تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عُشب المحميَّات

عُشب المحميَّات

كتابة: وائل عشري 12 دقيقة قراءة
من سلسلة عشب المحميات تصوير: رنا النمر

إلى: فاطمة علي

«كنت حريصة جدًّا على تعزيز شهرتنا كمنشطات لهذه الفوضى المستشرية.»

(آسيا جبار. بوابة الذكريات. ت: محمد يحياتن. ص. 195)  

«عشب المحميات» هي سلسلة غير دورية من الترجمات، وإعادة نشر ترجمات قديمة، لأعمال، أدبية في أغلبها تأتي مما صار يُطلق عليه مؤخرًا «الجنوب العالمي». لكنني لن أمانع كثيرًا (في الحقيقة، لن أمانع على الإطلاق) إن أسميناه: «الجنوب الكوني». أو «جنوب الكون المرئي». أو «جنوب أندروميدا». أو «العالم الثالث». أو «العالمان الثالث والرابع». أو «المستعمرات السابقة». أو، وهو الأفضل: «المستعمرات الجديدة».

هي سلسلة لا تعتمد على عمل أرشيفي، ولا ترتاح في الأرشيف، أو إليه. 

إنها فقط جولة عبر فضاءات تسكنها، أو تطاردها، أو تجعلها (غير) محتملة، كتابات تشكَّلت، ولقاءات حدثت، خارج هيمنة دول الجنوب العالمي ذاتها، ووطنياتها، ومؤسساتها الثقافية، وإصدارتها (على سبيل المثال، خارج «لوتس»، فصلية «المكتب الدائم للكُتَّاب الإفريقيين والآسيويين» التي صدرت بين عامي 1968 و1991، في ثلاث طبعات، عربية وإنجليزية وفرنسية، كجهد تعاوني بين أجهزة الثقافة الرسمية في عدة دول عالم ثالثية، والاتحاد السوفيتي، وجمهورية ألمانيا الديمقراطية). (1*) 

هي سلسلة لا تعتمد على عمل أرشيفي، ولا ترتاح في الأرشيف، أو إليه. 

يمكن أن نفكِّر في هذه المستعمرة العالمية الجديدة كجغرافيا سائلة، تتبدَّى في أشكال وهيئات ومجازات مختلفة ومتباينة، قلقة ومثيرة للقلق، دائمة التغيُّر، خارج الحدود.

خريطة كاتاوبا: «أممٌ من الهنود إلى الشمال الغربي من كارولينا الجنوبية». نسخة من أصل مفقود. نحو 1720

يمكن أن نفكِّر في هذه المستعمرة العالمية الجديدة كجغرافيا سائلة، تتبدَّى في أشكال وهيئات ومجازات مختلفة ومتباينة، قلقة ومثيرة للقلق، دائمة التغيُّر، خارج الحدود.

يمكن لهذه المستعمرة الكونية الجديدة أن تكون: دولة. منطقة. نطاق. مدينة داخل دولة. حيَّا سكنيًّا داخل مدينة داخل دولة. حيًّا سكنيًّا خارج مدينة خارج دولة. جغرافيا بلا خريطة. خريطة خارج جغرافيا. خريطة وجغرافيا، معًا، خارج شيء آخر، ليس خريطة، وليس جغرافيا. أقلية مشتتة، مقموعة، أو مضطهدة، في فضاء حاضرة كولونيالية، أو ما بعد كولونيالية، أو نيوكولونيالية. في دمياط. أو الـ DMZ: المنطقة العازلة، منزوعة السلاح، بين الكوريتين. أو معازل عمال وشغيلة العالم الفقراء في خيطان أو الرياض. أو نيدلز، كاليفورنيا. أو شارع جسر البحر، شبرا. أو مرسيليا. أو ماريتشيرا أڤنيو في هراري. أو شارع سانت تريزا في دبلن.

يمكن لهذه المستعمرة الكونية الجديدة أن تكون: دولة. منطقة. نطاق. مدينة داخل دولة. حيَّا سكنيًّا داخل مدينة داخل دولة. حيًّا سكنيًّا خارج مدينة خارج دولة. جغرافيا بلا خريطة. خريطة خارج جغرافيا. خريطة وجغرافيا، معًا، خارج شيء آخر، ليس خريطة، وليس جغرافيا. أقلية مشتتة، مقموعة، أو مضطهدة، في فضاء حاضرة كولونيالية، أو ما بعد كولونيالية، أو نيوكولونيالية. في دمياط. أو الـ DMZ: المنطقة العازلة، منزوعة السلاح، بين الكوريتين. أو معازل عمال وشغيلة العالم الفقراء في خيطان أو الرياض. أو نيدلز، كاليفورنيا. أو شارع جسر البحر، شبرا. أو مرسيليا. أو ماريتشيرا أڤنيو في هراري. أو شارع سانت تريزا في دبلن.

قد تكون شخصًا بدون جنسية. أو لاجئة. أو طريدًا. أو عابرًا/عابرة.  

ربما ترجمة دنيوية (2*)، لا تلقي بالًا لاشتراطات النقاء، اللغوي أو غير اللغوي. 

ربما تكون فعلًا أحمق، غير مجدٍ، وغير منتج بمقاييس الدولة وأجهزتها، التي تشكِّل الذوات. قد تكون استراحة داخل مكتبة. صباح جمعة في قاعة قراءة بدير آباء مستشرقين. تطفل سريع، ثقيل الوقع، على أرشيف تحرسه دولة.

قد تكون مِزاجًا. أو مَزاجًا. أو ميلًا. أو حالة ذهنية. أو عقلية. («دولة مزاج»، إن سمحتم لي أن أُسيء ترجمة المصطلح الإنجليزي: ستيت أوڤ مايند).

قد تكون ضجرًا أمميًّا. أو حماسًا ما بعد أممي.

قد تكون مِزاجًا. أو مَزاجًا. أو ميلًا. أو حالة ذهنية. أو عقلية. («دولة مزاج»، إن سمحتم لي أن أُسيء ترجمة المصطلح الإنجليزي: ستيت أوڤ مايند) قد تكون ضجرًا أمميًّا. أو حماسًا ما بعد أممي

هي، مجازًا وواقعًا – إن ورطنا العزيز فرانز فانون في هذا الأمر، أو تورطنا نحن معه: «بلدة الأهالي، قرية الزنوج، المدينة، المحمية ... هي مكان سيئ الصيت، يقطنه رجال خبيثو السمعة ... هي عالم بلا اتساع؛ يعيش الرجال هناك فوق أحدهم الآخر، وأكواخهم مبنية فوق أحدها الآخر. ... هي بلدة جائعة، يعوزها الخبز، واللحم، والأحذية، والفحم، والأنوار ... هي قرية جاثية، بلدة على ركبتيها، بلدة تتمرغ في الوحل ... بلدة من نيجرز وعرب أوساخ». (3*) 

* * *

غير أن «عشب المحميات» لا تستعير اسمها من فرانز فانون (الذي يأتي الاقتباس السابق من كتابه «معذبو الأرض»، حيث المستعمرة فضاء رجاليّ)، بل من عنوان قصيدة للشاعرة الموهاڤية الأمريكية ناتالي دياز. (4*)

تأخذ قصيدتها «عشب المحميات» والت ويتمان، وهو الشاعر المشهور بديوانه «أوراق العشب»(5*)، إلى عشب من نوع مختلف. ليس عشب الأمة المنتصرة أو الإمبراطورية في طور توسُّعها ومد سيطرتها، ذلك المد الذي يوفر لشاعر مثل ويتمان أساسًا ماديًّا ومعنويًّا ومفاهيميًّا يجعل درجة معينة من العنف الرمزي ممكنة ومقبولة. يتيح له أن يدعي لنفسه كل ما لا يمكن أن يكونه، أن يدعي التوحد مع ضحاياه. أن تتمثَّل ذاته فعل التوسُّع الاستعماري، فتتوسع بدورها، وتجتاح ما حولها:

يتيح له أن يدعي لنفسه كل ما لا يمكن أن يكونه، أن يدعي التوحد مع ضحاياه. أن تتمثَّل ذاته فعل التوسُّع الاستعماري، فتتوسع بدورها، وتجتاح ما حولها:



«أنا العبد المطارد، أجفل من عضات الكلاب»، يقول ويتمان.

«أنا لا أسأل الجريح عن جرحه، فأنا هو الجريح»، يقول ويتمان، بترجمة سعدي يوسف.

هكذا، يمثِّل ويتمان صوتًا يلخص الوجود في ذاته هو. بمقدوره أن يقول «أرى الكل، وأسمع الكل». إنه لا يلتمس المستحيل فقط، بل يدعيه لنفسه. يشعر بكل شيء، ويكون كل شيء: الإنسان. الإنسانة. الحيوان. الطير. رجل الإطفاء. والمدفعي. «صنو الغرانيت، والفحم، والطحلب، والفاكهة – / والحبوب، والجذور المأكولة». يشعر بالألم، والسعادة، والأسى، والشهوة، والتعاطف. هو المار العابر والعبد الهارب المطارد.

وفي تبشيره «بمستقبل للولايات، بهيج، متسامٍ»، يعتبر ويتمان أن الشعوب الأصلية قد صارت ماضيًا بالفعل. ما يبشر به ويتمان إذًا ليس أقل من نجاح تام، ونهائي، للغزو:

أما القديم فإنني أنطلق بما تحمله الريح من الهنود الحمر.

الهنود الحمر

الذين خلفوا أنفاس الطبيعة

وأصوات المطر والريح

وصيحات كنداء طيور الغابات وحيوانها: أسماءَ لنا –

أوكوني – كووسا – أوتاوا – منوغاهيلا – سوك

ناتشيز – چاتاهوچي – كوكويتا – اورونوكو 

واباش – ميامي – ساغيناو – چيپيوا – اوشكوش – والاوالا.

لقد خلفوا هذه الأسماء للولايات

وهم يختفون ويرحلون

مطلقين الأسماء، على الماء واليابسة. (6*)

بدورها، تأخذ دياز ويتمان إلى طريق آخر، لا يوافق طريق الولايات، الذي تمهَّل عليه، كي يبشِّر بمستقبلها. تأخذه إلى مرآة فن مشروخة (7*). مهشمة بالفعل. إلى شظاياها. حيث عشب الفقر، عشب من لم يذوبوا، ويرحلوا. حيث زجاج مكسور يُنبت «رجالًا».

هناك، على هوامش الأمة/الإمبراطورية الصاعدة، في طبقة تحت أرضية تحمل وعدًا دائمًا، غامضًا، (8*) يكشف وجودٌ مختلفٌ عن نفسه. تتكشَّف حياةٌ، ليست نضالية بالضرورة. ولا تحث على «التضامن». إنها مجرد حياة. على الكفاف. حياة جرداء. يدمغها الجوع، ولا مجال فيها لادعاءات تنفي الآخر بعدم إدراك الفضاء، الهوة، التي تفصل بين الذات وضحية كل ما يشكِّل الذات.

هكذا، يجد ويتمان نفسه خارج عشبه، إن جاز التعبير.

يمكن للعشب الذي تكتبه دياز أن يحترق. وقد يهدد معنى راسخًا. قد يغشى دخانه ما تعتبره جماعات مهيمنة جمالًا، أو أدبًا مؤسسًا، أو منظورًا أمميًّا، أو إنسانية رحبة.

هناك، على هوامش الأمة/الإمبراطورية الصاعدة، في طبقة تحت أرضية تحمل وعدًا دائمًا، غامضًا، يكشف وجودٌ مختلفٌ عن نفسه. تتكشَّف حياةٌ، ليست نضالية بالضرورة. ولا تحث على «التضامن». إنها مجرد حياة. على الكفاف. حياة جرداء. يدمغها الجوع، ولا مجال فيها لادعاءات تنفي الآخر بعدم إدراك الفضاء، الهوة، التي تفصل بين الذات وضحية كل ما يشكِّل الذات.

أوراق ويتمان، وكل ويتمان؛ من المستعمِرين، أو الأهالي؛ المبشرين بتمام الغزو، أو المعبرين عن وطنيات العالم الثالث؛ أبيض، أو أسود، أو بُنِّـي، أو قمحي؛ أوراق كل من يبشِّر بمستقبل «بهيج، متسامٍ»، (أو «سعيدٍ، ورفيع»، في ترجمة رفعت سلَّام) لجماعة مهيمنة – هذه الأوراق قابلة دائمًا للاشتعال على أي حال.

كذلك يمكن لأعشاب قصيدة دياز – التي نستعير بعضها هنا – أن تُدخَّن. وقد تأخذ عقلًا ما إلى مكان، أو إلى لا مكان، مرتفع. قد تعلو ببعضنا. أو ... أعنى. لا أعني شيئًا.

كذلك يمكن لأعشاب قصيدة دياز – التي نستعير بعضها هنا – أن تُدخَّن. وقد تأخذ عقلًا ما إلى مكان، أو إلى لا مكان، مرتفع. قد تعلو ببعضنا. أو ... أعنى. لا أعني شيئًا.

ها هي القصيدة، ولتكن أنت الحكم. اللا-حكم. أو لنكن، كما آمل، قراءً مضيافين. وقارئات مضيافات.

(الكلمات الثقيلة، ذات الحبر الثقيل، فيما يلي، اقتباسات من ويتمان).

عشب المحميات 

إنني لا أقيم وزنًا للمراثي

والت ويتمان

 ندخن من العشب أكثر مما نعد في أي وقت بزراعته. 

أفنيتنا الأمامية خضراء وبنية، مثلثات من زجاج – ما هو العشب؟ – 

            زمرد وعقيق خيطوا مثل بذور في الطين.

شظايا الزجاج تُنبت رجالًا مضمومين معًا – حشود – رجالًا أكبر من 

        الأعشاب ومن أي ويتمان، مستندين على جوانب البيوت – يرقصون 

          مع الراقصين ويشربون مع الشاربين – فوق الطين لا المرجة الخضراء.

اللحم المحفوظ يأتي في اليوم الأول من كل شهر – هذا هو لحم الجوع – في 

       علب بيضاء عليها كتابة سوداء عريضة. 

نحن – أنا ومن لي – نلقيه في قدر ونتساءل كيف سيطعمنا جميعًا – 

       انتظر واشهد – لكننا لا نقلق أبدًا، لا ننشغل، لا نبالي، 

      بجز العشب. 

           ماذا لنا – نحن الحمر الأصليينفي مادة خضراء متفائلة منسوجة؟ (9*)

ختامًا، آمل ألًّا يكون ناتج هذه الجولات أرشيفًا ... لا مضادًا، ولا بديلًا، ولا موازيًّا، ولا ... 

آمل أن يتباعد، بقدر ما يمكن أن يحدث في عالم بلا ثنائيات، عن رغبة الدولة الضبطية، التي تنتشر عدواها إلى أفراد طبيعيين، في الحفظ، والتصنيف، والتوثيق، والأرشفة. 

أنارشيف إذًا؟ ربما نعم. لكن ليس لأي سبب وجيه. أو منهجي. أو منطقي حتى. فقط يعجبني وقع الكلمة: نحتٌ من أناركي (بمعناها العمومي) وأرشيف.

ربما يكون ما يتراكم هنا أنارشيفًا فوضويًّا، عفويًّا، تتجمَّع مادته كيفما اتفق، بفضل اكتشافات صدفوية. تحدث خارج «مسكن كبار القضاة».

«كما في حالة [الكلمة] اللاتينية archivum أو archium ... فإن معنى أرشيف، معناها الوحيد، يأتيها من [الكلمة] اليونانية arkheion، [التي عنت] في البدء: بيت، سكن، عنوان، مسكن كبار القضاة، الأرخونات archons، مَن كان لهم إصدار الأوامر. هكذا فإن المواطنين الذين أمسكوا بزمام السلطة السياسية، ورمزوا إليها، اعتُبر أنهم يمتلكون الحق في سن القانون، أو تمثيله. بناء على سلطتهم، المعترف بها علانية، كان في بيتهم، في ذلك المكان الذي هو مسكنهم (مسكنهم الخاص، مسكن الأسرة، مسكن الموظف)، أن حُفِظت الوثائق الرسمية. فالأرخونات هم، في المقام الأول، حراس الوثائق.»(10*)

لا إذًا. الأفضل: لا أرشيف، ولا أنارشيف. ولا حرَّاس. ولا قضاة. كبار. أو صغار.

مجرد مختارات. جولات غير منضبطة. بحث متسرع كسول. ترجمات دنيوية. عالية بأعشابها. رجل حُرَّة، كما يقولون.

هوامش:

1. لا يعني هذا بالضرورة رفض «لوتس» أو عدم احترام جهد كثيرٍ من المشاركين فيها، كتابة وتحريرًا وترجمة، من أمثال ليوبولد سنجور، فايز أحمد فايز، مولود معمري، غسان كنفاني، إدوار الخراط، عثمان سمبيني، ملك راج أناند، ألكس لا جوما، نجوجي وا ثيونجو. يعكس تاريخ لوتس ومساراتها المضطربة تاريخ الدول القومية التي نشأت بعد إنهاء الاستعمار بشكله القديم: صدرت في القاهرة حتى أكتوبر 1978، ونُقِلت إلى بيروت في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد. صدرت في بيروت بجهد «الاتحاد العام للكُتَّاب والأدباء الفلسطينيين»، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. انتقلت بعدها إلى تونس، لكنها سرعان ما عادت إلى القاهرة، وتوقفت عن الصدور عام 1991، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. بالنسبة لي، تمثل «لوتس» مثالًا بارزًا، لا على جهد تضامني عابر للقوميات، بل على فشلٍ (مفهوم إلى حدٍ ما) في تكوين خيال أممي، عالم ثالثي، مستقل عن موارد الدول ودعمها وتشابك مصالحها.

2. أعني بـ «دنيوية» هنا: دنسة، غير مقدسة، من الدنيا وإليها، لا تراعي متطلبات السوق، ضد-بليغة، إن جاز التعبير غير البليغ، غير منضبطة. أستفيد، كما ربما يخمِّن قراء فالتر بنيامين، من مفهومه عن «الإشراقة الدنيوية» أو «الإشراقة الدنسة». انظر/ي: «السوريالية: آخر لقطة الانتليجنسيا الأوروبية»، 75 – 89، في: مقالات مختارة. ترجمة: أحمد حسان. (القاهرة: دار ميريت، 2010).

3. عن الترجمة الإنجليزية الصادرة عام 1963 (للمترجمة الأيرلندية كونستانس فارينجتون Constance Farrington). لا تعكس الترجمات العربية، التي اطلعت عليها، اهتمامًا بمغزى اختيارات فانون للمفردات في هذه الفقرة. تتحول المسبتان العرقيتان المقصودتان «نيجرز» و«عرب أوساخ» إلى الوصفين المحايدين «زنوج» و«عرب». (لم تعد كلمة «زنوج» محايدة بطبيعة الحال). كما أن هذه الترجمات لا تنقل تحيزات فانون الجندرية إلى العربية. على سبيل المثال، يتحول «الرجال» إلى «الناس». انظر/ي ص. 37، من ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي (بيروت: دار القلم، د.ت.).

 4.أصدرت ناتالي دياز Natalie Diaz مجموعتين شعريتين: حين كان أخي إزتيكي When My Brother Was an Aztec (2013)، وقصيدة حب ما بعد كولونيالية Postcolonial Love Poem (2020).

5. قضى ويتمان نحو أربعين عامًا في تطوير «أوراق العشب» منذ طبعته الأولى عام 1855 حتى الأخيرة، المعروفة بـ «طبعة فراش الموت»، التي صدرت عام 1892، قبل وفاته بشهرين. انظر/ي: «سيرة ذاتية لـ 'أوراق العشب'»، ص. 17-73، في أوراق العشب: الأعمال الشعرية الكاملة. ت. رفعت سلَّام. (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2017).

6.ترجمة سعدي يوسف. ص. 84 من: أوراق العشب. (منشورات الجمل، 2010). لاحظـ/ـي أن الفعل الأول في السطر قبل الأخير هو «يذوبون». للمقارنة، هذه هي ترجمة رفعت سلَّام في أوراق العشب: الأعمال الشعرية الكاملة

«أما الماضي فإنني أنطق بما يحمله الهواء من الهنود الحمر. 

الهنود الحمر،

الذين خلفوا أنفاس الطبيعة، وأصوات المطر والرياح، ونداءات كأنها للطيور والحيوانات في الغابة، ملفوظة لنا كأسماء،

[...]

وإذ خلفوا ذلك للولايات ذابوا، ارتحلوا، محملين الماء والأرض بالأسماء.» (133)

لنلاحظ هنا، رغم التباينات في الصياغة بين الترجمتين، الاتفاق على الإشارة إلى السكان الأصليين كـ «هنود حمر»، رغم أن المفردتين اللتين يستخدمهما ويتمان هما red aborigines، أي [السكان] الأصليون الحمر. يطرح هذا سؤال الموقع غير الواعي للمترجم، حتى لمَن نعرف موقعهم الواعي بوضوح (ترجمات سعدي يوسف تحديدًا من أدب الجنوب العالمي كثيرة، وتشمل أعمالًا لعثمان سمبين، نغوجي واثيونغو، وولي سوينكا، ونور الدين فراح).

السؤال هو: أي مكان يشغله المترجم، اختيارًا وضمنًا، في ذلك التقابل بين صوت كاتب عظيم يقدم ما يُفترض أنه خطاب إنساني رحب، وبين مَن ترتكز إمكانية تكوُّن ذلك الخطاب على محو أثرهم. 

يبدو كأن بنية لا واعية معينة قد تدفع مترجمًا إلى التبرع باستخدام تعبير أكثر نمطية مما يستخدمه الشاعر الذي يبشر بذوبان السكان الأصليين، واختفائهم. قد يكون مرد ذلك هو التوحد مع التبشير بجماليات الصعود القومي في صوت ويتمان توحدًا قويًّا إلى حد يحول دون رؤية أسسه الاستعمارية.

7.كل مرآة فن مشروخة بطبيعة الحال، لكنني أشير تحديدًا إلى ذلك الشرخ الذي يحمل توقيع جيمس جويس. في الفصل الأول من روايته عوليس (1920)، يرفض ستيفن ديدالوس شفافية المرآة، مجاز الفن الواقعي، وبالتالي كل فن هوياتي واقعي، في أيرلندا وفي كل مكان آخر: «إنها رمز الفن الأيرلندي. مرآة مشرخة لخادمة.» (17، عوليس. ترجمة: طه محمود طه. القاهرة: الدار العربية للطباعة والنشر، 1994).

8. أستمد فكرة «الطبقة تحت الأرضية» من بعض الكتابات الفلسطينية. انظر/ي، على سبيل المثال، فصل «كيف أنقذ الفجر الصادق سعيدًا من الضياع في دياميس عكا»، 51-58، وفصل «حادث أصعب على التصديق من الموت على الأحياء»، 144-147، في رواية إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل (حيفا: دار عربسك للنشر، 2006)، وثمة مجاز شبيه في رواية أنطون شماس: أرابيسك، المكتوبة بالعبرية عام 1986 (لم تُترجم إلى العربية. صدرت الترجمة الإنجليزية عام 1988).

9. ترجمتي لقصيدة Reservation Grass من ديوان حين كان أخي إزتيكي (2013).

10. ترجمتي عن الترجمة الإنجليزية: 

Jacques Derrida (trans.: Eric Prenowitz). Archive Fever: A Freudian Impression. Diacritics, Summer, 1995, Vol. 25, No. 2 (Summer, 1995), pp. 9-63.

استفدت، قليلًا، من الترجمة العربية لعدنان حسن، المنجزة عن الترجمة الإنجليزية ذاتها: حمى الأرشيف الفرويدي. (اللاذقية: دار الحوار، 2003). 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن