تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«البحث عن عُلا».. فاخفاخينا لذيذة ليوم واحد 

«البحث عن عُلا».. فاخفاخينا لذيذة ليوم واحد 

كتابة: إيمان علي 9 دقيقة قراءة

في «البحث عن عُلا»، الرسالة كانت واضحة. بسيطة وأحادية. أرادت أن تعصر من كل ثمرة لتصنع فاخفاخينا لذيذة متماسكة. هي فاخفخينا الكومباوند أيضًا. تلك الحياة التي انتقلت إليها عُلا عبد الصبور. الصيدلانية المتعثّرة بين الطموح وقيود سوق العمل. ومن قبلها المرأة المنمّطة في أدوار اجتماعية قاسية وغير عادلة. ثم ابنة الطبقة المتوسطة في مصر بكل تناقضاتها واختناقاتها وتأرجحها بين صعود وهبوط. تطوّرت حياة علا التي أدّت دورها بخفّة وإتقان الفنانة هند صبري شكليًا. ولكن حملت مشاكلها ذاتها. امرأة تقليدية مُهادنة، أمّ تأكلها الأمومة. تبحث عن الاستقرار حتى لو أرادت التغيير.

اندفعتُ للمُشاهدة بفضولٍ كبير. كيف ستُعالَج رحلة «عُلا عبد الصبور» مع زخم «التريند» و«الصوابية» الذي أحاط بالأفكار النسوية في السنوات الأخيرة؟ ثم سُررت بالمفاجأة. لم يُخنَق سيناريو «البحث عن عُلا» بالأفكار الزاعقة. الفكرة بسيطة ومن عنوانها. هذه رحلة اكتشاف للذات. من الممكن أن يكون للرجل فيها دور/مكان أو لا يكون. الرجل ليس وحشًا في حياة عُلا هنا، وإن ظهر متخفّفًا ومتملّصًا من مسئولياته في لحظة ضعف.

caption

المسلسل لم يطرح من الأساس نموذجًا فظًا للزوج وإساءاته. فقط هو كأيّ رجل في صورته النمطية لا يتحمّل العبء الأكبر في العلاقة. بينما يطرح العمل فكرة جوهرية أخرى. تماهي المرأة مع الحياة الزوجية والأمومة. تماهي إلى حد فقدانها ذاتها وتوازنها إذا ما انهار عالمها بعد الانفصال. فكرة إنسانية عميقة. هي نسوية بالتأكيد. لكن اختار صنّاع المسلسل بذكاء ألا يعالجونها من المنطلق الميلودرامي. مرّة أخرى، هذا مسلسل كوميدي مسلٍّ لا يحتمل أكثر مما قدّم.

في البداية، تجربة مشاهدة «البحث عن عُلا» ليست واحدة للجميع. هناك احتمالان لمُشاهدة المسلسل: الأول، مشاهدته باعتباره الجزء/الموسم الثاني من «عاوزة اتجوّز». المسلسل الكوميدي الذي عُرض منذ سنوات بعيدة الآن. النسخة الأحدث من القصة تتّبع رحلة بطلتها «علا عبد الصبور»؛ الشخصية الوهمية التي خلقتها الكاتبة غادة عبد العال، لتكون المُعادل التخيّلي السيبري لها (المؤلفة/البطلة طبيبة صيدلانية تبحث عن شريك حياة مناسب وتخضع لاختيارات الأهل وزواج الصالونات والفرص الضيّقة للترقّي والتحقّق التي يفرضها المجتمع على النساء). وهي اليوميات التي شاركتها عبد العال عبر تدوينات ساخرة في عزّ زمن مدوّنات الإنترنت. صدرت من فورها في كتاب عن دار الشروق المصرية التي تصدّرت وقتها بمشروع نشر ما سُمّي بـ«أدب المدونات». قبل أن تتحول هذه اليوميات لاحقًا إلى عمل درامي.

هذا الاحتمال ضروري للمتابعين المُخلصين. من المفترض أن شخصية علا معروفة لديهم. وتساءلوا قبل مشاهدة المسلسل إلى أي حد ستتغير مع النسخة الجديدة؟

النسخة الأحدث انتصرت إلى الاحتمال الثاني. مسلسل مستقل عن «عاوزة اتجوز». ولا يعتمد بالضرورة على مشاهدته مسبقًا. كان هذا الخيار الأنسب. وهو الأذكى والأفضل. أنت تشاهد مسلسلًا مستقلًا تمامًا. لا يحمل الاسم نفسه حتى. يبني أحداثًا متطورة في سياق مختلف تمامًا. يعتمد على الشخصية الرئيسية ويبني على مقوماتها وصفاتها. يُبقي أو يستغني عن شخوص ثانوية حولها، ويضيف أخرى. ثم لعب السيناريو الجديد على اختيار واحد من «العرسان المحتملين» لعلا في السيناريو القديم، الفنان هاني عادل (لا أتذكّر هل تزوجته في نهاية السيناريو القديم أم لا). سيُبقي كذلك عن التكنيك المألوف في الدراما الذي من خلاله نتعرّف على دواخل البطلة بشكل مباشر. حيث تتحدث علا إلى الكاميرا وكأنها تخاطب المتفرج.

caption

يمكن أن يُفهم الاستفزاز -الذي ربما قصده صنّاع العمل- عندما اختار أن تأتي أغلب التدخّلات «الحكيمة» في قصّة البطلة، من «رجال». خالد النبوي كمثال. والجار الطبيب الذي مال عاطفيًا نحو عُلا لكنه فضّل الابتعاد لتختار هي بهدوء وبعد ترتيب للأولويات. حياة بطلة القصّة مرتبكة: فقدانها منطقة أمانها لسنوات كـ(أم/ربة بيت). متفانية، وذاتها ذائبة في زوجها وأولادها.

لو نظرنا من هذه الزاوية لن يعود للاستفزاز هنا أي منطق. هذه قضية المسلسل إن شئنا وحمّلناه قضية. انتصر «البحث عن عُلا»، لفكرة نسوية جوهرية، أو ما يجب أن يكون جوهري في القضايا النسوية؛ وهو المرأة من الداخل. عُلا من داخلها هي. عن ماذا تبحث؟ ماذا تريد؟ الاستقلال مطلوب حتى مع وجود الرجل. ببساطة وعمق في نفس الوقت. أو لنقل ببساطة وحساسية. «انتِ عاوزة إيه هو ده الأهم» حسب ما قاله خالد النبوي لعُلا في المشهد.

caption

تمضي الحكاية عبر علاقة الزواج لتعرض لنا القصّة الجديدة. عُلا أصبحت أمًا وتركت العمل في الصيدلية وتفرغت للبيت ووهبت حياتها على مدار سنوات طويلة للزوج والأولاد. البطلة التي عشنا معها مغامرات عروض الزواج، لم تعد شابة حديثة التخرّج تلطمها موجات سوق العمل المُجحف. الآن هي زوجة وأم على مشارف الأربعين. تواجه مصيرها بعد قرار فردي مفاجئ من الزوج بالانفصال والطلاق. عن ماذا ستبحث علا بعد سنوات من محو ذاتها وتماهيها في مؤسسة الزواج؟ بسيطة ومتوقعة.. تبحث عن نفسها طبعًا.

caption

ستقف علا في مشهد مواجهة هادئ أمام طليقها. مشهد يبيّن حجم الثقل على كاهل المرأة المطلقة: لن تستطيع ترك أولادها. لن تقوى نفسيًا على ذلك. مكبّلة بالمسؤولية وسلاح الإهمال الذي يُشهر جاهزًا في وجهها بينما طليقها «طليق». لكنها ستقول له بنفاد صبر «ده مش عدل». ستلجأ إلى التاتو مرّة، وقبلها إلى قصّ وصبغ شعرها مرّات. ستشرب وتسهر في الحانات مرّة، سترتدي بدلة رقص بلدي وتتحرر في مرّة أخرى. كل هذا للبحث عن نفسها. هي ليست بهذه السذاجة. لكنها في حالة هياج اللحظة.

النسخة اللحظية من أي امرأة بعد صدمة الانفصال المفاجئ. هذا جانب من القصة. هي لم تكن في علاقة مسيئة مع زوج يخونها أو يضربها، ومن ثم بحثت طويلًا عن الخلاص. بالعكس.. هي كانت «تريد» حياتها كما كانت. لكن رسالة المسلسل تقول بوضوح: عُلا أبدًا لم تكن تريد. هي «اعتادت».. وهناك فرق.  

هذا جانب واحد من القضية. الرجل فيها ليس شيطانًا. وعلى الرغم من ذلك. لم تظهره قصّة المسلسل ملاكًا من الأساس أو على طول الخط. الرجل/الزوج ظهر في المسلسل كما في صورته الكلاسيكية في الحياة العربية التقليدية. لا مسؤوليات عليه. مُتخلي بطبعه. لا يتحمل العبء الأكبر والمسؤولية المشتركة مع زوجته. يلوّح وقت الخلاف بأهليته. بينما النموذج الآخر للرجل/الزوج الذي فقد زوجته؛ ظهر في احتياج إلى امرأة وأسرة تضم ابنته وترعاها. مشهد خالد النبوي/رجل آخر في المسلسل وهو يعترف بأنه كـ«راجل» أعزب جذّاب حر تمامًا أمام «الست» في المغازلة وقيادة العلاقة.

لكن العمل طرح بوضوح فكرته، وترك البطلة تواجه مصيرها: الكُرة في ملعب الست. هي التي يجب أن تمتلك قرارها وتعرف ماذا تريد. أليس هذا انتصارا للمرأة؟! علا عبد الصبور ضحية مجتمع يريدها على هواه. ضحية حتى أمها.. ضحية حماتها. الأم والحماة ظهرتا نموذجًا للمرأة الذكورية أكثر من الرجل.

اختار صنّاع العمل القفز بخفة وتخفف على هذه القضية وعلى جميع الأفكار الكليشيه المتعلقة بالمرأة بعد الطلاق، وفي علاقتها مع الرجل. حتى القضايا التريند في المعالجات الدرامية هذه الأيام، ومنها الـADHD (اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه) وتطبيقات المواعدة، وغيرها، غابت الميلودارما في تناولها. لأنه مسلسل اجتماعي كوميدي بالأساس، ولأن السيناريو اهتم بدلًا عن ذلك بتوجيه الطاقة نحو الإتقان والجودة خاصة في التفاصيل. بداية من اختيار الممثلين للأدوار، وبالأخص الأطفال الذين اتسم أداؤهم جميعًا بالعفوية والتدريب الجيّد على التعبير الصادق الملموس عن المرحلة العمرية. فضلًا عن ذلك، جاءت أدوارهم في صميم تطور الخط الدرامي للقصة الرئيسية. لم يظهر الأطفال في المسلسل كما اعتدنا «كمالة عدد» كناية عن الصفة العائلية والأسرية لأبطال القصة الرئيسيين. لا.

هنا الأطفال جزءٌ أساسي من الصورة وعنصر مهم وحساس من القصة. الأطفال بعد انفصال الأبوين. الأطفال بعد غياب أحدهما بالموت أو السفر. الأطفال في علاقة التأثير والتأثر بين جيلي الآباء والأبناء، وما طرأ عليها من تغييرات. كل هذا موجود في «البحث عن علا» في صور مكثّفة طليقة غير مكبّلة بالشعارات. ينسحب هذا الوضع كذلك على التفاصيل الدقيقة الحقيقية لكل حالة في المسلسل. منها مثلًا المشهد الذي جمع علا بابنها وهي تقول له «بيعجبني إنك مش مهتم ترضي حد».

caption

ففي الوقت الذي قفز فيه العمل على اضطراب فرط الحركة لدى ابن البطلة ولم يُغرقنا في تفاصيل لنعيش أزمة؛ نلمس وعيًا في كتابة الحوار بمسألة في العمق كتلك. وهي التي تتعلق مثلًا بطبيعة التفاعل الاجتماعي لدى مصابي هذا الاضطراب. من صادف وعرف عن قرب حالة ADHD سيلمسه هذا المشهد، كما حدث معي. 

إنتاج المنصات

يسمح المسلسل بقضاء وقت لطيف، أمام صورةٍ رائقة وموسيقى ذكية وخفيفة، وتناغمٍ عالٍ في الأداء التمثيلي مَردّه الكاستينج المُحترف. حلقة تلو أخرى، ست حلقات في جلسةٍ واحدة بلا ملل. بالنهاية حَمَلَ المسلسل كل مكونات خلطة «إنتاج المنصّات» بامتياز. خاصة مع التجارب العربية المتعثرة إلى الآن. أو التي لا يُراد لها أن تخرج عن هذا الإطار. وربما هي حدود الإبداع والحرية التي تقف معاييرنا العربية عائقًا أمام السماح بها، وبالتالي السماح بصناعة عمل مُتجاوز ومتحرّر. أفكر في حجم البؤس الذي يجعلني أبحث عن حدود الحرية، بينما مسلسل كهذا لا أشاهد فيه قُبلة واحدة ولو خاطفة. تتعلق عُلا بزوجها وتتجرع حبوب الاكتئاب بعد طلاقها ولا تعود ذاكرتها لنا بمشهد حميمي يقرّب ويكثف كل هذه المشاعر بأقل عدد من الكلمات والمَشاهد الجاهزة المباشرة. 

caption

بالأخير، أنت تتعرض إلى بهرجة مُتقنة الصُنع، تُحشد لها كل الإمكانيات، لكن يظل ما ينقصها. من الممكن أن تستمتع للحظات، لكن لن يعلَق في ذهنك ما يمكن أن يبقى أبعد من أيام معدودة. المسلسل عالج قضيته بأنسب طريقة أتت على هوى الصوت الهادئ؛ ولا يحتمل، بوصفه مسلسل يجنح إلى الكوميديا، أكثر مما أتى عليه. لكن لا يمنع هذا أن أفكارًا مثل هذه كان ممكنًا التأني أكثر في معالجتها وبأسئلة أكثر رهافة عن الحياة والوجود. 

الخلطة المكِبلة للإبداع العربي فيما يتعلق بالدراما يتناقص منها كل يوم تقريبًا مكون أساسي. هناك ما يمنع اجتماع المتعة مع النفاذ إلى عمق الفكرة. يحضرني مثال صارخ في هذه الجدلية لم ينته الجدال بشأنه من إنتاج نتفلكس أيضًا، وهو فيلم «أصحاب ولا أعز» على الرغم من أنه نسخة عربية من فيلم إيطالي. لكنها أنت مشوهة/ ناقصة/ مفتعلة عن أغلب النسخ الأخرى. ومن قبله مع مسلسل «ما وراء الطبيعة». طموح عالٍ يفتقر إلى زاوية نظر، صالحة للبقاء أطول فترة ممكنة.

«البحث عن علا» على هذا النحو من البساطة والخفة والمباشرة، يحمل رسالته التي تستهوي امرأة تريد أن تظفر بذاتها حتى لو جُبلت أو أجبرت على أدوارها الاجتماعية. تركنا المسلسل في آخر مشهد مع عُلا على صفحة النيل تُفكر في فرصة جديدة مع رجل جديد، بينما تكتشف في الوقت ذاته أنها بحاجة لأن تهدأ. تُكمل طريقها تُفكر من داخل علا، لا من خارجها. 

لكن مرّة أخرى، هذه النية الحسنة تبددت مع عمل خفيف بزيادة. مصنوع للتسويق الرقمي. لا أظن أنه يحتمل مشاهدة ثانية الآن أو بعد حين.

عن الكاتب

إيمان علي

صحفية مصرية، تخرّجت في قسم الصحافة من كلية الإعلام جامعة القاهرة 2005، والتحقت في نفس العام بالعمل في مؤسسة «روزاليوسف»، حيث تشغل الآن منصب نائب رئيس تحرير. لها إسهامات في…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن