أن تكون مصريًا عالقًا في الحرب الأوكرانية
خلال الساعات الماضية تواصل «مدى مصر» مع أربعة مصريين يعيشون في أوكرانيا تحت نير القصف الروسي، الذي بدأ فجر أمس، الخميس. وكانت أول قصص المصريين العالقين هناك هي رحلة هروب مصطفى التي أفشلها إغلاق المجال الجوي الأوكراني في أعقاب الحرب.
كان من المفترض أن تصل رحلة مصطفى، الذي يدرس الطب في أوكرانيا منذ أربع سنوات، إلى مطار شرم الشيخ أمس، لكن الحرب حالت دون ذلك. ثم تضاعفت خسارته بسبب تسليمه مفتاح مسكنه وفق سيناريو الهروب الذي باغته القصف الروسي، وأصبح عالقًا مع اثنين من زملائه المصريين وثلاثة آخرين فلسطينيين، في شقة واحدة صغيرة في دينيبرو٬ شرق أوكرانيا.
في حديثه مع «مدى مصر»، صب مصطفى -الذي ينحدر من محافظة كفر الشيخ- غضبه على السفارة المصرية في أوكرانيا، قائلًا إنها تركته وغيره من الطلبة دون إجلائهم أو مساعدتهم حتى في إتمام الإجراءات الرسمية الضرورية للمغادرة، مضيفًا «أنا الآن عالق في أوكرانيا» موضحًا أنه كان ينوي العودة إلى مصر مع أنباء التهديدات المُحتملة للحرب في وقت مبكر، لكنه كان مضطرًا للقيام بإجراءات استغرقت أكثر من شهر، دون أي مساندة من السفارة، لاستخراج أوراق رسمية من الجامعة، كانت ضرورية للحفاظ على مستقبله. وهذه الأوراق تتمثل فيما يثبت إتمامه الدراسة حتى السنة الرابعة تحسبًا لعدم قدرته على استكمال الدراسة لاحقًا في جامعته الأوكرانية، وكذلك ما يفيد بأنه لا يزال طالبًا لم يكمل دراسته، حتى لا يكون ممنوعًا من السفر في مصر بسبب موقفه من التجنيد في القوات المسلحة، فهو مُعفى مؤقتًا بسبب الدراسة.
وبعد فشل خطة الهروب بسبب الروتين ثم اندلاع الحرب، لا يملك مصطفى خطة أخرى بديلة، بل عليه التكيف مع حالته كمصري عالق «ما يعنيني هو الطعام والشراب، وهو ما يعني أن أحاول استخدام مدخراتي لأطول فترة ممكنة، لأن تحويل الأموال سيتعذر على الأرجح».
أما مينا، الطالب المصري الذي لم يستكمل عامه الأول في جامعة أوكرانية وينحدر من محافظة المنيا٬ فقد عرفنا القليل عن وضعه، بسبب اضطراره إنهاء مكالمته مع «مدى مصر»، عبر تطبيق «ماسنجر»، حين داهمته أصوات القصف بالقرب من البناية السكنية التي يسكن فيها في مدينة خاركوف قرب الحدود الروسية. وأوضح مينا أنه سيبحث عن مخبأ في محطات مترو الأنفاق القريبة، ثم سيكون عليه التوجه نحو غرب أوكرانيا قرب الحدود البولندية، معتمدًا على التحويل المالي الذي وصله من أسرته في مصر قبل لحظات من اندلاع الحرب للإقامة في أي فندق هناك. وفي حال وصلت الحرب إلى تلك المنطقة، سيحاول مينا دخول بولندا بريًا، ومنها يعود إلى مصر.
من جانبها، طالبت السفارة المصرية في أوكرانيا المصريين في خاركوف، وبقية المدن الشرقية الالتزام بالتواجد في المنزل أو المخابئ، بحسب بيانها، صباح اليوم، الذي قال إنها تتفاوض لتوفّر مسار خروج آمن لهم، موضحًا أن التوجه لبولندا يناسب المصريون المتواجدون في غرب أوكرانيا.
ينتمي مصطفى ومينا إلى الطلبة المصريين في أوكرانيا، وأغلبهم من الطبقة الوسطى التي ترسل أبناءها للتعليم هناك «لعدم طلب الجامعات الأوكرانية لدرجات مرتفعة في مرحلة الدراسة قبل الجامعية للالتحاق بها، وهي أرخص كذلك من نظيرتها الخاصة المصرية» حسب مصطفى الذي أوضح إن دراسته للطب في أوكرانيا تكلف أسرته سنويًا أربعة آلاف دولار، أي حوالي ستين ألف جنيه مصري.
وتبعًا لوزيرة الهجرة، نبيلة مكرم عبيد، يبلغ عدد الطلبة المصريين في أوكرانيا 3964، من أصل ستة آلاف مصري في أوكرانيا متواجدين في 21 مدينة.
يختلف وضع إسلام عن مصطفى ومينا، فهو ينحدر من مدينة بنها، ويعمل بالبستنة في خاركوف بعد وصوله أوكرانيا منذ سنة واحدة. لن يغادر إسلام أوكرانيا حتى لو اتسع نطاق الحرب، موضحًا أن العودة هي طموح الطلبة الذين يرسل لهم أهاليهم مصروفات الحياة.
«وفّرت ليّ أوكرانيا للمرة الأولى أجرًا جيدًا بعد سنوات طويلة من العمل في مصر في أعمال غير دائمة ومنخفضة الأجر جدًا» قال إسلام لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن أولوياته الآن، تتشابه مع الأوكرانيين، في سعيه للبقاء آمنًا، مُستبعدًا العودة مؤقتًا لمصر «أنا قاعد هنا لغاية ما ربنا يفرجها».
ينتظر إسلام الحصول على الجنسية الأوكرانية بعدما حصل على حق الإقامة الدائمة فيها، ولم يبد في حديثه مع «مدى مصر» اهتمامًا يذكر بالانتقادات الموجهة للسفارة المصرية فيما يتعلق بإجلاء رعاياها أو عدم تحذيرهم من البقاء في أوكرانيا، بل يعلق ساخرًا: «الحرب الجاية إن شاء الله».
كما لا يبدي قلقًا كبيرًا على حياته من الحرب متوقعًا ألا تقصف روسيا أهدافًا مدنية، لكنه يتمنى أن يحظى بخندق يقيه مخاطر القصف الجوي المحتملة.
بينما تواجد محمود٬ وهو مصري مقيم في خاركوف أيضًا، في خندق داخل بيته، موضحًا أنه «مخزن للطعام تحت البيت نستخدمه الآن كمخبأ». وبسبب هذا الخندق/ المخزن، بدا محمود، في حديثه مع «مدى مصر»، أقل قلقًا مقارنة بمصطفى ومينا، مشاركًا إسلام تمسكه بأوكرانيا كوطن ينوي الإقامة فيه، فهو متزوج من امرأة أوكرانية، وأب لطفلة رضيعة لا يتجاوز عمرها سنة، ولدت في مصر، ثم انتقلوا لبلد زوجته قبل سنة.
ومع ذلك، أكد محمود أنه ربما كان قد غادر أوكرانيا لفترة مؤقتة لو خطر له أن قصفًا سيحدث فعلًا. لكنه حتى الساعات الأخيرة قبل اندلاع الحرب٬ كان يعتبر أن التوتر بين البلدين لن يتخطى المناوشات. وما عزز توقعاته المتفائلة تلك، أن السفارة المصرية في أوكرانيا لم ترسل أي تحذيرات لرعاياها «اللهم إلا بيان يطالب المصريين بتسجيل بياناتهم لدى السفارة، وهو نفس البيان الذي أصدرته الخميس [أمس] مجددًا».
تقارير ذات صلة
«لف وارجع تاني».. كيف أدارت الحكومة أزمة القمح
طلبت جهات أمنية من تجار القمح المحليين جمع أكبر قدر ممكن منه، مع تذكيرهم بأن ذلك يُعد «عملًا وطنيًا»
مأزق الدارسين المصريين في روسيا بلا «سويفت»
آثار جانبية لـ«عقوبات غزو أوكرانيا»
شتات طالبي «الطب» المصريين في أوكرانيا وروسيا
نزوح من الحرب يعقبه دراسة من الصفر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن