استكشاف النمط الفريد | #4
#109 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
أثر الأدب بطيء، يأتي على مهله. والقارئ لا ينبغي له أن يكون متلهفًا، بل لا بُد من صبر وتدبر للتعرّف على فرادة النص الأدبي المميز، وهو ما يفعله الكاتب أحمد الفخراني في استكشافاته للنمط للفريد مسترشدًا بمحاضرات الأمريكي جورج سوندرز عن قصص تشيكوف وتولستوي وجوجول وتورجينييف السبع.
هذا الويك إند، يدلنا الفخراني على نمط آخر عند نجيب محفوظ في قصة «ضد مجهول»، بعد تحليل نمطه، في ديتوكس سابق، بقصة أخرى. والقصتان تنتميان إلى مجموعة «دنيا الله».
#قراءة #استكشاف النمط الفريد
يخبرنا جورج سوندرز في كتابه A swim In a pond in the rain أن سرد القصص خطوة من جزأين:
يخلق الكاتب توقعًا: ذات مرة كان هناك كلب برأسين، هكذا تبرز في ذهن القارىء مجموعة من الأسئلة والتوقعات؛ هل يتشابه الرأسان؟ ما الذي يحدث عندما يأكلان معًا؟ هل الحيوانات الأخرى في عالم القصة برأسين؟ ثم نسأل عن أي شيء تدور القصة، النَفس المنقسمة بين الخير والشر؟ الصداقة؟ اختلاف الآراء؟
بقية القصة هي استجابة الكاتب، أو استخدامه لتلك التوقعات التي أثارها. لن يطابقها أبدًا بإحكام، ولن ينفصل عنها بشكل واسع.
ومن بين الطرق المستخدمة لإثارة توقع وتلقي استجابة هو أن تسن القصة نمطًا متكررًا Pattern story:
أي أن تتكرر نفس الوحدة لعدد من المرات بطريقة تبدو متشابهة، لكن عبر هذا التكرار ومن خلال تصعيدات دقيقة، يولد معنى مختلف عما بدأنا به القصة، هي تقنية مستلهمة من القصص الخرافية وحواديت الجنيات و«ليالي ألف ليلة»، واستخدمها سيرفانتيس في «دون كيخوته» التي افتتحت الروايات في شكلها الحديث، حيث نقرأ في كل فصل عن فارس يتخيل نفسه في مهمة غير واقعية، وعبر كل تغير في الحدث يحدث تصعيد ما، يؤدي إلى توسيع إدراك البطل وفهم القراء، وتعميق المعنى.
نجيب محفوظ هو أكثر كاتب مصري استخدم تلك التقنية، في الكثير من قصصه وبدرجة أقل في رواياته، كـ«أولاد حارتنا» وبعض أعماله المتأخرة مثل «رحلة ابن فطومة»
المثال الأشهر في قصص محفوظ القصيرة لاستخدام تقنية Pattern story قصة «زعبلاوي»:
رجل يقرر البحث عن شخص يُدعى زعبلاوي، يذهب إلى رجل الدين فلا يعثر على زعبلاوي، ثم إلى رجل العلم، والمتصوف، فالفن، حتى الخمارة، وفي كل مرة لا يعثر له على أثر، فيتحول معنى القصة من البحث عن شخص، إلى سؤال عن جدوى البحث عنه، هل هو موجود في مكان بعينه، أم في كل مكان، أم غير موجود على الإطلاق؟ هل البحث كان عن شخص حقًا، أم عن الله، أم عن الذات الحائرة أمام الدروب المختلفة؟ ذلك هو أحد أهداف استخدام القصة ذات النمط المتكرر.
لكني سأختار مثالًا آخر لشرح الفكرة بشكل مفصل، قصة نجيب محفوظ «ضد مجهول» من مجموعة «دنيا الله» (1963)
**
لنتخيل حكاية عن ثلاثة أبناء، ذهب أكبرهم للبحث عن حظه، ولأنه كان يتفحص هاتفه باستمرار، سقط من أعلى جرف ومات على الفور، إذا بدأ السطر التالي: استيقظ الابن الأوسط مبكرًا في اليوم الثاني، ما نتوقعه هو:
1- وفاته.
2- نتساءل إذا ما كان سيموت بسبب تفحصه للهاتف.
إذا واصلنا قراءة السطر لنهايته سنكتشف شيئًا جديدًا: «استيقظ الابن الأوسط في وقت مبكر من اليوم وترك هاتفه في المنزل وخرج من الباب» نقوم بتعديل توقعاتنا بعد استبعاد الموت عن طريق تفحص الهاتف، تلك المرة سيكون الأوسط أكثر انتباهًا من الأكبر لوجود الجرف وسيتفادى السقوط، لكن مازلنا نتوقع حدوث مصيبة. أثناء مشيه كان يغني غير منتبه لما يدور حوله، تصدمه شاحنة، يموت فورًا.
نشعر -مع الأسف- ببعض الرضا لأننا بدأنا نفهم أن القصة تدور حتى الآن حول الموت بسبب عدم الانتباه، عندما يخرج الابن الأصغر من الباب في صباح اليوم التالي، نتوقع موته، لكننا نترقب شكل عدم الانتباه الذي سيظهر ويؤدي إلى موته، سيلاحظ الجرف، ثم يتجنب السقوط، ويتفادى الشاحنة، مازلنا ننتظر أن يغفل عن شيء ما ليموت.
ينشأ نمط، نتوقع تكراره، يحدث تغيير صغير في كل مرة، نستنتج المعنى من ذلك التغيير.
في «ضد مجهول» يحدث الأمر عينه: تحدث سبع جرائم متشابهة يرتكبها قاتل متسلسل، ست منها يتولاها محقق، ييأس في كل مرة من العثور على القاتل، وفي الأخيرة يكون المحقق نفسه هو الضحية، ويظل القاتل مجهولًا، فيتغيّر المعنى من رحلة بحث عن قاتل لحل لغز جرائم غامضة، لمعاني أكبر وأدق.
لكن كيف يحدث التصعيد والتشويق في القصة عبر استخدام تقنية النمط المتكرر؟ والأهم كيف يخلق الكاتب عبرها المعنى؟
الجريمة الأولى:
نعرف أن الجريمة تمت دون آثار عنف أو أي شيء قد يفيد المحقق، حجرة النوم في حالة طبيعية، رغم فظاعة الجريمة التي ارتُكبت. الفراش ظل عاديًا بالقدر الذي يطرأ عليه عقب النوم، لكن صاحبه لم يكن نائمًا، بل قتيلًا لم يجف دمه، نعرف أن عملية القتل تمت عبر خنقه بحبل، كل شيء مألوف وعادي، كما يؤكد الراوي.
نرى ضابط المباحث محسن عبد الباري -ذا التاريخ المشرف في حل الجرائم- ذاهلًا. كل ملاحظاته لا تؤدي لشيء، النوافذ مُغلقة بإحكام، لو جاء من الباب فكيف تمكن القاتل من خنق ضحيته بحبل دون أثر للمقاومة، وهكذا يظل يقلب الاحتمالات في عقله. النتيجة الأولى التي يصل إليها أن الضحية غُرر بها، يستنتج شيئًا عن طبيعة القاتل: يعمل بأناة وروية وهدوء وإحكام. تسلل إلى الشقة. وأزهق روحًا. ومضى بلا أثر، كأنه نسمة هواء لطيفة أو شعاع من الشمس. يسيطر على نفسه والقتيل والجريمة والمكان.
نحن أمام قاتل إعجازي إذًا، بتعبير القصة. خطوات التحقيق مع البواب الطاعن في السن، والخادمة العجوز لا تصل به إلى شيء، فالضحية: حسن وهبى، المدرس على المعاش، ذو السبعين عامًا، ليس له أعداء، يفترض المحقق أن الجريمة باعثها السرقة، لكن ذلك الافتراض يفضي به إلى لا شيء، فلا يوجد في حسابه في البنك أكثر من مائة جنيه، والبيت كله ليس فيه إلا عشرة جنيهات. ثم ينبعث احتمال آخر كباعث للجريمة، ماذا لو أن الجاني أو الجناة، توهموا أن الضحية تملك ثروة.
يطرح الضابط السؤال بوضوح: هل يمكن أن تقع جريمة بلا باعث؟
لا يصل التحقيق أو الضابط أو عيونه أو تقرير الطبيب الشرعي إلى شيء. يشعر بالهزيمة للمرة الأولى أمام جريمة، وحيرة ضبابية وخجل، يلجأ معه إلى قراءة الشعر الصوفي، لا يفوت محفوظ إخبارنا أنها هواية نادرة بين ضباط المباحث، لأننا أمام ضابط استثنائي، يحركه ما هو أكثر من الرغبة في أداء العمل، وعي قادر على تحمل أزمة القصة. تواسيه الزوجة أنه بذل قدر ما استطاع. يظل الحادث حديث العباسية، حيث وقعت الجريمة، لغموضه المُحير، ولكن بمرور أسبوع أو نحوه غاص الخبر في بحر النسيان المخيف، وحتى محسن عبد الباري قيده ضد مجهول، وقال لنفسه وهو يزدرد هزيمته المرة «هذا هو حقًا المجهول.»*
دعني أفعل شيئًا يبدو للوهلة الأولى سخيفًا بعض الشيء، لكن مع تكراره قد نراه لعبة مسلية، دعنا نرتب معلومات الوحدة في جدول، الهدف هو مقارنة هذه الجريمة بطريقة أسهل مع الجريمتين التاليتين، كي نرصد التغيير والتصعيد الذي حدث عبر تعديل التفاصيل.
عبر وصف الجريمة الأولى، يؤسس محفوظ للنمط الذي سيتكرر في القصة: جريمة تقع دون فهم الباعث، ودون الوصول إلى المجرم، وفي كل مرة يُستبعد احتمال معين لينشأ التصعيد. لكن التصعيد في الجريمة الأولى ينشأ عبر تحول الجريمة العادية والمألوفة إلى لغز، وما تثيره في نفس المحقق من شعور بالهزيمة، حد أنه يلجأ إلى مواساة زوجته وقراءة الشعر الصوفي، وكذلك في أثر الجريمة المحدود -بحكمة- على الحي. مع تأكيد محفوظ تميز الضابط بسمعة نادرة في حل جميع الجرائم يستبعد احتمالًا آخر أن عدم الوصول إلى القاتل يرتبط بقلة الكفاءة. قراءة الشعر الصوفي، إشارة إلى أن مفتاح حل الجريمة قد يكون وراء الواقع، وكعزاء أيضًا.
سنلاحظ أن كثافة المعلومات والطول يتحققان فقط في الوحدة الأولى من النمط، وفي الوحدات التالية يكثف الوصف.
الجريمة الثانية:
«وبعد شهر دُعي الضابط إلى سراي قديمة بشارع العباسية العمومي بسبب جريمة مشابهة! كأن الجريمة الأولى وقعت من جديد.»
كان للقصة أن تظل في حالة ركود، جرائم قتل تتكرر ونظن أنها لا تذهب بنا إلى أي مكان، لكن عندما يخبرنا محفوظ أن الأمر يتعلق بلغز لا يُحل، وثمة شيء غامض فوق حدود الواقع هو المسؤول، يحدث التصعيد. وذلك عبر طرح السرقة كباعث للقتل في أول جريمة ثم استبعاده، لأن القتيل لم يكن غنيًا، فيضع الكاتب رجلًا غنيًا، بل شهيرًا وجزءًا من السلطة كلواء متقاعد في الجيش ثم يتضح أن تلك الصفات عن القتيل لم تكن باعث الجريمة الثانية، وعبر مزيد من التصعيدات الصغيرة التي سأفصّلها لاحقًا، تنشأ القصة.
ما يحول الحكاية إلى قصة هو التصعيد، فهذه علامة على أن حكايتنا تتحول إلى قصة.
على العكس تمامًا عندما نقول: ذات مرة كان هناك كلب يحب تناول الطعام، ذات صباح أكل طعامه، ثم طعام القطة، ثم أكل بعض التفاح الذي وجده تحت شجرة، ثم وجد جزءًا من شطيرة في المطبخ فالتهمها، وهكذا.. إذا توقف النمط عند الكلب يأكل فنحن لا نملك قصة، لكننا ننتظر شيئًا يعطل النمط، إما عن طريق تحديه؛ يحاول الكلب أكل دب حيّ، أو إظهار عواقبه؛ الكلب يصبح سمينًا، وهو ما فعله محفوظ باختياره لإظهار العواقب، الجريمة العادية تصير لغزًا يؤثر على حياة المحقق والمجتمع، تتحول إلى سلسلة جرائم وتثير فزعًا كبيرًا.

بينما ننتقل إلى التجسيد الثاني للنمط، سيلاحظ القارئ المنتبه، أو الذي قرأ القصة عدة مرات لتحليلها مثلي، أن المعلومات التي يقدمها في جريمة قتل اللواء تتوازى مع ما قدمه سابقًا، استبعاد باعث السرقة بهدف الثروة، فاللواء يملك ثروة حقيقية. ينقل موقع الحادث من شارع فرعي إلى عمومي، عبر حيلة المكان، تتصاعد الجريمة نفسها إلى حيز أوسع، عملية تحدث ببطء، صارت تهدد الحي كله، تتراكم استنتاجات المحقق عن القاتل، لتصير صفات أقرب إلى الأسطورة. اسم الضحية لم يُعد يهم فهو لن يذكر اسمًا لباقي الضحايا في الجرائم التالية، لكن ما زالت صفته كرجل ثري ذي علاقة قديمة مع السلطة تصلح كاحتمال. نشوء علاقة بين الجريمتين: قتل متسلسل. رفع جهد البحث، وكذلك حماسه للانتصار والمقاومة. تتحول الجريمة إلى خبر يُنشر في الصحف ويهز الرأي العام، بعد أن كان خبرًا محدودًا. لا يلجأ إلى مواساة الزوجة، بل يفقد تركيزه خلال قراءة الشعر الصوفي، أي أنه المحقق قرر الاعتماد على الحلول داخل نفسه أولًا.
تتصاعد مخاوفه من الجريمة العادية والمألوفة، ويرى في هزيمته تلك المرة ردة إلى الوراء، عبر احتمال نقله من المدينة إلى الريف.
بدلًا من الاكتفاء ببث عيونه وسط أوساط المشبوهين، يجند جميع المخبرين ويشدّد تنبيهاته، وينكب على العمل بحماس أكبر. يحاول تركيز جهوده في الواقع، فيقرأ الشعر الصوفي بدون اكتراث حقيقي. الخبر يُنشر في الصحف ويهز الرأي العام.
وعندما يسأله ضابط آخر ما العلاقة بين المدرس والضحية الثانية، يجيب: كلاهما قابل للموت؟
هل تلك حقًا قصة عن جرائم قتل؟ أفكر.
الجدول رقم 2 هو سبب اختيار «ضد مجهول»، هو أقرب لدرس مكثف عن التحكم في نقل الحقائق، اختر أي صف وتتبع عبره ما سيحدث في الجرائم التالية، وستجد اختلافات مدروسة ومعبّرة ومتحكم بها.
وإذا بالجريمة الثالثة تقع.
كيف حدث التصعيد؟
يكثف محفوظ في تلك المرة ذِكره لأسباب الجرائم: المرض، القتل المتسلسل، الخلافات الزوجية، رد فعل الناس لم يعد عاديًا، ولم ينته أثره، بل يشاركون للمرة الأولى في محاولة البحث عن القاتل عبر رسائل المجهولين، تنتقل طاقة القلق من الضابط إلى الناس، لذا ما زلنا داخل حي العباسية، لأن في الوحدة السابقة، لم يكن ذعر الناس تامًا، بل استقبلوه كما يستقبلون أي موت بذعر في البداية، ثم هدأت ردود أفعالهم وصار خبرًا عاديًا، من تلك اللحظة ستكون الجرائم مصدر رعب حقيقي. ستطوق الحي، بتعبير محفوظ. يرتفع إدراك الضابط لما حدث، فيؤدي التحقيق بشكل روتيني يائس، يضع نفسه كضحية وكمتهم، ويرغب في الاعتراف بعجزه، يتدخل العلم للمرة الأولى عبر معامل وزارة الصحة.

تغيب الزوجة، وكذلك قراءة الشعر الصوفي، كدلالة على تعاظم اليأس، والذي لم نكن لندرك قوته إلا بتزايد حماسه وانكبابه على العمل في الجريمة الثانية.
لمَ يصر محفوظ على استبعاد الأسباب؟
أفهم الآن ما يتحدث عنه. سأكون صادقًا، لم ألتقط الفكرة بتلك السرعة، بل بعد الانتهاء من القراءة الأولى، التقنية بأكملها لم تكن مفهومة لي إلا عبر قراءة ثانية ثم ثالثة.
تلك القصة ليست عن جرائم قتل، بل عن الموت.
الموت نفسه هو الجريمة، الموت العادي والمألوف، الذي لم يعد وفق قانون القصة عاديًا ومألوفًا. بل تنزع القصة عنه البداهة ويتضخم أثره الفاجع حقًا، يتضح لي لمَ اختار القتل عبر حبل دقيق يخنق، لأن الخنق هو أقرب الطرق لوصف ذلك الموت لا القتل: إزهاق الروح.
ما يقوله محفوظ وهو ينزع قشرة الأسباب الظاهرية ببطء: نعم قد يموت المرء، بسبب السن الكبير، المرض، الوفاة الطبيعية، لكنه لا يتوجه باتهامه إلى تلك العوامل التي نتعامى بها عن المسبب الأصلي، بل إلى الموت نفسه، لمَ نموت؟ أليست تلك هي جريمة القتل الحقيقية، التي نواجهها كل يوم؟ نتستر على القاتل «لأنه قريب الصلة بشخصية هامة». نفهم طبعًا المقصود، بل ينزع الفعل في النهاية عن الموت نفسه، ليصير مجرد يد لمرتكب الجريمة، يفعل ذلك ببطء، من خلال حلقات في كل مرة يتضخم الأثر، كما ينبغي له أن يكون.
وما اختياره لضابط حساس ذي ضمير، كي يتحمل وعيه الموت كأزمة، مع تصاعدها، تنزع عنها بداهتها، ويتعاظم أثرها من جديد داخل نفوسنا، فلا نعامل الموت كما عامله أهل العباسية في البداية، فاجعة ضخمة في بدايتها، ثم رماد بلا أثر، وبدلًا من الجزع قد يصير في أفضل أشكاله مجرد حزن رزين قار في النفس، فيما تلح القصة منذ سطرها الأول على أنه أقرب لعدو لا يغفل ولا ينام، متربص، قوة لا ترحم، وتجعله مصدر فزع وتوتر دائم.
الجريمة الرابعة:
ليست في الفراش، بل في الشارع، بنفس طريقة القتل، لكن الضحية شحاذ شبه عار لا نعرف اسمه أيضًا، لأن الاسم بعد الجريمة الأولى لم يُعد مهمًا، والأمر لا يتصل بثروة متوهمة أو حقيقية أو أي انخراط أو نفوذ في الدنيا. ولأن اليقظة السردية هي أحد مواهب محفوظ، أي أنه يتنبه إلى الإمكانات الكاملة لنقطة انعطاف قام بإنشائها، يحدث تصعيدًا عبر نقل مكان الجريمة إلى العطفة الملاصقة للقسم، أي أنها تقترب من المحقق نفسه وتتحدى حيز سلطته ونفوذه.
تعود زوجة المحقق الحامل لتتابع ردود أفعالها في كل مرة، تهتف بالأمل، الإنسان ينتصر في النهاية حتى على الموت. لكن أيضًا الاستسلام إلى الحق هو أحد الحلول، السبيل الوحيد للخلود، المتاح الآن، كما يتطور وعي المحقق بحثًا عن تفسيرات لا إجابات نهائية. لا فارق بين أحد أمام القاتل، مدرس أو لواء أو شحاذ. يفكر أيضًا في معنى الحياة وكيف تصير مهمة إذا كنا عاجزين أمام الموت. يعود مرة أخرى للشعر الصوفي، لأنه تأكد أن حل لغز الجريمة وراء الواقع.
يزيد عدد الشرطة في الشوارع وترصد الداخلية مكافأة لمَن يُرشد عن القاتل، فالجرائم تخطت مشكلة محقق وضحايا، بل هي أزمة الجميع. وتناولت الصحافة الموضوع بقوة مثيرة في صفحاتها الأولى، وتضخم هذا كله في نفوس أهل العباسية حتى استحال إلى أزمة مروعة. ركبهم الفزع، وعذبتهم الأوهام، وانقلبت أحاديثهم إلى هذيان، وهجر القادر منهم حيه، ولولا أزمة المساكن وظروف المعيشة لخلت العباسية من أهلها. كقراء هذا ما يجرنا إليه محفوظ.
دعونا للحظة نطرح السؤال، كيف قرر محفوظ، أن يسقط الفترات الزمنية بين الجرائم ويتخطاها مباشرة، كان بإمكانه مثلًا أن يصف لنا حياة محسن عبد الباري أثناءها، لكنه لم يفعل، ببساطة لأن تلك الأيام لا تهم، ولا معنى لها، بمعيار القصة لا الحياة. تخبرنا القصة أنه لم يحدث شيء ذو مغزى خلال تلك الفترة، وأنها -على عكس الحياة- ستضعنا أمام الحدث التالي الذي يتعلق بغرض القصة.
جرأة هذه القفزة تعلمنا شيئًا مهمًا عن القصة القصيرة فهي ليست فيلمًا وثائقيًا أو سردًا صارمًا لمرور الوقت أو محاولة عادلة لإظهار الحياة كما هي بالفعل، في مواجهة العالم الواقعي الممل. تثير القصة إعجابنا بقدرتها على أن تتخذ قرارات صارمة بشأن ما يستحق العرض.
هذا هو الحال عندما نروي قصصًا لبعضنا، نميل إلى حذف الكثير من التفاصيل والأحداث، لصالح التركيز على العناصر المهمة في خلق المعنى.
ماذا تبقى كسبب للموت؟
الصدفة.
يسقط شخص مخنوقًا بحبل من عربة ترام، طفلة في حمام مدرسة، لم تذنب بعد. هذا ما يحدث بالضبط في الجريمة الخامسة والسادسة المدمجتين معًا في وحدة واحدة.
بعد جريمة موت الطفلة -أي الحياة البريئة التي لم تُلوث بعد- تنجب زوجة المحقق وليدًا، لأن محفوظ لم يجعلها حبلى عبثًا، يتعمق السؤال:
«الحياة التي يقضي عليها حبل مجهول فتصبح لا شيء. لكنها شيء بلا ريب وشيء ثمين. الحب والشعر والوليد. الآمال التي لا حد لجمالها. الوجود في الحياة.. مجرد الوجود في الحياة. أهناك خطأ يجب أن يُصلح؟ متى يُصلح؟ واشتد الدوار كما يحدث عند يقظة مفاجئة عقب نوم عميق»
الجريمة السابعة:
الضحية هو المحقق نفسه.
«ونمت أنباء إلى مأمور القسم بأنه تقرر نقل الضابط محسن عبد الباري وإحلال آخر محله. استاء المأمور استياءً شديدًا، ومضى من فوره إلى حجرة الضابط الذي يقدره خير قدره. رآه مستلقي الرأس على المكتب كالنائم، فاقترب منه وهو يقول بلطف:
- محسن..
ناداه فلم يرد. وكرر النداء ولكنه لم يرد. هزه ليوقظه فمال رأسه ميلة غريبة. عند ذاك لمح المأمور نقطة دم فوق السومان. نظر نحو زميله بفزع فرأى أثر الحبل الجهنمي حول العنق. وزلزل القسم ومن فيه!»
كان بإمكان محفوظ أن ينهي القصة هنا، لكنه لم يفعل، لأنه مازال يجد فرصة أخرى للتصعيد تعمل على توسيع المعنى، لو انتهت عند قتل المحقق، سيكون معنى القصة أن الموت يطول كل شخص حتى مَن يبحث عن حقيقته، وهو معنى جيد لكن هناك معنى أعمق. أي كاتب عادي، أقل موهبة أو خبرة، كان سيوقف القصة عند موت المحقق بوصفها ذروة الحدث، لكن نجيب محفوظ ليس كاتبًا عاديًا، بل يسعى إلى معنى أعمق.
بموت المحقق قد يتوقف البحث، بعد أن أُثير كل هذا الفزع، ونُزعت البداهة عن الموت. كان عليه أن يشير إلى الحل الوحيد الممكن. لذا تصبح الخاتمة سلسلة اجتماعات في المحافظة تُتخذ فيها قرارات خطيرة وهامة: حرب بلا هوادة حتى يُقبض على المجرم، أي الانتصار على الموت، ولأن بالذعر منه لا تستمر الحياة، تقرر المحافظة أن تفعل ما نفعله جميعًا: إنكار الموت نفسه، إدعاء أن الجريمة اليومية لن تطولنا، ودون أن يكف العلم عن البحث.
تتحول القصة من قصة تشويق عن قاتل متسلسل، ومن خلال نمط منظم عبر تعقب العلاقات والاختلافات بين الجرائم إلى قصة عن الموت الطبيعي، تنزع عنه الألفة والاعتيادية عبر التذكير أن الموت في الأصل جريمة قتل، وعبر وإثارة سؤاله داخلنا. مع التصعيد لم تعد القصة حتى تتحدث عن الموت بل عن مواجهته، فما تكثيف جهود المحقق للبحث عن حقيقته، ثم فشله، ثم تنبيه المحافظة، إلا لنتذكر أن علينا أن نحيا بكل ما أوتينا بقوة، وألا نتوقف عن مواجهة عدونا الأزلي الحقيقي، مرتكب الجريمة اليومية، بكل الطرق: تجاهله، ومكافحته عبر العلم، وعبر التشبث بكل معنى في الحياة.

في الحقيقة، كل قصة بطريقة ما هي قصة ذات نمط متكرر، لكن بطرق مختلفة، قصة نجيب محفوظ «ضد مجهول» هي الشكل الأصفى لذلك النمط.
لكن دعني أضرب أمثلة من الاستكشافات السابقة، التي لا يتبدى فيها هذا الشكل بتلك الطريقة.
في قصة المخزنجي «رشق السكين» من «استكشاف النمط الفريد #1» نحن أمام نمط يتكرر خفية: ولد غافل يحمل سكينًا، ولد غافل يتخيل استعمال السكين، ولد غافل يستعمل السكين فعلًا، ولد واع يدرك أثر استعمال السكين.
أما نمط إدريس في «لغة الآي آي» فهو هكذا: رجل يحاول إنكار الصرخة، رجل يحاول تفهم الصرخة، رجل يتفاعل مع الصرخة.
ونجد نمط «دنيا الله» كالآتي: أشخاص يتحايلون على الرزق، رجل بمفرده يجرب للمرة الأولى أن يتحايل على الرزق.
في الحياة: أنت نفس الشخص في كل مرة، لكن كطفل، كشاب، كزوج، كأب، كعجوز، ما التعديل الذي حدث في كل حلقة من حياتك فغيّر المعنى، لم نتغيّر لكننا اكتسبنا شيئًا جديدًا، يجعلنا أكثر حكمة أو حماقة قوة أو ضعفًا.
فائدة تكرار النمط أنه يركز توقعاتنا، ويضعنا في علاقة أوثق مع الكاتب والقصة، في كل مرة يتم كسر النمط أو تعديله. نتفاعل دون معرفة السبب، كرد فعل شرطي مرتبط بما يثيره الكاتب داخلنا من توقعات عقب نهاية كل وحدة، نشعر بالاندماج مع المؤلف، كما لو أننا نلعب معه لعبة مهمة للغاية وحميمة من نوع ما.
عندما نقول إن «ضد مجهول» هي قصة ذات نمط متكرر بشكل مكثف، ونناقش الطرق التي يحافظ بها محفوظ على تكرار وتعديل النمط بمهارة، قد يبدو أن الكاتب كان واعيًا في مسودته الأولى بما يفعل، في الحقيقة لا أعرف كيف كتبها بتلك الدقة، لكن بإمكاني أن أتخيل عند كتابة قصة كتلك، أن الأمر يحدث بشكل طبيعي من خلال الحدس والإحساس الفطري بالقصة، ثم يأتي دور التحرير الذي يجعل الأمر منظمًا ودقيقًا.
وفق ما نعلمه عن محفوظ، ولأنه استخدم تلك التقنية عدة مرات، فهو كان يعرف بالتأكيد ما يفعله، لكنه ليس ساحرًا، يقينا لن يبلغ تلك الدقة، إلا عبر اتباع حدسه الطبيعي، ولم تتكشف القصة أمامه إلا بشكل تدريجي، ثم بعدها يأتي دور التكرار المستمر لعملية التحرير.
وجود خطة مسبقة في أذهاننا أمر جيد، لكن العمل الفني لا يعمل بتلك الطريقة ولا يصنع فنًا جيدًا. الخطة تطمئنا فقط في مواجهة نقص الثقة أثناء عملية الكتابة. رحلة كتابة عمل فني، هي أن نمتلك فكرة أو جملة، ثم نعمل على تحسينها مرة تلو أخرى ومسودة تلو أخرى.
أظن أن محفوظ لم يبلغ إتقانه الذي يشبه ميزان الذهب، إلا عبر إدراكه الواعي لشرط الكتابة: القدرة عل على كتابة النص أكثر من مرة، والتحسين المستمر، دون أن يمل و#سلام.
*الفقرات بالخط المائل من قصة نجيب محفوظ «ضد مجهول» (دنيا الله، 1987)
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
