تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
اختطاف أمريكي لرئيس فنزويلا: الماضي يعود الآن 

اختطاف أمريكي لرئيس فنزويلا: الماضي يعود الآن 

مع الاحتياطي الكبير منه يمتلك النفط الفنزويلي ميزة إضافية هي أن الخام من النوع الثقيل heavy-crude

كتابة: أحمد بكر 9 دقيقة قراءة
وصول الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، إلى إدارة مكافحة المخدرات بمدينة نيويورك الأمريكية، أمس. المصدر: موقع «تايمز ناو» / متداولة

في ما بدا «خطاب نصر» في معركة لم تستغرق سوى ساعات محدودة، قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمس، إن الولايات المتحدة «ستتولى إدارة» فنزويلا عقب العملية العسكرية التي أسفرت عن اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى نيويورك تمهيدًا لمحاكمتهما.

تحدث ترامب كذلك، وبصراحة غير تقليدية تصل أحيانًا إلى حد «البجاحة»، عن استغلال الموارد النفطية لفنزويلا، البلد الذي يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم. «سنجعل شركات النفط الأمريكية العملاقة، وهي الأكبر في العالم، تنفق مليارات الدولارات» على قطاع النفط هناك، بحسب تعبيره.

هذا المستوى من «البجاحة» يأتي وسط خطاب رسمي مبعثر أحاط تصعيد الولايات المتحدة السريع ضد مادورو، بين تبرير التدخل الأمريكي باعتباره عملية تحرير من الدكتاتورية وإنقاذ الديمقراطية، أو عملية للقبض على كارتيل مخدرات يقوده رئيس فنزويلا، أو -بكل وضوح- عملية تهدف لاستعادة هيمنة الشركات الأمريكية على موارد فنزويلا النفطية. ظهر هذا التضارب في إعلان ترامب، بجانب حديثه عن استثمارات البترول، عن أن الولايات المتحدة ستشرف على «انتقال آمن وسليم وعادل» للسلطة في فنزويلا، وعن أن مادورو سيواجه تهم الاتجار بالمخدرات في نيويورك.

هذا الخطاب المتضارب ساهم في ارتباك ردود الأفعال الإعلامية والسياسية الأمريكية والغربية على اختطاف مادورو، ارتباك أثاره حدوث العملية بشكل مفاجئ.

تراوحت ردود الأفعال الإعلامية بين التركيز على الفنزويليين المحتفلين، ومساءلة ما إذا كانت العملية تمثل تعديًا على سيادة بلد آخر أو مخالفة للقوانين الدولية، بينما خرجت البيانات السياسية لتجمع بين تأييد التحول الديمقراطي في فنزويلا والتشكيك في قانونية العملية الأمريكية.

ربما أضاف إلى الارتباك أيضًا تصاعد التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا إلى ذروته في فترة وجيزة، دون إعطاء الوقت الكافي، بحسب بعض المعلقين، لتثبيت هذه الخطابات المتضاربة حول مادورو والحشد الشعبي والسياسي الأمريكي خلفها، أو تنفيذ ترامب للعملية دون الرجوع إلى مجلس الشيوخ الأمريكي.

في هذا التقرير، يحاول «مدى مصر» الإجابة على أهم الأسئلة التي طرحتها العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا أمس، والتي نجحت خلال ساعات معدودة في تحويل مادورو من رئيس دولة كبيرة بحجم فنزويلا إلى سجين يواجه تُهم الاتجار بالمخدرات أمام محكمة أمريكية.

تعود نظرة الولايات المتحدة إلى الأمريكتين باعتبارهما مساحة هيمنتها الاقتصادية والسياسية إلى القرن التاسع عشر. لكن التدخلات الأمريكية المباشرة في دول أمريكا اللاتينية تصاعدت بشكل كبير في النصف الثاني من القرن العشرين. من جواتيمالا إلى كوبا، ومن نيكاراجوا إلى بنما، ومن تشيلي إلى بوليفيا، تنوعت أشكال التدخل الأمريكي من الغزو العسكري المباشر ودعم الانقلابات العسكرية والمليشيات اليمينية، إلى الدعم السياسي للمعارضين للأنظمة غير المرغوب فيها. استهدفت هذه التدخلات الحكومات اللاتينية التي تبنت سياسات تأميمية للموارد والقطاعات التي هيمنت عليها الشركات الأمريكية، عادة تحت غطاء الحرب الباردة ومحاربة الأنظمة الشيوعية المتقاربة مع العدو السوفيتي، قبل أن تصبح «الحرب على المخدرات» مظلة أساسية تمنح مختلف أشكال التدخل الأمريكي غطاءً منذ الثمانينيات.

في اليوم نفسه الذي اختطف فيه مادورو، 3 يناير، اختطفت قوة أمريكية في 1990 رئيس بنما، مانويل نورييجا، بقرار من الرئيس بوش الأب وبنفس تهمة تهريب المخدرات. نُقل نورييجا حينذاك إلى الولايات المتحدة، وأصدرت محكمة أمريكية حكمًا بسجنه 40 عامًا.

فنزويلا، البلد الذي يمتلك أكبر مخزون بترولي معروف في العالم (حوالي 18% من المخزون العالمي) اختبر مرارًا، خلال القرن العشرين، تعاون الولايات المتحدة المستمر مع الانقلابات العسكرية المعادية للشيوعية والمؤيدة لفتح القطاع النفطي للاستثمارات الأمريكية، قبل صعود هوجو تشافيز إلى السلطة في 1999، وتبنيه خطابًا اشتراكيًا يدعم تأميم القطاع النفطي، ويناصب العداء لسياسة الولايات المتحدة، ويتقرب من أعدائها في كوبا والصين وروسيا وإيران.

اتهم تشافيز الولايات المتحدة بدعم محاولة الانقلاب عليه في 2002، ولكن العقوبات الاقتصادية الأمريكية تصاعدت في عهد خليفته مادورو، من 2014 إلى 2017، بعد اتهام حكومة الأخير بقمع المتظاهرين والمعارضة السياسية. مع الأزمة السياسية في فنزويلا في 2019 واتهام مادورو وقتها بتزوير الانتخابات والانقلاب على البرلمان لضمان استمراره في السلطة، راهنت الولايات المتحدة على قدرة المعارضة بقيادة خوان جوايدو والمنشقين من الجيش على الإطاحة بمادورو، وأعلن ترامب اعترافه بجوايدو كرئيس مؤقت. لكن الأزمة انتهت باستمرار مادورو في السلطة واحتفاظه بولاء القوات المسلحة.

عاد ترامب لملاحقة مادورو مرة أخرى في الشهور الأخيرة، ليتصدر هذه المرة شعار «الحرب على المخدرات» بجانب دعم الديمقراطية، حيث وجهت حكومته لمادورو اتهامات بدعم عصابات وكارتيلات مسؤولة عن تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وتزعمه ما يسمى بكارتيل الشمس، وهو ما رافقه استهداف البحرية الأمريكية لقوارب في البحر الكاريبي بحجة استخدامها في نقل المخدرات. رد مادورو على هذه الاتهامات بأنها محاولة من الولايات المتحدة لقلب نظام حكمه.

لكن الإعلان الواضح عن الرغبة في الوصول إلى النفط الفنزويلي انعكست في تعليقات لترامب سبقت اختطافه لمادورو بأسبوعين. «كان لدينا الكثير من النفط هناك. كما تعلمون، طردوا شركاتنا، ونريد استعادته»، يقول ترامب، مشيرًا إلى سيطرة شركات الشركات الأمريكية قديمًا على نفط البلد اللاتيني، قبل تأميمه. تبع هذه التصريحات استيلاء الولايات المتحدة على ناقلتي بترول تتبعان فنزويلا، وفرضها حصارًا بحريًا على السفن القادمة والذاهبة إلى فنزويلا، باستخدام الضربات العسكرية. وكانت هذه الخطوات الأخيرة قبل هجوم السبت.

إلى جانب الاحتياطي الكبير منه، يمتلك النفط الفنزويلي ميزة إضافية، وهي أن خام النفط من النوع الثقيل heavy-crude، وهو النوع الأكثر ملاءمة لمحطات تكرير البترول الأمريكية، كما يلاحظ تقرير نشرته وكالة رويترز اليوم. كما أن عودة تصدير البترول الفنزويلي إلى الولايات المتحدة يسحب البساط من الصين، والتي أصبحت الوجهة الأساسية له بعد موجات العقوبات الأمريكية خلال الأعوام الماضية.

لكن إلى جانب الحديث عن البترول، حرصت الإدارة الأمريكية على التأكيد أن القبض على مادورو جاء بسبب اتهامه بالاتجار في المخدرات. وظهر هذا في الصور التي نُشرت لمادورو بعد القبض عليه، والتي صاحبه فيها جنود يرتدون سترات إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية DEA.

مادورو في قبضة ضباط إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، أمس. المصدر: «رابيد ريبورت» على إكس

لكن تهم المخدرات هذه تبدو هشة بعد قرار ترامب، قبل شهور قليلة، بالعفو عن الرئيس الهندوراسي السابق، خوان أورلاندو هيرنانديز، والذي حُكم عليه بتهم تهريب الكوكايين إلى أمريكا أيضًا. حين سؤاله عن الأمر في مؤتمر أمس، أكد ترامب أن هيرنانديز، المقرب منه، تم ملاحقته بشكل غير عادل من قبل إدارة بايدن.

اللافت في الحراك الأمريكي أمس أنه بدا حريصًا على عدم إسقاط النظام الفنزويلي بشكل كامل، مكتفيًا بالإطاحة بمادورو فقط، كما يلاحظ الخبير في شؤون فنزويلا، فرانشيسكو رودريجز، في حوار نشرته مجلة فروين أفيرز أمس.

خلال مؤتمره الصحفي، شن ترامب هجومًا على ماريا كورينا ماتشادو، المعارضة الفنزويلية التي حصلت على جائزة نوبل للسلام قبل شهور، والتي افترض كثيرون أنها الاختيار المنطقي لإدارة البلاد في حالة سقوط النظام هناك. «أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية عليها أن تكون قائدة. فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد. إنها امرأة لطيفة للغاية، لكنها لا تحظى بالاحترام»، قال ترامب.

في المقابل، أبدى ترامب استعدادًا في تصريحاته الصحفية للتعاون مع ديلسي رودريجيز، نائبة مادورو التي خلفته في منصبه أمس سريعًا، قائلًا إنها مستعدة لتقديم تنازلات إلى الولايات المتحدة، وهو ما ناقضته الأخيرة بتأكيد دعمها لمادورو ورفضها الرضوخ لأمريكا.

هذا الموقف يطرح في المقابل أسئلة عن طبيعة رد الفعل الفنزويلي الرسمي من نظام مادورو، وغياب أي مقاومة من الجانب الفنزويلي لهذه العملية. الإعلام الأمريكي سلط الضوء، أمس، على تفاصيل العملية المُحكمة، والتي بدأت بحسب الروايات المختلفة قبل شهور طويلة بعملية أدارتها وكالة المخابرات الأمريكية CIA، ورصدت فيها جميع تحركات مادورو، وانتهاء بتنفيذ العملية الذي حكمته عوامل مختلفة، بداية من الاعتماد على جاسوس داخل الدائرة المقربة من الرئيس الفنزويلي، مرورًا بانتظار تحسن الطقس، وحتى تمويه حركة الطائرات الحربية الأمريكية، كي تتمكن قوة دلتا من اقتحام مقر مبيت مادورو واختطافه وزوجته في عملية استغرقت ساعات قليلة، ودون أي خسائر أمريكية تذكر.

لكن هذه السطوة الأمريكية لا تكفي لتفسير غياب المقاومة تمامًا. دفع هذا البعض للتساؤل حول ما إذا كانت الإطاحة بمادورو تمت بالتنسيق مع قيادات نظامه، والذين رأوا في التضحية به الطريق الأمثل للخروج من مأزق التهديدات الأمريكية المستمرة دون تدمير النظام بأكمله.

في كل الأحوال، أكد ترامب على أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا، على الأقل لبعض الوقت. لم يوضح ترامب شكل الإدارة الأمريكية المنتظرة للبلاد، لكنه أكد أن الجيش الأمريكي مُستعد لشن المزيد من الضربات إذا لزم الأمر، بما في ذلك نشر قوات برية، وأن واشنطن «لا تخشى التدخل البري».

هذه التناقضات الخطابية والعملية حول التدخل الأمريكي في فنزويلا انعكست على ردود الفعل تجاه اختطاف مادورو، التي لم تظهر اصطفافًا واضحًا وراء الموقف الأمريكي، حيث خرجت البيانات الرسمية من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ومن رئيسة المفوضية الأوروبية، لتركز على رفض نظام مادورو ودعم التحول الديمقراطي السريع في فنزويلا، دون إشادة واضحة بالولايات المتحدة، ومع ظهور تردد في الموقفين الألماني والبريطاني حول ما إذا تم مخالفة القانون الدولي في العملية، مع التأكيد على ضرورة احترامه. في المقابل، عبَّر أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس، عن قلقه من عدم احترام القانون الدولي، مؤكدًا أن «هذه التطورات تمثل سابقة خطيرة».

في المقابل، جاءت الاعتراضات الدولية من الدول المقربة من فنزويلا، حيث دعت كولومبيا والصين وروسيا مع فنزويلا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، بينما أدانت إيران والفصائل الفلسطينية الضربات الأمريكية.

ظهر أثر التضارب الخطابي أيضًا في ردود السياسيين الأمريكيين على الجانبين، الذين فوجئوا بالعملية الأمريكية مثل غيرهم. وبينما احتفى أغلب الجمهوريين بقرار ترامب، ركّز الديمقراطيون على انتقاد عدم حصول ترامب على موافقة الكونجرس قبل تنفيذ العملية العسكرية، وعدم وجود دعم أمريكي عام لحرب مع فنزويلا في الوقت الحالي، مع تأكيد أغلبهم على رفضهم لمادورو وترحيبهم بالتحول السياسي في فنزويلا.

فقط أصوات قليلة من أطراف السياسة الأمريكية الرسمية أعلنت صراحة رفضها الكامل للعملية، حيث أعلن عمدة نيويورك الاشتراكي الديمقراطي، زهران ممداني، رفضه للعملية باعتبارها هجومًا على دولة ذات سيادة، وإعلان حرب يخالف القوانين الفدرالية والدولية، بينما اتهمت عضوة الكونجرس المنتمية لأقصى اليمين، مارجوري تايلور جرين، ترامب بادعاء الرغبة في مكافحة المخدرات بينما يهدف إلى استمرار التدخلات الخارجية الأمريكية على حساب الإنفاق على الأمريكيين.   

التضارب الخطابي حضر أيضًا في تغطية الإعلام الأمريكي حول تصعيد ترامب ضد مادورو، سواء أثناء الشهور السابقة لعملية الاختطاف أو في التقارير التي تلتها مباشرة. دافعت تغطية «واشنطن بوست»، قبل عملية أمس، عن العقوبات النفطية على فنزويلا، ثم خرجت بعد اختطاف مادورو بمقال للمحررين تحت صور للفنزويليين اللاجئين خارج بلادهم يحتفلون بسقوط مادورو ويحتفي بقرار ترامب كانتصار أمريكي للتحول الديمقراطي في فنزويلا وضد أعداء أمريكا الدوليين. أما «نيويورك تايمز»، فبعد شهور من مقالات الرأي التي دعمت تهديدات ترامب لفنزويلا باعتبارها انتصارًا للديمقراطية ضد نظام مجرم، خرجت عنها، اليوم، تقارير تُسائل قانونية الهجوم الأمريكي، وغياب الحشد الدعائي الكافي لتبرير الحرب، وتشير إلى رغبة الولايات المتحدة في الهيمنة النفطية، وتهون من دور فنزويلا في تجارة المخدرات.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن