«الحرب المفتوحة» تصل لبنان
في قرية عيناتا الحدودية، أيقظت والدة بتول إسماعيل ابنتها قرابة الساعة الواحدة صباحًا لتخبرها بأن صواريخ أُطلقت من جنوب لبنان باتجاه منشآت عسكرية إسرائيلية في حيفا.
«عرفنا على الفور أن علينا المغادرة»، تقول إسماعيل.
بالنسبة لإسماعيل وغيرها الكثيرين في أنحاء جنوب لبنان، كان واضحًا أن الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، السبت الماضي، في طريقها إلى لبنان.
وبينما بدأت في جمع متعلقاتها، صاح والدها بأن القوات الإسرائيلية تأمر السكان بالإخلاء عبر مكبرات الصوت، تلك التي ظلت موجودة ضمن البنى التحتية العسكرية والتكتيكات الترهيبية التي استمر الجيش الإسرائيلي في ممارستها، رغم اتفاق إطلاق النار في 2024، الذي ينص على انسحاب إسرائيل من المناطق الحدودية التي احتلتها خلال الحرب.
تضيف إسماعيل، «عندها فهمنا أن الأمر قد يتطور إلى اجتياح بري. أدركنا أيضًا أننا إن غادرنا قد لا نعود».
مع بزوغ الفجر، عزز الجيش الإسرائيلي تلك المخاوف بإصداره أوامر إخلاء لأكثر من خمسين بلدة تقع جنوب نهر الليطاني، واستدعاء 100 ألف من جنود الاحتياط على طول الحدود اللبنانية. وفي إحاطة صحفية فجر اليوم، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، أن الجيش أطلق «حملة هجومية»، يُتوقع أن تستمر عدة أيام، ضد حزب الله الذي أعلن مسؤوليته عن إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل ردًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
عندما سُئل متحدث عسكري مباشرة عما إذا كانت الحملة المخطط لها قد تشمل قوات برية، أجاب: «كل الخيارات مطروحة على الطاولة».
عدد من العائلات التي تحدثت إلى «مدى مصر» استشعرت الخطر وقررت التوجه شمالًا بحثًا عن الأمان، لتنضم إلى آلاف النازحين.
وبينما فر الناس، اجتمع السياسيون اللبنانيون في وقت مبكر من صباح اليوم، لاتخاذ قرار بشأن كيفية الرد على التصعيد، في اختبار حرج للتحالف الوطني الواسع الذي شهد إدارة حذرة لمطالب نزع سلاح حزب الله على مدار العام الماضي.
تستغرق الرحلة إلى بيروت من الجنوب نحو ساعتين بالسيارة، لكن وبتحرك المئات في وقت واحد، انسدت الطرق.
قررت عائلة إسماعيل، بعد أن حال انغلاق الطرق بسبب الزحام دون مواصلة الرحلة، التوقف ليلًا في منزل أحد الأقارب في النبطية، وهي مدينة رئيسية في جنوب لبنان تبعد نحو 15 كيلومترًا عن الحدود مع إسرائيل، كادت الغارات الإسرائيلية خلال حرب 2024 أن تسوّي مركزها كاملًا بالأرض.
أما زينب حلاوي، المقيمة في بلدة صديقين بقضاء صور جنوبًا، فلم يكن قرار المغادرة سهلًا. تقول لـ«مدى مصر»: «نحن عائلة كبيرة، وليس من السهل أن نترك كل شيء خلفنا». ومع ذلك، وفي الفجر، غادرت حلاوي منزلها برفقة شقيقاتها الثلاث وشقيقيها مع أطفالهم جميعًا، دون وجهة.
كان الطريق السريع بين صور والعباسية مشلولًا تقريبًا، السيارات لا تكاد تتحرك. «كان الأطفال يبكون، وبعض السيارات تعطلت، والناس بدت منهكة. الله يكون في عوننا»، تقول حلاوي.
تدرس العائلة الآن خيار التفرّق بحثًا عن مأوى، في ظل ارتفاع الإيجارات وضيق البدائل، وهو وضع تفاقم بسبب الرفض الذي يبديه كثير من الملاك لتأجير الشقق لعائلات شيعية، ما يجعل بقاءهم معًا أصعب. «إذا اضطررنا إلى التفرّق كي يكون بعضنا على الأقل في أمان، فسنفعل ذلك»، تقول.
ضبابية الأوضاع والقرارات تكتنف إسماعيل في النبطية كذلك. تقول: «لا نعرف بعد إلى أين سنذهب. ليس لدينا منزل آخر ينتظرنا».
وبينما بدأ الناس يفرون من الجنوب، شرعت إسرائيل في هجومها على لبنان. قبيل الثالثة فجرًا، قصفت الضاحية الجنوبية لبيروت، فتردّد دوي الانفجارات في أنحاء العاصمة وفي الجبال المحيطة بها.
في بعبدا، الواقعة على التلال جنوب بيروت، استيقظت سمر زيدان على وقع الانفجارات. تصف الضربات قائلة: «كانت مدويّة. كان يمكن سماع عدة انفجارات في آن واحد».
اتصلت بها شقيقتها المقيمة في حي الغبيري ببيروت طالبةً مساعدتها على المغادرة، إذ لم يكن لديهم سيارة، ووالدتهما المسنّة بالكاد تستطيع المشي.
حاولت زيدان التوجّه لمساعدتهم، لكن الطرق المؤدية إلى الضاحية الجنوبية والخارجة منها كانت مغلقة، ولم تتمكن من الوصول إليهم. اتصلت بابن أختها وطلبت منه أن يحضرهم إلى أقرب نقطة ممكنة.
ومع اندفاع مئات الأشخاص لمغادرة الأحياء التي عادة ما تتركز عليها الغارات الإسرائيلية، استغرقت رحلة ابن أخت زيدان، التي لا تتجاوز عادة دقائق، قرابة ساعة كاملة. تقول: «وصلَت أمي وهي ترتجف وتشعر بالغثيان من شدة التوتر. بالكاد كانت قادرة على الوقوف. اضطررت إلى جلب دواء لها. كان الخوف قد استولى عليها تمامًا».
العائلات التي لم يتسنّ لها العثور سريعًا على مساكن بديلة لجأت مؤقتًا إلى ساحات مفتوحة في أنحاء المدينة، من حرش بيروت إلى ساحة الشهداء وكورنيش الحمرا، فيما اختار البعض الاحتماء بمراكز الإيواء الحكومية في المدارس ومباني البلدية.
زعمت إسرائيل لاحقًا أنها قتلت العضو البرلماني لحزب الله، محمد رعد، ورئيس جهاز الاستخبارات في الحزب، حسين مقلد، في الغارات على بيروت.
واصلت إسرائيل قصف لبنان طوال صباح اليوم، مستهدفة مناطق خارج العاصمة، في الجنوب وسهل البقاع. وفي عصر اليوم، أصدرت أوامر إخلاء لمبنى «تابع لحزب الله» في بيروت والمباني المجاورة له، إلى جانب فروع جمعية «القرض الحسن» في مناطق مختلفة من لبنان، تمهيدًا لغارات جوية عليها.
بحسب وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الغارات الإسرائيلية على بيروت وجنوب لبنان والبقاع عن مقتل ما لا يقل عن 31 شخصًا وإصابة 149 آخرين حتى الآن.
دعا مجلس الوزراء اللبناني إلى اجتماع طارئ عند الثامنة صباح اليوم، لبحث سبل التعامل مع التصعيد.
وفي كلمة أعقبت الاجتماع، وبينما كانت إسرائيل تواصل غاراتها على البلاد، أعلن رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، في لهجة حادة، قرار الحكومة بـ«الحظر الفوري لنشاطات حزب الله، الأمنية والعسكرية كافة»، مضيفًا أن الحكومة وجهت «الأجهزة الأمنية والعسكرية كافة باتخاذ الإجراءات الفورية [..] لمنع القيام بأي عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ أو طائرات مُسيّرة من الأراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين».
يقول مصدر مقرّب من رئيس الوزراء شارحًا موقف سلام، إن «قرار حزب الله المنفرد بخوض الحرب الإيرانية سيؤدي إلى أن يدفع لبنان الثمن كاملًا، وإعطاء الذريعة لتدمير لبنان بالكامل».
منذ تعيينه رئيسًا للحكومة في فبراير من العام الماضي، عُرف سلام بدعمه القوي لنزع سلاح حزب الله، وهو شرط إسرائيلي أساسي في اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، في وقت أبدى فيه أطراف آخرون في الحكومة قدرًا أقل من الاستعداد لإشعال مواجهة عبر الدفع لتنفيذ مطلب يصعب فرضه أصلًا.
ومن بين هؤلاء كان الرئيس اللبناني، جوزيف عون. بحسب دبلوماسي إقليمي مطلع على السياسات المتعلقة بملف نزع السلاح، «كان هناك سقف لمدى الضغط الذي يمكن أن يمارسه عون على حزب الله» من دون دفع البلاد إلى صراع أوسع.
يضيف المصدر أنه «رغم وجود شريحة مسيحية وازنة في لبنان تحرّض إسرائيل على مهاجمة حزب الله، فإن ضغوطًا كافية مورست من جانب عون والسفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، لإقناع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بممارسة الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لتعليق خططه بتوسيع الهجمات على جنوب لبنان»، متابعًا، «حجتهم أن عون يتولى معالجة الملف، وأن الجيش الإسرائيلي مرتاح إلى ما يقوم به، وأنه إذا قررت إسرائيل مهاجمة إيران، فإن حزب الله اليوم ليس هو حزب الله حسن نصر الله».
وكان دبلوماسي لبناني قد صرح لـ«مدى مصر»، في ديسمبر الماضي، بموقف مماثل للرئيس اللبناني تجاه الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تدعو إلى تحرك أكثر إلحاحًا ضد حزب الله. «عون علاقته صفر مع حزبي القوات اللبنانية والكتائب، ولا يهمه رأيهما، لكنها جيدة مع التيار الوطني الحر. ولكن الأخير موقفه رمادي من موضوع سلاح حزب الله»، يقول، مضيفًا أن عون كان يراهن، لتجنب خطوة تصعيدية، على التجارب الأمريكية السابقة في لبنان والمنطقة. «واشنطن نفسها قصير جدًا في التفاوض، وغالبًا ما تفتح ملف ما وسرعان ما تتوقف عن متابعته وتنتقل إلى ملف آخر».
واليوم، حتى بعد التصعيد، لا يزال عون متمسكًا بهذا الموقف، رغم أن قدرته على كسب دعم دولي أو التأخير تبدو متآكلة في ظل أجواء الحرب المتصاعدة.
مصدر سياسي مقرّب من دائرة عون، قال لـ«مدى مصر»، اليوم، إن الحكومة اللبنانية لن تتعامل مع حزب الله «كأنه عصابة» خاضعة لبنود أمنية، بالنظر إلى مشاركة الحزب في الدولة والحكومة، وتمتعه بتمثيل وزاري ونيابي وحتى عسكري.
«نحن في معركة مفتوحة وكل الاحتمالات مفتوحة، ولا يمكن الجزم أن المعركة ستحسم وتتوقف، لأن حزب الله يعتقد بأن الحرب بالأساس عليه، وبالتالي يريد الدفاع عن نفسه. لم يعد لديه شيء يخسره أكثر».
وحتى وإن كان عون غير مستعد لفرض القرار الأمني الذي أصدرته الحكومة اليوم، فلا يعني ذلك أن حالة التهدئة بين مختلف الأطراف الفاعلة في لبنان تسير على ما يرام. «فور اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، اتصل عون بقادة من الحزب ووعدوه أنهم لن يدخلوا الحرب. لكن هذا الوعد كسره الحزب حين رد انتقامًا على اغتيال خامنئي. لذا لا تثق الحكومة اللبنانية بوعود حزب الله بكل صراحة»، يقول المصدر المقرب من دائرة الرئيس.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن