تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
التخفف من إيفالد فليسار.. دراما كاتب سلوفيني بين العجوزة والدقي

التخفف من إيفالد فليسار.. دراما كاتب سلوفيني بين العجوزة والدقي

كتابة: محمد العتر 18 دقيقة قراءة

بأحد مقاهي مصر الجديدة، كنت على موعد للقاء السيدة ماجدة منير لأول مرة. كان ذلك في 2012، وكان اللقاء أثناء فترة التحضير للعمل على مسرحية «خدني لحنانك -Take me in your hands» للكاتب السلوفيني إيفالد فليسار.

وبينما كان المخرج يشرح لمنير قصة المسرحية والترتيبات اللازمة لتنفيذها، كنت مشغولًا بالزهو للجلوس إلى جوار الفنانة القديرة، في مقهى نجا من العشرينات. كما شغلني بشكل عارض سؤال من هو إيفالد فليسار؟ وسلوفينيا؟ فعلًا؟!

بعد ذلك بأسابيع سأكون على موعد ثانٍ مع منير رفقة عدد من المسرحيين، في الباحة الخلفية لمسرح البالون بمنطقة العجوزة. وفي حين كان وجودي شرفيًا بدرجة كبيرة، كان الجميع، وهم قرابة العشرة أشخاص، يمسكون بين أيديهم نص المسرحية، ويتدربون على قراءته؛ المخرج يصحح اللغة ويقدم ملاحظات على الأداء، المخرج المنفذ يطرح بعض المقترحات، وماجدة منير تدخل في الشخصية تمامًا، تقرأ مونولوجًا يؤثّر فيّ، وأفكر: لماذا لم تحظ بمساحة أكبر في السينما والتلفزيون؟ «ممثلة قديرة فعلًا، أقول لنفسي.

عرفتُ سابقًا أن إيفالد فليسار كاتب سلوفيني، وعرفتُ لاحقًا أن أعماله الأدبية ترجمت لعشرات اللغات، وأنّه كتب بالإنجليزية لفترة ليست بالقصيرة، وبدا ذلك منطقيًا، لأنني تساءلت عن جدوى الكتابة بلغة يتحدث بها مليوني شخص فقط. لكن تتضح الأمور أكثر بفضيلة الترجمة (هل يمكن اعتبار الترجمة المرادف الخيّر لما قد تعنيه العولمة؟). يتساءل فليسار بسخرية: «هل ما زالت العولمة موجودة؟» رغم أنه كان محظوظًا بأن تترجم أعماله «بلغات نصف سكان الكوكب تقريبًا» على حد تعبيره.

عصْر أحد الأيام جلسنا على مقهى بجوار مسرح البالون في انتظار قدوم بقية الفرقة. كان لا يزال حضوري شرفيًا بلا دور سوى المراقبة عن كثب لتفاعل الجميع. تسنى لي حينها أن أحصل على نسخة من نص المسرحية، وأصبح بإمكاني أن أشارك على الأقل بالقراءة صامتًا أثناء البروفات. وجدتُ أنه سيكون مفيدًا للحاق برتم البروفات، أن أستغل فرصة جلوسنا بالمقهى في انتظار الفرقة، لأقرأ النص كاملًا.

وكان ذلك، وتخيّلتُ كل شيء في المسرحية، واندمجت جدًا مع تدريبات الفرقة وصرت أكثر إنصاتًا للملاحظات والتعديلات، وأكثر تأثّرًا بالنص الذي كلما أسهب المخرج في شرح مستوياته وأبعاد شخصيتيه، كلّما كان أداء ماجدة منير أكثر تأثيرًا؛ كدتُ أبكي في أحد المشاهد، وبكت هيَ بالفعل.

مفارقة الكائن الخنثى لعيون ماجدة منير

لدى ماجدة منير سجل حافل في المسرح، وحضور أقل في السينما والتلفزيون.لم أكن أعرف من هي حتى رأيتها. تذكرتها على الفور من فيلم «الفاجومي» (2011) حيث لعبت دور والدة أحمد فؤاد نجم.

كانت منير مديرة الفرقة التي ستعرض «خدني لحنانك». وبينما كنتُ متعجبًا من عرض مسرحية سلوفينية، لم تكن هي كذلك أبدًا، إذ سبق أن شاركت في دور البطولة بمسرحية «نورا نورا» لإيفالد فليسار أيضًا. عرضت «نورا نورا» على مسرح الهناجر بالقاهرة عام 2005، نفس العام الذي توفي فيه مخرجها صالح سعد بحريق مسرح بني سويف.

خمسة سبتمبر 2005، الذي أقرّ يومًا للمسرح المصري، شاهد يروي أكثر من حدث المحرقة، عندما اندلعت النيران في القاعة المسرحية بقصر ثقافة بني سويف أثناء عرض إحدى المسرحيات، وقبل إغلاق الستار، كانت النيران قد التهمت كل شيء، بما في ذلك 50 مسرحيًا بينهم صالح سعد. هاجت الدنيا وماجت حتى استقال فاروق حسني من وزارة الثقافة، لكن عشرات من «المثقفين» أصدروا بيانًا يطالبونه فيه بالتراجع عن الاستقالة، ورفضها حسني مبارك كعادته في رفض استقالات فاروق حسني.

المخرج المسرحي صالح سعد

أتاح المسرح لإيفالد فليسار الفرصة ليجوب العالم، لا كرحّالة هذه المرة سافر لـ98 دولة، بل كمثقف وكاتب ذو ثقل في أوساط ثقافية وفنية محلية جدًا وقد نجازف بالقول إنها هامشية أيضًا. هذا ما يفسر حرصه على الكتابة المسرحية في حين لم يعد للمسرح حضور نجمي كالسينما والتلفزيون مثلًا، وإن كان تبريره في هذا السياق أنه لا يفكر مسبقًا ما إذا كانت الفكرة التي يرغب في سردها ستصبح رواية أم مسرحية، «تجد الفكرة لنفسها الشكل الأنسب للسرد»، يقول فليسار لـ«مدى مصر»، وقد تعلّم على مر السنين ألا يجادل حدسه، أو كما قال.

مع ذلك، يحرص إيفالد أن تكون المسرحية التي يُشبّهها بالرقصة، بين يدي راقصين بارعين. وبهذا تتحقق المكافأة الأكبر. يقول فليسار: «المسرحية من أكثر الأشكال الأدبية تطلبًا. مرهقة جدًا وفصامية»، لكنها أيضًا بالنسبة إليه «المكافأة الأكبر إذا أنتجت على يد مسرحيين موهوبين».

يجعله ذلك أحيانًا متمسكًا بنصه الأصلي وأقل مرونة للقبول بالتعديلات. لكن في «خدني لحنانك» كانت هناك مشكلة في أن يظل النص على ما هو عليه تمامًا.

تحكي «خدني لحنانك» قصة عجوز وحيد، ضيق الخلق، صاحب مكتبة من غابر الزمن، تأتيه امرأة شابة وكأنها نزلت عليه من السماء، حِركية وفرّاكة وكلها طاقة. ترغب الشابة في العمل بالمكتبة. يعتبرها العجوز نزقة، وطبعًا قليلة الخبرة وربما متفلتة أيضًا، لكنه مضطر بسبب سنه وعجزه أن يقبل بها مساعدة في المكتبة، حيث ستعمل لساعات إضافية بلا مقابل سوى أن يكون لها الحق في الاطلاع على كل ما تحويه المكتبة.

ستلعب الشابة قليلة الخبرة والحكمة من وجهة نظر العجوز، دورًا هامًا في إنقاذ المكتبة من أن تباع. لن يشاركها العجوز لهفتها وإصرارها، بل سيقف أحيانًا ضد مشاريعها الإنقاذية. يبدأ الصراع الضمني في التصاعد بينهما، ومعه تبدأ قصة حب خفية مع بعض التلميحات غير الصريحة.

من عرض مسرحية  Take me in your hands في سلوفينيا، عام 2012. [هنا]

المشكلة أن ماجدة منير أكبر سنًا من تمثيل دور امرأة شابة، والمترجم ومخرج النسخة العربية من المسرحية، أسامة القفاش، مُصر على مشاركة منير في المسرحية. لاحقًا، في بروفات المسرحية، فهمت لماذا هذا التمسك بماجدة.

إذا ما أشير لرواد المسرح المصري المعاصرين، فبلا شك ستكون ماجدة منير واحدة منهم. كانت منير من الجيل الفني الذي واكب بداياته تأسيس مسرح الثقافة الجماهيرية، وكانت من المشاركات الأوليات في المسرح الذي يقول عنه المخرج والناقد المسرحي أبوالحسن سلام، إنه «ربما لا تنطبق فكرة المسرح للجميع إلا على مسرح الثقافة الجماهيرية».

في عالم المسارح كانت منير نجمة؛ لعبت أدوار بطولة في العديد من المسرحيات مع نجوم كبار مثل محمد منير في مسرحية «الملك هو الملك» (2006) ، ومحمد الحلو في مسرحية «لولي». أكثر من 40 عامًا على خشبة المسرح، تخللتها أدوار صغيرة في التلفزيون والسينما، يمكن فيها رؤية مهارة فائقة، لكن مختزلة.

حتى جاءت 2014 بمشاركتها في مسلسل «سجن النسا» بطولة نيللي كريم وإخراج كاملة أبوذكري، ليضيء عليها دورها في المسلسل، ويفتح لها الباب للمشاركة في عدد من الأعمال الدرامية الناجحة خلال السنوات الأخيرة، وصولًا إلى مسلسل «الاختيار»، حيث جسدت دور امرأة سيناوية ووالدة أحد الإرهابيين. نجحت ماجدة منير بهذا الدور في تسليط الأضواء الإعلامية عليها. الصورة التالية من الدور ربما تشرح الكثير عما نالته من ردود فعل إيجابية.

نادية منير من مسلسل الاختيار

كان من السهل أن أشعر بالرابطة الوثيقة بين ماجدة منير والتمثيل. كان أداؤها غير المتكلف أبدًا، والشعوري جدًا، سببًا في تحديد مقياس الممثل الشاطر بالنسبة إلي: أداء وتعبيرات سأراها في الواقع. وربما هذه الرابطة الوثيقة هي التي جعلت منير متمسكة بمسرح الثقافة الجماهيرية رغم معرفتها بأن «اللي بيمثلوا فيه بيفضلوا مغمورين» على حد قولها.

ومن أجل ماجدة منير، استطاع القفاش أن يقنع فليسار بعكس شخصيتي الدورين الرئيسيين والوحيدين في مسرحية «خدني لحنانك»، بحيث يتحول الرجل العجوز صاحب المكتبة إلى امرأة تسمى نادية، والمرأة الشابة إلى شاب يسمى حاتم. ولكي يقنعه، استدعى له المفهوم الأفلاطوني للكائن الخنثى، حيث الكائن الكامل يحمل الجنسين معًا: يمكن أن يكون أنثى ويمكن أن يكون ذكرًا، وهكذا يتاح لهم تبديل جنس البطلين، فكلاهما، وكلنا، وفقًا للأسطور الأفلاطونية طبعًا، من جنس الكائن الكامل الخنثى. ويبدو أن إيفالد اقتنع فعلًا.

وفي قلب هذه الأدوار أيضًا ما هو أقرب إلى أسلوب فليسار في معظم أعماله، متمثلًا في تفكيك ما يمكن تسميتها بالكليشيهات الثابتة (مثل حكمة الكبار مقابل تفلت الشباب). ورغم حضور هذه السمة في نص مسرحية «خدني لحنانك»، إلا أنها عندما عُكست الشخصيتين، تعززت أكثر، بانتقال صفات التسلط لتكون من نصيب الأنثى التي تمثل «السيد» أو «المسؤول» مقابل الذكر الذي سيمثل في الانطباع الأول «الاستهتار» و«قلة الخبرة»، لكن ليس الرضوخ، قبل أن تأخذ العلاقة بينهما منحى جدلي، تنقلب فيه الأدوار مع بقاء الشخصيتين على حالهما؛ سيتحول الشاب إلى مصدر المعرفة الفائتة عن العجوز، والتي ستقبل بها في النهاية، ستقبلها بوصفها من معين الحكمة المتجدد دائمًا بالتجربة، ولا يمكن احتكارها بعامل السن.

مع ذلك، كانت لدي بعض الملاحظات على بروفات المسرحية. يركز مسرح فليسار -أو على الأقل «خدني لحنانك»- على عنصر الحوار كبطل أساسي في المسرحية. الحوار باعتباره طريق المعرفة وتناقلها على مستويين: المعرفة بالتجربة والذاتية، وعلى هذا يتمثل في الحوار ديالكتيك الوصول للمعرفة، من خلال الحوار بين البطلين، والبوح الذي يسبر به البطل أغوار نفسه ليقدمها للآخر بالمونولوج أو حوار النفس.

ولذلك لا تأخذ العناصر البصرية والديكور مساحات كبيرة في «خدني لحنانك»، وكذلك الأمر مع الحركة المسرحية، المقيدة والأقرب للواقعية. لذا بدا لي من الأفضل الاكتفاء بالحركة الواردة في النص دون مبالغة، على اعتبار أن الناس في العادة لا يتحركون بهذه المبالغة أثناء الحديث مع بعضهم.

أعجبتني هذه الفكرة عن ترشيد الأداء المسرحي، وبما أنه لا مجال طبعًا لأن أُطلع عليها أحدًا من الفرقة فضلًا عن تنفيذها؛ قررت تنفيذ المسرحية بـ«رؤيتي» في الجامعة. جمعت الزملاء المتحمسين عمومًا للجلوس سويًا على عُشب الجامعة، وزعت عليهم نسخًا من النص، وبدأنا في ترتيب الأمور بالتدريج: أدوار موزعة، بروفات أولية لقراءة النص، ثم أخيرًا البحث عن القاعة المسرحية لإجراء البروفات اللازمة.

لم تُعرض المسرحية، ولم أرَ ولا مرّة القاعة المسرحية، وتقريبًا لم أذهب للجامعة من بعدها. كانت رئيسة فريق المسرح، والتي كانت معيدةً آنذاك، متمسكة بأن يظل فريقها، التابع للإدارة، الفريق المسرحي الوحيد في الجامعة. بصراحة لست واثقًا ما إذا كان هناك فريق مسرحي أصلًا.

«كل منا يحمل معه شتاءه وجسوره الجليدية»

رغم ذلك، ظلّ صدى المسرحية يسكنني. هذه المسرحية التي يمكن أن تصبح أيضًا فيلمًا بسهولة، أكثر عمقًا من أن تخاطب الحس الإبداعي لدي، إنها بالأحرى تخاطب الدوافع القديمة التي اصطحبتُها من طفولتي، لما أتخيله حسًا إبداعيًا.

فكّرت في كتابة مسرحية تستلهم من نص إيفالد فليسار، وأن أضع فيها كل حمولتي وطبعًا «رؤيتي»، وشرعتُ في كتابة مسرحية سأجد مع إغلاق الستار أنها بيانٌ حركي ضد كل هواجسي بعد استعراضها في صورة مشاهد ومونولوجات غير مترابطة. بادرتني فكرتان: الأولى أنها مسرحية تفكيكية وأن الإبداع لا حدود له، والثانية: ما هذا الخراء؟! وغلبت الثانية الأولى خاصة أنه لم يكن من فرصة لأن تَخرج المسرحية عن الورق الذي كتبت عليه، فخبّأتها بحرص أكثر من اللازم لدرجة أنني فقدتها عندما انتقلت إلى سكن آخر.

سيمر عام تقريبًا، أنسى فليسار و«خدني لحنانك» والمسرح ورؤيتي الإبداعية، قبل أن يطل الكاتب السلوفيني مرة أخرى على حياتي، وهذه مفارقة لا أستطيع تجاهلها: أنه من بين كل كتاب الدنيا، وحده كاتب سلوفيني يكون له هذا الحضور في حياتي! هذه المرة مع نصٍ روائي أطّلع بالحيلة على مسودة ترجمته من صديقة كانت تعمل متطوعة على تصحيحها لغويًا.

غلاف رواية «المريد والشيخ» تصميم عبدالرحمن نبيل

صدرت «المريد والشيخ»، الترجمة العربية للعمل الأكثر انتشارًا وترجمة لإيفالد فليسار «صبي الساحر» أو «The Sorcerer's Apprentice»،عن دار الكلمة بالقاهرة. تحكي الرواية قصة رجل يبحث عن راهبٍ بوذي في جبال الهيمالايا، سيكتشف أن هذا الراهب أو اليوجانندا، ليس إلا سائق حماره، قبل أن تبدأ بينهما رحلة في المكان وفي النفس.

وكما يتضح بداية من العنوان، استطاع المترجم أن يُجلّيَ الرابط الوثيق بين البوذية والصوفية، ليصبح اليوجانندا البوذي صورة الشيخ الصوفي بدلًا من التصور الغربي المتمثل في «الساحر»، علمًا بأن هذا التصور الغربي هو هاجس لم يتخلّ عنه بطل الرواية أثناء رحلته مع اليوجانندا، رغم إدراكه لتنميطه وابتذاله.

هل كان إيفالد هو نفسه بطل الرواية الحقيقي؟ «دفاعًا عن الأدب» يرفض فليسار عادة أن ينفي أو يثبت صحة ذلك، لكنه هذه المرة سيخبرنا باعتراف موجز: خلال إحدى فترات حياته في لندن التي عاش بها 17 عامًا، عانى إيفالد اكتئابًا عميقًا و«فقدانًا للإيمان بمعنى الحياة» كما قال، فلجأ لحضور جلسات علاجية للحكيم الهندي ذائع الصيت جدو كريشنامورتي (1895-1986).

لم يجد إيفالد مراده عند كريشنامورتي، فأخبره بأنه ربما يجد طريقًا لحل مشاكله عند راهبٍ جوّال في جبال الهيمالايا، والمشار إليه في الرواية بـ«اليوجانندا». واليوجانندا صفة وليست اسم علم، فهي مرتبة يصل إليها الراهب، تقابلها مرتبة العارف عند الصوفية أو المُعلّم الخبير.

حاولتُ استنطاق إيفالد بأكثر من ذلك عن قصته مع اليوجانندا، لكن بلا فائدة. يقول إن روايته ليست قصةً صحفية، وعليه فليس كل ما ورد فيها هو بالضبط كما حدث في الحقيقة. لكن، ما أعرفه سابقًا، والحجة على الراوي، أن فليسار رأى اليوجانندا في حلم وهو يسأله: «لمَ لم تأتي؟».

كتبت مرّة قصة عن حلم رأيته. كنت لتوي انتهيتُ من قراءة «حكايات التجوال - Tales of Wandering» لفليسار، وهي مجموعة قصصية عن رحلات تقترب في بعض أحداثها من المنامات. رأيتُ في الحلم أن شيخًا/يوجانندا، اتخذ صورة الرئيس الراحل أنور السادات. كان متسلطًا رغم أنه كان مؤمنًا، هذا ما فكرتُ فيه وأنا أحلم، ليأتيني هاتف بنفس صوت صديقي الهارب معي في الحلم من الشيخ السادات. قال الهاتف: «الإيمان يجعل من القتل فضيلة». في الواقع سبق أن قرأت هذه العبارة لكيركجارد. الأحلام لا تأتي بلا هدف من الفراغ. استطعنا، أنا وصديقي، الهرب. كنت أبكي أثناء ذلك، خشية أن يحزن قلب الشيخ، لكنني كنت خائفًا من أن يقتلني السادات ولو مجازًا.

يقال أيضًا إن بورخيس كان يكتب بالأحلام، ولم يكن وحيدًا في ذلك. العديد من الأدباء كتبوا بأحلامهم. بعضهم يخفي الأمر. مفهوم. وبعضهم لا يعبأ. وإيفالد لم يخفِ إعجابه ببورخيس، قال لي عنه: «أعظم رجل أعمى عاش على الإطلاق». عند ذلك، لا يمكنني إثبات أو نفي صحة قصة حلم فليسار الذي رأى فيه اليوجانندا، لكن، باستعمال المجاز على الأقل، أزعم أنه يمكنني القول إن حلمًا رآه فليسار جعله يكتب أشهر رواياته.

في الرواية، يقول اليوجانندا لصبيه المحتار: «كل منا يحمل معه شتاءه وأخاديده وجسوره الجليدية». على مدار سنوات بأحداث متباينة، كانت «المريد والشيخ» جسرًا، ولو جليدي، في لحظات الشتاء والاستغراق في الأخاديد. كما لعبت أدوارًا أخرى.

خيارات فليسار في الحياة ليست ميلانا ترامب

كانت لدى إيفالد العديد من الخيارات في حياته: أن يزور مصر لمشاهدة عرض مسرحيته «نورا نورا» إحدى خياراته. أن يذهب في رحلة للتعرف إلى نفسه رفقة عجوز متهكم على واحدة من أطول السلاسل الجبلية في العالم، وأكثرها قُدسية (الهيمالايا)، كانت من بين خياراته أيضًا، مثلما كانت من خياراته في الحياة أن يعمل سائقًا للمترو في سيدني بأستراليا مدة ثلاث سنوات سينتج عنها عدد من القصص ضمها في أعماله، كما أنتجت رحلته إلى إفريقيا جنوب الصحراء رواية «على ساحل الذهب - On the gold coast»، المرشحة عام 2014 لجائزة دبلن الأدبية الدولية، والواردة في قائمة «آيرش تايمز» لأفضل 13 عملًا أدبيًا أوروبيًا عن إفريقيا إلى جانب أعمال للدنماركية كارين بلكسين والبريطاني بروس تشاوين وغيرهما، ومع ذلك يَعتبر فليسار، كما أخبرَنا، أن إفريقيا جنوب الصحراء من المناطق التي أساء فهمها، «منطقة ظلام On the gold coast» على حد تعبيره المستعار من الروائي الإنجليزي سوراجبراساد نيبول. وإن كان إيفالد لا يرغب في العودة مجددًا إلى هناك، إلا أنه يشعر بأنه مدين لإفريقيا «ويومًا ما، بلا شك، سأضطر إلى سداد هذا الدين On the gold coast»، كما يقول.

زار فليسار مصر مرة ثانية في 2010 للمشاركة في ندوة بمكتبة الإسكندرية، وعلى يمينه أسامة القفاش

كانت كثرة الترحال عمومًا من أبرز خيارات فليسار في حياته، ويشعر بامتنان كبير أنها أتاحت له «تذوق التنوع اللانهائي للعالم، مع اعترافه بأن هذا الخيار «لم يكن من باب الفضول أو حب المغامرة»، بل «خوف من الركود والتحلل الجسدي والنفسي، بمجرد أن نتوقف عن الحركة»، يقول فليسار، مضيفًا: «أنا مغرم باقتباس كلمات بليز باسكال: الحركة طبيعتنا، والسكون هو الموت».

وكانت من خياراته أيضًا، أن يعود أخيرًا إلى ليوبليانا، سلوفينيا، بعد 20 عامًا من الحياة في الخارج. كان ذلك عام 1990، وكانت سلوفينيا في خضم حركة متصاعدة للحصول على الاستقلال من يوغسلافيا قادها الكتاب والمثقفون، حتى حصلت عليه في 1991، ودخلت حربًا قصيرة لعشرة أيام مع يوغسلافيا، امتدت إلى باقي دول الاتحاد المتداعي واستمرت فيها لسنوات.

كان فليسار شاهدًا على حقبة الاستقلال والتحول للديمقراطية، كما غيره من أعضاء اتحاد الكتاب السلوفيني آنذاك، والذي يقول إيفالد إن أول دستور للبلاد صيغ داخل مبناه.

وعلى مر تاريخها الحديث، كان الكتاب والأدباء هم الأكثر تأثيرًا في سلوفينيا، حيث كانت اللغة المدخل نحو تبلور حركة استقلال قومية منذ القرن الـ19. وفي اللغة السلوفينية ما يمايزها عن بقية أخواتها السلافية، ويقربها من جهة أخرى للغة العربية، مثل وجود المُثنى والتفريق بينه وبين الجمع، وكذلك الإعراب، بحيث تختلف نهايات الكلمات حسب موقعها من الجملة.

لكن يبدو أن هذا الأثر للمثقفين لم يدم طويلًا بعد الاستقلال، على الأقل من وجهة نظر فليسار الذي قال لـ«مدى مصر»: «النظام الاجتماعي الجديد في سلوفينيا، سرعان ما اختطفه المصرفيون ورجال الأعمال والنيوليبراليون. في سلوفينيا، اليوم لم تعد للثقافة أهمية إلى حد كبير. لم تعد كلمة كتاب تعني شيئًا».

ربما ما يعني بعض السلوفينيين اليوم، أكثر من الكتاب، أن ميلانيا ترامب من أصول سلوفينية، لذا لا تستغرب تعجّل رئيس وزراء سلوفينيا بتهنئة ترامب على الفوز بانتخابات الرئاسة الأمريكية 2020 التي لم يفز بها!

تمثال لملانيا ترامب نُصبّ عام 2017 بالقرب من مسقط رأسها في سلوفينيا (أ.ف.ب)

ناقد غربي للغرب

على كل حال، لا يبدو فليسار مهتمًا كثيرًا بالسياسة، وهو أمر ينسحب على غيره من الأدباء السلوفينيين خاصة بعد مرحلة الاستقلال، حيث وجد الأديب السلوفيني أن «الكتابة ذات الإسقاط السياسي لم تعد مجدية، فحدث تحول نوعي في الأدب»، كما يقول أسامة القفاش في مقدمة ترجمته لـ«مختارات من القصة السلوفينية المعاصرة».

لكن لا يعني ذلك انعدام رأي إيفالد في ما يحدث هنا وهناك. قرأت له تلميحًا ساخرًا عن البريكسيت حين كان الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يزال مجرد وعد من ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء آنذاك. كان ذلك في معرض خطابه بحدث ليلة الأدب الأوروبي في المكتبة البريطانية عام 2015، حيث كان إيفالد من بين ستة أدباء أوروبيين وقع الاختيار عليهم لتكريمهم في الحدث السنوي،بروايته «أحلام أبي - My Father's Dreams».

فليسار مشاركًا في «ليلة الأدب الأوروبي» بالمكتبة البريطانية عام 2015 (موقع المكتبة البريطانية)

وجدتها فرصةً لاستدراجه إلى بعض التعليقات ذات الطابع السياسي، على البريكست مثلًا، ليعلّق: «أطلقت بريطانيا النار على نفسها»، على الهجرة واللجوء في أوروبا: «الكثير من المهاجرين يفرون من ظروف خلقها التدخل المتعمد للغرب. المشكلة الأكبر هي انتشار الإسلاموفوبيا»، قبل أن يعرج على ما عرفته فرنسا مؤخرًا على خلفية ما تعرف بقضية الرسوم المسيئة للنبي محمد، متهكمًا: «إهانة مشاعر مئات الملايين سياسة صحيحة، في حين حرق العلم الأمريكي جريمة؟!». على الصوابية السياسية، ليصفها بـ«استبداد وهجوم مخادع على حرية الرأي والتعبير».

ماذا عن رأي مثقف غربي في الـ75 من عمره (ولد سنة 1945)،حول ما شهدته المنطقة العربية من تحولات سياسية على مدار السنوات الأخيرة؟ بدلًا من أن يتحدث إيفالد بشكل محلي، علّق كناقد غربي للغرب: «التحركات السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية خلال العقد الأخير، تأثرت بالمصالح الغربية الأنانية»، ثم يصرح باتفاقه مع إدوارد سعيد في اعتبار «الشرق» اختراع غربي، ويوضح: «لم يكلف الغرب نفسه عناء التساؤل عن الكيفية التي يرى بها سكان ما يسمى بالشرق أنفسهم، ما يفكرون فيه ويأملونه بالفعل». وينهي بجملة سيكررها دائمًا عند الحديث عن أي شأن عام: «ربما علينا أن نكون شاكرين أن الأمور ليست أسوأ مما هي عليه»، بما يترك لدي انطباع بلامبالاة رجل غاضب يحاول أن يتمالك أعصابه.

شهرزاد في مملكته المحتضرة

في سبتمبر الماضي، صدرت لإيفالد فليسار آخر رواياته «مملكتي تحتضر». لم تُترجم الرواية من السلوفينية بعد فلم أتمكن من الاطلاع عليها، لكن عرفت أن لحكايات ألف ليلة وليلة أو «أسمار الليالي للعرب مما يتضمن الفكاهة ويورث الطرب»، حضور ببطلته شهرزاد «كشخصية حية، وكوَهْم»، كما يقول إيفالد في تعريف موجز عن الرواية نشره على صفحته بفيسبوك.

هذا الحضور لشهرزاد يرافقه اطلاع على الأدب العربي يصفه إيفالد بـ«الضعيف»، يبدأ من نجيب محفوظ وينتهي إلى حيث لا نعرف. إجابة مراوغة من فليسار تنتهي بـ«الأدب ليس موسيقى البوب. ببساطة أحب الأدب الذي يمنحني شيئًا قيمًا، بصرف النظر عن اسم الكاتب».

لكن لا يمكن وصفه بالمراوغ تمامًا حين يتحدث عن الكتابة بالنسبة إليه كعملية يمارسها تقريبًا 24 ساعة في اليوم أو كما قال. «إن الوقت الذي يقضيه الكاتب في وضع كلماته على الورق، ليس هو المهم»، يقول فليسار، موضحًا:«معظم العمل قام به الكاتب سابقًا في عقله»، في كل موقف يمر به في يومه، في كل حدث يعايشه، في كل كلمة يقرأها.

«الكاتب عبد دائمُ لخياله»، هذا ما يقوله فليسار. لكنه أيضًا، أي الكاتب، قد يكون عبدًا لعواطفه، ربما هذا ما دفعه لكتابة رسائل عاطفية لزميلاته في المدرسة. ومن ذلك الحين قرر أنه سيصبح كاتبًا. سيكبر ويصبح كاتبًا، سيتجول في العالم ويصبح كاتبًا، سيشيخ ويصبح كاتبًا، لتكون المحصلة: 16 رواية، مجموعتان قصصيتان، 20 مسرحية، ديوان شعر واحد كان البداية، ولم يجبنا لماذا لم يكرر التجربة.

وفي كل هذه الأعمال لا يحب التصنيف. معظم من كتب عنه اعتبره من مدرسة الواقعية السحرية، لكنه، كما أخبرنا، سيفضل أن يكون ممن «يؤمنون بأن الأدب تناقض. من الذين يعتقدون أن الأدب ذو معنى، لكن بلا أهمية كبيرة». أما أنا فيمكنني الزعم أن إيفالد يكتب من حياته أكثر مما يكتب من خياله (أو ربما من أحلامه!)، دون أن أختلف معه في أن الأدب قد يكون بلا أهمية كبيرة.

- هل لديك أي رغبات لم تحققها بعد؟

«أتمنى ذلك. هل تستحق الحياة أن نعيشها إذا تحققت كل رغباتنا؟!».

- لا أعلم، ما زلتُ في ريعان شبابي. الحديث عنك أنت.

«لقد عرفتُ أن الله يحقق كل الرغبات فقط للذين لا يُحبّهم».

- هذا إذًا حضور الإله في حياتك. لم تجبني عندما سألتك عن هذا! على كل، ما هي رغباتك الآن؟

«لم تعد لديّ الرغبات التي تشبع الأنا، مثل الشهرة والمال. لقد جربت من كليهما مقدارًا بسيطًا لكن كافيًا لأدرك أن الشهرة عبء على الإنسان الحر، والمال إغراء الشيطان».

- فما الذي تتعلق به رغباتك الآن؟

«لدي رغبات صادقة وعميقة من أجل الكوكب ورفاهية الناس، كل الناس».

- وماذا عمّا يتعلق بك؟

«صحة جسدية وعقلية، لأن الشخص السليم العاقل فقط من يمكنه الاستمرار في الكتابة».

لن أجادله في ذلك، رغم أنني شخصيًا أعتقد أن المجانين، نوع من المجانين، يمكنهم أن يكتبوا أفضل ما يًقرأ.

التخفف من إيفالد فليسار

ها هي سبع سنوات تقريبًا تمر منذ قرأت «المريد والشيخ» أول مرة. تقع عيناي على الرواية أثناء تمضية الوقت بلا هدف في ترتيب مكتبتي الصغيرة جدًا، ما زلت محتفظًا بها. فكرت في استخدامها لكسب الرزق (هذه من أدوارها الأخرى): أن أكتب عنها. قضيت أيامًا ولم أكتب سوى أقل من 200 كلمة، من سيقبل بنشرها سوى فيسبوك؟

caption

لم أزل واقفًا أمام ثلاثة أرفف رأسية ضيقة تضم أقل من عشرين كتابًا لا أعلم لماذا بقيت عندي، ممسكًا بالرواية بين يدي، أقلب فيها. موجة سريعة من الذكريات تلطمني عندما رأيت في الصفحة الأولى قائمة كتبتها بخط يدي في إحدى أيام 2013 لطعامٍ سأشتريه لي ولأصدقائي الجالسين في مقهى ما بالدقي على ما أتذكر: «5 فول و2 طعمية و3 جبنة متبلة». يبدو أنه كان معنا قلم وشخص يأكل الجبنة المتبلة، ولم تكن معنا ورقة (وهذا أيضًا دور آخر للرواية). أو هي مفارقة لأتأكد بعد هذه السنوات أن وجود هذا الرجل في حياتي غريب فعلًا.

راودتني فكرة درامية. درامية فعلًا ليس مجازًا، أن أجري معه حوار. هل كانت هناك دراما قبل الحوار والمونولوج؟

وقد كان. راسلت إيفالد فليسار الذي لا يعرفني. قدمت له نفسي: «كاتب من مصر، كنتَ في حياته على مدار ثمان سنوات»، رحّب وأجرينا الحوار.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن