تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ريتشارد رايت: ابن البلد

ريتشارد رايت: ابن البلد

كتابة: وائل عشري 40 دقيقة قراءة
من سلسلة عشب المحميات تصوير: رنا النمر

أنا زنجي أمريكي بالميلاد. قضيت الـ 38 عامًا الأولى من حياتي، حصريًّا، في مسقط رأسي. لكن في لحظة الكتابة هذه، أعيش في منفى اختياري في فرنسا، ويروق لي ذلك. لا يوجد شيء في حياة أمريكا أشتاق له أو أحن إليه. إن لم تحدث حرب أو كارثة، أنوي أن أظل في المنفى. ...

لمَ قررت أن أعيش بعيدًا عن بلدي الأصلي؟ السبب هو أنني أحب الحرية ...

(ريتشارد رايت. «أختار المنفى»، 1951)

لم يكد ريتشارد رايت يبلغ الأربعين من عمره وهو على ذلك يقرأ في أوروبا وأمريكا جميعًا. وأرجو أن يقرأ في الشرق العربي بعد حين؛ فما أعرف أن الشرق العربي يحتاج إلى قراءة كما يحتاج إلى قراءة آثار ريتشارد رايت.

(طه حسين. «في الأدب الأمريكي. ريتشارد رايت». الكاتب المصري، أكتوبر 1947)

 

تقديم وتحرير: وائل عشري

هذه دعوة لقراءة نص صار خارج التداول: ترجمة مبكرة، نسبيًّا، لمقتطف من رواية Native Son «ابن البلد» (1940) للكاتب الإفريقي الأمريكي Richard Wright ريتشارد رايت (1908 - 1960) منشورة في مجلة «الأديب» البيروتية، في أكتوبر 1948.

هذا النص هو حلقة من سلسلة غير دورية، عنوانها «عُشب المحميَّات»، تضم أعمالًا من الجنوب العالمي. تمثل الاختيارات محاولة لتتبع لقاءات، حقيقية أو رمزية، في الواقع أو على الورق، بين ذوات من الجنوب العالمي، في سياقات ليست نضالية بالضرورة، ولا تنشأ كأفعال تضامن، وإن كانت لا تضع نفسها في موقع تضاد مع أي جهد نضالي أو تضامني. 

تطمح هذه المختارات إلى تقديم ممارسات أدبية ترتكز على التجربة، وتتحرك في عوالم الأدب، والترجمة، والنصوص، بجمالياتها، وسياساتها الخاصة، المتغيرة، المتنافسة، بعيدًا عن التصنيفات التي تختزل أدب العالم الثالث / الجنوب العالمي في صيغ حماسية، وفي مقاربات سياسية مباشرة.

***

غلاف الترجمة العربية لرواية «الصبي الأسود» (1962)

ريتشارد رايت هو أحد أبرز الكُتَّاب الأمريكيين في القرن العشرين. تظهر في كتاباته القصصية مؤثرات حداثية، وطبيعية، ووجودية. وتشمل كتبه المنشورة علامات بارزة في مسيرة الأدبين الأمريكي، والإفريقي الأمريكي، مثل «ابن البلد» (1940)، وهي أولى الروايات الإفريقية الأمريكية التي تُقرأ على نطاق واسع، وسيرته القصصية Black Boy «صبي أسود» (1945). 

وُلِد رايت لأب مزارع وأم معلِّمة، بالقرب من مدينة ناتشيز، في ولاية ميسيسبي، في الجنوب الأمريكي. عاش طفولة فقيرة وبائسة، مع أمه وأخيه، بعد أن هجرهم أبوه وهو في السادسة من عمره. تنقلوا بين مدن، وبلدات، وبيوت أقارب مختلفين، فتلقى تعليمًا نظاميًّا متقطعًا. غادر الجنوب عام 1927، واستقر في شيكاغو، إحدى المدن الشمالية التي استقبلت عشرات الآلاف من المهاجرين الإفريقيين الأمريكيين الفارين، مثله، من الأوضاع العرقية والاقتصادية الخانقة في الجنوب، وقيوده المفروضة بقوانين جيم كرو، التي قننت سياسات التمييز العنصري في ولايات الجنوب. 

في شيكاغو، شغل رايت وظيفة في البريد الأمريكي، ثم سُرِّح منها عام 1931، بسبب موجة الكساد العظيم. تعرَّف على الأوساط الماركسية في المدينة، وانضم إلى الحزب الشيوعي عام 1933، قبل أن ينفصل عنه عام 1941، ويكتب عن ذلك في القسم الثاني من سيرته، التي صدرت، بعد وفاته، بعنوان American Hunger «جوع أمريكي» (1977).

عاش رايت حياة هائمة، متنقلًا بين مدن، ودول، وقارات.

غادر شيكاغو إلى بروكلين، نيويورك، عام 1937. جذب الانتباه إليه في العام التالي مع نشر مجموعته القصصية Uncle Tom’s Children «أبناء العم توم»، والتي وفرت له مبيعاتها الوقت والمال كي يبدأ في كتابة «ابن البلد»، التي صدرت عام 1940، وكانت أول رواية لكاتب إفريقي أمريكي يختارها «نادي كِتاب الشهر»، بما يعنيه ذلك من مبيعات ضخمة على المستوى الوطني (باعت الرواية نحو 250 ألف نسخة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من صدورها). وفي العام التالي، عُرضت نسخة مسرحية من «ابن البلد» بإخراج أورسون ويلز. 

غادر الولايات المتحدة إلى باريس، بعد إقامة قصيرة في مقاطعة كيبيك الكندية، عام 1947، وقضى بقية حياته في المنفى، مع مجموعة كبيرة من المثقفين، والكُتَّاب، والفنانين الأمريكيين السود البارزين، من أمثال تشستر هايمز، وجيمس بولدوين، ونينا سيمون، وجوزفين بيكر.

في منفاه الباريسي، تحرَّك رايت في أوساط عالم ثالثية بارزة. سافر إلى ساحل الذهب (غانا لاحقًا) عام 1953، وكتب Black Power «القوة السوداء»، الذي صدر في العام التالي. زار إندونيسيا عام 1955، لحضور مؤتمر باندونج الشهير، وكتب عنه The Color Curtain: A Report on the Bandung Conference «ستار اللون: تقرير عن مؤتمر باندونج» (1956). كما شارك في «المؤتمر الدولي الأول للكُتَّاب والفنانين السود»، الذي نظمته دورية Présence Africaine في باريس في سبتمبر 1956، بجانب كُتَّاب ومفكرين مرموقين مثل ليوبولد سينجور، وإيمي سيزير، وفرانز فانون.

لدى رايت، المتوفى عام 1960 في باريس، حضور متميز، ومبكر، في اللغة العربية: صدرت ترجمات عربية لكثير من كتبه، بل صدر بعضها في ترجمات متعددة. (راجعـ/ ــي «ريتشارد رايت: دليل قراءة» بعد المقتطف).

***

رسم من الترجمة العربية لرواية ابن البلد (1968). تصميم الفنان سعيد المسيري.

 

 

 

 

إنه بيغر توماس، - هو الذي يخاف، خوفًا شديدًا؟ خائف، لكن مما هو خائف؟ من نفسه. فنحن لا نعرف بعد من هو؛ لكنه يعرف أن الخوف سيسكن العالم عندما يعلم الناس. وعندما يعلم الناس، ينتظر العالم. دومًا شيئًا ما من الزنجي، فهو يخاف أن يعرف الناس، يخاف من الخوف الذي قد يكون خوف العالم لو كان الناس يعلمون. ...

في النهاية، يتحرك بيغر توماس. يتحرك لينهي التوتر، ويلبي انتظار العالم.

(فرانز فانون. بشرة سوداء أقنعة بيضاء. ت. خليل أحمد خليل. ص. 150)

تحكي «ابن البلد» قصة بيجر توماس، وحياته في ساوث سايد، شيكاغو، في الثلاثينات، والظروف التي هيأت ارتكابه عدة جرائم.

تنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام طويلة: الخوف. الهروب. المصير.

يقدم القسم الأول بيجر توماس بين أسرته، ويعرض ظروف معيشته، التي يصفها طه حسين، في مقال عن ريتشارد رايت، على النحو التالي:

... فبيجر توماس فتى قد قارب العشرين من عمره، وهو يعيش مع أمه السوداء البلهاء أو التي توشك أن تكون بلهاء، ومع أخ له أصغر منه سنًّا وأخت تختلف إلى مدرسة تتعلم فيها الخياطة، والأربعة يعيشون في غرفة حقيرة متهالكة تروعهم فيها الجرذان ترويعًا شديدًا، وهم يعيشون في هذه الغرفة الحقيرة مختلطين أشنع اختلاط وأبشعه، حتى إن بعضهم ليضطر إلى أن يدير وجهه إلى الحائط أو إلى النافذة ليستطيع بعضهم الآخر أن يلبس ثيابه. وهم يعيشون من الإحسان الذي يصيبهم من جماعة من هذه الجماعات التي توزع الخير على البائسين، وهذا الفتى قد نشأ فيما يظهر نشأة مختلطة مفرقة تشبه نشأة ريتشارد رايت، ولكنه لم يقاوم ظروف السود التي أحاطت به ولم يقهرها، وإنما عرفها وأحسّ شرها وضاق بها وخضع لها مع ذلك مع إنكاره لها؛ فهو يسرق ويكذب ويعتدي، ويرى أن هذا كله شر، ولكنه يرى أن هذا الشر لا بد منه لأنه مظلوم؛ فهو يسرق الظالمين ويخادعهم ويمكر بهم ويعتدي عليهم، لا يرى بذلك بأسًا بشرط أن يفلت من العقاب.

(«في الأدب الأمريكي: ريتشارد رايت». الكاتب المصري، ع. 25، أكتوبر 1947)



كذلك نراه بين أصدقائه. نقرأ عن مشاحناتهم، وعنفهم فيما بينهم، وتخطيطهم لسرقة لا تتم بسبب خوفهم الدفين من سرقة رجل أبيض. نراه راغبًا في ترك أسرته، والتخفف من مسؤولياته، لكنه لا يستطيع أن يتصور أفقًا آخر، أو مستقبلًا بديلًا. يذهب إلى ثري أبيض، السيد دالتون، متقدمًا لوظيفة، فيُقبل، وتنتهي به الليلة آخذًا ماري دالتون، ابنة الأسرة الشيوعية، إلى الجامعة لحضور اجتماع (كما أخبرت أسرتها)، لكنها تذهب لمقابلة جان، صاحبها الشيوعي، قبل سفرها في اليوم التالي. يرتبك بيجر من تبسطهما معه، ودعوتهما له للجلوس إلى طاولتهما، ومشاركتهما الأكل والشراب. يعود في آخر الليل بماري إلى البيت، ويضطر إلى حملها إلى غرفتها من شدة سكرها. بعد أن يضعها في فراشها، تأتي الأم (الكفيفة)، فيخشى بيجر من تبعات اكتشاف رجل أسود في غرفة شابة بيضاء. يضع الوسادة فوق وجهها كي يضمن عدم صدور صوت عنها. تشم الأم رائحة الخمر، وتظن أن ابنتها قد نامت مخمورة. تختنق ماري، ويلجأ بيجر إلى التخلص من الجثة بوضعها في موقد القبو.

في القسم الثاني، يبدأ البحث في سبب اختفاء ماري، ويحاول بيجر توجيه الأنظار إلى جان، صاحب ماري الشيوعي. وحين يكتشف أن السيد دالتون هو أحد مُلَّاك الوحدات السكنية في الجيتو، حيث يتكلفون إيجارات باهظة مقارنة بظروف معيشتهم، يرسل خطابًا طالبًا فدية. في النهاية، تُكتشف الجثة، ويفر بيجر. في محاولته تغطية جريمته الأولى، يرتكب جريمتين: يقتل صاحبته، بيسي، بعد اغتصابها. ينتهي هذا الجزء بمطاردته وإلقاء القبض عليه.

يسرد «المصير» (الذي يأتي المقتطف المنشور هنا منه) التغطية الصحفية للجريمة، والهستيريا العامة التي تجتاح المجتمع الأبيض في المدينة بسببها. كما تُقدَّم تفاصيل المحاكمة، ومساعدة جان، الراغب في فهم السود من أجل الثورة، وإقناعه المحامي الشيوعي اليهودي بوريس ماكس بالدفاع عنه.

رغم أن «ابن البلد» مثلت حدثًا أدبيًّا تاريخيًّا، فقد تعرضت لنقد لاذع، ومستحق، من داخل المجتمع الإفريقي الأمريكي. ثمة أولًا الإحساس العام باستهدافها لجمهور أبيض في المقام الأول. ثم هناك سياساتها الجندرية: تتحرك الرواية في عالم تحركه رغبات، وآمال، ومخاوف، وإحباطات رجال. وشاغلها الأول هو ذكورة بيجر توماس. وأفعال العنف التي يرتكبها هي تأكيد لوجوده كذكر أسود في المقام الأول.

وهناك، قبل ذلك، الطابع النمطي، الفج، لشخصية بيجر توماس، الذي يتصرف على نحو يوافق ما يتوقعه، ويخشاه، المجتمع الأبيض من رجل أسود. بل أن الرواية بأكملها تحكمها، كما رأى جيمس بولدوين، قوانين وقواعد العالم الذي ترفضه الرواية ذاتها، وتبتغي هدمه. في مقالته «رواية احتجاج الجميع» Everybody’s Protest Novel، ينتقد بولدوين «رواية الاحتجاج الاجتماعي» نقدًا شديدًا، خاصة رواية «كوخ العم توم» (1852) Uncle Tom’s Cabin لهارييت ستو، وشخصية «العم توم»، النمطية، الخاضعة. ثم يضيف في ختام مقالته:

في «ابن البلد»، يقف بيجر توماس على ناصية شارع في شيكاغو يراقب الطائرات يحلق بها رجال بيض أمام الشمس، ويقول: «اللعنة»، وتتدفق المرارة مثل الدم، يتذكر مليون إهانة، البيت الرهيب، الذي تتفشى فيه الفئران، وذل الإعانة العائلية، والمشاحنات المحتدمة، القبيحة، الخالية من أي هدف؛ يشعر بالكراهية؛ تشتعل الكراهية عبر تلك الصفحات مثل نيران كبريتية. حياة بيجر بأسرها تحت السيطرة، تحددها كراهيته وخوفه. ولاحقًا، يدفعه خوفه إلى القتل، وكراهيته إلى الاغتصاب؛ ويموت، بعد أن أتى، عبر هذا العنف، هكذا يُقال لنا، للمرة الأولى، إلى حياة من نوع ما، بعد أن افتدى للمرة الأولى رجولته. تحت سطح هذه الرواية يكمن، كما يبدو لي، استمرار، واستكمال لتلك الأسطورة الوحشية التي كُتبت لتدميرها. بيجر هو نسل العم توم، من دمه ولحمه، صورته معاكسة تمامًا إلى حد أنه، حين يوضع الكتابان معًا، يبدو أن الروائي الزنجي المعاصر وامرأة نيو إنجلند المتوفاة [أي هارييت ستو] عالقين في معركة أبدية مهلكة؛ تتفوه هي بعظات تخلو من الرحمة، ويزعق هو بلعنات. وبالطبع، في ثنايا هذه الشبكة من الشهوة والحنق، لا يمكن لأبيض وأسود إلَّا الضرب والضرب المضاد، وأن يتوقا إلى موت أحدهما الآخر موتًا بطيئًا، فاخرًا؛ الموت بتعذيب، بحمض، بسكين، بحرق؛ يزيد الضرب، والضرب المضاد، والتوق، من ثقل الغيمة التي تعميهما وتخنقهما سويًا، حتى أنهما ينحدران في الهوة معًا. هكذا خذلنا القفص جميعًا، هذه اللحظة، حياتنا، استحالت إلى لا شيء عبر محاولاتنا الرهيبة لتأمينها. فمأساة بيجر ليست أنه يشعر بالبرد، أو أنه أسود، أو جائع، ولا حتى أنه أمريكي أسود؛ بل أنه قبل لاهوتًا يحرمه من الحياة، أنه يتقبل إمكانية أن يكون أدنى من البشر، ويشعر أنه مدفوع، بالتالي، إلى القتال من أجل نيل إنسانيته طبقًا لتلك المعايير القاسية التي أورثت له عند ميلاده. لكن إنسانيتنا هي حملنا، هي حياتنا؛ لا نحتاج إلى القتال للحصول عليها؛ نحتاج فقط إلى فعل ما هو أصعب بما لا يُقاس – أي قبولها. يكمن فشل رواية الاحتجاج في رفضها للحياة، وللكائن البشري، وفي إنكار جماله، ورعبه، وقوته، في إصرارها على أن تصنيفه فقط هو الحقيقة، وهو ما لا يمكن تجاوزه.

(من: Notes Of a Native Son «ملاحظات ابن بلد»، 1955)

***

caption
تصوير: مجلة الأديب

إذا ترجمت من لغة إلى أخرى فإياك والترجمة الحرفية. إنك إن تفعل ذلك تكون عبدًا من عبيد الترجمة.

(«أقوال مأثورة في الكتابة». ت.: مبارك إبراهيم. الثقافة، ع. 386، 21 مايو 1946)

مترجم المقتطف هو مبارك إبراهيم.

رغم إنني لم أستطع العثور على معلومات بيوجرافيه عنه، لكن يبدو أنه كان فاعلًا، ونشيطًا جدًّا، ككاتب ومترجم، في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، خاصة في مجلتي «الأديب» (بيروت) و«الثقافة» (القاهرة)، حيث ظهرت مقالاته وترجماته ومراجعاته للكتب بانتظام. 

تتسم ممارسات إبراهيم بالتنوع: تغطي كتاباته موضوعات عامة من قبيل: «رأي في الضحك»، «الشطرنج بين أنصاره وخصومه»، «البوابون في باريس»، «تكوين الباكستان»، «النَوَر عاداتهم وطقوسهم»، «كلمة عن الفوكلور»؛ وكذلك شخصيات أدبية شهيرة، مثل: ديكنز. دانتي. مونتاني. جورج إليوت. أوسكار وايلد. جون درايدن. شارلت برونتي. ه. ج. ولز. يترجم عن الإنجليزية، لكنه كثيرًا ما ترجم، أو لخص، أو عرض نصوصًا، عن ترجمات إنجليزية وسيطة لكُتَّاب من قبيل: فولتير. جوزيف وتلين. فكتور هوجو. أناتول فرانس. جي دي موباسان. «الكاتب البرتغالي جوزيه رودريجس ميجز». «الكاتب الإسباني الكبير ميجويل دي سرفانتس». ترجم قصصًا مكتملة دون تدخل بتلخيص أو تقديم؛ لكنه نشر ملخصات («الحبكة الروائية لقصة الفرسان الثلاثة للكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس»)، وقصصًا توصف بأنها «مترجمة»، مع معلومات ملغزة، («لكاتب يوناني معاصر»، «قصة من أدب اليابان مترجمة عن الإنجليزية»)، أو بدون معلومات على الإطلاق. 

رغم أن ما نشره إبراهيم يتضمن كتابات عن الهند وباكستان، وترجمات لأدباء مثل مُلك راج أناند Mulk Raj Anand، ك. ت. محمد K. T. Muhammed، وريتشارد رايت (ولآخرين أقل شهرة، من سياقات شبيهة)، فلا يبدو ذلك كاهتمام خاص بأدب المستعمرات، أو أقليات الحواضر الاستعمارية. بل يأتي، على الأرجح، في إطار اهتمام عام بـ «أدب عالمي» لا يقتصر على الآداب الأوروبية، لكنه لا يستبعدها.

ما يثير الاهتمام في إبراهيم، إضافة إلى ممارساته الحرة في عالم الترجمة، هو أن مجمل إنتاجه يتضمن كتابات كثيرة من العالم الثالث / الجنوب العالمي، وأن ذلك حدث في سياق منفصل عن (وسابق على) المنظمات التي أنشأتها بيروقراطيات الثقافة في حكومات العالم الثالث حديثة الاستقلال، بدءًا من نهايات خمسينيات، وستينيات، القرن العشرين، وعن الدوريات التي صدرت بدعم مؤسسي من تلك الدول (إضافة إلى الاتحاد السوفيتي، وألمانيا الشرقية، إلخ).

أما عن وصفي ترجمة مبارك إبراهيم، في بداية هذا التقديم، بأنها «خارج التداول» فذلك لسببين:

أولًا: تقنية نشرها في دورية ورقية. 

على عكس الإصدارات الرقمية التي تبقى في التداول، عند أطراف الأصابع، على بعد بحث سريع، فإن الإصدار الدوري الورقي، لحظي، عابر، ليس فقط مقارنة بنظيره الرقمي، بل حتى بالكتاب الورقي المفترض فيه الاستقرار، والاستمرارية، والتداول الممتد في الحاضر والمستقبل. غالبًا ما ينتهي تواجد الدورية الورقية، وما يُنشر بها، بصدور عددها اللاحق.

ثانيًا: أسلوب ترجمتها، قديم الطابع، حتى بالنسبة لزمانها. 

يمكن النظر إلى مبارك إبراهيم في سياق التراث الثري للممارسات الترجمية غير المنضبطة (بالمعنى الفوكودي للانضباط)، على المستويين الشكلي / البنيوي، واللغوي، التي سادت فضاء الترجمة إلى العربية، منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى نحو منتصف القرن العشرين. يقارب الفاعلون في هذا التراث النص المترجم مقاربة حرة. يعيدون إنتاجه بأشكال وصيغ تختلف، إلى هذا الحد أو ذاك، عن النص «الأصلي»، بدون حرج، أو اعتذار. أشير هنا إلى مدى واسع من الممارسات التي لا تخص بالضرورة سياقات مغمورة، أو «شعبية»، أو تجارية، بل ممارسات انخرط فيها مترجمون وشخصيات أدبية نخبوية (الشدياق، الطهطاوي، حافظ إبراهيم، العقاد، إلخ). 

في مقابل هذا التراث الأقدم، ننتمي جميعًا، في اللحظة الراهنة، مترجمين وهواة ترجمة وقراء، إلى التراث اللاحق، المنضبط، الذي أزاح هذه الممارسات عن تصدر مشهد تداول النصوص. ننتمي إليه على نحو راسخ، ومؤسس، بما لا يسمح لنا أحيانًا برؤية تطوره التاريخي، وبإدراك أنه نتاج لجهد مؤسسي، لتهذيب وضبط، ولتطورات في تقنيات الإنتاج، ولقبول عام لمنطق الربح الرأسمالي، وأسسه الحقوقية والقانونية التي ترعاها الدولة ومؤسساتها.

يمكننا، على أي حال، أن نجد تعبيرًا واضحًا عن هذا الانضباط في السطور التالية من مقدمة محمد مندور لترجمته، عام 1943، لكتاب جورج ديهاميل «دفاع عن الأدب»:

عندما طلبت إليّ «لجنة التأليف» ترجمة هذا الكتاب اتفق أنني كنت أراجع ترجمة «شاتوبريان» «للفردوس المفقود»، فرأيت المترجم الفرنسي يحرص على أن ينقل إلى لغته اصطلاحات إنجليزية كما هي، وهو يبرر منحاه هذا، - في مقدمة قيمة عن الترجمة – بأنه يقصد من ذلك أمرين: أولهما المحافظة على الروح الإنجليزية، روح ملتن نفسه التي كثيرًا ما تتركز في طريق الأداء وتستقي عناصرها من الثقافة التاريخية الكامنة بألفاظ اللغة ذاتها، وفي هذا تتفاوت اللغات، فمن بين مفردات اللغة ما يعتبر وثائق تاريخية. ومنها ما ينطق بمواضعات اجتماعية خاصة بكل شعب، كما أن منها ما يحمل شحنة عاطفية لا ندري عادة لماذا اختصت هذه الكلمة أو تلك بحملها، وهي في الغالب مجازات ميتة. وثاني الأمرين هو رغبة شاتوبريان في أن ينقل إلى لغته طرقًا جديدة في العبارة، بل طرقًا جديدة في التفكير، وذلك لأنه يرى أن الترجمة ليست مجرد نقل للأفكار وبخاصة في الأدب حيث تلعب الصور والصياغة الدور الأول.

وهذا هو المذهب الذي أخذتُ به ...

...

... وأنا بعدُ أعتقد أن الكثير من الكتب التي ترجمت إلى لغتنا لم تتحقق فائدتها الكلية لكثرة التصرف والاكتفاء بترجمة الأفكار دون طُرُق الأداء التي كثيرًا ما تفوق في أهميتها المعاني المعبر عنها.

ثم هل لي أن أقول إنني حاولت أن أترجم عن الفرنسية كما يترجم الأوربيون إلى لغاتهم عن اللاتينية أو اليونانية، وإنني لم أكتف بالترجمة بل أضفت الكثير من التعليقات التي رأيتها لازمة لفهم النص ... 

ما يؤكد عليه مندور، فيما سبق، هو خيال لعلاقة، مع النص، كبنية، ولغة، وصياغة، وتتابع محدَّد سلفًا. يصدر عن المؤلف، ويربط الترجمة بـ «أصل». يعيَّنه كنقطة بداية ونهاية. تبدأ الترجمة منه وتنتهي إليه. وللمترجم أن يتصرف، إن أراد، في حدود ما يجده، وله تعليقاته، إن رغب، على هوامش النص.

عكسنا إذًا، ينتمي مبارك إبراهيم، إلى ذلك التراث الأقدم، الحر، الأقل انضباطًا، والأضعف ارتباطًا بنقطة أصل. 

تبدأ ترجمة إبراهيم، لا بصوت المؤلف وراويه الضمني، بل بصوت المترجم. فمدخل نصه لا يمثل مقدمة، أو ملحوظة، أو تنويه، أو نبذة، بل فقرة تنتمي بنيويًّا إلى النص الجديد:

هذه خلاصة وافية لاحد فصول كتاب «ابن البلد». ذلك الفصل الذي يتضمن دفاع المحامي عن ذلك الفتى من السود الذي قتل – بدافع من دوافع الشهوة – فتاة من البيض، كان يعمل سائقاً لسيارة ابيها، والذي قتل فتاة من السود كان قد باح لها بفعلته الشنعاء مخافة ان تشي به. 

قال الكاتب: ...

هكذا يخاطب إبراهيم قارئه. يصيغ صوتًا إضافيًّا يتقدَّم صوت الكاتب. يحتويه. لا يحدث هذا في سياق تراتبي، بل كحلقات سرد متعددة، متداخلة، تقود كل حلقة منها إلى التالية، بدون أن تلغيها، أو تنسخها؛ إذ أن «قال الكاتب» لا تعني تراجع صوت المترجم، أو اختفاءه، بل التأكيد على فعل الترجمة، وعلى أن صوت الكاتب يبلغنا عبر حلقة السرد الافتتاحية التي يشكلها صوت المترجم، مثلما الحال في السرديات التي تتضمن قصصًا داخل قصص (الديكاميرون، ألف ليلة، إلخ).

يخبرنا الراوي-المترجم أن ما سنحصل عليه هو«خلاصة وافية لاحد فصول كتاب 'ابن البلد'»، لكن الحقيقة هي أن مبارك إبراهيم لا يترجم فصلًا. لا كلمة كلمة، ولا إجمالًا؛ فالرواية التي تتكون من ثلاثة أقسام طويلة، غير مقسمة إلى فصول. وبما أنه لا يوجد في الرواية فصل منفصل يرد فيه دفاع المحامي، فما يعطينا إبراهيم هي بنية جديدة، فصل يشكله هو اعتمادًا على النص المترجم.

ربما ينبغي أن نلاحظ هنا أن التباين بين هذا الأداء الترجمي، (الذي قد يُنظر اليوم إليه كممارسة غير مقبولة، أو غير «شرعية» حتى)، وبين توقعاتنا الحالية لا يعود إلى ثنائيات الدقة وغيابها، أو الأمانة والخيانة؛ فممارسة إبراهيم، وتراثه، لا يتأسسان على استخفاف بالنص، أو على «خيانته» بالتعبير الإشكالي الشائع. على العكس تمامًا. يرتكز ذلك التراث على تصورات مختلفة عن «الدقة» و«الوفاء». 

أن تكون دقيقًا، أن تكون نافعًا للقارئ، أن تكون منطقيًّا حتى، يعني، لمترجم ما قبل الانضباط، أن تتعامل مع نص الكاتب تعاملًا نِدّيًّا، أن تختصره، أو أن تضيف إليه إن رأيت ضرورة لذلك.

هكذا يضيف الشدياق إلى ترجمته «شرح طبايع الحيوان» (1840) «كُرَّاسة جمعناها من كتاب حياة الحيوان الكبرى للامام العلامة الشيخ محمد الدميرى تشتمل على أسماء كثير من الحيوان فلعل في مقابلة ما فيها بما هو منقول هنا ومعرب حصول المرام للطالب المستفيد. ... ومتى رأيت في بعض الوصف حرف ز وكلمة الى فاعلم ان تلك زيادة على الأصل استعنا بها من كتاب حياة الحيوان المذكور.»

وبعده بما يزيد على مئة عام، يذكر العقاد في مقدمة كتابه «ألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي» (1955):

أمَّا طريقتنا في الترجمة فهي مراعاة الأصل غاية المراعاة، ما لم يكن حشوًا لا محل له من لباب المعنى ومن الوجهة الفنية، ففي هذه الحالة نكتفي بالمفيد، ولا نلتزم الحشو، وهو لا يزيد في الكتاب كله على بضعة أسطر … وقد أردنا ترجمة صادقة في نقل العبارة بمعانيها وظلالها، ولم نرد نسخًا كنسخ الوَرَّاقين Copyism من لغة إلى أخرى، فمَنْ سَمَّى ذلك نسخًا أو مسخًا، فقد أصاب التسمية! ونرجو أن تكون دقة الأداء وتلخيص التراجم وشواهد التمثيل على المختار من كل أديب؛ صورة صادقة لتطور القصة القصيرة في الآداب الأمريكية ...



وعلى الحدود القصوى لإمكانية التصرف، بالإضافة أو الحذف أو التغيير، نجد المنفلوطي: في مقدمته لرواية «الشاعر أو سيرانو دي برجراك» (1921)، التي صاغها عن ترجمة حرفية لمسرحية إدموند روستان «سيرانو دي برجراك»(1897)، لا يرى المنفلوطي تعارضًا بين تغيير النوع الأدبي، أو الاعتماد على ترجمة حرفية عن لغة لا يجيدها، وبين الوفاء للنص «الأصلي»:

أطلعنى حضرة الصديق الكريم الدكتور محمد عبد السلام الجندى على هذه الرواية التي عربها عن اللغة الفرنسية تعريبًا حرفيًا حافظ فيه على الأصل محافظة دقيقة وطلب إليّ أن أهذب عبارتها ليقدمها إلى فرقة تمثيلية تقوم بتمثيلها ففعلت واستطعت في أثناء ذلك أن أقرأ الرواية قراءة دقيقة وأن أستشف أغراضها ومغازيها التي أراد المؤلف أن يُضمنها إيَّاها فأعجبني منها الشيء الكثير، وأفضل ما أعجبني منها أنها صورت التضحية تصويرًا بديعًا وهي الفضيلة التي أعتقد أنها مصدر جميع الفضائل الإنسانية ونقطة دائرتها فرأيت أن أحوّلها من القالب التمثيلي إلى القالب القصصي ليستطيع القارئ أن يراها على صفحات القرطاس كما يستطيع المشاهد أن يراها على مسرح التمثيل، وقد حافظت على روح الأصل بتمامه وقيدت نفسي به تقييدًا شديدًا فلم أتجوز إلا في حذف بعض جمل لا أهمية لها وزيادة بعض عبارات اضطرتني إليها ضرورة النقل والتحويل واتساق الأغراض والمقاصد بدون إخلال بالأصل أو خروج عن دائرته، فمن قرأ التعريب قرأ الأصل الفرنسي بعينه إلا ما كان من الفرق بين بلاغة القلمين ومقدرة الكاتبين وما لا بد من عروضه على كل منقول من لغة إلى أخرى وخاصة إذا قيد المعرّب نفسه وحبس قلمه عن التصرف والافتنان.


ربما يكمن اختلاف التيارين، إذًا، في التباين بين مترجم يبدو أنه يعتبر أن نصًا مختلفًا على نحو جذري يخرج من عملية الترجمة، وأن ذلك لا يتعارض مع الدقة والوفاء للنص المترجم، وآخر يرى نفسه مقيدًا إلى نص تُعتبر الترجمة نسخة منه.

***

ختامًا، في تحضير النص التالي للنشر، حرصت على الحفاظ على طابعه العام، فتجنبت إدخال تعديلات تتعارض مع التقاليد الكتابية والطباعية وقت نشره؛ فلم أضف ما أُهمل من همزات، أو نقاط. واحتفظت بمنظومة علامات الترقيم كما هي في النص المطبوع.

من كتاب ابن البلد

للكاتب الأمريكي المعاصر ريتشارد رايت Richard Wright

ترجمة مبارك إبراهيم

غلاف رواية ابن البلد (1968) تصميم الفنان سعيد المسيري

هذه خلاصة وافية* لاحد فصول كتاب « ابن البلد » . ذلك الفصل الذي يتضمن دفاع المحامي عن ذلك الفتى من السود الذي قتل – بدافع من دوافع الشهوة – فتاة من البيض ، كان يعمل سائقاً لسيارة ابيها ، والذي قتل فتاة من السود كان قد باح لها بفعلته الشنعاء مخافة ان تشي به .

قال الكاتب :

سأل المتهم واسمه « بيجر توماس » محاميه : متى تنتهي المحاكمة ? .

قال المحامي : لست ادري ! وعليك ان تكون جلداً شجاعاً . 

- لوددت ان تنتهي المحاكمة سريعاً . 

- ان الأمر امر حياتك ، فعليك ان تناضل وتكافح لتنجو . 

- لست ابالي مصيري . واني لاود ان يقضى في امري سريعاً .

وفي صباح اليوم التالي ايقظه حراسه من نومه ، ثم اطعموه . ثم جاءوا به إلى المحكمة . وهناك لقى ستة عشر من رجال الشرطة يشيرون اليه ويقولون : ها هو الرجل الذي ألقينا القبض عليه . واسمه « بيجر توماس » . ثم قالوا : ان رجلاً يستطيع الافلات من القانون بتلك المهارة التي ابداها « بيجر » هو رجل مالك لقواه العقلية ، وهو لذلك رجل مسئول . 

ثم قال رجل من رجال محكمة الأحداث : ان « بيجر » كان قد حوكم ، وحكم عليه بالحبس ثلاثة اشهر لسرقته إطارات سيارة .

ثم رفعت الجلسة وعند ما اعيد انعقادها بعد الظهر قرر خمسة من الأطباء انهم يرون ان « بيجر » مالك لقواه العقلية . ولكنه اليف كآبة وحليف زيغ . 

ثم قام ممثل النيابة فأبرز السكين وكيس النقود اللذين أخفاهما « بيجر » في صندوق القمامة . ثم أبرز الطوبة التي استعملها في تهشيم رأس الفتاة السوداء « بتسي» . وكذلك المصباح الكهربائي ، والرسائل التي تبحث في الاشتراكية ، ثم القرط الذي اسود من اثر النار ، ثم نصل الخنجر ، ثم الاعتراف المكتوب ، ثم الرسالة التي تقول ان غياب الفتاة البيضاء كان بسبب اختطافها . ثم ملابس الفتاة السوداء الملطخة بالدماء . وكذلك المطارف والحشايا الملوثة ببقع من الدم . ثم الحقيبة . ثم زجاجة « الروم » الفارغة التي وجدت في الثلج إلى جانب احد الأفاريز .

وكذلك جيء بعظام « ماري » فبكي النسوة اللاتي كن يشهدن الجلسة .

ثم دخل قاعة الجلسة اثنا عشر رجلاً يحملون الفرن ( الذي أحرقت فيه جثة الفتاة البيضاء ) وقد جاءوا به من بيت « دالتون » والد الفتاة . ثم وضعوه على حامل خشبي ضخم . ووقف الحاضرون لينظروا فأمرهم القاضي بالجلوس .

وجاء ممثل النيابة بفتاة بيضاء في حجم « ماري » وجعلها تزحف الى داخل الفرن ليجعل من ذلك برهاناً لا يقبل الشك على ان الفرن قد وسع جسم ماري حيث احترقت تلك الفتاة البريئة بعد ان وقع الاغتصاب . ولكي يبين للناس ان رأس الفتاة المسكينة لم تكن تتسع فتحة الفرن لدخولها . فقد فصلها عن جسمها ذلك الاسود المصاب بداء التعذيب الجنسي .

ثم امسك ممثل النيابة بمجرفة جاء بها من بيت والد الفتاة المحترقة ليري شهود المحاكمة كيف جرفت العظام من الفرن . ثم شرح للقوم كيف انسل « بيجر » متخذاً السلم سبيله للهرب اثناء الهياج والفزع .

ثم قام وهو يمسح العرق عن وجهه وقال : يا حضرة القاضي ان النيابة تكتفي بهذا ! وعندئذ وجه القاضي القول الى محامي المتهم قائلاً : يا مستر ماكس ! يمكنك ان تبدأ باستدعاء شهودك .

فقال المحامي : ان الدفاع لا يجادل ولا يناقش فيما قرره الشهود هنا . ولذلك فاني متنازل عن حق استدعاء شهودي . واني – كما قلت من قبل – سوف اتقدم في الوقت المناسب بدفع فرعي في صالح « بيجر توماس » .

فقال القاضي موجهاً الخطاب الى ممثل النيابة : يمكنك ان تلخص مرافعتك . فظل ممثل النيابة ساعة كاملة يعلق على شهادات شهود الاثبات . ويفسر أقوالهم ثم اختتم مرافعته بالكلمات الآتية : 

إن الكلمات* العقلية وكذلك القوى الخلقية للجنس الانساني لتعلن عجزها وقصورها اذا كانت الادلة والبينات التي قدمتها النيابة ليست بكافية لان تحتم على هذه المحكمة ان تصدر حكماً بالاعدام على « بيجر توماس » ، ذلك الهاتك لاعراض النساء .

ثم قال القاضي لمحامي المتهم : أمستعد أنت أن تقدم دفعك الفرعي غداً ? .

- نعم سأكون مستعداً يا حضرة القاضي .

ثم اعيد « بيجر » إلى غرفته في السجن . فارتمى على سريره فاقد الحس والشعور وناجى نفسه بقوله : سينتهي كل شيء وتبلغ الامور مداها قريباً . وقد يكون غداً آخر يوم لي . وقد تمنى المسكين ذلك ، لان احساسه بالوقت قد انعدم . فأصبح لا يفرق بين الليل والنهار اذ اصبحا عنده بمنزلة سواء .

وفي صباح اليوم التالي كان قد صحا من نومه عندما جاء « ماكس » . وفي الطريق الى المحكمة ظل « بيجر » يسائل نفسه : ماذا عسى ان يقول محاميه دفاعاً عنه . وهل هو مستطيع حقاً ان ينقذ حياته ? .

ولو أبعد ( بيجر ) الأمل عن خاطره إذن لبدا له ان كل ما يجيء به القدر طبيعي غير مستغرب .

ثم فتحت الجلسة وقال القاضي للمحامي : أمستعد انت لتبدأ مرافعتك ?  قال : نعم ! ثم نهض المحامي وامر يده خلال شعره الابيض . ثم تقدم وتأخر ، ثم واجه القاضي وممثل النيابة . ثم القى نظرة على الجمهور ، ثم تنحنح . ثم بدأ مرافعته فقال :

يا حضرة القاضي : لست ارغب ابداً ان أكون مقصراً في حق التوقير المفروض علي لهذه المحكمة . ولكنني اريد ان اكون عادلاً غير جائر ، ذلك لان في كف القدر حياة رجل . وليس هذا الرجل مجرماً فحسب . ولكنه مجرم من السود . وهو – وتلك حاله – يجيء الى ساحة هذه المحكمة مقيداً مكتوفاً . على الرغم من دعاوانا بان الكل امام القانون سواء .

والذي اريده هو ان ادخل في روع المحكمة وان ابين لها – عن طريق مناقشة الشهود – معالم النهجين القائمين احتمالاً . وكذلك العواقب المحتومة التي يؤدي اليها كلاهما . حتى اذا قلنا كلمة « الموت » كنا نعني ما نقول واذا قلنا كلمة « الحياة » كنا كذلك نعني ما نقول . فلنعرف لارجلنا قبل الخطو موضعها . ولنعرف من نحاكم وماذا تكون عواقب أحكامنا .

وإني لاود ان تستيقن يا حضرة القاضي اني لست غافلاً عن ثقل ذلك الحمل من المسئولية الذي اقوم بالقائه على كاهلك بالطريقة التي اصررت انا على اتباعها في دفاعي عن حياة هذا الفتى ، واني لعاقد العزم يا سيدي ان اضع امامك الجرم الكامل للجريمة لكي تصدر حكمك . وهل لي – وهذه ظروفي – أن افعل غير ذلك ?

ولقد مرت بي الليالي ليلة بعد ليلة لا اذوق النوم الا غراراً . وانا احاول التفكير في ان اصور لكم وللعالم اجمع الاسباب التي ادت بهذا الغلام الاسود ان يجلس في قفص الاتهام قاتلاً معترفاً .

ولقد مرت بي الليالي ليلة بعد ليلة لا اذوق النوم الا غراراً . وانا احاول التفكير في ان اصور لكم وللعالم اجمع الاسباب التي ادت بهذا الغلام الاسود ان يجلس في قفص الاتهام قاتلاً معترفاً 

ولقد سألت نفسي هل استطيع ان اجعل صورة ما مر بهذا الغلام ناطقة واضحة على شاشة من المنطق السليم .

ولكني كيف استطيع ذلك وقد تقدمني الف رسام وفنان في الف صحيفة ومجلة فرسموا تلك الصورة بالمداد القاتم على الف الف ورقة من اوراق الصحف . كلا ! فما بي قدرة ! ولذلك جئت اليوم اواجه هذه المحكمة بأني ارفض الاحتكام إلى المحلفين . واني ارحب بأن أدفع بأن المتهم مدان . وان اطلب في حمى قوانين هذه الدولة ان لا يحكم على هذا الغلام بالموت لاسباب اعتقد انها تمس الاسس الصميمة لحضارتنا .

واني لاسائل نفسي : اي جو هو ذلك الجو الذي يحيط بهذه المحكمة ? .

هل الوطنيون* مصممون تصميماً يرتكز على دعامة من التعقل على ان يروا حكم القانون نافذا ، وان يكون العقاب والجريمة متبادلين ?  وان المجرم ، والمجرم وحده ، هو الذي يقبض عليه . وهو الذي يحل به العقاب ?  كلا ! فقد اتخذت مطاردة « بيجر توماس » تكأة لارهاب كل الاقوام السود .

هل الوطنيون مصممون تصميماً يرتكز على دعامة من التعقل على ان يروا حكم القانون نافذا ، وان يكون العقاب والجريمة متبادلين ?  وان المجرم ، والمجرم وحده ، هو الذي يقبض عليه . وهو الذي يحل به العقاب ?  كلا ! فقد اتخذت مطاردة «بيجر توماس» تكأة لارهاب كل الاقوام السود



وفي الحق ان لهجة الصحف وشعور الشعب الثائر يدلان دلالة طبيعية على ان ما يراد انزاله بالرجل هو شيء اكثر من الانتقام وابعد منه اثراً .

وما الدافع لكل هذا الشعور المرهف ، ولكل هذا الهياج ?  هل هي الجريمة التي ارتكبها بيجر توماس ?  هل كان السود قوماً محبوبين من قبل فكرههم الناس اليوم بسبب تلك الجريمة ? . 

وهل تلك العظام البيض الملقاة على تلك المائدة هي التي اثارت الرعب واشاعت الفزع بين افراد الامة ? . 

يا حضرة القاضي : انك تعرف ان القضية لا تقوم على هذه ! وانك تعرف ان كل العوامل في هذه الحركة الهستيرية قد وجدت قبل ان يولد « بيجر توماس » .

فالسود هم مكروهون بالامس كما هم مكروهون اليوم . ولقد ارتكبت في هذه المدينة جرائم هي اشنع فظاعة واشد هولاً من هذه الجريمة . فرجال العصابات قد قتلوا فأسرفوا في القتل . وقد ظلوا طلقاء لكي يعودوا الى القتل مرة اخرى ، ولكن لا شيء من جرائمهم قد اثار ما اثارته هذه القضية من حنق وسخط .

يا حضرة القاضي : ان الرعاع لم يقتحموا هذا المكان بدافع من انفسهم ! انهم هيجوا الى ذلك ! وقد كان هؤلاء الرعاع قبل هذا الاسبوع يحيون حياتهم كما يحيونها دائماً ناعمين هانئين .

يا حضرة القاضي : ان الخوف والكره والجريمة هي مفاتيح هذه الرواية ! .

ولطالما وددت انا لو استطعت ان اقول : ان الحب والطموح والغيرة ولذة المغامرة او اي احساس من الاحساسات الخيالية كان الدافع على جريمتي القتل هاتين .

ولو اني اوتيت القدرة على ان اضفي على الجاني السيء الحظ ثوباً من الاحساسات المتسامية اذن لكانت مهمتي اسهل وايسر . ولاحسست الاطمئنان إلى النتيجة ولرجحت كفتي . ذلك لاني كنت اخاطب – وتلك حالي – رجالاً تربط بينهم رابطة من المثل العليا المشتركة تجعلهم يحاكمون – ورائدهم الاشفاق والتعقل – واحداً من اخوانهم زلت به القدم ، وضل سواء السبيل وسقط اثناء الكفاح . ولكن لا خيرة لي في هذه المسألة . ذلك لأن الحياة هي التي فصلت هذا الثوب ولست انا !

واسمح لي يا حضرة القاضي قبل ان ابدأ بالقاء اللوم وبطلب الرحمة ان اقرر – في قوة وتأكيد – اني لا ادعي ان هذا الغلام ضحية من ضحايا الظلم . ولست اطلب الى المحكمة ان توليه عطفها . كلا ! فليس هذا ما حدا بي الى العطف عليه والدفاع عن قضيته .

ولست اريد ان انبئك بما ينتابني من الم لوقوفي هنا اليوم . وانا اعلم ان السود في انحاء البلاد يقتص منهم بالجلد بالسياط* وينزل بهم العقاب دون اية محاكمة .

فلنمح من عقولنا الفكرة التي توحي بان هذا الغلام ضحية تعسة من ضحايا الظلم . ولنقرر ان الاحساس بالجريمة الذي اثار الخوف عند الرعاع ، والذي سبب لديهم تلك النوبة الهستيرية هو الجزء المقابل لما في نفس هذا الغلام من بغض وكره .

يا حضرة القاضي : ما زلت ارى الواجب يقتضيني ان اتخذ في كلامي سبيل التعميم . ذلك لانه ينبغي لي ان اظهر الجانب الخفي من صورة هذا الغلام . ذلك الجانب الذي كان له الاثر القوي البالغ الاهمية في تكوين خلقه .

وان اسلافنا جاءوا الى سواحل هذه البلاد فصادفوا بلاداً وحشية قاسية . وهم قد جاءوا الى هنا يحدوهم حلم باهت تخطر صورته في قلوبهم .

وان اسلافنا جاءوا الى سواحل هذه البلاد فصادفوا بلاداً وحشية قاسية. وهم قد جاءوا الى هنا يحدوهم حلم باهت تخطر صورته في قلوبهم 



وهم قد جاءوا من بلاد جفتهم وانكرتهم كما نجفو نحن اليوم وننكر شخصية هذا الغلام . وهم قد جاءوا من مدن العالم القديم حيث كانت وسائل العيش صعبة غير ميسرة .

وليس علينا الا ان نمر بأعيننا على هذه الشوارع والمصانع والبنايات لنرى كيف كان انتصارهم انتصاراً كاملاً .

ولكنهم في انتصارهم قد استعانوا بآخرين او قل استعانوا بحياة آخرين . كما يستعمل مستخرج الفحم من منجمه المعول . وكما يستعمل النجار منشاره ، فقد اخضعوا هم ارادة الآخرين لارادتهم . وكانت حياة اولئك الآخرين هي الادوات والاسلحة التي تشهر في وجه بلد عدو ، وطقس عنيد .

ولست اقول هذا القول لاستثير العطف على الرجال السود الذين « ظلوا » عبيداً ارقاء قرنين ونصف قرن . فمن الجنون الآن ان نرجع البصر إلى وراء . وان ننظر الى هذا الامر بحسبانه ظلماً .

ولقد كان الرق حلماً من احلام عهد الاقطاع . وذلك الحلم هو الذي جعل اناساً يستعبدون آخرين .

ولقد شطت بأولئك المستعبدين الناس الرغبة في السيطرة فلم يكونوا ليستطيعوا بناء امم لو لم يغمضوا العين على ما تحتمه الانسانية عليهم من واجبات نحو الاقوام الآخرين . ولكن الاختراعات وانتشار استعمال الآلات جعلت الاسترقاق المباشر مستحيلاً اقتصادياً . ولذلك فقد بطل عهد الرق والرقيق .

وابغض الاشياء عند الناس ان تجعلهم يحسون انهم قد جنوا جناية واقترفوا اثماً . وانك لتراهم يستميتون استماتة اليائس في تبرير فعلتهم بالف علة وسبب .

ولكنهم وان اخفقوا واستعصى عليهم الحل الذي يريهم الا جرم فيما ارتكبوا ولا جريمة – دون ان يكلفهم ذلك اكلافاً كثيرة تمس حياتهم او تتصل بما يملكون من مال ومتاع – فانهم سوف يقتلون ذلك الذي اثار فيهم الاحساس بالجريمة وهو ذلك الاحساس الذي يقض المضاجع .

وهذا القول صحيح عند كل الناس سواء أكانوا من البيض او من السود . بل هو خصيصة مشتركة بين الناس اجمعين .

ولو كان الذين وقعوا في اسر الرق قد بلغت عدتهم عشرة او عشرين لاستطعنا أن نسمي ما حل بهم ظلماً واجحافاً . ولكن عدتهم بلغت مئات الالوف في جميع انحاء البلاد .

ولو كان الرق قد دام عهده سنتين او ثلاثاً لقلنا ان هذا كان منافياً للعدالة . ولكن الرق قد دام عهده مئتي سنة . فلا يمكن بأية حال ان نسمي هذا ظلماً . ذلك لانه قد اصبح امراً واقعاً من امور الحياة .

والناس يلبسون لكل حالة من حياة العيش لبوسها . وهم يقننون القوانين التي تلائم نوع الحياة التي يحيونها . وهم يحددون لانفسهم معالم الخير والشر .

وبعد، فهل انت تؤمن يا حضرة القاضي في قرارة نفسك ان البنات البيض في البيوت الامريكية سوف يكن اكثر طمأنينة وامناً اذا حكمت على هذا الغلام بالقتل? 



وبعد ، فهل انت تؤمن يا حضرة القاضي في قرارة نفسك ان البنات البيض في البيوت الامريكية سوف يكن اكثر طمأنينة وامناً اذا حكمت على هذا الغلام بالقتل ? 

كلا ! اني اقولها – والمهابة تملؤني – انهن لن يكن اكثر طمأنينة وأمناً ! وأضمن الطرق للتأكد من ان مثل هذه الجرائم سوف تكثر هو ان يقتل هذا الغلام .

وفي فورة من فورات الغضب . وفي ثورة من ثورات السخط اجعلوا هذه الآلاف من الرجال والنساء السود يحسون ان السد الذي يحول بينهم وبين البيض قد اصبح اعلى بناء واشد صلابة ! .

وفي فورة من فورات الغضب. وفي ثورة من ثورات السخط اجعلوا هذه الآلاف من الرجال والنساء السود يحسون ان السد الذي يحول بينهم وبين البيض قد اصبح اعلى بناء واشد صلابة 



ثم اقتلوا هذا الغلام . وزيدوا في وقود النار التي سوف يكون لها ضرام والتي سوف لا تبقي ولا تذر .

واهم ما يجب ان تذكره المحكمة يوم تصدر قرارها في مصير هذا الغلام هو انه على الرغم من ان جريمته كانت جريمة عارضة فان الانفعالات التي انطلقت من عقالها كانت موجودة من قبل . وكذلك يجب ان يذكر ان طريقة عيش هذا الغلام كانت طريقة مؤدية الى الجريمة وان جريمته قد وجدت قبل مقتل « ماري دالتون»  وان طبيعة تلك الجريمة قد شق عنها الحجاب الذي كانت تستخفي وراءه . هذا الشق الذي قد افسح المجال لشعور الغيظ والحنق ان يقفز ويطفو وان يتخذ شكلاً واضحاً يحس ويلمس .

يا حضرة القاضي : اني انادي بالتريث وبالتبصر في عاقبة الامور !

واني لاعرف يا سيدي ان « ماري دالتون » فتاة من البيض . طيبة القلب حسنة القصد والنية . تعلو وجهها ابتسامة؛ قد جاءت الى « بيجر توماس » لتعاونه . وان مستر « دالتون » – وقد تملكه شعور غامض بأن هناك خطأ اجتماعياً قد ارتكب – اراد ان يهيئ له عملاً حتى تستطيع عائلته ان تجد ما يقيم اودها وحتى يستطيع اخوه وتستطيع اخته ان يغدوا إلى المدرسة .

وان « السيدة دالتون » قد ارادت ان يذهب هو الى المدرسة ليتعلم حرفة من الحرف . 

ولكنهم ما ان مدوا هذه الايدي الكريمة حتى ضرب الموت ضربته ! وهم اليوم محزونون ينتظرون ساعة الانتقام . وعجلة الدم لا تني عن الدوران ! 

واني لمشفق على ذينك الابوين الطيبين الاشيبين . ولكني اقول « لمستر دالتون » : انك تؤجر بيوتك في « بلاك بلت » للسود . وانك تأبى ان تؤجر لهم اي بيت من بيوتك في غير هذا المكان . وبذلك قد ابقيت « بيجر توماس » في تلك الغابة . فجعلت الرجل الذي قتل بنتك غريباً عنها . وابقيت بنتك غريبة عنه .

وقد باتت العلاقة بين اسرة « توماس » واسرة « دالتون » علاقة مستأجر بمؤجر . علاقة عميل بتاجر . علاقة عامل بصاحب عمل .

وقد انحدرت اسرة « توماس » إلى درك الفقر . وارتفعت اسرة « دالتون » إلى اوج الغنى .

وقد حاول « مستر دالتون » – وهو رجل وقار واحتشام – ان يصلح ما فسد من احساسه . وذلك بان يهب المال ، ولكن الذهب يا صديقي « دالتون » ليس فيه غناء ! ولكن الرفاة لا تقبل الرشى .

قل لنفسك يا مستر « دالتون » : لقد قدمت فتاتي كضحية محترقة . واني اقول للسيدة « دالتون » ان عاطفة حب الناس كانت عمياء كعينيك اللتين كف بصرهما ! . 

واني اقول « لماري دالتون » – لو استطعت ان اسمع من في القبور – اني اقف اليوم هنا محاولاً ان اجعل موتك يعني شيئاً من الأشياء ! .

واسمح لي يا حضرة القاضي ان امعن في شرح حياة« بيجر توماس » ففيه وفي امثاله تكمن تلك الروح التي تكمن في اسلافنا يوم نزلوا لاول مرة بشواطئ هذه البلاد منذ مئات السنين .

وقد وجدنا نحن ارضاً جعلتنا نبدي اعمق واحسن ما فينا من سجايا وصفات ، فبنينا امة قوية يخاف باسمها . وقد افرغنا ولا نزال نفرغ فيها خلاصة ارواحنا ، ثم قلنا لاولئك السود : ان هذه البلاد وقف على الرجل الابيض ! وهم لا يزالون يبحثون عن ارض يستطيعون أن يفرغوا فيها خلاصة ارواحهم ! فنحن اذن الذين اعددنا الخطة ومهدنا السبيل لقتل « ماري دالتون » . ونحن نجيء اليوم فنقول : ان الامر لا يعنينا ! 

وقد وجدنا نحن ارضاً جعلتنا نبدي اعمق واحسن ما فينا من سجايا وصفات ، فبنينا امة قوية يخاف باسمها . وقد افرغنا ولا نزال نفرغ فيها خلاصة ارواحنا ، ثم قلنا لاولئك السود : ان هذه البلاد وقف على الرجل الابيض ! وهم لا يزالون يبحثون عن ارض يستطيعون أن يفرغوا فيها خلاصة ارواحهم ! فنحن اذن الذين اعددنا الخطة ومهدنا السبيل لقتل «ماري دالتون» . ونحن نجيء اليوم فنقول: ان الامر لا يعنينا !



ولكن كل واحد من معلمي المدارس يعرف اننا في هذا القول خاطئون ، ذلك لان كل واحد من اولئك المعلمين يعرف العوائق والقيود التي وضعت في سبيل تعليم السود .

ورجال السلطة يعرفون انهم في قوانينهم كانوا دائماً يعملون على ان يحاط « بيجر توماس » وامثاله بنطاق ضيق لا يتسع لشيء .

وملاك البيوت يعرفون انهم قد اتفقوا فيما بينهم على ان يبقى السود في احياء منعزلة في المدن الكبرى .

ونحن يا حضرة القاضي معشر الجالسين اليوم في ساحة القضاء شهود عدول على هذا ، ذلك لاننا من الذين ساعدوا على خلق هذه الحالة .

وقد يتساءل سائل : اذا ظن هذا الغلام انه قد اسيء اليه في صورة من صور الاساءة فلماذا لم يذهب الى احدى المحاكم يطلب رد عادية الظلم عنه ?  ولماذا اقام نفسه منفذاً للقانون ? .  

واني لقائل يا حضرة القاضي ان هذا الولد لم تخطر بباله ايه فكرة عما لحق به من اساءة قبل ان يقتل . وهو الآن لا تخطر بباله ايه فكرة انه قد اسيء اليه . او ان الذين اساءوا اليه هم أفراد معينون .

ولكي اكون صادقاً في قولي فاني اقرر ان الحياة التي عاشها هذا الغلام قد شكلت عقله في صورة جعلته لا يرجو من هذه المحكمة الا القليل من الخير ، قلة قد لا تتصورها المحكمة ابداً .

ان جريمة هذا الغلام لم تكن جريمة ارتكبها رجل موتور اخذاً بثأره من رجل ظن انه اساء اليه . ولو كانت كذلك لكانت هذه القضية من ابسط القضايا . ولكنها قضية رجل اذنب في حق امة كاملة من الناس هي جزء من كيان العالم .

فهو قد قتل « ماري دالتون » صدفة واتفاقاً . دون ان يفكر في الامر او يضع الخطة ودون باعث من البواعث التي تصدر عن وعي .

وقد رضى هو عن هذا العمل . ذلك لانه عمل قد صيره حراً . واتاح له امكان الاختيار . وامكان العمل . كما اتاح له الفرصة لان يعمل وان يحس ان اعماله قد اصبحت يقام لها وزن .

ونحن هنا نعالج أمر دافع من الدوافع التي تأصلت جذورها .

وهذا الغلام قد أحس ويداه ملطختان بدم « ماري دالتون » انه قد اصبح فتى حراً لاول مرة في حياته . وعليك ان تضاعف يا حضرة القاضي « بيجر توماس » اثني عشر مليون مرة مع مراعاة اختلاف الطباع والبيئات .

اذا فعلت ذلك وضحت لك الحالة النفسية لدى الاقوام السود .

فهم كمجموعة ليسوا اثني عشر مليوناً من الافراد . إنما هم على التحقيق امة منفصلة اعيق نموها الطبيعي وسلبت حقوقها . وظلت امة اسيرة داخل الامة وقد حرمت حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحقوق التملك .

يا حضرة القاضي إن عدد السود قد زاد اليوم اربعة اضعاف عما كانوا في مستعمراتهم الثلاث عشرة الاصلية يوم ثاروا ثورتهم يطلبون الحرية *.

والآن ارجو يا حضرة القاضي ان تأذن لي في ان ازيدك حديثاً عن « بيجر توماس » . لقد قالت الصحف قبل ان تبدأ هذه المحاكمة ، ثم قالت النيابة : ان هذا الولد قد ارتكب جرائم قتل اخرى قبل جريمته هذه . وهذا صحيح . انه مرتكب لجرائم عدة . ولكنك لو ظللت تتقصى الحوادث الى يوم القيامة فانك لا تجد ايه اثارة من دليل على تلك الجرائم .

ان هذا الولد قتل اكثر من مرة . ولكن ليست هناك جثث للقتلى الذين اودى بهم واوردهم موارد الهلاك . ودعني افسر قولي : ان وجهة هذا الغلام الاسود في هذه الحياة هي جريمة من الجرائم ! ذلك لان الكره والخوف اللذين اوحينا بهما الى نفسه واللذين اصبحا بفضل حضارتنا جزءاً لا يتجزأ من قوام وعيه واللذين تغلغلا في دمه وعظامه . قد اصبحا هما المسوغين لوجوده .

وهو كلما اتصل بنا بصلة من الصلات قتل ! وهذا القتل انما هو رد فعل فسيولوجي ، وانتكاس نفساني تغلغل في كيانه وطبيعته . وكل فكرة تخطر بباله انما هي قتل محتمل الوقوع .

اما وقد اقصى عن جماعتنا نحن البيض . اما وقد ظل بالرغم من هذا الاقصاء يحن الى اشباع انفعالاته التي تصل بينها وبين انفعالاتنا صلات الرحم والقربى .

اما وقد حرم عليه ان يرد تلك الموارد ، فان كل شروق شمس وكل غروب يجعلان منه مجرماً يقترف الآثام الهدامة المدمرة .

وكذلك كل حركة من حركات جسمه انما هي احتجاج خفي .

وكذلك ايضاً كل رغبة من رغباته ، وكل حلم من احلامه . سواء الظاهر منها والباطن ، انما هي دسيسة ومؤامرة . وكذلك كل امل من آماله انما هي خطة مبيتة للعصيان والتمرد . وكذلك كل خلجة من خلجات عينه انما هي نذير ووعيد . وفي الجملة ان وجوده الذاتي جريمة ضد الدولة ! .

( وبعد ) فاني ارجو منك يا حضرة القاضي ان تبقي على هذا الولد ، وان تبعث به الى السجن ليظل فيه طوال حياته .

وماذا يعني السجن عند « بيجر توماس » ?  إنه يضفي عليه فوائد ومزايا لم تغدقها عليه ابداً الحياة الحرة الطليقة .

ان ارساله إلى السجن لهو اكثر من مرحمة . انك يا حضرة القاضي بارسالك اياه الى السجن تغدق عليه نعمة الحياة لاول مرة وتكون قد ارتقيت به إلى مدار حضارتنا . وسوف يصبح في السجن صاحب شخصية لا شك فيها . وان كانت هذه الشخصية لا تعدو ان تكون رقماً من الأرقام ، هو رقم السجين .

وسوف يعقد لاول مرة اواصر الصلات غير المقيدة مع العالم .

وسوف تكون تلك البناية ، بناية السجن الذي سوف يقضي فيه بقية حياته . احسن ما عرف من البنايات .

وان ارساله الى السجن يا حضرة القاضي سوف يكون اول اعتراف بشخصيته ، ظفر به في حياته .

وإن السنين السود التي سوف يستقبلها سوف تهيئ لعقله واحاسيسه الهدف الوحيد المحقق والباقي على الزمن . ذلك الهدف الذي سوف يستطيع ان ينسج من حوله معنى من المعاني لحياته .

وان نزلاء السجن الآخرين سوف يكونون اول رجال يمكن ان يشاركهم العيش على قاعدة من المساواة والتكافؤ .

وان القضبان الحديدية التي سوف تفصل بينه وبين المجتمع الذي اجرم هو في حقه سوف تذود عنه الكره والخوف .

اني ارجو منك يا حضرة القاضي ان تهب لهذا الفتى حياته . 

القاهرة . مبارك إبراهيم

هوامش:

*هو كاتب اشتهر بكتاباته عن الاقوام السود . وله في ذلك عدة مؤلفات منها : كتاب «اولاد العم توم» وكتاب «ابن البلد» وكتاب «غلام اسود». [المترجم]
**ربما المقصود هو «الملكات». [المحرر]
***أي الأهالي [المحرر]
**** يبدو أن هذه ترجمة للفعل lynch الذي يعني عادة القتل خارج القانون، وتاريخيًّا: جرائم قتل السود في الجنوب الأمريكي [المحرر]

 

رسم من الترجمة العربية لرواية ابن البلد (1968) تصميم الفنان سعيد المسيري

ريتشارد رايت: دليل قراءة

مقال طه حسين، «في الأدب الأمريكي: ريتشارد رايت»، الذي يناقش فيه كتابي «صبي أسود» و«ابن البلد»، نُشِر أولًا في مجلة «الكاتب المصري» (ع. 25، أكتوبر 1947)، ثم في كتاب «ألوان» (1952). هنا نسخة رقمية من الفصل: https://www.hindawi.org/books/14820685/17/

صدرت ترجمات عديدة لمجموعة رايت القصصية الأولى، «أبناء العم توم»، منها ترجمة منير البعلبكي (بيروت: دار العلم للملايين، 1955)، وترجمة أحمد محمد عطية (القاهرة: دار الموقف العربي، 1982).

صدرت «ابن البلد» في ترجمة عربية لسعد زغلول نصار: (القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1968).

بدأ رايت في كتابة سيرته الذاتية نحو عام 1943، بعنوان أولي، «اعتراف أسود»، تغير بعد إتمام المخطوطة إلى «جوع أمريكي». كانت السيرة تتكون من قسمين كبيرين: «ليل جنوبي» يتناول طفولته ويفاعته في الجنوب قبل انتقاله إلى شيكاغو عام 1927. و«الرعب والمجد» الذي يتناول حياته في شيكاغو في الثلاثينيات، خاصة تجربة انضمامه للحزب الشيوعي، ثم انفصاله عنه. عرض الناشر الكتاب على «نادي كِتاب الشهر»، فقبلوا اعتماده بشرط أن يصدر القسم الأول في كتاب مستقل، وهو ما وافق عليه رايت. هكذا، صدرت السيرة (أو القسم الأول منها) بعنوان «صبي أسود» (1945).

صدرت في الستينيات ترجمتان عربيتان لهذه السيرة الذاتية، أولهما هي: الصبي الأسود (ت. سهيل أيوب. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1962). ثانيهما: الولد الأسود، قصة طفولة وشباب. (ت. تماضر توفيق. القاهرة: دار المعارف، 1968). هنا نسخة رقمية من الأولى.

توجد كذلك ترجمة لأحد فصول الكتاب في مجلة «الغد»، بعنوان «الرعب الأبيض»(ت. محمد شرف. عدد 2-3، يونيه - يوليه 1953).

نشر رايت مختارات من القسم الثاني في دوريات مختلفة، بعناوين مختلفة: «حاولت أن أكون شيوعيًّا» (أغسطس / سبتمبر 1944)، «جوع أمريكي» (سبتمبر 1945)، «أيام أولى في شيكاغو» (1945)، لكنه لم يصدر كاملًا إلَّا بعد وفاته، بالعنوان الذي كان رايت قد اختاره للمخطوط الأصلي، أي «جوع أمريكي» (1977). 

نُشِرت السيرة كاملة بقسميها عام 1991، كما كانت خطة رايت في البداية.

نُشِرت مقتطفات من هذا القسم الثاني في كتاب دعائي ضد الشيوعية: The God that Failed (1949). ضم الكتاب، الذي صدر في ترجمة عربية بعنوان «المعبود الذي هوى: دراسات في الشيوعية» (ت. عباس حافظ. القاهرة: دار النيل للطباعة، 1951)، مساهمات من ستة كُتَّاب (مساهمة رايت: ص. 152-214). توجد هنا نسخة رقمية من الكتاب.

كتب رايت عددًا كبيرًا من قصائد الهايكو أثناء شهور مرضه الأخيرة. صدرت مختارات منها بعد وفاته بعنوان Haiku: This Other World «هايكو: هذا العالم الآخر» (1998). يوجد عدد مثير للدهشة من الترجمات العربية لهذه القصائد: ثلاثًا في كتب مطبوعة، وعددًا آخر لا يمكن حصره في مطبوعات رقمية. أترك للقارئ المهتم مغامرة العثور على بعضها إن أراد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن