الترس والكتابة
#جو عام
في هذا الديتوكس يستعيد أحمد الصادق تجربة عمل سابقة، غريبة قليلًا، وعطّلت الكتابة كثيرًا، لكنها دفعته -بعد عناء- نحو عمل ما يحب.
#دليل
فقدت الأمل في أن أصبح فيلسوفًا، إذ تخرجت في قسم الفلسفة بكلية الآداب، ثم وجدت نفسي كاتبًا، وسرعان ما أيقنت أن الكتابة مابتأكلش عيش؛ فعملت بعدة وظائف، حتى وجدت نفسي داخل مصنع الآيس كريم الكائن بالمنطقة الصناعية الأولى بمدينة السادس من أكتوبر. تعرفت إلى عالم جديد، مليء بالشوكولاتة والفانيليا، والمعدات والماكينات، وبعض البني آدمين الذين لم أر مثلهم في حياتي.
حدث ذلك بين عامي 2015 و2017، وهناك، لم أختبر قفلة للكتابة مثلما اختبرتها داخل المصنع؛ في العادة يستطيع الشخص الذي يعاني من الأزمة أن يكتب جملة ويمسحها، فقرة صغيرة لا يستطيع إكمالها. ولكني وجدت نفسي متورطًا في عالم غريب عني، محبوسًا في ثقب أسود يبتلع الأحرف والكلمات. طالما قال لي البعض إنها ستكون تجربة ملهمة للكتابة، ولكن الحقيقة ستكون مختلفة جذريًا؛ إذ أوصدت أمامي كل أبواب الإبداع بمفاتيح ضائعة، لا أجدها مهما بحثت عنها، ولا أستطيع كسر الأبواب مهما حاولت.
كنت قد أنجزت لتوي روايتي الأولى، وأشعر بثمالة أدبية، وتخمة إبداعية. دخلت المصنع ظانًّا أنه سيكون ملهمًا للكتابة في أثناء دوام العمل المُتغير أسبوعيًا على مدار الـ24 ساعة، ولكني فوجئت أنني أدخلت نفسي في ترس ملعون، منصهرًا في طبقة البروليتاريا -العمال الذين تحولت وجوههم جميعًا، فأصبحوا أكثر شبهًا بسيزيف وهو يحمل الحجارة على الجبل، صاعدًا وهابطًا.
لكني لم أكن أشبه سيزيف مثلهم، ليس بعد.
قراطيس جهنم
في يومي الأول بالمصنع، انتشلني أحدهم، وأدخلني جهنم: قراطيس الآيس كريم التي تشبه الخوازيق العثمانية بالضبط، كوَّنت تلالًا وهضابًا على سير يجري بسرعة عنيدة. تملأ الصندوق ببضعة وعشرين خازوقًا، ثم ما تلبث يدك الأخرى حتى تلحق بصندوق آخر، في الوقت الذي تضع فيه يدك الأولى الصندوق المملوء بالخوازيق الحامية فوق سير يدوي، وقبل أن تهم بالتقاط عدد من الخوازيق الأخرى لئلا تقع على الأرض صانعة بركانًا من الخوازيق. تدفع كتلة الصناديق المملوءة بيدك كلعبة المدفع التي كان يتنافس عليها رشدي أباظة وأحمد رمزي في فيلم «تمر حنة»، محققًا رقمًا قياسيًا لوزن المقذوف المندفع على القضيب، حتى ينفجر في نهايته.
يحدث كل ذلك في غضون خمس ثوان تقريبًا، وتتكرر العملية إلى أجل غير مسمى. مع الوقت ستشعر أن الزمن ليس له وجود، ثم تدخل في رحلة عقل مهلوسة ومخيفة: لاااا! سأظل جالسًا على هذا السير الملعون إلى الأبد! لقد أرسلوا بي إلى الجحيم بعينه! أسطورة سيزيف المسكين تتحقق!
تُرى، في أي شيء يمكنك أن تفكر وأنت وسط هذه المعمعة؟ خمّن، في الحقيقة ستفكر في اللاشيء، ستشعر لوهلة أنك انتقلت إلى العالم الآخر، وأن عقابك هو الحبس واقفًا أمام سير قراطيس الجحيم. ربما أكثر أمانيك أن تفكر في اللحظة القادمة التي سيتعطل فيها السير، أو يتوقف الإنتاج، تنقطع الكهرباء مثلًا؛ أعظم اللحظات هي لحظة انقطاع الكهرباء، أو ربما تعود إلى الحياة مرة أخرى بعد ردح من الزمن.
في كل الأحوال، كلما لف السير دورة كاملة، سيسير على عقلك، كاسحًا كل أفكارك الإبداعية، واحدة تلو الأخرى، يمحوها مرة بعد المرة، حتى يصبح عقلك صفحة بيضاء كالتي تنتظرك في اللابتوب يوم إجازتك، تظل ناظرًا إليها، ولا ترى أمامك سوى السير يدور وفوقه الخوازيق. حينها ستفضل النوم، ولكن السير لن يتركك لحالك، بل سيزورك في أحلامك الوديعة، التي ربما تأتيك بفكرة جديدة تحل أزمتك الكتابية، فيحولها إلى كوابيس مليئة بالخوازيق، بينما يلف السير صانعًا صخبًا مخيفًا، يوقظك في الثلث الأخير من الليل من أحلى نومة.
شغلتك على المدفع شاكوش
المصنع يمكنه أن يقدم لك شغلانة على النقيض، لا تفعل فيها شيئًا يُذكر تقريبًا، فقط يُطلب منك أن تكون ترسًا بشريًا في الماكينة. هناك العديدون -وقد صرت منهم- يتقبلون كونهم تروسًا في ماكينة، بل الماكينة نفسها إن أرادوا، دون أدنى غضاضة؛ ربما أصابتنا بلادة من نوع ما، ونحّست أجسادنا مع الوقت.
تلك المهام، وإن بدت ساذجة وسخيفة في البداية، إلا أنها قد تتفوق من حيث المشقة على مهمة تعبئة قراطيس الجحيم، حتى أن الوقت الذي يمكن أن يتحمله العامل لا يتجاوز ساعة واحدة، حينها لا بد أن يقوم بتغييره شخص ما، وإلا ربما أُصيب العامل بمرض نفسي خطير.
هناك مثلًا وظيفة الشاكوش: مِن نَفَقٍ مظلم درجة حرارته سالب 30، تخرج قطع الآيس كريم المتجمدة وقد التصقت بالسير بفعل الصقيع، ولكي يتسنى للماكينة التقاطها لتغليفها، لا بد من خلخلة القطع، ومَن يقوم بهذا الفعل هو أنت ممسكًا بشاكوش بلاستيكي، تطرق به على السير الخارج من النفق البارد، طرقة، طرقة.
مع وظيفة مثل تلك، تتوفر لدى العامل ساعة كاملة ضائعة من حياته يستطيع فيها أن يفكر في حل كل مشاكله الوجودية المؤجلة. التفكير في أحواله ومحتاله، في الزوجة والأولاد، في أي شيء يؤجله لوقت فراغ. يمكنه كذلك أن يدندن بصوت خفيض، أو يغني بصوت جهوري، ولن يسمعه أحد في الحالتين لأنه منزوٍ في ركن بعيد وحده يعد الطرقات وسط صخب الماكينات.
في حالتي، بصفتي كاتب زُج به بإرادة حرة في المصنع، ومن ثم على الشاكوش، كانت لحظات الإلهام الأدبي تجتاحني في هذا الوقت بالذات، إذ ليس لديك «شغلة ولّا مشغلة» سوى الطرق برتابة مطلقة. هنا، سيبدأ عقلك الإبداعي في التأمل والتحليق، سيبتكر آلاف الأفكار، ويحل ملايين العقد، ويفك قفلة كتابتك بطفاشة سحرية، تفتح مليارات الأبواب في عقلك، حتى تظن أنك ملكت الأدب وما عليه، ولكنك ما إن تعود للمنزل بعد يوم عمل شاق، صدقني، لن تفكر سوى في النوم، وإن فتحت صفحة Word بيضاء، ستظل بيضاء كما هي، إذ أن عقلك عمل Shift Delete لكل الأفكار التي داهمتك في ساعتك على الشاكوش.
البحث عن قرين
إنه موعد البريك، وقت الراحة وتفسية الدماغ، حيث المطعم ووجبة الغذاء، كوب الشاي الذي يعدل المزاج، والبرجولة، المكان المخصص للتدخين، التي كانت بالنسبة لي بوابة قصيرة للاسترخاء والتأمل في حال الكتابة. أما بالنسبة للعمال، فهي المكان الذي لا يتحدثون فيه سوى عن الشغل!
هل توقفت المكنة الفلانية؟ متى ستعمل المكنة العلانية؟ ما الماكينات التي ستعمل غدًا؟ على أي مكنة تعمل يا هذا؟ على كذا؟ ياااه الله معك، أنا على كذا، ويقولها غامزًا بعينه، فيرد الآخر: «الله يسهلك، إنت النهارده مقضيها»
أجلس جوارهم أشرب سيجارة وشايًا، وأتساءل في نفسي: أليس فيكم رجل لديه اهتمامات أخرى غير التروس والمكن؟ اهتمامات فنية مثلًا، ألا تشاهدون الأفلام والمسرحيات؟ ألا تستمعون إلى الأغاني والموسيقى؟ ألا تقرأون الكتب والروايات؟ يااااه.. فين أيام الكتابة، أيام العز، أيام ما كان الواحد يكتب مئات الكلمات في جلسة واحدة، ويشعر بالرضا. أفكر، ويأتيني اليقين أن تلك الأيام قد ولَّت، ولا يبدو أنني سأعثر على قرين يشبهني، أعرض عليه مسوداتي البائدة، وأشكو له حالي.
ينتهي البريك وندخل صالة الإنتاج. نجلس مجتمعين حول منضدة نلصق «استيكارات» على العلب، أو نقوم بتفريغ الهادر من قطع الآيس كريم في براميل إعادة التصنيع. إنها المهمة الألطف في المصنع على الإطلاق، ميزتها أنها تجمع عددًا كبيرًا من العمال في نفس المنطقة، فيكون هناك إحساس بالونس، ويبدأ النقاش داخل صالة الإنتاج هذه المرة في مواضيع شتى لا تمت إلى العمل بصِلة.
الحديث في السياسة أو الدين ممنوع داخل المصنع، ولكن العمال اكتشفوا ثغرتهم أخيرًا، إذ توصلوا إلى أن الإدارة نست التابو الثالث، فما يلبث العمال لحظات حتى يثرثروا طوال الليل والنهار في الجنس. لكن في إحدى المرات استطعت الإمساك بدفة الحديث وتحويلها قليلًا، حتى دخلت في الأدب والفلسفة دون أن أدري، فانتبه العمال، يريدون أن يعلموا تاريخ حياة هذا الكائن الفضائي الجالس جوارهم؛ فهو الوحيد في المصنع الذي يأتي حاملًا كتابًا يقرأه.
يسألوني عن الكتاب، هل أذاكر؟ هل اقترب موعد الامتحانات؟ ثم يتساءلون عن فائدة القراءة، هذا الطقس الغريب. وعندما يعلمون أنني كاتب، ينبهرون «معنا في المصنع كاتب يا جدعان»، ويسألوني أسئلة تعجيزية من قبيل: «لماذا تكتب؟» سؤال بحاجة إلى مجلدات فلسفية للإجابة عنه. لكن عندما أقول لهم إن لديَّ كُتُبًا منشورة، تتبدل آيات الانبهار والإعجاب على وجوههم بتعبيرات مكفهرة «يا جدعان، هذا العامل تعبان في دماغه، يقول إن له كتبًا منشورة»
أصغى أحدهم السمع، والتمعت عيناه ناظرًا إليَّ قائلًا «إنت فعلًا كاتب، وليك روايات منشورة؟» أومأت بالإيجاب، فترك مقعده ليجلس بجواري، وقال «أنا إسلام، اسم الكريم إيه؟» فلما أجبته، انطلق في حديثه كمَن وجد أخيرًا شخصًا ما يستطيع أن يتحدث إليه، فقال إنه يحب القراءة، قرأ أعمال أحمد خالد توفيق، وأجاثا كريستي، وثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، وغيرهم، وحدثني عن اهتمامه بالعصر الأندلسي والتاريخ والأدب، بينما أنا في حالة من الذهول: هل هذا حقيقي أم مجرد حلم من أحلام اليقظة؟
سرعان ما توطدت الصداقة بيني وبين إسلام، ومن يومها لم نفارق بعضنا، نعمل على نفس المكن، نخرج في نفس الوقت للبريك، وأحيانًا كنا نركب معًا نفس الباص عند انتهاء الشيفت رغم أماكن سكننا المختلفة، حتى أصبح مَن يراني يسألني عن إسلام، ومَن يرى إسلام يسأله عني.
وجد كل منّا ضالته في الآخر، أحضرت له كتاباتي، وكنا نتناقش حولها. كانت تلك أعظم لحظات المصنع على الإطلاق، كادت تنفك معها تعويذة قفلة الكتابة، لولا قهر المصنع الذي ربطني بلجام وسلسلني في ساقية عملاقة، سريعة الدوران، لا أعلم بالضبط إلى متى سأظل محلقًا فيها، وكيف ستطأ قدمي الأرض.
حكيت لإسلام عن أزمتي، فتعجب وقال إنه لو كان مكاني لكتب آلاف القصص والحكايات، فهناك عالم عجائبي نراه ونتعامل معه ونعاشره ليلًا ونهارًا، يمثل قطاعًا عريضًا من الشعب المصري. إنهم الناس التي لم تنتقيها في حياتك ولم تتخذ منهم خليلًا، الناس التي كان يجالسهم الأدباء مثل نجيب محفوظ وخيري شلبي وغيرهما، يلهمون الكُتّاب بشخصياتهم الثرية، فيجسدونهم في قصصهم ورواياتهم، ويفعل الخيال أفاعيله فيخلقون لهم قصصًا لم تحدث سوى في عالم الوحي.
على ذكر انتظار الوحي، قصصت على إسلام كيف كنتُ من هؤلاء الكُتّاب الكسالى الذين ينتظرون الوحي كي يأتي إليهم، ولكن علمتني روايتي الأولى أن أكون كاتبًا ملتزمًا، خاصة بعد أن أُنتجت برعاية منحة «آفاق» وبالشراكة مع مُحتَرَف الكاتبة الروائية نجوى بركات، التي كانت تأمرنا بكتابة 500 كلمة على الأقل يوميًا، مهما ظننت أن ما تكتبه مجرد هراء، استمر في الكتابة، وستأتي مرحلة التعديل والمراجعة لتصقل النص عاجلًا أو آجلًا.
ولكن رغم تحولي من كاتب وحي إلى كاتب ملتزم، إلا أن المصنع كان يقوم بخنقي، فلا أستطيع التفكير في الكتابة. مجرد النظر إلى الورقة البيضاء يصيبني بدوار. معرفة أنني سأذهب للمصنع بعد بضع ساعات إلى الشيفت المسائي (4 م - منتصف الليل)، أو الليلي (منتصف الليل- 8 ص)، تجعلني أنفر من فكرة الكتابة؛ فهي بحاجة إلى تفرغ مطلق الحرية. بل حتى في أيام الإجازة، يأتيني يقين أنني لو بدأت في الكتابة فستمر الإجازة بسرعة لأدخل من جديد في جحيم القراطيس وزمهرير الشاكوش. لقد انتشل المصنع روح الكاتب لدي، أخفاها في غيابة المجهول، ووضع بدلًا منها ترسًا معدنيًا صدئًا، لا يبالي بتآكله.
فنُزُلٌ مِن حَميم
كان معنا عامل يطلق لحيته، يدعونه بـ «الشيخ هاني»، من نوادر المصنع. في إحدى المرات كنا نتأمل الماكينة، وسأل أحدهم سؤالًا مُعجِزًا «هو الفتحة اللي بينزل منها الخليط دي اسمها النوزول ليه؟ هو يعني إيه نوزول؟» تأملنا الفتحة التي ينزل منها خليط الآيس كريم، لا نحمل إجابة، حتى قال الشيخ هاني إنه سُمِّيَ بـ«النُزُل» لأن الخليط ينزل منه، فعلقت قائلًا: «يا سلام»، فنظر لي مستعجبًا: «يا عم أحمد! إنت ما قريتش قرآن قبل كدا ولا إيه؟» حاولت أن أترجم العلاقة، لكنه فاجأني: «ربنا بيقول (فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ)، النار بتنزل على الكفار والمشركين في جهنم، زي خليط الآيس كريم كدا بالظبط، اللهم سَلِّم سَلِّم».
لكن في إحدى ساعات الصفا والتأمل على سير الفرز، اشتقت لكوني كاتبًا، وأنتج الفراغ أحلام يقظة عن ترجمة روايتي الأولى التي أنجزتها في أيام إسهال الكتابة التي اشتقت إليها قبل المصنع، عنوانها «رحلة داخل فوهة الماسورة»، كيف سيكون وقعه بالإنجليزية يا تُرى؟ كيف ستُتَرجم فوهة؟ بحثت عنها، فوجدتها: Nozzle، وتُنطق هكذا «نُزُل»، حينها ظهر شبح ابتسامة على وجهي، ويومها علمت أخيرًا كيف سأتسلى على الشيخ هاني في المطعم.
واجهته، وكان معي إسلام. وجدتني أصعد على منبر الوعظ والإرشاد، حاملًا كشافًا عملاقًا، موجهًا السبوت على هاني، الذي لم يفعل شيئًا سوى تصدير ابتسامات بلهاء تارة، وضحكات استهزائية تارة أخرى. لم يقتنع، حتى عندما استمع إلى النطق الإنجليزي قال إنها مختلفة تمامًا، ولكن لحقني إسلام بالضربة القاضية، عندما عَلَّم الشيخ هاني، حافظ القرآن، معنى كلمة نُزُل بالعربية، إذ لا تعني نزول الحميم كما ادعى، ولكن نُزُل أي مكان يكون الكافر نزيلًا فيه.
انتبه كل العمال الذين يشاركونا وجبة الغذاء إلى الجدال الدائر، وأجمعوا أنه إذا وقع خلاف فكري بين إسلام القارئ وصديقه الكاتب من ناحية، وأي شخص آخر في المصنع من ناحية أخرى، فسترجح كفتهما في أغلب الظن، خاصة وإن كان الخصم هو الشيخ هاني، وقال له أحدهم: «بطّل فشر بقى واسمع كلام عمك إسلام وصاحبه أحمد الصادق، هُمّا مغيببين شوية آه، بس دماغهم حلوة»
وحدثت المعجزة
في البرجولة، نجتمع أنا وإسلام نشرب الشاي، نترك العمال يهيمون في نقاشاتهم حول المكن والشغل، ونبدأ نحن في الحديث الممتع حول الفن والأدب والسياسة والعلم والتاريخ والفلسفة، فنشعر كأننا وجدنا أخيرًا نافذة في الزنزانة، نستطيع من خلالها التحدث إلى بعضنا، للتهوين على أنفسنا من عناء الحبس والكآبة.
تلك النافذة الصغيرة بيني وبين إسلام كان لها دورًا أساسيًا في تزييت تروس الكتابة، لأول مرة، بعد مرور حوالي ثلاث سنوات من دخولي المصنع. اعتادت الإدارة ألا تسمح لنا بالإجازات، ولكن تؤجلها للعمال حتى يصرفوها كلها دفعة واحدة في آخر السنة، حيث الـShut Down، حينها يتوقف المصنع عن الإنتاج لمدة شهرين تقريبًا، يكون نصيبنا حوالي شهر منها. انقضت إجازة السنة الأولى والثانية دون أن أكتب حرفًا، ولكن في الثالثة، حدثت المعجزة.
كتبت قصة عن المصنع، بطلها عامل يُدعى «كادح»، يكره المصنع بمكنه وعماله ومشرفيه ومديريه، قرر أن يعاقب الجميع بالتعاون مع حبيبته الكيميائية، التي صنعت له خصيصًا مخدرًا مهلوسًا، يُدخل المرء في رحلة عقل مرعبة لا قِبل له بها. تسلل كادح إلى المطبخ، وصب المخدر في الحساء، ثم جلس في المطعم، في انتظار أن يشهد حدثًا أسطوريًا.
كانت قصة مرعبة بكل المقاييس، تليق بثلاث سنوات من العذاب الخالص، شيفتات متقلبة، صداع مزمن، دوالي في القدمين، إصابة عمل في وتر الإبهام أثرها باق ليومنا هذا، وأخيرًا قفلة كتابة لا تُصَد ولا تُرَد. أعطيت للقصة العنوان «مخدر بنكهة الفانيلا»، ونُشرت سنة 2020 في المجموعة القصصية «10 محاولات فاشلة للانتحار» التي تحتوي على قسمين «كوميديا وسوداء»، وكانت قصة المصنع من نصيب القسم المظلم.
الكتابة فعل ساحر، ومستمر، إن اختبرت تجربة ملهمة في حياتك، ستجد نفسك تحكي عنها في كل المناسبات، ولا تمل من تكرار نوادرها، أما إذا كنت كاتبًا، فستأتي عليك لحظات من الإلهام تكتب فيها تجربتك مرات ومرات، وربما هذا ما دفعني لكتابة نصي هذا في تلك اللحظة الراهنة، حتى بعد مضي أكثر من خمس سنوات على انتهاء التجربة الفريدة.
بعد الإجازة، عدتُ إلى المصنع، وعادت قفلة الكتابة، وأيقنت أنني لن أستطيع أن أكتب مرة أخرى سوى بمعجزة يمكن أن تحدث بعد سنة كاملة في الإجازة القادمة، ويمكن ألا تحدث مطلقًا؛ عدت محملًا بشوق عظيم إلى الكتابة، إلى البقاء منزويًا وحيدًا في البراح، بعيدًا عن صخب الماكينات، وطبقة البروليتاريا، جالسًا إلى مكتبي، أمامي اللابتوب، بشاشته صفحة بيضاء تريد أن تنفجر بالكلمات، تستجديني أن أجد حلًا لفك أزمة الورقة البيضاء، وكسر قفلة الكتابة.
حينها، نظرت إلى حالي في البرجولة، سحبت نفسًا عميقًا من سيجارتي، وتساءلت سؤالًا منطقيًا بريئًا، لأول مرة منذ أن وضعت نفسي في ورطة المصنع قائلًا «هو أنا إيه اللي جابني هنا؟» تغيبت عن العمل متعمدًا عدة أيام دون عذر مقبول، كانت مرحلة من النقاهة، وكأن السموم بدأت تخرج من عقلي. لما جاءني الخبر، وعلمت أنه تم فصلي من المصنع، كانت تلك هي أعظم لحظة أحسست فيها بالارتياح.
عدتُ للكتابة، بقوة، وكما توقعت، لم تخذلني؛ إذ فورًا حصلت على منح للكتابة والنشر، من داخل مصر وخارجها، ثم انفكت قفلة الكتابة بتعويذة سحرية؛ فأنتجت أربعة أعمال أدبية دفعة واحدة، وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 2021.
كان رهانًا صائبًا؛ ابتلعني المصنع من الكتابة، فيما انتشلتني الكتابة من الضياع في غيابة مسار مجهول لم أُخلَق من أجله، وأثبتت لي أنها «بتأكل عيش وحلاوة»، فقط إن أخلصت لها.
#وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن