تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق: لا يوجد ما يسمى «حكومة إسلامية»

«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق: لا يوجد ما يسمى «حكومة إسلامية»

الحلقة الثانية من برنامج قراءة لكتب لا تزال تثير العواصف

كتابة: محمود الورداني 12 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، تحت ثيمة معينة، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. 

 

برنامج القراءة الذي اخترته هنا «من كتب القرن الماضي»، يضم ستة كتب صدرت جميعها في القرن الماضي، ويمكن اعتبارها من أهم كتب ذلك القرن، الذي ما زلنا -على هذا النحو أو ذاك- نتأثر بتداعياته. كما أن الكتب ذاتها التي تم اختيارها ما زلنا على هذا النحو أو ذاك أيضًا نعيش تداعياتها، وهي كتب لم تصدر وانتهى أمرها مثل المئات غيرها، بل أثارت وما زالت تثير العواصف والمعارك أو حتى تثير الغبار، وفي كل الأحوال لا تزال تلك الكتب حية، ومن الضروري أن تعرف الأجيال الجديدة عنها ما يسمح بمناقشتها وفهمها.

أود التأكيد أيضًا على أن هناك أعمالًا غيرها تتمتع أيضًا بالأهمية والتأثير، ولا يمكن الكتابة عنها وتقديمها جميعًا، فلا الوقت يسمح ولا المساحة. ومع ذلك فإن الكتب التي تم اختيارها، روعي فيها، إلى جانب التأثير الممتد، التنوع والاختلاف وتغطية حقول معرفية مختلفة في السياسة والتاريخ والفكر والأدب.

أما الكتب الستة فهي: تحرير المرأة لقاسم أمين، الشعر الجاهلي لطه حسين، الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبد الرازق، فتح العرب لمصر لأفريد بتلر وترجمة فريد أبو حديد، أيام لها تاريخ لأحمد بهاء الدين، وأخيرًا أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

والهدف الأساسي من استعادة تلك الكتب التي مضى على بعضها ما يزيد على مئة عام، هو أن تتسلّم الأجيال الجديدة إرثها ولا تسمع عنه فقط، أو حتى تتعرف عليه من السطح فقط. تسلّم الإرث واستيعابه وهضمه هو الهدف. بعضنا سمع عن هذه الكتب، أو لديه فكرة غائمة وغامضة عنها، لكنني لا أطمح إلى تقديمها وعرض الأفكار والقضايا الأساسية التي تحتوي عليها الكتب فقط، بل أسعى إلى تقديم ذلك الإرث من خلال الكاتب، أي المؤلف ودوره وما يشبه السيرة الذاتية له كلما أمكن، فضلًا عن الظروف والمناخ والجو السياسي والاجتماعي الذي رافق صدور الكتب.

لقراءة الحلقة الأولى: «تحرير المرأة» لقاسم أمين

«يا ذا الجلالة.. 

نلجأ إليك وأنت رب الدستور لتحول دون استباحته في أقدس ما كفل وصان وهي حرية الفكر. إن مؤاخذة عالم لنشره بحثًا علميًا حول آرائه الخاصة في مسائل دينية أو اجتماعية حسبما وصل إليها بحثه في تأويل مصادرها ومراحلها، لهي مصادرة لحرية الفكر المكفولة بدستورنا المصري والمقدسة لدى جميع الأمم المتمدينة ورجوع إلى عهد الظلمة وهي في عصر العلم والنور، ثم إن محاكمته تأديبيًا أمام لجنة تصطبغ بالصبغة الدينية، أمر مناف للمبادئ الدستورية ومخالف للتقاليد التي جرت عليها حكومتنا المصرية حتى الآن ولا يتفق مع روح النظام الاجتماعي الحاضر، ولا مع طرق النقد العلمي القائمة على المناقشة والمناظرة لا على التأديب والمحاكمة، ومن شأنه أن يحول دون الرقي والإصلاح بإرهاب رجال القلم من العلماء والباحثين.

توقيعات: أحمد بك حافظ عوض، صاحب جريدة كوكب الشرق، وعباس أفندي محمود العقاد، المحرر، ومحمود عزمي المحرر، و د. منصور فهمي، الأستاذ بالجامعة المصرية، وصبري أبو علم.. وغيرهم وغيرهم».

 السطور السابقة من نص العريضة التي رفعها هؤلاء المفكرون والأدباء والصحفيون والمشتغلون بالسياسة للملك فؤاد في صيف 1925، في محاولة لإنقاذ الدستور من الاعتداء عليه، ولم يكن قد مضى على صدوره إلا عامين، عشية انعقاد محاكمة هيئة كبار العلماء لأحد أعضائها، وهو القاضي الشاب الشيخ علي عبد الرازق، الذي كان قد ألقى بقنبلته المدوية، عندما نشر كتابه بالغ الأهمية «الإسلام وأصول الحكم»، وفصل فيه بين الدين والدولة، وبالتالي قضى على حلم الملك فؤاد بارتداء عمامة الخلافة، بعد سقوطها في تركيا، وبدء المسيرة العلمانية، في أعقاب إجبار آخر الخلفاء العثمانيين على الرحيل إلى الأبد على يد مصطفى كمال أتاتورك، القائد العسكري الذي ألغى السلطنة عام 1921 .

 وهنا عاش العالم الإسلامي بلا خلافة للمرة الأولى منذ انتصار السلطان سليم الأول على المماليك عام 1517 . بالطبع مرّت الخلافة بفترات تاريخية طويلة كانت خلالها ضعيفة وشكلية، إلا أنها المرة الأولى التي يعيش فيها المسلمون بلا خلافة، مما أثار غضبًا شعبيًا عارمًا، وإن كان حبيس الصدور. وعلى الرغم من ذلك صدر أكثر من كتاب يدافع عن الخلافة خلال السنوات، بل والشهور القليلة التي أعقبت ذلك الحدث الجلل.

caption

 ووفقًا لمصادر متعددة مثل أحمد بهاء الدين وغالي شكري، وغيرهما، فإن من التقط فكرة الخلافة وهي طائرة في الهواء، الاحتلال البريطاني، الذي كان قد احتل بلادنا منذ عام 1882، وخرج من الحرب العالمية الأولى منتصرًا، وتحتل جيوشه نصف العالم، وبدت الفكرة براقة: «لماذا لا ينشئ الإنجليز خلافة إسلامية جديدة تنمو في رعايتهم وتضمن لهم مزيدًا من السيطرة، ويعززون استعمارهم بالخلافة الإسلامية. وحسبما أشار أحمد بهاء الدين مثلًا في كتابه 'أيام لها تاريخ' إذا كان من المستحيل أن يكون الخليفة إنجليزيًا، فالعملاء بين المسلمين ما أكثرهم، لماذا لا يجعلون واحدًا منهم خليفة للمسلمين؟ وما هو أكبر عرش في الشرق الأدنى، وأقدم عرش يحمل بركة الإنجليز ويعترف لهم بالجميل؟ إنه عرش مصر الذي لولاهم لاقتلعته زوبعة عرابي، والجالس على العرش فؤاد الذي عيّنوه سلطانًا فملكًا منذ سنوات تبلغ العشر.. وسمع الملك فؤاد القصة فبدأ يحلم بها». 

وبدأ التحرك في ذلك الاتجاه، وعُقدت بالفعل عدة مؤتمرات شارك فيها مسلمون هنود وباكستانيون لمناقشة فكرة الخلافة، ومن بينها مؤتمر حاشد عُقد في القاهرة. وسرعان ما أمست الفكرة مطروحة بقوة على عدة مستويات: المستوى الروحي الشعبي، ومستوى المصالح المباشرة للملك فؤاد، الذي كان يسعى لتأمين حكمه بغطاء أيديولوجي يتخفى وراء الدين، يساعده في القضاء على المعارضة، ومستوى مصالح الإمبراطورية البريطانية، لإحكام القبضة على العالم الإسلامي المحتل.

عبد الرازق .. الأزهري الشاب

أما علي عبد الرازق، صاحب الكتاب، فالمعلومات الواردة عنه قليلة جدًا، باستثناء كتاب صدر عن دار المعارف عام 1957 يتضمن ما جمعه محمد عمارة من مؤلفاته ونبذة عنه، أورد فيها أنه ابن أسرة إقطاعية كبيرة وبيت علم مشهور،  تولى أقطابها مناصب قضائية رفيعة المستوى، وجِده مثلًا انتُخب عضوًا في مجلس النواب في عصر الخديوي إسماعيل، واشترك مع الإمام محمد عبده في إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية، وكان من بين مؤسسي حزب الأمة واختُير وكيلًا للحزب.

حصل أولًا على عالمية الأزهر، وهي أرفع الشهادات، وتوازي درجة الدكتوراه، واستكمل دراسته في أكسفورد، أي أنه ليس أزهريًا تقليديًا، بل رجل مستنير نشأ في بيت علم وسياسة، أسسته دراسته بالأزهر، ثم اتصل بالغرب ودرس في أعرق جامعات انجلترا.

أبادر إلى القول أولًا إن المسرح آنذاك كان معدًّا، ومن خلفه المخرج -الاحتلال الإنجليزي- لإحياء فكرة الخلافة التي ألغيت في موطنها الأصلي تركيا، بينما كان الملك فؤاد يتلمظ منتظرًا سقوط الثمرة بين أسنانه وإعلانه خليفة للمسلمين. فجأة  يلقي الشيخ علي بقنبلته، ولا شك أنه كان يدري تمامًا ما يفعله، ولم يكن غافلًا عن خطورة ما يطرحه، ليس فقط بفصله الحاسم بين الدين والدولة، بل أيضًا تأثير أفكاره على حلم الملك فؤاد.

في مقدمة كتابه يشير إلى أنه وُلّي للقضاء بمحاكم مصر الشرعية، وبهذه الصفة قام ببحثه، وبدأ بدراسة الركن الأول -من وجهة نظره- للقضاء وهو «الحكومة في الإسلام. وأساس كل حكم في الإسلام هو الخلافة أو الإمامة العظمى فكان لا بد من بحثها. ويضيف: «وشرعت في بحث ذلك كله منذ بضع سنين، وما أزال بعد عند مراحل البحث الأولى، ولم أظفر بعد الجهد إلا بهذه الورقات أقدمها على استحياء إلى من يعنيهم ذلك الموضوع».

وهكذا قسّم الشيخ بحثه إلى ثلاثة كتب. الأول الخلافة في الإسلام، ويضم ثلاثة أبواب هي الخلافة وطبيعتها، حكم الخلافة، الخلافة من الوجهة الاجتماعية. والثاني هو الحكومة في الإسلام، ويضم ثلاثة أبواب هي نظام الحكم في عصر النبوة، الرسالة والحكم، رسالة لا حكم ودين لا دولة. وأخيرًا الكتاب الثالث الخلافة والحكومة في التاريخ عبر أبواب ثلاثة، هي: الوحدة الدينية والعرب، الدولة العربية، الخلافة الإسلامية.

الشيخ علي عبد الرازق

سلطان الخليفة وسلطان الأمة

يؤكد الشيخ في البداية أن الخلاف انحصر بين المسلمين في قضية الخلافة بين فريقين، يرى الأول أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله، وهو ظل الله على الأرض وخليفة رسول الله، فولايته عامة ومطلقة كولاية الله ورسوله. بينما يرى الفريق الثاني أن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة، فهي مصدر قوته، وهي التي تختاره لهذا المقام.

ثم يتساءل عن سَنَد الفريق الأول، مقررًا أن القرآن والسنة لم يرد فيهما أي نص عن الخلافة كنظام للحكم. وباستثناء الخلفاء الثلاثة الأول: أبو بكر وعمر وعثمان، فإن الخلافة لم تقم أبدًا إلا بقوة السلاح وعلى أسنة الرماح. في ذلك السياق يتساءل الشيخ أيضًا: هل مجرد ذكر الخلافة وحدها كافٍ لنقول إننا مأمورون بالخلافة؟ فإذا تكلم عيسى بن مريم مثلًا عن حكومة القياصرة، وأمر بأن يعطى ما لقيصر لقيصر، فهل هذا معناه أن الحكومة القيصرية من شريعة الله؟ ثم يضيف إن الله حدّثنا عن الرق وأمرنا أن نفك رقاب الأرقاء، فهل معنى ذلك أن الرق مأمور به في الدين؟

كذلك يُلفت الشيخ نظرنا إلى أن حظ العلوم السياسية في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين كان سيئًا، ولا نعرف بحثًا أو مؤلفًا في أنظمة الحكم وأصول السياسة إلا قليلًا، على الرغم من ولعهم بما عند اليونان من فلسفة وعلم، وقد كانت كتب اليونان التي انكبوا على ترجمتها ودرسها كفيلة بإغوائهم بعلم السياسة. لماذا إذن أهمل المسلمون النظر في كتاب السياسة لأرسطو، الذي لقبّوه بالمعلم الأول من فرط إعجابهم به؟

تحت ظلال السيف

السبب أن الخلافة لم تقم في الإسلام إلا على أساس القوة الرهيبة. ولم يكن أمام الخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف والجيش المدجج. ومنذ عليّ ومعاوية، لم يتبوأ خليفة عرش المسلمين إلا تحت ظلال السيف. وإذا كان هناك ما يدفع إلى الظلم والعدوان والاستبداد، فلا شك أن مقام الخلافة الذي يتم الحصول عليه بحد السيف، من أشد ما يدفع إلى الظلم والعدوان للاحتفاظ بهذا المقام الذي يعني القوة والغنى. ويضيف: «فهل غير حب الخلافة والغيرة عليها ووفرة القوة، دفعت يَزيد بن معاوية إلى استباحة الدم الزكي الشريف، دم الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟، وهل غير تلك العوامل سلّطت يزيد بن معاوية على عاصمة الخلافة ينتهك حرمتها، وهي مدينة الرسول؟». ويمضي الشيخ في أمثلته ذاكرًا ما ارتكبه السفاح أبو العباس والصالح نجم الدين أيوب حتى يصل إلى العثمانيين.

 ثم يضيف نقطة بالغة الأهمية، مؤكدًا أن ما يسميه «الضغط الحكومي» على حرية العلم واستبداد الملوك بمعاهد التعليم، نشأ من هنا، ويضيف أيضًا أن علم السياسة  من أخطر العلوم على المُلك، لأنه يكشف عن أنواع الحكم وخصائصه «لذلك كان حتمًا على الملوك أن يعادوه وأن يسدّوا سبيله على الناس».

ويمضي الشيخ في حُجته قائلًا: «إذا كان هناك بعد ذلك كله من يرى أن الخلافة ضرورية لبقاء الدين، فإن الله لا يريد لهذا الدين، الذي كفل له البقاء، أن يجعل ذله وعزه مرتبطين بنوع من الحكومة، ولا بصنف من الأمراء! ولا يريد  الله جل شأنه بعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلفاء ولا تحت رحمة الخلفاء».

والحال أن القرآن لم يحدد شكلًا معينًا للحكومة، بل اشترط مجرد وجود هذه الحكومة أيًا كان نوعها: ملكية أو جمهورية أو حتى اشتراكية. وحسبما كتب بالنص عن الخلافة: «ليس بنا حاجة إليها لأمور ديننا ولا أمور دنيانا، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين».

من جانب آخر، لم يكن النبي صاحب دولة سياسية أو رئيس حكومة. الرسالة شيء والمُلك شيء آخر. ولو كان النبي استهدف إقامة دولة سياسية يُحتذى بها، فلماذا إذن كانت دولته خالية من كثير من أركان الدولة الأساسية، لماذا لم ينشئ ميزانية للدولة ولا دواوين للشؤون الخارجية والداخلية، ولماذا لم يضع نظامًا للقضاء والجيش؟

وحتى لو سلّمنا جدلًا بأن النبي أراد أن ينشئ دولة سياسية، فهل كان إنشاء هذه الدولة جزءًا من الرسالة؟ ويجيب الشيخ: النبي لم يضع أسسًا واضحة للدولة، بل ترك من جاءوا بعده في حرية شديدة، ثم أورد 45 آية من القرآن تؤكد أن النبي لم يكن ملكًا ولم يؤسس دولة. وإلى جانب هذا جاء النبي بدعوة إلى العالم بكامله، ولو كانت الدعوة لإقامة حكومة سياسية، لما اتجهت إلى الناس جميعًا، فليس من المعقول أن يأخذ العالم بحكومة واحدة ويُجمع تحت وحدة سياسية مشتركة. كذلك فإن النبي مات ولم يُعيّن بعده خليفة أو حاكم، كما لم يحدد نظامًا للشورى أو البيعة، فكيف إذًا كان غرضه أن ينشئ دولة، يترك أمرها مبهمًا على المسلمين؟

جناية الملوك

الرسالة إذن انتهت بموت النبي، ومن يأتي بعده ليس خلفًا له في الرسالة، لسبب بسيط أن تبليغ الرسالة قد تم، والزعامة التي تأتي بعده زعامة سياسية مدنية، والنظام الذي حكم به أبو بكر كان نظامًا دنيويًا ابتكره العرب ولم يأخذوه عن النبي. ويختتم الشيخ عبد الرازق كتابه قائلًا: «وتلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين أضلّوهم عن الهدى وعموا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين. وباسم الدين أيضًا استبدوا بهم فأذلوهم، وحرّموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين فزعوهم وضيّقوا على عقولهم». ويضيف: «لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا به واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد مُلكهم على أحدث ما أنتجته العقول البشرية وأمتن مادلّت به تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم».

هذا هو مضمون الكتاب الذي كان أشبه بقنبلة انفجرت في وجوه الجميع: الملك ودار المندوب السامي البريطاني والأزهر والحكومة والبرلمان، وسقطت الوزارة وانفضّ الائتلاف الحاكم، وأقيل وزير واستقال وزيران، وترددت الأصداء في أروقة الأحزاب المصرية، وشغلت النخبة وحيكت المؤامرات والدسائس.

 كان أول ما فعله الملك فؤاد هو الإيعاز لهيئة كبار العلماء بالأزهر بالتنكيل بعبد الرازق، وهو ما استجابت له اللجنة على الفور، وسارعت باستدعائه باعتباره من علماء الأزهر وحاصل على العالمية الأزهرية، وقامت بمحاكمته في واحدة من أحط المسرحيات وأكثرها فظاظة وكذبًا. ولأن الأحزاب السياسية والصحافة دخلت على الخط، فقد حفظت لنا الأخيرة، وعلى الأخص جريدة حزب الأحرار الدستوريين «السياسة»، بنصوص كاملة للمحاكمة، تبدى من خلالها إلى أي حد كانت المحاكمة هزلية ومنافية للقانون، بما في ذلك قانون الأزهر نفسه.

الملك فؤاد

كذلك سجلّت الصحافة إلى أي حد كان الشيخ شجاعًا، ودافع عن كتابه، ولم يتخل عن آرائه، على الرغم من إرهاب المشايخ وسخريتهم منه وحصارهم له، بل وعندما صدر قرار اللجنة بطرده من الأزهر وعزله أصدر التصريح التالي:

«لا جرم أننا استقبلنا مسرورين إخراجنا من زمرة العلماء، وقلنا كما يقول القوم الذين خلصوا من الأذى الحمد لله الذي عافانا».

من جانب آخر، كان عبد الرازق بوصفه قاضٍ ينتسب للحقانية ولا ولاية للأزهر عليه، وتلكأ الوزير في فصله، فأقاله الملك وحدثت أزمة وزارية استقالت الوزارة بسببها، والأهم من كل ذلك والأكثر تأثيرًا أن الدستور تعرّض للخرق، ولم يستجب الملك للعريضة التي ذكرت بعض ما احتوت عليه في أول هذا المقال، ووقّع عليها نخبة من المفكرين والمشتغلين بالسياسة والصحفيين.

وهكذا تعرّضت حرية الرأي، التي كان يجري الزهو بها، للحجر، واختلطت الأوراق خصوصًا فيما يتعلق بالدين والطعن في إسلام المفكرين، وبدا أن ورقة الدين ستظل قابلة لأن يلوح بها الأوتوقراطيون وأعداء الديمقراطية، وكل هذا يصب بطبيعة الحال في طاحونة الاستبداد.

وأخيرًا، أمضى الشيخ علي عبد الرازق إحدى وعشرين عامًا قبل أن يعود للأزهر عام 1946، وأعيد إليه اعتباره بوصفه من زمرة العلماء، وإن كان قد توقف عن ممارسة دوره الفكري، ولم يُعد طبع كتابه الذي أثار كل تلك العواصف، لكن مجلة الطليعة، التي كانت مؤسسة الأهرام تصدرها، أعادت نشر الكتاب بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على طبعته الأولى.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن