تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«منقباد» تحمي أطفالها بالجهود الذاتية.. «مش هنستنى عيال تاني تموت»

«منقباد» تحمي أطفالها بالجهود الذاتية.. «مش هنستنى عيال تاني تموت»

كتابة: معتز حجاج 7 دقيقة قراءة

في صباح 13 أكتوبر الماضي كان الصياد ميخائيل عياد في طريقه إلى السوق، حين شاهد «تروسيكلًا» يستقله تلاميذ مدرسة وهو يسقط في مصرف حواس، عند مدخل قرية سلام التابعة للوحدة المحلية لـ«منقباد»، في محافظة أسيوط، ليقفز عياد خلفهم في المصرف.

كان التروسيكل ينقل 15 طفلًا من أبناء قرية صليبة العُدر إلى مدرسة أحمد عرابي الابتدائية بقرية منقباد، القرية المركزية بالمنطقة، انتشل عياد جثة أحدهم، بينما نجح في إنقاذ 14، قبل أن يتوفى ستة منهم تباعًا داخل العناية المركزة، نتيجة تشبع رئاتهم بالمياه لبقائهم فترة طويلة تحت مياه المصرف، فضلًا عن تأخر إسعافهم، حسبما أوضح لـ«مدى مصر»، مصدر طبي في مستشفى أسيوط الجامعي، الذي استقبل المصابين، والذي اشترط عدم ذكر اسمه.

الصياد ميخائيل عياد ينقذ التلاميذ في مصرف حواس، المصدر: صفحة الصوامعة غرب بلدنا

رغم وفاة الأطفال السبعة، وأكبرهم في الحادية عشرة من عمره، تحول عياد إلى ما يشبه البطل الشعبي بين أبناء قريته والقرى المجاورة، ما دفع المحافظة إلى تكريمه باعتباره «نموذجًا إيجابيًا يُسهم في ترسيخ معاني الانتماء والإخلاص»، إلا أن بيانها خلا من أي ذكر لحل مشكلة المصرف غير المغطى، أو غياب المواصلات العامة في القرية، أو المدارس الأساسية التي تُجنب الأطفال عناء الانتقال لمسافاتٍ بعيدة، وكلها مطالبات سبق وتقدم بها أهالي القرية، ومن بينهم عياد، للمسؤولين، ضمن قائمة طويلة من الخدمات الأساسية التي طالبوا بها لسنوات، ولم توفرها الدولة.

تكريم محافظة أسيوط لميخائيل عياد الذي أنقذ التلاميذ، المصدر: الصفحة الرسمية لمحافظة أسيوط

*****

عقب يومين من الحادث، زار محافظ أسيوط، هشام أبو النصر، الأطفال المصابين في مستشفى أسيوط الجامعي، ووجه بتواجد لجنة من مديرية التضامن الاجتماعي في المستشفى، لتقديم الدعم اللازم لأسر المصابين والمتوفين، وهو ما لم يحدث حسبما أكد لـ«مدى مصر» أكثر من مصدر، أحدهم إبراهيم حمدان، والد الطفلة جنى، إحدى ضحايا الحادث، الذي قال إن الأطفال الناجين لم يتلقوا أي دعم نفسي لتجاوز الصدمة، و«خايفين يروحوا المدرسة من وقت الحادث».

أما أحمد الطوابي، أحد سكان «صليبة العُدر» وشاهد عيان، فأوضح لـ«مدى مصر» أنها ليست المرة الأولى التي تسقط فيها وسيلة مواصلات في المصرف، الذي كان في الماضي ترعة زراعية، قبل أن يضطر الأهالي لتحويل صرف المنازل إليها في ظل عدم وجود صرف صحي بالمنطقة.

مصرف حواس، المصدر: صفحة الصحفية إيمان سمير - أسيوط 24 على الفيسبوك

الطوابي أوضح أن أهالي القرى المحيطة بالمصرف سبق وطالبوا بتغطيته، «أو على الأقل يعملوا له سور»، دون استجابة، ولفت إلى أن ما زاد من صعوبة محاولات إنقاذ الأطفال كان تراكم ورد النيل والحشائش في المصرف، الذي لا تطهره الوحدة المحلية بشكلٍ دوري «لغاية ما بقى ورد النيل والزبالة فيه بارتفاع متر»، فضلًا المخلفات الصلبة والحيوانات النافقة داخله.

بعد أسبوع من الحادث، وفي بيانٍ مليء بالفخر، أعلنت المحافظة عن بدء تشغيل معدة «ألمانية حديثة» لإزالة النباتات المائية من نهر النيل والترع والمصارف، بهدف «تعظيم الاستفادة من المخلفات ضمن منظومة بيئية واقتصادية متكاملة»، وتخلل البيان استعراض طويل لكفاءة المعدة، التي تعمل «بشكل أوتوماتيكي متكامل»، لذلك لا يتطلب عملها «سوى فني واحد داخل كابينة مجهزة بأحدث وسائل التحكم والراحة»، كما أنها قادرة على العمل «حتى في الممرات الضيقة وسريعة الجريان»، لكن الأهم أن البيان أشار إلى أن المعدة متوافرة لدى المحافظة منذ أكثر من عشر سنوات، ولم تُستغل منذ شرائها لـ«عدم توافر المعدات المساندة».

مقتطف من فيديو نشرته صفحة محافظة أسيوط تعلن فيه عن بدء تشغيل معدة «ألمانية حديثة» لإزالة النباتات المائية من نهر النيل والترع والمصارف

بخلاف تعطيل معدة متوافرة منذ أكثر من عشر سنوات، يعاني أهالي قريتي سلام وصليبة العُدر التابعتين لـ«منقباد»، من غياب الصرف الصحي منذ سنوات، ما أدى إلى تسرب مياه الصرف للشوارع من غرف صرف المنازل «الطرنشات»، وانتشار البعوض الناقل للأمراض على إثر ذلك، ومع ارتفاع المياه الجوفية زادت سرعة امتلاء «الطرنشات» بمياه الصرف، لذا باتت تحتاج إلى التفريغ عدة مرات في الشهر، وبعد سنوات من انتظار مشروع شبكة صرف كان مُخططًا إقامته منذ التسعينيات، وجد الأهالي أنفسهم مضطرين إلى صرف المياه في الترعة الزراعية، حسبما أوضحوا لـ«مدى مصر».

*****

بعد غرق الأطفال، أمرت نيابة أسيوط بحبس سائق التروسيكل، عبد الله منصور، أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع إخضاعه لتحليل مخدرات، رغم تأكيد الأهالي وشهود العيان أن منصور فوجئ بانحراف أتوبيس عن حارته، ما أفقده السيطرة على التروسيكل.

إبراهيم حمدان، الذي فقد أربعة أطفال من عائلته في الحادث، وما زالت ابنتاه في حالة حرجة داخل العناية المركزة، أوضح أن «سواق التروسيكل مشكورًا كان بيُوصل عيال البلد من غير مقابل وهو بيودي عياله المدرسة»، وهو ما يفعله أهالي القرية الذين يمتلكون وسيلة مواصلات خاصة، حسبما قال، لافتًا إلى أن السائق فقد ابن أخيه وابنة عمه في الحادث، وكان من بين المصابين ثلاثة أطفال من عائلته، وأنُه حُبس دون أن يتمكن من الاطمئنان على ابنتيه اللتين كانتا محجوزتان في المستشفى، وذلك حتى أخلت المحكمة سبيله بعد نحو عشرة أيام، على خلفية تصالح أولياء أمور الأطفال المتوفين معه.

عضو مجلس النواب عن أسيوط، إبراهيم نظير، أكد لـ«مدى مصر»، أن جميع قرى المنطقة التابعة لمنقباد تعاني من غياب شبه تام للخدمات، وليس فقط «صليبة العُدر»، إلا أن الأخيرة تفتقر حتى إلى «خطوط التليفون الأرضي من سنين»، موضحًا أن تقادم الأسفلت على الطريق الذي يخدم عدة قرى، يزيد من معدلات الحوادث عليه، «كل ما نطلب سفلتة الطريق، مرة يقولوا استنوا لما نعمل الصرف، مرة عشان المياه، مرة التليفون الأرضي، ومفيش حاجة بتحصل».

في مقابل انعدام الاستجابة الحكومية، اعتاد أهالي القرى التابعة لـ«منقباد» حل مشكلاتهم بالجهود الذاتية. فحتى أواخر عام 2013 لم يكن بقرية سلام سوى مسجد واحد، قبل أن يتبرع أحد أبنائها الأقباط بقطعة أرض لإقامة مسجد ثانٍ في القرية التي تضم 19 ألف نسمة، بحسب تعداد 2017.

لا توجد في «سلام» كنيسة، رغم كونها مسقط رأس البابا شنودة الثالث، ويُشكل الأقباط ربع سكانها، وفق تصريحات النائب السابق عن محافظة أسيوط، البدري ضيف، في 2016، حين تقدم بطلب لبناء كنيسة لأبناء القرية، حتى لا يضطروا إلى التوجه للقرى المجاورة للصلاة. وقد شجع ارتباط القرية بالبابا الراحل عددًا من المثقفين لدعم طلب بناء الكنيسة، ومنهم الإعلامي حمدي رزق، الذي اقترح على النائب دعوة أهالي القرية للاكتتاب الشعبي لجمع تكاليف بناء الكنيسة.

أما «صليبة العُدر» فلا يوجد بها مدارس أو وحدة صحية أو مركز شباب أو حتى صيدلية، رغم تجاوز تعدادها عشرة آلاف مواطن، حسبما يشرح الطوابي لـ«مدى مصر»، موضحًا أن غياب الخدمات يزيد من اضطراهم للتنقل، وصولًا إلى مركز أسيوط على بعد 14 كيلومترًا إذا احتاجوا رعاية صحية، لأن أقرب وحدة صحية، على بعد سبعة كيلومترات، تعمل لمدة ساعتين فقط خلال اليوم، بينما الأسوأ وفقًا للطوابي، هو اضطرار الأهالي إلى توزيع أبنائهم على مدارس أربع قرى مجاورة «أقرب واحدة فيهم على بُعد 4 كيلومترات». 

هذه المسافات لا تبدو بعيدة في المدن، أما في قرى تفتقر إلى طُرق ممهدة ووسائل نقل عامة، يصبح التنقل عناءً ومخاطرة عبر التكاتك والتُروسيكلات والجرارات الزراعية وعربات النقل والكارو، وفق الطوابي، الذي أشار إلى أن بعض الأهالي المقتدرين يوفرون سيارة لتوصيل أطفالهم إلى المدرسة، إلا أنها تكلف ألف جنيه شهريًا، وهي تكلفة كبيرة على معظم الأهالي.

***** 

بعد الحادث، وكعادتهم، قرر الأهالي الاعتماد على أنفسهم، فتبرع أحد أبناء قرية بهيج الملاصقة لـ«صليبة العُدر» بقطعة أرض لإقامة مدرسة تخدم أبناء المنطقة، وهي المبادرة التي أعرب المحافظ عن تقديره لها، خلال تفقده موقع الحادث عقب يومين من وقوعه، موجهًا بـ«سرعة دراسة المقترح واتخاذ الإجراءات اللازمة»، وهو التوجيه نفسه الذي كرره بعد أسبوعين من الحادث، خلال استقباله عددًا من أهالي القرية وأسر الضحايا، وإن لم يأتِ ذكر هذا المقترح خلال لقائه مع وزير التعليم، الذي تفقد ست مدارس في المحافظة بعد أسبوع من الحادث، وهو اللقاء الذي استعرض خلاله المحافظ المدارس الجديدة الجاري تنفيذها لـ«تحقيق بيئة تعليمية آمنة ومتميزة»، والتي لم تتضمن أي مدرسة في القرية المنكوبة، فضلًا عن عدم اهتمام الوزير بزيارة مدرسة الأطفال الضحايا أو الحديث عنهم.

ولم تزد وعود المحافظ على منح ترخيص مجاني لأي سيارة يوفرها الأهالي للعمل على نقلهم على خط «صليبة العُدر-منقباد»، ما اعتبره أهالي «صليبة العُدر» الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» مجرد وعود لتهدئة الأسر المكلومة، «حتى لو بيتكلموا جد المرة دي، يوم حكومتنا بسنة»، قال أحدهم.

أهالي القرية يبنون سورًا حول المصرف الذي شهد الحادث، المصدر: صفحة جريدة صوت الأمة على الفيسبوك

في المقابل، اضطر الأهالي للتحرك على الأرض، فأقاموا سورًا حول المصرف الذي شهد الحادث، مؤكدين: «مش هنستنى عيال تانية تموت»، حسبما قال الطوابي وحمدان.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن