تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فقاعة التصدير في زمن الأزمة

فقاعة التصدير في زمن الأزمة

كتابة: شمس الدين عصام، محمد عز 15 دقيقة قراءة

خلال افتتاح بعض مشروعات مبادرة تطوير الصناعة «ابدأ» في سبتمبر 2022، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الدولة تستهدف وصول قيمة الصادرات إلى 100 مليار دولار خلال أقل من خمس سنوات. «إحنا بنتكلم عن 100 مليار دولار للتصدير.. ده رقم مش كبير.. 100 مليار دولار لمصر عدد سكانها 104.. ده رقم مش كبير».

بعد أقل من عامٍ من حديث الرئيس، كانت الصادرات بالفعل تسجل ارتفاعات متتالية، إذ نمت تدريجيًا الصادرات غير البترولية من 2.4 مليار دولار تقريبًا في سبتمبر 2022، لتسجل 2.7 مليار دولار في يوليو الماضي، مرورًا بقفزات مؤقتة وصلت إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار في مارس، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

هذه الارتفاعات كانت نتيجة تفضيل المصنعين والمنتجين، في وقت أزمة العملة، تصدير منتجاتهم للأسواق العالمية، بتشجيع ودعم من الحكومة، بحثًا عن أي مصادر للعملة الصعبة التي شحّ وجودها محليًا، دون اعتبار للآثار السلبية لتلك الارتفاعات على السوق المحلي الذي زادت معاناته بنفس القدر، ودون اكتراث لتحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلي واستراتيجية مستدامة للنهوض بالتصدير. بالفعل، عادت أغلب الصادرات للانخفاض مرة أخرى.

***

لطالما كان التصدير أحد أهم اهتمامات الحكومات في مصر على مدار عقود. تجاوز ذلك الاهتمام التشجيع وتسهيل الإجراءات إلى دعم المصدرين دعمًا ماديًا مباشرًا، بزيادات استثنائية، مقابل تراجع نسب مخصصات دعم الفئات الأوسع من المصريين من حجم المصروفات العامة، بما في ذلك دعم السلع التموينية.

رغم ذلك، فإن زيادة مخصصات دعم الصادرات لم تنجح في إضافة الاستدامة على طفرات الصادرات، إذ أن المخصصات تأتي عادةً متأخرة، ما يُضعف قيمتها الحقيقية للمصدرين، في ظل تغافل الحكومة عن المشاكل الأساسية التي يُعاني منها المنتجون والمصنعون المصريون.

من المفترض أن يساهم الدعم في خفض تكاليف الإنتاج، ويسهل على المصدرين زيادة عقود التصدير، بحسب أربعة مصادر في قطاعات تصدير الأغذية الطازجة والمُصنعة والكمياويات.

لكن، بحسب أحد المصادر، تنظر شركته إلى الدعم التصديري على أنه «ربح»، نظرًا لعدم قدرة الشركة على تحقيق أي أرباح من التصدير نفسه، إذ تستهلك عائدات التصدير في جلب المواد الخام اللازمة لأعمالها.

«حتى لما ببص على الدعم على أنه الربح اللي هكسبه، دا برضه قيمته الحقيقية بتقل بمرور الوقت، ودا ببساطة لأن الشركة بتاخد مستحقاتها متأخرة تقريبًا سنة ونص أو سنتين في المتوسط، في الفترة دي ممكن نشوف الجنيه سعره اتخفض قدام الدولار مرة أو اتنين وأحيانًا تلاتة زي ما حصل في 2022، وبالتالي فين المكسب متعرفش»، أضاف المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه.

مصدر آخر قال لـ«مدى مصر»، بعدما اشترط عدم ذكر اسمه، إن تأخر الحصول على الدعم يُسبب مُشكلات عدة للشركات نظرًا لأنها تدرج الدعم في جانب الإيرادات بميزانيتها محتسبة التكاليف وسعر البيع على اعتبار أنها ستحصل على الدعم، ويتم صرفه بعد سنوات أقل من قيمته المحددة، مما يتسبب لها في بعض الخسائر نتيجة فوارق التقييم.

«في كتير من الأحيان بنقفل الميزانية عند مستويات معينة وبنعمل حسابنا إننا هناخد الدعم نستخدمه في عمليات التسويق والاستثمارات الجديدة والتوسعات، وفي بعض الأحيان بنقبل تعاقدات تصدير جديدة لتوسيع الأعمال تحت الصيغة دي، لكن في النهاية الدعم كل مرة بيتأخر، فنضطر إننا نلجأ للتمويل البنكي بفايدة مرتفعة جدًا، أو إننا نرجع نلغي التعاقدات الجديدة لعدم القدرة على الوفاء بها، ما يسبب خسائر إضافية للشركة والصادرات بشكل عام في الأسواق الدولية»، أضاف المصدر.

مصدر ثالث قال لـ«مدى مصر» إن رد المستحقات المتأخرة أصبح يخضع لمبادرة السداد المُعجل التي تتطلب خصم 15% من إجمالي المستحقات مقابل الحصول على 85% في «صورة غير مفهومة تقلص من حقوق الشركات لدى الحكومة، ورغم إجبارنا عليها للحصول على المتأخرات، فهي لم توفر كل المتأخرات بعد، ولا يزال لنا متأخرات كبيرة لدى الحكومة لم نحصل عليها بعد»، بحسب المصدر.

لذلك، أضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن المجالس التصديرية اتفقت مع الحكومة على تحديث برنامج الأعباء التصديرية، وطلبت أن يعاد هيكلة مبالغ الدعم لصالح الشركات الصغيرة على اعتبار أنها تمثل العدد الأكبر من الكيانات التصديرية، وكان من المفترض أن يطبق البرنامج الجديد بدءًا من مطلع السنة المالية الجارية 2023-2024، لكن الحكومة لم تُصدق عليه بعد، «ولا نعلم موقفه الحالي».

بالتزامن مع دراسة الحكومة للبرنامج الجديد، شهدت الموازنة العامة للسنة المالية 2023-2024 زيادة استثنائية في دعم المصدرين، بنسبة وصلت إلى 368%، رغم أن الصادرات يفترض أن تكون تلقت دعمًا طبيعيًا، في ظل التراجع الكبير في سعر الجنيه. لكن، لجوء الحكومة لزيادة الدعم عزاه عضو لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، محمد بدراوي، إلى الأولوية القصوى لدى الحكومة لزيادة العائدات من الصادرات، كمصدر من مصادر النقد الأجنبي، باعتباره أحد بدائل الاقتراض الخارجي.

لكن هذه الزيادة عادةً ما تصب في مصلحة فئة قليلة من الشركات، إذ أوضح مصدر في قطاع التصدير أن الصادرات المصرية تُعاني «بشكل دائم» من كون أغلب العائدات تأتي عبر عدد قليل من الشركات التصديرية، ففي كل قطاع لا يتجاوز عدد الشركات التي تجلب 80% من عائداته نحو عشر شركات، وفي بعض القطاعات نجد أن شركة واحدة تجلب نحو 30% من إجمالي العائدات السنوية، وهو ما يجعل الصادرات المصرية في خطر دائم.

بالإضافة لذلك، فإن زيادة الصادرات، المؤقتة، العام الماضي جاءت مدفوعة ببحث الحكومة والمنتجين والمصنعين عن حلول لأزمة العملة الصعبة، فيما يفضل المصنعون والمنتجون في مصر عادةً، السوق المحلي عن التصدير، بحسب رئيس شعبة الأدوات المنزلية بغرفة القاهرة التجارية، فتحي الطحاوي.

تفضيل السوق المحلي يعود، بحسب الطحاوي، إلى أن التصدير يُلزم الشركات المصرية بالالتزام بجودة عالية، وهو ما يترتب عليه زيادة تكاليف الإنتاج، من استخدام مواد خام أفضل وارتفاع في أجور العاملين. في المقابل، يجب أن تكون الأسعار تنافسية للغاية لتقنع المستوردين بالخارج بشراء المنتجات المصرية بدلًا من نظيرتها الصينية، على سبيل المثال. لذلك، تركز التصدير في الشركات الكبرى القادرة على توفير الجودة والإمكانات المطلوبة.

«النجاح في التصدير بيعتمد على كذا عامل. أولًا، لازم يكون عند المنتِج ميزة تخليه يقدر ينافس في السوق العالمي، زي إن سعره يكون قليل، أو الجودة تكون أعلى من المنتجات الشبيهة من دول تانية. يعني إيه اللي يخلي حد يشتري عربية تصنيع أو تجميع مصري في أوروبا، لما هو عنده مصانع العربيات كلها بتبيع بسعر أرخص. ولو اتكلمنا مثلًا على إفريقيا، إيه اللي يخلي دولة تستورد من مصر لما هي ممكن تستورد من المغرب أو جنوب إفريقيا اللي عندهم خبرة كبيرة في الموضوع [صناعة السيارات]، إلا لو السعر فعلًا أقل بكتير؟»، يقول الطحاوي.

لهذا السبب، فإن أغلب قفزات الصادرات المصرية لم تكن مدفوعة، كليًا، بتطورات مستدامة في القطاعات التي حققت طفرات في التصدير، بقدر ما كان استفادة من ظروف محلية أو عالمية مؤقتة، بحسب المحلل الاستراتيجي في شركة تيلمر للاستثمارات الدولية، حسنين مالك، الذي قال لـ«مدى مصر» إن الصادرات المصرية تعتمد بشكل أساسي على انخفاض أسعارها مقارنة بنظيرتها من الدول الأخرى، لذلك تميل عادة للارتفاع عند حدوث انخفاض في قيمة الجنيه.

يظهر ذلك واضحًا في صادرات بعض القطاعات، مثل قطاع المنتجات الكيماوية والأسمدة، الذي حقق معدلات تصدير «غير مسبوقة» خلال 2022، بمعدل نمو سنوي بلغ 22%، قبل أن يتراجع بشدة العام الماضي، وتنخفض صادرات القطاع نفسه بنحو 24% تقريبًا خلال أول 11 شهرًا من العام نفسه، بحسب بيانات حكومية اطلع «مدى مصر» على نسخة منها.

عضو في غرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات، وأحد أكبر مُصدري الأسمدة، أرجع هبوط صادرات قطاع الكيماويات بالكامل إلى عاملين: الأول هو أزمة العملة الصعبة التي أثرت على توافر الخامات مثل باقي القطاعات، والثاني هو تراجع الأسعار العالمية لبعض منتجات الكيماويات، وكان أبرزها الأسمدة ومنتجات البلاستيك.

وأوضح المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، أن الأسمدة الأزوتية سجلت أسعارًا عالمية قياسية عام 2022 في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، وذلك لأن روسيا وحدها تُسيطر على نحو 13% من إنتاج الأسمدة عالميًا. ومع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية على «موسكو» قفزت أسعار الأسمدة فوق ألف دولار للطن، وهو ما رفع قيمة صادرات مصر. لكن، مع انخفاض الأسعار عالميًا، تراجعت قيمة الصادرات المصرية العام الماضي، مع وصول السعر إلى أقل من 400 دولار للطن.

بالإضافة لغياب استدامة النمو في الصادرات، ورغم احتفاء الحكومة والقطاع الخاص المصري بارتفاع الصادرات في النصف الأول من عام 2023 بعد انخفاضات متتالية في قيمة الجنيه المصري خلال العام الماضي، فإن التدقيق في تلك الصادرات يكشف أن الارتفاع هذه المرة لم يكن شيئًا حميدًا في مجمله، وإنما إشارة لما يواجهه السوق من تحديات، إذ أنها كانت مدفوعة هذه المرة بانخفاض في الاستهلاك المحلي ومحاولة من الشركات المصرية للبحث عن دولارات لتجنب الإغلاق التام. بالإضافة لذلك، انقلبت الارتفاعات لانخفاضات بعد فترة وجيزة.

تعتمد الصادرات المصرية بشكل أساسي على استيراد مدخلات إنتاجها، حتى في السلع التي يتم إنتاجها بالكامل في مصر، مثل الحاصلات الزراعية التي تعتمد على بذور مستوردة. وبحسب تقارير البنك المركزي، شكلت السلع الاستهلاكية 26.4% فقط من إجمالي الواردات، فيما كان الجزء الأكبر منها (34.3%) سلع وسيطة تُستخدم في الصناعة المصرية، بالإضافة إلى 11.3% من المواد الخام، و11.3% أخرى لسلع استثمارية من الأجهزة والمعدات اللازمة للتصنيع، ما يعني أن 56.9% على الأقل من الواردات كانت توجه للصناعة، بالإضافة إلى 14% خُصصت لواردات الوقود والمشتقات البترولية.

وخلال 2022، الذي شهد أحد أسوأ أزمات توفر العملة الصعبة في تاريخ مصر الحديث، زاد الترابط الكبير بين الواردات والصادرات، فتراجعت الصادرات شهريًا كلما تراجعت الواردات، وارتفعت الصادرات مع ارتفاع الواردات. 

وفي ظل استمرار أزمة شح العملة العام الماضي، هبطت الواردات المستخدمة في التصنيع. في البداية، لجأ المصنعون المصريون لتخفيض الإنتاج، ظنًا منهم أن توقف الواردات سيكون ظاهرة استثنائية ستنقضي مع مرور الوقت، بحسب رئيس إحدى أكبر شركات التجارة في مصر، فضل عدم ذكر اسمه.

لكن، بعد استمرار الأزمة، لم يعد لتلك الشركات القدرة على الاستمرار بنفس الوضع، خاصة باعتبار التزاماتها التي لا تتوقف، بداية من أجور العمال، والضرائب، وحتى فواتير المرافق، التي يتحملونها حتى وإن لم تنتج المصانع.

«المصنع بدل ما كان بيعمل عشر أجهزة مثلًا، بقى بيعمل خمس، بس بيرفع أسعارها علشان يحافظ على نفس هامش الربحية، فبيبيع منهم اتنين»، قال المصدر.

لذلك، كانت النتيجة هي شبه توقف تام في أسواق بعض المنتجات، ما دفع المصنعين للبحث عن حلول أخرى، مثل الاتجاه للتصدير.

ارتفعت بعض الصادرات بنسب كبيرة في بداية العام الماضي، بما في ذلك صادرات وسائل النقل التي ارتفعت بحوالي 70%، أو الكابلات التي زادت صادرتها بنحو 54%، والصناعات الكهربائية والإلكترونية بنحو 44%، وهو ما عزاه رئيس مجلس إدارة «جي إم سي» للاستثمارات الصناعية والتجارية المالية السابق، محمد جنيدي، إلى اتجاه الشركات الصناعية للتصدير على حساب السوق المحلي.

يقول جنيدي لـ«مدى مصر» إن الشركات الصناعية اتجهت لتصدير الجزء الأكبر من منتجاتها للحصول على عملة صعبة تستطيع استخدامها لاستيراد مواد خام من الخارج للحفاظ على استمرار إنتاج المصنع.

«الشركات دلوقتي بتجيب الفلوس بتاعة التصدير تعمل بيها شغل. يعني مثلًا، فيه قطاعات إنتاجية بتعتمد على 90% من مدخلات الإنتاج مصدرها منتجين مصريين، بالتالي بيقدروا يحلوا أزماتهم بشكل سريع ومش بيتأثروا بنفس الدرجة. لو بصنع بوتجاز بـ90% منتجات محلية وأستورد 10%، يعني أنا لو صدرت بوتجاز واحد، بقدر أستخدم حصيلة الصادرات منه لإني باستورد مكونات تكفي 9 أجهزة تانيين، يقول جنيدي، «لكن لما نسب التصنيع المحلي بيكون 20-30%؛ الوضع بيختلف». فمثلًا، بحسب جنيدي؛ إذا كان ثمن جهاز واحد عشرة دولارات يحتاج لمكونات مستوردة بقيمة 7-8 دولارات، وأخرى محلية بقيمة 2-3 دولارات، بخلاف هامش ربح ضئيل ومصاريف عمالة وغيرها، فتصدير جهاز واحد سيحقق حصيلة دولارية تكفي بالكاد استيراد مكونات جديدة لصناعة جهاز ثانٍ فقط. «هفضل طول الوقت في حاجة للتصدير علشان المصنع يفضل شغال»، يقول جنيدي.

يظهر ذلك واضحًا في تفاوت النمو بين صادرات القطاعات المختلفة. فالقطاعات التي يمكنها توفير نسب كبيرة من مدخلات الإنتاج محليًا، تمكنت من تحقيق قفزات في التصدير مثل الصناعات الهندسية التي نمت بالفعل بنحو 11% بين يناير ونوفمبر العام الماضي مقارنة بنفس الفترة من 2022، فيما لم تتمكن من ذلك القطاعات المعتمدة بشكل كبير على الاستيراد لتوفير مدخلات الإنتاج، كما هو الحال مثلًا في صادرات قطاع الطباعة والتغليف والورق والكتب التي تراجعت 17% في الفترة نفسها، مقارنة بنفس الفترة من 2022، بحسب بيانات حكومية اطلع عليها «مدى مصر»، وبالمثل، انخفضت صادرات الملابس الجاهزة بنسبة 5%، والمفروشات بنسبة 9%. 

نائب رئيس المجلس التصديري للطباعة والتغليف، أحمد جابر، قال لـ«مدى مصر»، إن أزمة العملة الصعبة وضعف الإتاحات الدولارية من القطاع المصرفي أثر على واردات المصانع من الخامات اللازمة للتصنيع، وبالتالي تراجعت القوى الإنتاجية لتلك المصانع.

مصدر آخر من المجلس التصديري للطباعة، فضل عدم ذكر اسمه، قدر لـ«مدى مصر»، تراجع إنتاجية المصانع بنحو 25% على أقل تقدير، فيما اقترب تراجع الإنتاج في بعض المصانع من 40%، كلٌ بحسب قدرته على توفير الدولار من السوق السوداء للإفراج عن الخامات المحتجزة في الموانئ.

الأمر ذاته أشار إليه أحد أعضاء المجلس التصديري لصناعة الأثاث، الذي قال لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن أزمة العملة الصعبة كانت ولا تزال السبب الرئيسي في تراجع صادرات هذه القطاعات.

وأوضح المصدر: «تخيل يجيلك عميل واتنين وثلاثة [من خارج مصر] يقدموا على طلبات استيراد [أثاث من مصر] لكنك مش قادر تتعاقد معاهم بسبب ضعف توافر الخامات على خلفية أزمة العملة الصعبة»، مشيرًا إلى أن بعض الشركات جازفت في البداية بإبرام تعاقدات تصدير جديدة رغم شح الخامات، لكن مع استمرار تقييد إيداع العملة الصعبة في البنوك من غير المصادر الرسمية، لم تستطع هذه الشركات تنفيذ التزاماتها، وبعد أن كانت تنتظر تحسنًا في نتائج الأعمال، أصبحت تعاني من غرامات تأخير أو إلغاء التعاقد.

ساهم التصدير بالفعل في إبطاء معدل انكماش اقتصاد القطاع الخاص غير البترولي بحلول نهاية النصف الأول من العام، إذ استمر انخفاض إنفاق المستهلكين المحليين، فيما زاد الطلب من الخارج على منتجات مصرية، بحسب مؤشر مديري المشتريات التابع لمجموعة «S&P Global»، ما ساعد الشركات على تجنب الإغلاق، لكن الاعتماد على التصدير وتخفيض مخزون السوق المحلي من السلع سيؤدي إلى تسريع وتيرة ارتفاع الأسعار وتراجع الاستهلاك مع ما يتبع ذلك من تراجع الربحية، ما يرفع احتمالات الركود، بحسب مصادر متعددة.

في رأي الطحاوي، سيؤدي توقف حركة السوق المصري إلى الاعتماد كليًا على التصدير، ما سيدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها في السوق المحلي بشكل أكبر وبحرية غير مسبوقة، وذلك سيؤدي إلى ارتفاع التضخم بشكل مضطرد. وينفي الطحاوي أن يكون ذلك بسبب ما تسميه الحكومة بـ«جشع التجار».

«المصنعين اللي كانوا بيكسبوا مثلًا 25 ألف جنيه في الشهر كمصنع صغير بقى بيكسب عشرة بالكتير. طب هيعمل بيهم إيه؟ دا لو باع مصنعه وحط فلوسه في البنك هتبقى فيها بركة أكتر من كده، خصوصًا إني بشتري مواد خام من برة بدولار غالي من السوق الموازية لأن البنوك مبتفتحش اعتمادات. مش هارجع أبيع المنتج في البلد بسعر رخيص نسبيًا، وبعدين أدور تاني على الدولار، طب ما أنا أبيع بالدولار برة مصر وخلاص، واللي عايز يشتري في مصر يدفع مقابل السعر دا بالدولار الغالي»، يقول الطحاوي، مضيفًا أن السوق المصري لم يعد أصلًا جاذبًا للمستثمرين كما كان من قبل.

«مصر كانت سوق كبير جاذب للاستثمارات. دا لإن الأساس إن الراجل بييجي يستثمر في مصر علشان يستفيد إن منتجاته هيشتريها 100 مليون بني آدم. لكن دلوقتي الـ100 مليون بني آدم مش لاقيين ياكلوا. الـ100 مليون دول كانوا بيشتروا البيضة بنص جنيه، والسكر بـ3 جنيه، والبصل بـ5 جنيه، والتكييف بـ6 آلاف جنيه. دلوقتي البيضة بـ3 جنيه، والسكر بـ30، والبصل بـ30، والتكييف بعشرين [ألف]. فالسوق المحلي أصلًا معدش جاذب للاستثمارات زي زمان، والاستثمارات اللي هتيجي هتيجي علشان تستغل الوضع اللي موجود من غير ما تفيد الناس اللي عايشة في البلد»، يقول الطحاوي.

ويؤكد جنيدي على ذلك، مضيفًا: «الموضوع عامل زي كرة الثلج. السيطرة عليها في الأول كان سهل، لأنها صغيرة وبتتحرك ببطء، لكن مع الوقت الموضوع بيزداد سوء. الكرة بتكبر وسرعتها بتزيد، ومش هتقف عند حد»، بحسب جنيدي.

نبؤة الطحاوي بدأت في التحقق بالفعل في بعض القطاعات، مثل قطاع الدواجن، الذي عانى لأشهر طويلة من ارتفاع أسعار الأعلاف وصعوبة استيرادها، ما أجبر مربي الدواجن على رفع أسعارهم، لينخفض الطلب عليها، وينتهي الأمر بخروج نحو 80% من المربين من السوق. انخفضت بعد ذلك أسعار الدواجن بالفعل بنحو 22%، مقارنة بالذروة التي سجلتها في يناير الماضي، ليس لانخفاض تكلفة الإنتاج، ولكن نتيجة لانخفاض طلب المستهلكين وكذلك الإنتاج اليومي للدواجن في مصر، من أربعة ملايين طائر يوميًا إلى 800 ألف طائر فقط. القصة نفسها تكررت في قطاع اللحوم.

الحاصلات الزراعية كانت أحد القطاعات القليلة التي حققت نموًا أكثر استقرارًا منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، لتصل إلى 18% على مستوى القيمة العام الجاري وصولًا إلى 2.278 مليار دولار، بحسب بيانات حكومية اطلع «مدى مصر» على نسخة منها.

ويرى الرئيس الأسبق للمجلس التصديري للحاصلات الزراعية، ورئيس شركة نهضة مصر لتصدير الحاصلات، علي عيسى، أن مصر اكتسبت ثقة المستهلك الدولي على مدار السنوات الماضية، وبالتالي لا نزال ننتظر زيادات جديدة في الصادرات خلال السنوات المقبلة، مع استمرار المصدرين في دخول أسواق جديدة بسلع متنوعة.

ساهم ذلك في تشجيع المنتجين المحليين على تصدير منتجاتهم، على حساب السوق المحلي، مثلما حدث في السكر، ثم زيادة صادرات البصل بنسبة تجاوزت 95%، ما دفع الحكومة أخيرًا إلى إيقاف تصديرهما.

النتيجة، في النهاية، هي دخول السوق في حلقة مفرغة، من استيراد المواد الخام، وتصدير منتجات نهائية رخيصة، أو بيع نفس المنتجات في السوق المحلي بأسعار مرتفعة فيرتفع التضخم، وينتشر الركود، بحسب محلل مالي بأحد بنوك الاستثمار المحلية تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه.

«في 2016، التضخم كان أسهل في التعامل عن التضخم الموجود دلوقتي، لأن العملة الصعبة كانت موجودة ومستنية تخفيض قيمة الجنيه. لكن دلوقتي، مفيش عملة نهائي، فأي زيادة في التضخم هتؤدي لركود تضخمي، يعني الأسعار تبقى عالية، وكمان الناس معهاش فلوس تشتري، فالصناعة تقف»، يقول المحلل.

الحل، في رأي الطحاوي، هو التراجع عن وقف الاستيراد، ومحاولة ضبط الميزان التجاري عن طريق خلق بدائل حقيقية للمنتجات المستوردة، خاصة الرخيصة منها والتي لا تحتاج إلى تكنولوجيا حديثة.

«الصين بدأت تعمل ولاعات وطفايات سجاير لحد ما دلوقتي بقت مصنع العالم. الناس مش بتشتري عربية كل أسبوع، لكن الناس بتشتري ولاعة كل أسبوع، بدل ما أستوردهم، أصنعهم في مصر، أخفض فاتورة الاستيراد، وبعدين يكون عندي عمالة مدربة، ومصانع تكبر، وأسواق أقدر أعرض عليها منتجات أكتر تستقبلها مني، فأكون كسبان، مش أنط مراحل وخلاص»، يقول الطحاوي.

ويتفق مع ذلك جنيدي، الذي قال إن الحكومة لا بد أن تدعم المصانع بشكل فعّال، خاصة تلك التي تبيع منتجاتها للسوق المحلي، بدلًا من دعم المصدرين الذي يعتبر في واقع الأمر دعم للمشترين بالخارج.

«أي حكومة عارفة إن تشجيع الصناعة مش مجرد كلام بيتقال ويتنشر في الجرايد وخلاص. المفروض أدي الناس أرض بسعر تكلفة المرافق، أشيل من عليهم الضرائب، لإنهم في الآخر هيعينوا ناس، هيحركوا الاقتصاد، هيوفروا دولار، وفي الآخر هيقدروا يصدّروا بشكل حقيقي. أنا قلت دا في تقرير سلمته للرئيس السيسي من 9 سنين يد بيد، لكنه لم ينفذ حتى الآن»، أضاف جنيدي.

لكن، من أجل أن يتحقق ذلك، في رأي المحلل الاستراتيجي في شركة تيلمر، حسنين مالك، لا بد أن تتبع الحكومة مزيدًا من الشفافية والإجراءات المُحفزة للاستثمار. «الاستثمار الأجنبي المباشر يعتمد على وجود طاقة كافية ورسوم منخفضة، ووجود قوانين شفافة وعادلة، لا تُفرق بين شركات القطاع الخاص، والحكومة، والجيش».

وقال المصدر من المجلس التصديري للطباعة، لـ«مدى مصر»، إن الدولة تتجه لتعميق الصناعة وإنتاج خامات محلية أكثر بهدف تقليص فاتورة الواردات بشكل عام، لكن بعض المنتجات لا تملك هذه الأفضلية، إذ «لا يمكن خلق خامات غير متوافرة محليًا».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن