تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
التخبط في تقييد الاستيراد لحصار الدولار

التخبط في تقييد الاستيراد لحصار الدولار

كتابة: سارة سيف الدين، نادر سيف الدين 8 دقيقة قراءة

مع تزايد الاضطرابات الاقتصادية العالمية خلال الشهور الماضية، وخصوصًا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وجدت الدولة المصرية نفسها أمام سؤال صعب.

تسببت الأزمة في هروب مصدر النقد الأجنبي الرئيسي: أسواق الديون العالمية (20 مليار دولار منذ بداية العام، أي حوالي نصف الاحتياطي النقدي الأجنبي)، إلى جانب تراجع عائدات السياحة. في المقابل، ساهمت ارتفاعات أسعار السلع الأساسية العالمية، مثل القمح والطاقة، في استنزاف السيولة الدولارية لدى البنك المركزي بشكل أسرع من المتوقع.

ولهذا بدأت جهود حكومية محمومة لجلب المزيد من النقد الأجنبي من الخارج (عبر قرض جديد من صندوق النقد الدولي أو أموال إضافية من دول الخليج)، والحفاظ على ما تبقى منها في الداخل.

أحد وسائل الحفاظ كانت الحد من الاستيراد، وهي سياسة اعتادتها الدولة خلال الأعوام الماضية. مع كل أزمة دولارات، تتجه الدولة لتقييد الاستيراد. حدث هذا في أزمة 2016، ويتكرر الآن.

تسببت مجموعة من القرارات لهذا الغرض في تأثر الصناعة المحلية بسبب توقف استيراد المواد الخام والسلع الوسيطة التي تعتمد عليها أغلب هذه الصناعات، حتى قرر الرئيس عبدالفتاح السيسي، الأسبوع الماضي، التراجع عن بعض القيود على الاستيراد، وتسهيل استيراد المواد الخام للمُصنعين.

وتكشف القرارات المختلفة، والتي انتهت بالتراجع الجزئي عنها، عن صعوبة الاختيارات المتاحة في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. كما تكشف عن تخبط عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية، وصل إلى مستوى هزلي في أحدها.

بدأت سلسلة القرارات في منتصف فبراير الماضي، حين أصدر البنك المركزي قرارًا بوقف العمل بمستندات التحصيل عند الاستيراد، وقصره على الاعتمادات المستندية البنكية. تُلزم الاعتمادات المستندية المستوردين بسداد قيمة الشحنة كلها عند التعاقد، على عكس ما اعتادوا عليه من سداد جزء فقط في البداية ثم استكمال السداد بعد بيع السلع.

يشير رئيس غرفة الصناعات الغذائية، أشرف الجزايرلي، إلى أن الاستيراد جاءت لتجنب خروج المزيد من الدولارات إلى خارج البلاد، بعد أن شهدت التدفقات الواردة إلى البلاد من الدولار أضرارًا متعددة جراء الحرب الروسية الأوكرانية. بحسب تعبير محلل البحوث في شركة «نعيم» لتداول الأوراق المالية، هشام حمدي، فإن الخيار كان ضروريًا كنوع من «المُسكن» في ظل تدهور بيانات ميزان المدفوعات لمدة ستة أشهر على التوالي بقيمة تتجاوز عشرة مليارات دولار.

يتفهم البعض المنطق وراء أولوية الحفاظ على الدولار، لكن الأزمة الأساسية كانت في طريقة اتخاذ وتطبيق هذه الإجراءات، والتي تميزت بالعشوائية الشديدة وغياب دراسات تأثيرها على الأسواق المحلية.

فور إعلان «المركزي» القرار، أبدى المستوردون والمصنعّون اعتراضات شديدة. وفي تحرك جماعي رسمي، طالب اتحاد الصناعات وجمعية رجال الأعمال والاتحاد العام للغرف التجارية، بإلغاء القرار بشكل فوري، لِما له من انعكاسات سلبية على مفاقمة أزمة سلاسل التوريد الواقعة جراء جائحة كورونا، وإمدادات الصناعة من السلع الوسيطة، ما سيُخلف ارتفاعات في أسعار السلع محليًا، وذلك في خطاب مشترك لرئاسة الوزراء.

كما جاء تقييد عمليات الاستيراد بشكل مفاجئ، وشمل أغلب السلع، بما فيها تلك المُستخدمة في عمليات الإنتاج المحلية، ما أثر بالسلب على القطاع الصناعي المصري، بحسب أشرف هلال، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بالغرفة التجارية.

وبرغم تلك الاعتراضات، أكد البنك عزمه على المضي قدمًا في القرار دون تغيير. فقط، بعد أيام قليلة، قرر البنك المركزي تخفيف بعض قيوده، باستثناء بعض واردات مستلزمات الإنتاج، مع تعهد المستوردين بفتح اعتماد مستندي لاحقًا.

وفي المقابل، أضاف البنك المركزي مزيدًا من القيود خلال الفترة التالية. بعض هذه القيود لم يصدر بها قرارات رسمية، وإنما تمثلت في تعليمات شفهية للبنوك، بحسب عدد مختلف من رجال الأعمال، تحدثوا إلى «مدى مصر». وواجه العديد منهم ما وصفوه بـ«تعنت» البنوك في إصدار الاعتمادات المستندية، سواء للسلع كاملة الصنع أو مستلزمات الإنتاج التي استثناها البنك المركزي.

يقول هلال إن البنوك تتأخر بشكل كبير عن توفير الاعتمادات المستندية للمستوردين، وهي نفس الشكوى التي أكدها عضو اتحاد الغرفة التجارية للجلود، توحيد أنور، الذي قال لـ«مدى مصر» إن تعطيل الاستيراد، حتى وإن كان لمستلزمات الإنتاج، يتم عبر تعليمات شفهية، إذ يخبر موظفو البنوك المستوردين -عند طلبهم فتح اعتماد مستندي- أن البنك لم يحصل على موافقة البنك المركزي لفتح الاعتماد المستندي لهذا الاستيراد.

يُضيف أنور أن البنوك لا تفرق في المماطلة بين من يطلبون من البنك تدبير الدولارات اللازمة لفتح الاعتماد، والمستوردين الذين يأتون ولديهم دولارات دبروها بشكل منفرد لفتح الاعتماد المستندي.

لكن درجة التأثير تتفاوت. الشركات الكبيرة تمتلك قدرات مختلفة للتعامل مع هذه الأزمات. على سبيل المثال، يشير الرئيس التنفيذي للشركة الشرقية للدخان، هاني أمان، إلى أن شركته تختلف في وضعها عن صغار المصانع، بسبب تمتعها بـ«ملاءة مالية» كبيرة (أي حصيلة دولارية تيسر عليها الاستيراد إن أرادت)، إلى جانب مخزونها الكبير من التبغ، نظرًا لامتلاكها مخازن جمركية كبيرة، تمكنها من الاحتفاظ بمخزون كبير. لكن، بحسب أمان وعدد آخر من التجار والمستوردين، يتعرض صغار ومتوسطو المستثمرين والمصنعين إلى أثر أكبر.

محمد رستم، سكرتير عام الشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، قال لـ«مدى مصر» إنه تلقى العديد من الشكاوى من المستوردين والمصنعين، خاصة من المصانع الصغيرة والمتوسطة، والتي لا تتوافر لديها نفس إمكانيات المصانع الأكبر التي تستورد بنفسها لوازم إنتاجها، أو فروع الشركات الأجنبية القادرة على توفير اعتمادات مستندية بشكل أسهل وأسرع. «أغلب المصانع لا توفر منتجات الاستيراد بنفسها، وإنما تجمع البضاعة المستوردة من السوق. لما المستوردين يقفوا، المصانع بتقف»، بحسب رستم.

كذلك عرقلت البنوك إجراءات التخليص الجمركي للسلع التي وصلت الموانئ المصرية بالفعل عن طريق التأخر في تسليم المستوردين ما يُعرف بـ«نموذج 4». هذا النموذج تصدره البنوك للجمارك تضمن فيه أن المستوردين قد دفعوا بالفعل كامل قيمة الشحنات المستوردة، وبالتالي تسمح الجمارك للبضائع بالخروج من الميناء. لكن، بحسب أنور ومستوردين آخرين، توقفت البنوك عن إصدار هذا النموذج لكل البضائع الواردة، مما تسبب في تعطيلها في الموانئ وتأخر التعاقدات الجديدة للاستيراد.

لكن، الاعتمادات المستندية وتبعاتها لم تكن العقبة الوحيدة أمام المستوردين. في نهاية مارس الماضي، أصدر البنك المركزي تعليمات للبنوك بتقييد استيراد 13 سلعة، مثل السيارات والموبايلات والفواكه والملابس، مشترطًا الحصول على موافقة منه.

ورغم نفي مسؤولي البنوك، قالت عدة مصادر بنكية ورجال أعمال لـ«مدى مصر» إن القرار صدر بالفعل وبدأ تطبيقه. مصدر بنكي قال إن نفي المسؤولين للقرار شهد تلاعبًا بالألفاظ. فبدلًا من نفي صدور القرار بشكل واضح، أصروا على تأكيد أن استيراد الـ13 سلعة لم يتوقف، لأن «المركزي» فقط اشترط الحصول على موافقته قبل إتمام تمويل استيرادها، ولم يمنع استيراد تلك المنتجات بشكل كامل. لكن هذا لا ينفي الواقع أن استيراد هذه السلع توقف بشكل عملي في غياب موافقات البنك المركزي.

بحسب عدة مصادر تحدثت إلى «مدى مصر»، تعاني السوق المصرية من أزمات متصاعدة في توفير السلع التي لا تخضع لاستثناءات البنك المركزي، بالرغم من أهميتها للسوق المحلي، مثل بنج الأسنان أو الإلكترونيات.

لكن الأهم، ومع حالة التخبط واستمرار التعليمات غير الرسمية، تسبب سوء تفاهم بخصوص تفسير القرار في مشكلة أكبر للسوق المصرية. هذه المرة في الغذاء، وبشكل هزلي تمامًا.

caption

يشير مدير إحدى شركات استيراد البذور والتقاوي اللازمة للزراعة إلى أن السلع التي حددها قرار «المركزي» شملت «البذور»، ويُقصد بها البذور الجاهزة للأكل (مثل بذور عباد الشمس أو الشيا). لكن البنوك لم تفهم المقصود، ومنعت استيراد أي «بذور»، بما فيها البذور الزراعية. «البنوك كانت بترفض حتى تستلم طلبات الاستيراد، وبيقولوا إن البنك المركزي مانعها»، يضيف المصدر.

وطوال ثلاثة أشهر تقريبًا، لم يستطع المستوردون الحصول على البذور اللازمة للزراعة، بحسب مدير إحدى شركات استيراد البذور والتقاوي الزراعية. ولأن الزراعة في مصر تعتمد بشكل شبه كامل على البذور المستوردة (98% تقريبًا)، أصبح القطاع الزراعي مهددًا بكارثة خلال العام المقبل، بحسب رأيه.

لكن البنك المركزي لم يقم حتى الآن بتصحيح سوء الفهم. من جانبها، أرسلت الجمعية المصرية لصناعة التقاوي، التي تجمع أهم مستوردي البذور والتقاوي للزراعة، خطابًا إلى البنك المركزي أوائل أبريل الماضي تطلب منه توضيح اللبس للبنوك التي يشرف عليها للسماح بالاستيراد. لكن الجمعية لم تتلقَ أي رد من «المركزي» كتابة هذا التقرير. وبحسب مدير شركة الاستيراد، لا يزال استيراد البذور متوقفًا.

لجأ البعض إلى طرق غير رسمية، عبر وساطات أو رشاوى، ما سمح بدخول بعض البذور. لولا هذا، «الموسم الجاي مكنش هيبقى فيه بطاطس»، يقول مدير شركة الاستيراد.

caption

بعدها بنحو شهر، في منتصف أبريل الماضي، جاء قرار آخر لفرض المزيد من القيود على الاستيراد، هذه المرة من الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات التابعة لوزارة التجارة والصناعة.

القرار أوقف استيراد مئات السلع بشكل مؤقت، بحسب الوزارة، لحين توفيق الشركات أوضاعها وتجديد شهادات الجودة اللازمة للسماح لها بتصدير منتجاتها للسوق المصرية. وشمل القرار منتجات مئات الشركات الأجنبية، من بينها «المراعي» السعودية، و«يونيليفر» البريطانية، ومنتجات تركية وإيطالية شهيرة.

هذه «الخبطات»، بحسب تعبير رستم، كتير قوي على التاجر أو الصانع أو المستورد، صدمات بلا هوادة».

يضيف مصدر شعبة المستوردين لـ«مدى مصر» أن قرار «المركزي» تخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار في مارس الماضي، والقيود التي استمر في فرضها على حركة الدولارات لتغطية تكاليف الاستيراد، زادت من فداحة الأزمة.

في محاولة للتعامل معها، توجه بعض المستوردين إلى السوق السوداء بحثًا عن دولارات. «الناس كانت بدأت تزهق من البنوك، فتروح للسوق السودا تجيب الدولار، وتحطه في البنك وتطلب فتح اعتمادات مستندية»، يقول المصدر.

لهذا، وبعد يوم واحد من قرار وزارة التجارة الأخير، فاجئ البنك المركزي السوق مرة ثالثة بتعليمات جديدة (هذه المرة مصحوبة بتشديد على عدم تداولها خارج البنوك). أكدت التعليمات على استخدام الدولارات التي يوفرها المستوردون لتغطية تكاليف الاستيراد إلا إذا كانت دولارات مُحوّلة مقابل سلع تم تصديرها.

caption

الهدف، كما يشرح مصدر شعبة المستوردين، هو تقييد لجوء المستوردين للسوق السوداء لتدبير الدولار للاستيراد. «التعليمات الأخيرة كانت بتقول بكل وضوح إن الدولار من السوق السودا مايساويش حاجة»، يقول.

هذه العشوائية في إصدار القرارات والتعامل مع تبعاتها، تعني بالنسبة لمصدر الشعبة العامة للمستوردين أنها لم تُدرس بالشكل الكافي، إن كانت قد دُرست أصلًا، بحسب تعبيره. وفي لحظة اقتصادية صعبة كهذه، قد يكون لهذه السياسات تبعات كبيرة.

يقول مستورد آخر لـ«مدى مصر» إن الدول التي تُصدر منتجاتها لمصر قد تلجأ إلى الشكاوى في المنظمات الدولية للتظلم ضد القيود على الاستيراد، وهو ما بدأه الاتحاد الأوروبي وروسيا بالفعل لدى منظمة التجارة الدولية بداية العام.

كما يشير إلى خطر أكبر في أن تتعرض مصر لمبدأ المعاملة بالمثل من تلك الدول، فتحظر الاستيراد من مصر، وهو ما يهدد أحد أهم مصادر العملة الصعبة، إن لم يكن أهمها على الإطلاق في الوقت الحالي.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن