«التجلي الأعظم» في سانت كاترين.. أينما كنتم يدرككم «التطوير»
«صحينا في يوم لقينا 3 آلاف عامل وبلدوزرات وسيارات بيهدوا الدنيا، وكأن القيامة قامت»، يقول سعد*، أحد سكان مدينة سانت كاترين.
بينما يصف سعد هذا اليوم بـ«يوم القيامة»، وصفه المسؤولون بـ«اليوم التاريخي» لبداية تطوير محمية ومدينة سانت كاترين، بعد أن أعطى الرئيس عبد الفتاح السيسي إشارة إلى حكومته، العام الماضي، للبدء في مشروع «التجلي الأعظم على أرض السلام».
المشروع تنفذه وزارة الإسكان متمثلة في الجهاز المركزي للتعمير، وجهاز تعمير سيناء، ومحافظة جنوب سيناء. التنفيذ الفعلي تقوم عليه شركات مقاولات متعددة أضخمها: حسن علام، وأبناء سيناء للتشييد والبناء، التابعة لمجموعة شركات العرجاني جروب، المملوكة لإبراهيم العرجاني، أحد مشايخ قبيلة الترابين من شمال سيناء.
«اللي بيحصل في سانت كاترين هو جزء من اللي بيحصل في مصر كلها. قطر التطوير اللي ماشي بدون دراسة ولا علم ولا فهم، ومحدش يقدر يقف قصاده»، يقول حكيم*، باحث بيئي وموظف سابق بمحمية سانت كاترين.

في وسط سيناء، تمتد محمية سانت كاترين على مساحة نحو ستة آلاف كيلومتر، تنتشر فيها الجبال الأعلى في سيناء، بما فيها جبلي موسى وسانت كاترين، القمتان الأكثر قربًا إلى السماء في مصر. جبل موسى أو«طور سينين» كما ذُكر في القرآن، هو المكان الذي رأى فيه موسى ربه وتلقى وصاياه العشر كما تقول التوراة. وعلى سفح القمة الأخرى، سانت كاترين، هبطت الملائكة برفق لتضع جسد القديسة كاترين، عذراء الإسكندرية، التي فصل الإمبراطور الروماني ماكسمنيوس رأسها بعد احتجاجها على اضطهاد المسيحيين، كما يقول الإنجيل.
لتخليد ذكراها، بنى الإمبراطور الروماني، جستنيان، ديرًا وأسماه «كاترين» منذ ما يقرب من 1400 سنة، وحصنه بأسوار عالية، يعتليها حرّاس جمعهم جستنيان من مصر والبحر الأسود لحماية الدير وخدمة رهبانه. حتى الآن، يعيش أحفاد حرّاس الدير ممن استوطنوا المنطقة، ليُعرفوا فيما بعد بقبيلة «جبالية»، وما زال يعمل بعضهم في الدير، رغم تحولهم إلى الدين الإسلامي.
بخلاف الجانب التراثي والتاريخي المهم، تضم المحمية طيورًا نادرة مثل العصفور الوردي السيناوي، وطائر الشحرور، فضلًا عن نباتات نادرة يستخدم 119 نوعًا منها لأغراض طبية، اخترقت جذورها الصخور التي يتجاوز عمرها 800 مليون سنة، لتوفر بذلك مرعى لعشرات الحيوانات المهددة بالإنقراض مثل الوعل النوبي، والنمر السيناوي.
في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وبدعم مادي من الاتحاد الأوروبي، جمع بعض المختصين البيئيين كل المعلومات المتوفرة عن المنطقة ونظامها البيئي المُحكم، لتُعلن الحكومة المنطقة كمحمية طبيعية عام 1989، ضمن مناطق أخرى أعلنت كمحميات في هذا الوقت، بحسب شريف بهاء الدين، رئيس الجمعية المصرية لحماية الطبيعة. وفي 2002، أضافت اليونسكو المنطقة المركزية في سانت كاترين إلى قائمة التراث العالمي، لاحتوائها على موارد ثقافية وتاريخية مميزة على رأسها دير سانت كاترين، أقدم دير عامل في العالم، وجبل موسى.
أكثر من 20 عامًا مرت منذ ذلك الوقت على المدينة. وبينما اجتاحت بقية سيناء حمى التطوير والتعمير، ظلت سانت كاترين محتفظة بطبيعتها، إلا فيما ندر من بعض عمليات التطوير البطيء لإضاءة المناطق المظلمة أو بناء مستشفى ومدارس. يعود ذلك بشكل أساسي لكونها محمية طبيعية يلزم لتغييرها دراسات طويلة ومستفيضة، بحسب قانون البيئة، بالإضافة إلى الاشتراطات الأصعب التي يحددها قانون المحميات الطبيعية والذي تخضع له المحمية أيضًا.
بلورت تلك العوائق معضلة التطور في مقابل البيئة في سانت كاترين.

بتكلفة أولية تتجاوز أربعة مليارات جنيه، يهدف مشروع التجلي الأعظم إلى إعادة تخطيط المدينة بالكامل. تشمل الخطة بناء فندقين، أحدهما بجوار الجبل والثاني منتجع بيئي (ايكولودج مصمم للتناسب مع طبيعة المكان)، لتوفير 366 غرفة، وما يقرب من 1500 شالية وفيلا، وقاعة مؤتمرات وأخرى للاحتفالات، ومسرح ومتحف. يضم المشروع أيضًا تشييد مناطق سكنية وسياحية جديدة، وتطوير المناطق القديمة، فضلًا عن تحسين الطرق ومخرات السيول، ومقترح باستبدال الأسفلت بحجر الانترلوك، واستبدال الإضاءة القوية بأخرى خافتة، وتحويلها إلى مدينة مشاة ودراجات وسيارات كهربائية. كل ذلك وفقًا لمخطط المشروع الذي اطلع «مدى مصر» على نسخة منه.
هذا التغيير الشامل يتطلب موافقات بيئية، نظرًا لخضوع المنطقة لقانوني البيئة والمحميات الطبيعية، وهو نفسه ما أكدت عليه وزيرة البيئة، ياسمين فؤاد، في تصريحات سابقة، مشيرة إلى أن الوزارة أعطت توجيهاتها لتسهيل عمل العلماء في دراسات تقييم الأثر البيئي، مشددة على أن المشروع يراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية والثقافية للمنطقة بطريقة تتماشى مع المعايير البيئية الدولية.
لكن، يبدو أن تصريحات الوزيرة منفصلة عن أرض الواقع. بحسب مصدرين بمجال المحميات، طلبا عدم ذكر اسميهما، قالا لـ«مدى مصر» إن الحكومة بدأت في تنفيذ المشروع دون تقديم تقارير تقييم الأثر البيئي المطلوبة. «هم عملوا المشروع وبعدين بدأوا يشوفوا موضوع التقرير»، يقول أحد المصدرين، موضحًا أن تقرير الأثر البيئي تحول -مع الوقت- إلى مجرد ورقة يتم «تستيفها» ضمن أوراق تراخيص البناء، دون تقييم أو دراسة حقيقية لمدى تأثير المشاريع على البيئة.
لا يعلم أحد أي معايير دولية قصدتها وزيرة البيئة التي وعدتنا وزارتها برد، لم يأتِ حتى موعد النشر. لكن، وفقًا لأكثر من باحث بيئي واجتماعي تحدثوا إلى «مدى مصر»، فإن ما تسميه الحكومة «تطويرًا» سيكون ضرره غير قابل للإصلاح.
وعلى الرغم من اشتراط قانون البيئة أن تتضمن المشروعات المماثلة مناقشات مطولة مع المجتمع القائم، لم يعلم سكان المدينة بشأن المشروع الذي يمس حياتهم اليومية ومصادر رزقهم، حتى بدأ تنفيذه.
وفقًا لسعد*، الذي ينحدر من قبيلة جبالية، فقد تم إبلاغ العمدة والشيخ وكبار البلد قبل بدء المشروع بوقت قصير. «بلغوهم باللي هيحصل عشان بس نبقى عارفين، لكن متمش استشارة كبار البلد أو حتى أخذ رأيهم أو سماع مخاوفهم بخصوص المشروع وازاي ممكن يأثر علينا».
مع ذلك، تحمس بعض سكان سانت كاترين بعد سماعهم عن خطة تطوير غير واضحة الملامح، اعتقادًا منهم أن التطوير بالضرورة سيحسن حياتهم. لكن رويدًا، ومع اتضاح خطة التطوير، هدمت البلدوزرات أحلام سكان المدينة، التي انقلبت رأسًا على عقب في يوم وليلة، على حد وصف سعد*. الكثير من الإسمنت، والحفر، والهدد، والحديد المسلح. إزالات لمدافن المدينة التراثية، واستعدادات لإزالة المدافن الجديدة أيضًا باعتبارها تعيق طريق التطوير. مبانٍ ضخمة بالخرسانة تجعل شكل بيوتهم صغير وغريب، وطرق جديدة تمر فوق رؤوسهم، وتخترق الطبيعة التي ألفوها وأحبوها، لتعيد تشكيل مدينة جديدة لا يعرفها أبناؤها، ولا مكان لهم فيها.
«قولنا هيطوروا المستشفى ويجيبوا مدرسين. أو هيسهلوا الوصول للميه»، يقول سعد*.
وفقًا لسكان المدينة، يوجد حتى الآن مستشفى واحد تم تجديده أكثر من مرة، لكن في الواقع يعمل للحالات البسيطة فقط، ووحدتان صحيتان، وتعاني الوحدات الصحية والمستشفى، على حد سواء، من نقص في الأطباء والمعدات. أما المدارس، فعددها أربع في المرحلة الابتدائية، ومدرستين للمرحلة الإعدادية، ومدرسة وحيدة للمرحلة الثانوية، وكلها تعاني من نقص حاد في المدرسين.
يبلغ عدد سكان سانت كاترين الآن نحو ثمانية آلاف نسمة، ويطمح مشروع التطوير إلى رفع عددهم إلى 12 ألف. لكن المخطط، في الوقت نفسه، لم يشر إلى أي مشروع لتوفير المياه لهذا العدد، خاصة وأن سكان المدينة حتى الآن يعتمدون على الآبار الجوفية أو سيارات المياه القادمة من مدينة الطور لملء خزاناتهم بشكل دوري.
«عاملين فنادق وشاليهات وبيوت. هتجيب ماية لكل الناس دي منين؟ دول عاملين حمامات سباحة، والناس لسه بتجيلها عربيات الماية كل أسبوع»، يقول عادل*، أحد سكان المدينة.
تغافل مشروع التطوير عن تلك الاحتياجات. سيضطر القائمون عليه للبحث عن حلول سريعة، بعد حدوث الأزمة، وهو ما يُعرض المحمية لمزيد من الضغوط والخطر.
«التعامل مع المحميات حساس للغاية. التغيير خطر، وكل خطوة بحساب. سانت كاترين لها وضع خاص، لأن المدينة تقع داخل حدود المحمية»، يقول حكيم*، باحث بيئي وموظف أسبق بمحمية سانت كاترين. «من الأول، المأزق ده موجود. نجاح مجلس المدينة في التسعينيات كان إنه المدينة تنور بعواميد الكهرباء. لكن، بالنسبة لنا في إدارة المحمية؛ النجاح إنها تكون ضلمة عشان نقلل التلوث الضوئي».
ظلت الفجوة بين الحفاظ على المحمية وتطوير المدينة في الوقت نفسه تتسع مع زيادة عدد السكان والسياحة، لكن «التجلي الأعظم» عمّق المأزق.

ما لم يعلمه حكيم كباحث بيئي وسعد كأحد سكان سانت كاترين، هو أن المشروع الذي يتم تنفيذه هو نسخة منقحة من المشروع.
وبحسب المصدر من القطاع البيئي، اطلع على المشروع الأصلي قبل بدء تنفيذه، أرسلت Unhabitat التابعة للأمم المتحدة خطة المشروع إلى شركات تخطيط بيئي لتقديم دراسة استراتيجية بيئية عن «التجلي الأعظم»، وهي دراسة على مستوى المخططات والسياسات، وهي أشمل وأعم من دراسات تقييم الأثر البيئي، التي تتم لكل مكون من مكونات المشروع فيما بعد.
ضم المشروع الأصلي، بحسب المصدر، مخطط تشييد قطار جبلي وتلفريك على جبلي موسى وسانت كاترين، فضلًا عن حلبة سباق للدراجات النارية بالقرب من الدير، وسور يطوّق المدينة. لحسن الحظ لم يظهر أثر لكل هذا في المخطط الأخير.
لكن في الوقت نفسه، تجاهلت الجهة المنفذة، وفقًا للمصدر، توصيات تقرير الأمم المتحدة، مثل خفض عدد الفنادق والشاليهات وعدم البناء في أماكن معينة، فضلًا عن منع تنفيذ طريق مختصر بين مدينة الطور وسانت كاترين سيخترق وادي حبران، وهو الوادي الذي عبره موسى خلال رحلته المقدسة إلى جبل سانت كاترين لتلقي وصايا الله.
الطريق الجديد يهدف لاختصار نصف ساعة بين المدينتين. هذه الدقائق التي سيتم توفيرها سيكون أثرها مروعًا ودائمًا على البيئة الطبيعية وعلى التنوع البيولوجي في المنطقة.
يشرح حكيم*: «المحمية مسطح متصل ببعضه دون حواجز، ما يسمح للحيوانات النادرة التي تعيش هناك التحرك بحرية للحصول على غذائها والتزاوج. هيحصل ايه بقى لو قسمت المسطح ده نصين؟ يعني لو المطر نزل في نقطة أ، الحيوان بيروح يشرب وياكل منها، ولو المطر نزل في نقطة ب، الحيوان هيسيب أ ويروح نقطة ب. دلوقتي الطريق بيقسم بين النقطتين بطريق سريع، إزاي الحيوانات هتقدر تتحرك بحريتها ورا أكلها؟».
وفقًا لحكيم* وباحث آخر عمل في مكتب المحمية خلال مطلع الألفية الجديدة، فقد رفضت إدارة المحمية مشروع طريق الطور-سانت كاترين مرتين بالفعل خلال التسعينيات ومطلع الألفينيات، نظرًا لتأثيره المدمر على المحمية. «الظروف اتغيرت دلوقت، والطرق والتطوير بقوا بيتعملوا بالعافية»، يقول حكيم*.
لا يهدد المشروع الحياة البرية فقط، بل البشر الذين يعيشون قربه. في نهاية وادي حبران، تقع منطقة «أبو سيلة»، والتي تبعد عن المدينة كيلومترات قليلة، ويعيش بها عدد من السكان، منهم مي عبد الرازق، التي تعمل مبرمجة كمبيوتر وتعيش في منزلها الذي بنته منذ عام 2015، واستقرت فيه بحثًا عن هدوء وراحة لم تجدهما في أي مكان آخر في مصر.
مثلها مثل أهل البلد جمعيًا، تفاجأت عبد الرازق بالإنشاءات في المدينة، ثم اكتشفت من صديق اطلع على مخطط الطرق، أن منزلها التي تجاوزت تكلفة بنائه 800 ألف جنيه يقع في اتجاه الطريق الجديد الذي يربط الطور بسانت كاترين.
على بعد نظرك من شرفة منزل عبد الرازق، يمكنك أن ترى الطريق الذي بدأ تمهيده يظهر من بعيد كشريط ضيق غير مكتمل.
تمهيد وفتح هذه الطرق الجديدة يضّيق أيضًا مسارات النساء البدويات وحيواناتهم. في ساترين كاترين، لا تسير النساء على الطرق الرئيسية أو «الأسفلت»، لهن طرقهن التي تم انتقائها بعناية وحذر لتلائم طبيعة المجتمع. طريق آمن، لا يرتاده المارة، تتناثر به النباتات التي تتغذى عليها الأغنام والجمال.
«الطرق الجديدة دي بتقلل المساحات اللي الستات بيمشوا فيها براحة وأمان وبتضايقهم، في الوقت اللي انت فيه مش بتقدم لهم خدمة حقيقة لحياتهم»، يقول عادل*.
بحسب عبد الرازق، في فبراير الماضي، توقف استكمال تمهيد الطريق فجأة كما بدأ فجأة. لا تعلم عبد الرزاق ولا موظفو مجلس المدينة مصير منزلها حتى الآن، حسبما قالت لـ«مدى مصر».
مصدر آخر بمجال المحميات اطلع على المشروع، قال لـ«مدى مصر»، طالبًا عدم ذكر اسمه، إن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بدأت في تمهيد الطريق بالفعل، لكن إدارة المحمية واجهته بالاعتراض، ليتم إيقاف الطريق مؤقتًا.
لكن عبد الرازق سمعت أن إيقاف الطريق تم لأسباب أخرى، «من فترة قريبة عرفت إن مخطط الطريق ده بيمر في وسط قسم الشرطة اللي هم لسه عاملينه جديد ضمن خطة التطوير. اللي فهمته إنه مفيش تنسيق بين الشركات اللي بتصمم واللي بتنفذ. المخطط بيتغير باستمرار، لدرجة انهم هيعيدوا بناء المدرسة في منطقة أبو سيلة رغم إنهم لسه مجددينها من وقت قريب»، تقول عبد الرازق.
«لا نعلم بالتحديد إذا توقف الطريق بسبب ضغط إدارة المحمية أو بسبب سوء التخطيط، أو للسببين معًا»، تقول عبد الرازق. فيما تخطط للعودة إلى القاهرة في حالة إزالة منزلها. لكن أين يذهب السكان الأصليون الذين لا يعرفون منازل أخرى لهم؟

البيت البدوي له خصوصية تناسب طبيعة المكان والناس: منخفض، ذو طابق واحد وله حديقة، ومعزول، وهو ما يختلف تمامًا مع المخطط الحكومي لبيوت البدو الذي بدأت في تنفيذه ونقلت إليه بعض السكان بالفعل بعدما أزالت منازلهم خلال التطوير، وهي عمارات سكنية متعددة الطوابق تضم عدة شقق لكل دور.
وفقًا لسكان المدينة وما اطلع عليه «مدى مصر» من أعمال البناء، كل المباني الجديدة تم بنائها بالطوب الإسمنتي بما فيها النزل البيئي، والذي يفترض أن يتم بناؤه بمواد مستمدة من البيئة، «الطوب الإسمنتي ده هيخلي الجو برد جدًا في الشتا وحر جدًا في الصيف، وطبعًا هيركبوا تكييفات. إزاي كم التكييفات ده مش هيأثر على البيئة وجو المكان وحتى الضوضاء في المنطقة»، يقول عادل*.
«ده مش شكل بيوتنا ولا طباعنا ولا نعرف نعيش كده مرتاحين، بس لما يشيلوا بيوتنا، هنضطر نقعد فيها»، يقول مصطفى عرباوي، أحد سكان المدينة، ويعمل سائقًا.
باستثناء عدد من المنازل القديمة في منطقة الزيتونة السكنية، ومناطق قليلة متفرقة، لا ينتشر تملك الأراضي في سانت كاترين، وإنما يلجأ السكان إلى نظام وضع اليد، ثم التقنين لبناء منازل جديدة. «الغُرب بيشتروا من البدو اللي معروف إنه دي أرض جدودهم وده صك الملكية الوحيد، وبعدين اللي اشترى بقى يبدأ في إجراءات التقنين مع الحكومة»، تقول عبد الرازق. لكن وفقًا لها ولأكثر من شخص من سكان المدينة، فلا توافق الجهات الحكومية على تقنين أي أرض هناك. لذا نظريًا يعيش الناس في بيوت عشرات السنوات، دون عقد ملكية.
وفقًا لأكثر من مصدر من المدينة، فإن معظم السكان الذين تم إزالة منازلهم بمنطقة الزيتونة السكنية تمهيدًا لبناء منطقة سكنية جديدة، تم تعويضهم بأموال أو شقق سكنية أخرى، لكن لم يتسنِ لـ«مدى مصر» الوصول إلى أحد هؤلاء السكان.

تطمح خطة التطوير إلى استقبال 20 ألف سائح يوميًا، حسبما قال اللواء طلعت عناني، رئيس المدينة، في تصريحات سابقة، وذلك من خلال استهداف تسويق المدينة عالميًا كوجهة للسياحة الروحانية، عن طريق إنشاء مزار روحاني على الجبال المحيطة بالوادي المقدس وتطوير المنطقة البكر إلى «مكان يليق بقيمتها الدينية لتقديمها للإنسانية ولشعوب العالم على النحو الأمثل»، كما يهدف المشروع أيضًا إلى ربط المدينة مع باقي المنطقة الساحلية الممتدة بين الطور وشرم الشيخ ودهب.
لكن، وفقًا للمصادر التي تحدثت إلى «مدى مصر»، فخطة التطوير التي وصفوها بغير المجدية اقتصاديًا أغفلت طبيعة السياحة في المدينة.
لسانت كاترين طبيعة سياحية خاصة ذات أشكال ثلاثة. إما سياحة دينية بهدف زيارة الدير وجبل موسى، أو سياحة «اليوم الواحد» كما يتم وصفها، وهي سياحة ضمن جولة في جنوب سيناء، النوع الثالث والأكثر انتشارًا هم الزائرون من محبي رياضة «الهايكنج» أو المشي الجبلي في الطبيعة. هذا النوع من الزوار يخرج لممارسة المشي وأحيانًا الجري بين وديان وجبال سانت كاترين في رحلات تستغرق أيام أحيانًا. لذا يخيمون في الخلاء، وقد يلجأون إلى البيات في الفنادق أو الكامب لمدة يوم واحد مثلًا.
وفقًا لباحث بيئي تحدث إلى «مدى مصر»، طالبًا عدم ذكر اسمه، فإن نسبة الإشغال الفندقي الحالي في سانت كاترين لا تتجاوز 2%، وهو ما يجعل إنشاء هذا العدد من الفنادق والغرف، لا طائل منه، كما أنها في الوقت نفسه ستغلق باب رزق أصحاب الفنادق المحلية.
«معظم السياحة اللي بتيجي هنا بتدور على الهدوء والطبيعة. لما الدنيا تتزحم وتتملي مباني وحركة وسياح، السائح ده هيدور على مكان تاني غير سانت كاترين، والسياحة الجديدة اللي المشروع بيطمح يجيبها، لو جت، مش هتقعد في الكامبات المحلية دي لأنها شيء غير اعتيادي بالنسبة لها»، يقول الباحث البيئي.
«الناس خايفة ومش عارفة مستقبلها هي وولادها إيه. خايفين الغُرب يسيطروا على مصادر رزق البلد، ومصيرهم يبقى زي بدو شرم الشيخ اللي مع الوقت المدينة عزلتهم براها وبنت سور بينها وبينهم، وتبقى فرصهم الوحيدة يبقوا سواقين»، يقول مهند صبري، صحفي وباحث مهتم بشأن سيناء، لـ«مدى مصر».

لكل هذه الأسباب، وفقًا لمصدرين منفصلين بمجال البيئة والمحميات، حاول وزير السياحة الأسبق، خالد العناني، ووزيرة البيئة مناقشة مدى تأثير المشروع على البيئة وعلى المحمية لكن «تم إسكاتهم» حسبما قالت المصادر. فيما قال أحد المصدرين، إن إدارة المحمية الحالية حاولت الاعتراض على المشروع في بداياته قبل أن يخفت صوتها بعد ما «اتشدوا من فوق» كما وصف الموظف.
بعد زخم بناء استمر لأكثر من عام، أخذت بعض مكونات المشروع منحنى أبطأ نسبيًا في التنفيذ، وهو ما أرجعته المصادر إلى مغادرة عدد من العمال والشركات المشاريع بسبب عدم سداد أموالهم، في ظل مرور البلاد بضائقة اقتصادية تأثرًا بعوامل محلية وعالمية أدت إلى هروب مليارات الدولارات، في ظل توقعات متشائمة بخصوص مستقبل النشاط الاقتصادي المصري.
في كل الأحوال، إصلاح الضرر لن يكون بإزالة ما تم تنفيذه بالفعل، لأن هذه المحاولة ستزيد من الأضرار البيئية، بحسب عادل*، الذي أضاف أن جلّ ما يمكن للحكومة الآن الاكتفاء بما تم بنائه، وتنظيم إدارة المدينة وتشديد الرقابة للحفاظ على البيئة، وهو ما يصبح مهمة صعبة مع زيادة أعداد البيوت والفنادق. فيما يرى صبري، ضرورة التوقف الفوري للمشاريع، وتقييم مدى الضرر الذي حدث حتى الآن، والبحث عن حلول بيئية متوازنة لتقليل أثره.
«محدش ضد التطوير، يعني محدش هيضايق من مجاري أو مستشفى تخدم الناس، أو من توفير مدرسين للمدارس اللي مش لاقية مدرسين. لو عايز تطور السياحة، طوّر البلد لسكانها الأول، خد رأيهم واشركهم في الخطة، واتأكد إن اللي بيحصل مش هيهمشهم أو هيغير طبيعة حياتهم، وفي الوقت نفسه راعي خصوصية المكان وأهميته البيئية والثقافية وحافظ عليه، مش تخش تشيل البلد بالكراكات وتبني كأنك في القاهرة»، يقول عادل*.
تقارير ذات صلة
كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟
تدهور جودة الأراضي وارتفاع نسبة ملوحتها أدى إلى اندثار أشجار الجوافة التي اشتهرت بها إدكو
حكاية بحيرة.. المنزلة التي ضاقت بالرزق والحياة
تطوير «المنزلة» بالمليارات وشكاوى الصيادين مستمرة
أنت كثير التلوث.. أخلع تيشيرتك المصنوع من البوليستر حالًا
الحلول المستدامة التي تخص الموضة حاليًا ليست هي ما نحتاجه
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن