلى أي أحكام، باستثناء وجود محضر من الطرف الآخر في الخصومة بحق أحد أبناء عمومته، كما لفت إلى مقتل الطفل، محمد صديق، الذي يبلغ من العمر 17 عامًا.
أحد ضحايا حملات القبض على المطلوبين أيضًا، كان محمود علي أحمد عامر، الذي كان مطلوبًا لتنفيذ حكم عشر سنوات غيابيًا. وعقد صلحًا بين العائلتين في العام نفسه، وفق شهادة أخيه عمرو علي.

يقول الشقيق علي لـ«مدى مصر»، إن «الداخلية» حاوطت منزلهم في قرية الشامية، فجر يوم 18 أغسطس 2022، وأوقفوا قناصة فوق مزرعة دواجن، شرق البيت. «أخويا لما شاف الحملة كبيرة خاف، حاول يهرب من على السطح، القناصة ضربته طلقتين، في رأسه وصدره»، يقول. عقب ذلك، اقتحمت القوات المنزل، احتجزت الأم والزوجات والأطفال في غرفة، و«كلبشوا أخويا الصغير خلفي»، الذي احتجز ليومين في المركز، مضيفًا «رموا الجثة بدل ما ينزلوها على السلالم».
ينفي علي ما جاء في محضر الضبط، الذي ذكر أن «الداخلية» ألقت القبض على أخيه في كمين بقرية المطمر المجاورة، والتي تبعد عن منزلهم عشرة كيلومترات، ووجدوا معه مخدرات وسلاح، متهمينه بمقاومة السلطات، الأمر الذي حاولت الأسرة نفيه في محضر بعد مقتل محمود بيومين، بعد إخلاء سبيل الأخ الأصغر. «تأخرنا عشان كنا خايفين علي أخويا اللي في المركز»، يقول علي.
يعترف علي أن أخيه قاوم السلطات حينما حاولت القبض عليه عام 2017، وبرأته المحكمة من تلك القضية، إلا أن «الداخلية» منذ ذلك الحين تطارد العائلة بأكملها، كما هدموا منزل العائلة مرتين، مشيرًا إلى أن أخيه كان ينوي تسليم نفسه فور تغيير قاضي الدائرة، الذي يعرف عنه قسوة الأحكام، بحسب عمرو، نافيًا أن يكون أخيه قاوم السلطات يوم قتله.
ومثل الشهادات الأخرى التي تلقاها «مدى مصر»، يستنكر الأهالي تهمة الإتجار في المخدرات. يوضح علي أنهم عائلته ميسورة، تمتلك مزارع رمان تمتد على مساحة 13 فدانًا، كما أن عميد عائلته مهندس زراعي يرأس الجمعية الزراعية لقرية، منوهًا إلى أن القتيل لم يكن حتى يدخن.
بعد نحو سبعة أشهر من مقتل محمود، قتلت قوات الأمن أحمد كمال أبو كحلة، الوحيد من بين الحالات التي تحدث «مدى مصر» إلى عائلاتهم الذي لم يكن متورطًا في خصومة ثأرية، إلا أنه حكم عليه بخمس سنوات غيابيًا في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «محاولة اقتحام مركز شرطة ساحل سليم»، والتي ستطارد على إثرها الشرطة نحو 70 مواطنًا من أهالي المركز، بعضهم كان خارج مصر، بحسب عدة مصادر من هناك تحدثت إلى «مدى مصر».

أوضح أحد أشقاء أحمد أن أخيه قُتل بالرصاص بجوار منزله في 20 مارس 2023، بعدما اتصل به الضابط المسؤول عن الحملة لحثه على العودة إلى المنزل، وإلا سيحتجز أسرته، مطمئنًا إياه بأنه لن يُقتل. وحين عودته، أصابه قناص، ثم أجهز ضابط الحملة عليه بطلقة في الصدر، دون أن يطلق محمود طلقة واحدة باتجاه السلطات، بحسب شقيقه، الذي أكد أن جميع الجيران شهدوا الواقعة، وعلى استعداد للشهادة أمام النيابة حال فُتح تحقيق في مقتل أخيه.
أشار المصدر إلى أن السبب وراء عدم قدرة الأهل والجيران على توثيق لحظات قتله وقتل غيره، هو أن «الداخلية» في مثل تلك الحملات، التي بات أهالي المركز يسمونها «حملة التصفية»، تستخدم عربات تشويش، كما تستولي على كاميرات المراقبة وتعيدها بعد حذف محتواها، وتجبر المواطنين على دخول منازلهم وإغلاق شبابيكها.
اتفق العديد ممن تحدثوا مع «مدى مصر» على انتهاج «الداخلية» لتلك الممارسات، وهو ما ظهر بوضوح خلال اشتباك «الداخلية» مع محسوب. وفقًا لثلاثة مصادر من أهالي قرية محسوب، العفادرة، أفرغت «الداخلية» شوارع القرية من أهلها، كما عانى محسوب نفسه من التشويش أثناء أكثر البث في خضم تبادل النيران.
بعد مقتل أبو كحلة بنحو شهرين، قتلت حملة أمنية أخصائيًا اجتماعيًا من أهالي عرب المطمر يدعى علي شعبان. جرى ذلك أمام شهود عيان عديدين، بحسب رواية ابنته نادية، التي قالت إن والدها عندما شاهد سيارات الشرطة تقدم نحو «التروسيكل»، الذي يعمل به في الأرض الزراعية التي يمتلكها، لإزاحته عن الطريق، إلا أن أحد الضباط عاجله بطلقة في الرأس، فارق على إثرها الحياة مباشرةً.
[فيديو شهادة نادية علي شعبان عن مقتل أبيها]
في اليوم التالي لنشر شهادة نادية، طلب مركز شرطة ساحل سليم حضورها، وصحبها عمها، الذي خرج في اليوم نفسه، فيما ظلت الطفلة ذات الـ16 عامًا محتجزة لمدة أربعة أيام، وأنكر المركز وجودها فيما بعد، ما دفع العائلة إلى تحرير محضر بالواقعة، حسبما وثقت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان.
توالت شهادات مماثلة كذلك بعد مقتل محسوب. نشر أحد أفراد عائلة لولي شهادته على مقتل أبيه وعمه وأخويه، أحدهما قاصر، إضافة إلى شخص آخر لم يحدد هويته، في حملة للشرطة يوم 11 يناير 2024، قبل أن يحذف البث من صفحته، إلا أن حسابات عديدة من مركز ساحل سليم أعادت نشره على تطبيق تيك توك، أوضح خلاله أن عائلته لديها خصومة ثأرية، كان من الممكن أن تنتهي بصلح، دون إراقة دماء جديدة، مطالبًا بالتحقيق في شكواه بحق أفراد شرطة مركز ساحل سليم.
أشار الشاب إلى أنه لا يزال يحتفظ بشهادة تحركات أخيه، علي خيري لولي، التي تفيد بعودته إلى مصر بعد أداء العمرة، قبل مقتله بثماني ساعات ونصف، عارضًا تقرير الطب الشرعي، الذي يفيد بأن علي خيري تلقى 17 طلقة، جميعها في الجزء العلوي من الجسد، في الصدر والذراعين، وأسفل الإبط، والكتف والكف الأيمن، فيما استقبل جسد القاصر، علوش خيري، 15 طلقة، 13 منهم أعلى الجسد.
نفت «الداخلية» صحة ما جاء في الفيديو، موضحة أنها استهدفت «إحدى أخطر البؤر الإجرامية بدائرة مركز شرطة ساحل سليم»، متهمة إياهم بـ«الإتجار فى المواد المخدرة والأسلحة النارية غير المرخصة»، مشيرة إلى إصابة ضابط وفرد شرطة خلال «التعامل معهم»، مؤكدة في بيانها على أن «كافة الإجراءات تمت فى الإطار القانونى».
بجانب شهادات أهالي 15 قتيلًا خلال 37 شهرًا في مركز ساحل سليم، الذي بالكاد يتعدى سكانه 172 ألف نسمة، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. تعرض عدد من أبناء ساحل سليم للسجن، وتحول عدد آخر إلى مطاردين، تحدث «مدى مصر» مع سبعة منهم، فأكدوا جميعًا أن سبب ما تعرضوا له هو تورط عائلاتهم في خصوماتٍ ثأرية، أو طُلب منهم تسليم أحد أقاربهم أو جيرانهم، أو تسليم سلاح.

طوال الأعوام الماضية، بعد مقتل سالم، حاول محسوب التواري عن الأنظار وتجنب الاحتكاك بأفراد الشرطة، حتى عادت «الداخلية» لاستهدافه في 2017، ليضطر إلى مغادر القرية لمدة ستة أشهر. شارك أحد معارفه في مزرعة بالبحيرة، إلا أن «الداخلية» استهدفته بحملة أمنية هناك، ما أسفر عن اعتقال خمسة أفراد من عائلته، وعودته مرة أخرى إلى قريته متخفيًا، لتبدأ مطاردته بحملاتٍ أمنية كل عام تقريبًا، حسبما قال ابن عمه لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن قوات الأمن لم تترك أحدًا من عائلة محسوب لم تداهم منزله. «أهلنا في القاهرة غيروا عناوينهم في بطايقهم، عشان يخلصوا من مطاردة الداخلية لهم»، يقول.
لكن تصعيدًا كبيرًا قامت به الشرطة منذ يناير الماضي بعد مقتل ضابط الأمن المركزي، كريم ياسين، خلال حملة أمنية على مركز ساحل سليم في 3 يناير من العام الحالي، ما أدى إلى مقتل ستة «عناصر إجرامية» في قرية العونة، حسبما يفيد بيان وزارة الداخلية.
بحسب جريدة «الأهرام»، قُتل منذ بداية العام حتى 7 مارس الماضي، 62 «عنصرًا إجراميًا» خلال حملات «الداخلية»، 45 عنصرًا منهم قتلوا في الصعيد. أي أن أكثر من 72% من القتلى سقطوا في إقليمٍ يمثل ثُلث سكان البلاد فقط، وفق بيانات وزارة الداخلية، التي كشفت أيضًا عن أن ثُلث هؤلاء القتلى كانوا من أبناء محافظة أسيوط، إحدى محافظات إقليم الصعيد العشر.
علّق محسوب عبر صفحته على فيسبوك على البيان بأن جميع القتلى «هم أبناء الشعب المصري»، لا فرق بين «رجل شرطة أو فلاح أو صعيدي»، محذرًا من «الانقسام بين الشعب باسم الدولة وقانونها»، بعدما تعددت حالات قتل المواطنين في تلك الحملات «بشكلٍ غير طبيعي»، مشيرًا إلى أن الذين قتلوا من الأهالي مواطنين لديهم خصومة ثأرية، وهي خصومات «معترف بها في دستور مصر وقانونها منذ قديم الأزل»، وفق اعتقاده.
تابع محسوب نتائج تلك الحملات الأمنية، التي يُقتل خلالها «الأشقياء»، إلى أن أصبح هو وأخيه وابنه القاصر، وثلاثة من أبناء عمومته، وجارٍ له يعاني من «إعاقة ذهنية»، رقمًا مضافًا إليهم.
شيع جثمان محسوب العديد من أهالي قريته والقرى المجاورة. يوضح ابن عمه ومصدر آخر من القرية، طلب عدم ذكر اسمه، أن المشيعين ليسوا من عائلة محسوب، لأن جميع رجال العائلة فروا خوفًا من إلقاء القبض عليهم، باستثناء نحو عشرة رجال طلبت الجهات الأمنية منهم استلام الجثث، كما صاحب تشييع الجثمان، انتشار بوستات وفيديوهات تشيد بمقاومة محسوب للسلطات على فيسبوك على صفحات مجموعات تابعة لقرى، خاصة تلك التي تجمع عددًا من أبناء محافظات الصعيد ومطروح وسيناء، بل وتطوع عددٌ آخر بإجراء مناسك العمرة عن محسوب بعد موته، وحتى أثناء حصار قوات «بلاك كوبرا» له، دعا العديد له بالنجاة. أحد هؤلاء بث دعائه لمحسوب من الحرم المكي.
«أخطأت نعم أخطأت.. كلنا بشر والكل يخطئ»، يقر محسوب في عددٍ كبير من تدويناته أنه أخطأ، مطالبًا بمحاسبته وفق القانون، يسري على جميع أبناء الشعب «المالك الوحيد للدولة حتى إذا كان مهمشًا في حقوقه». إلا أنه ربط محاسبته على ما اقترف بمحاسبة من أراق دماء عدد كبير من أبناء ساحل سليم، وغيرها من القرى والمراكز في صعيد مصر، بسبب تورط أبنائه في «خصومات ثأرية معترفًا بها في كل أنحاء مصر»، حسب قوله.
قرر محسوب في النهاية عدم الفرار من الحملة الأمنية الأخيرة على منزله، بعدما ظل يدون قصته عبر صفحته لعدة سنوات، مركزًا على اتهامه «ظلمًا» بحيازة سلاح في 2004، الأمر الذي فرض عليه أن يحيا مطاردًا حتى موته.
تقارير ذات صلة
«منقباد» تحمي أطفالها بالجهود الذاتية.. «مش هنستنى عيال تاني تموت»
«صليبة العُدر» لا يوجد بها مدارس أو وحدة صحية أو مركز شباب أو حتى صيدلية
«المرض الغامض» الذي فاجأ «الصحة» مرارًا
تنقل «مدى مصر» بين نجوع قرية العُليقات وأحياء مدينة القصير، لرصد واقع انتشار حمى الضنك بهما
فيديو| مريم النجارة
في إحدى قرى الصعيد المنسية، قررت تربية أبنائها من «عرق جبينها»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن