تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«أنثروبولوجي بالعربي».. كيف نصنع معرفة وفنًا خارج شروط المنح

«أنثروبولوجي بالعربي».. كيف نصنع معرفة وفنًا خارج شروط المنح

حوار مع المؤسسة فرح حلابة ومع مصممة الهوية البصرية سهيلة خالد

كتابة: كريم منسي 26 دقيقة قراءة
المصدر: أنثروبولوجي بالعربي على انستجرام

نستكشف هنا برامج فنية ومبادرات وتعاونيات ومجموعات عمل وصفحات تحاول المساهمة في رفع أسقف الخيال الثقافي والوعي النقدي حولنا.

«عشان نصرف على مشروع "خرج والمفروض يعد" عملنا جمعية»

بهذه الطريقة، تنفق مبادرة ثقافية على مشروعها، مُظهرةً كيف تولد الفكرة من الحاجة الملحّة. لكنها تخفي في نفس الوقت قصة أكبر عن تمويل الثقافة والفنون في مصر والمنطقة، والذي صار مرهونًا إما بجهود فردية مرهقة أو بمنح خارجية مشروطة.

ليس من المفترض أن ينفق المشتغلون بالثقافة والفنون على أعمالهم من جيوبهم الخاصة، لكن الدولة تخلّت عن مسؤوليتها في رعاية الفنون، والمؤسسات التي وُجدت لسد هذا الفراغ سرعان ما أثبتت عجزها أو تورطها في علاقات قوة غير عادلة. النتيجة أن المشهد بات مرهقًا اقتصاديًا، حيث لا يملك فرص الإنتاج والظهور إلا أصحاب الامتيازات. ومن هنا تتكشف مأساة المنح الثقافية؛ موارد تُقدم باسم الدعم والإتاحة، لكنها في كثير من الأحيان تنحصر في دوائر مغلقة من المحاباة والتسييس، يُقصى منها المستحقون وتُفتح أمام من يجيدون لعبة العلاقات والتواطؤ.

قد لا تأتي المنحة أبدًا، نحن هنا لا نتحدث عن فشل عابر، بل عن نظام تمويل يكرس نفسه لإبقاء الجميع في حالة احتياج. وبالتالي، فإن رفض سياسات التمويل الحالية والخروج على محدداتها هو تشريح لجروح مشهد التمويل الثقافي في القاهرة والذي تُرِك نهبًا للاستغلال والشللية.

أخبرني صديق أن «أنثروبولوجي بالعربي» هي أكثر مبادرة في الوطن العربي حصولًا على المنح، وسمعت المعنى نفسه من أشخاص آخرين. وفي إحدى جلسات ورشة «الذنب والنجاة» التي أنتظم فيها والتي هي من مخرجات المبادرة، كانت فرح، مؤسسة المبادرة، تجلس في الخلف وتبدو مشغولة بعمل ما على اللاب توب. لاحقًا أخبرتني «كنت بقدم على منحة وحاسة إني ماليش عين، إحنا محظوظين وفيه ناس تانية محتاجة دعم ومش لاقية». وتقصد فرح بـ«محظوظين» أن المبادرة وصلت لمستوى عالِ من الموثوقية أمام الجهات المانحة، لكن هذا أتى على أكتاف أصدقاء المبادرة الذين دعموا خطواتها الأولى بإخلاص. حصلت المبادرة حتى الآن على منحتين؛ الأولى منحة «أضف» والتي دُفِعت بالكامل لمونتاج أفلام أحد مشاريعها، والثانية منحة «آفاق» والتي قُسِّمت على أربعة مشروعات مختلفة. وعلى كل حال فإن «أنثروبولوجي بالعربي» ليست أكثر مبادرة في الوطن العربي حصولًا على المنح ولا حاجة، ليست قريبة من المراكز الأولى حتى!

في جلستنا في مكتبة ديوان بوسط البلد قلتُ لفرح بصراحة أن مشروع «أنثروبولوجي بالعربي» تتحرك منتجاته على نطاق واسع للجودة والتأثير. تحمل بعض المشروعات التي خرجت من رحم المبادرة جودة عالية حقًا، للحد الذي أستطيع رؤية تأثيره على آخرين قد لا أعرفهم حتى. بينما تظل بعض المشروعات الأخرى أقل وضوحًا في أثرها، مثيرة تساؤلات عدة حول طبيعة/فعالية الإنتاج الثقافي والفني المعاصر في المنطقة.

يقف كثير من معارفي حيارى بنفس الطريقة أمام هذا التفاوت، فهناك مثلًا مشروع «صور الضيافة» الذي نظمه مركز الصورة المعاصرة «CIC»، والذي شاركت فيه كضيفة، وهناك بفروق بسيطة مشروع «خرج والمفروض يعد» في إصداره الأول والذي استضافه «CIC» أيضًا، لكن كمستضيف فقط لمشروع من إنتاج مبادرة أنثروبولوجي بالعربي. والأمر أن فرح نشطة جدًا، طليقة الحركة بشكل يصعب على الملاحظ من مسافة معرفة مجال عملها كمؤسسة للمبادرة وبين عملها بشخصها في حقول أخرى.

حصلت فرح على ماجستير الأنثروبولوجيا الاجتماعية والإثنوغرافيا البصرية من جامعة كينت في بريطانيا. وعلى الرغم من استمتاعها بدراسة الأنثروبولوجي، إلا أن افتقار العربية لترجمات وفيرة وقوية عن هذا العلم العملاق شجعها على تبسيطه وشرحه في الإطلالة الأولى لـ«أنثروبولوجي بالعربي»، والتي ظهرت في صورة مجموعة فيديوهات تبسيطية على فيسبوك ويوتيوب. استمر المشروع على هذا الشكل لعام ونصف، بالتزامن مع تعرضها المستمر لموضوع دراستها، ما ألهمها للربط الدائم بين مفاهيم الأنثروبولوجيا الجافة وبين تمثلاتها في الحياة العامة وفي ثقافة البوب. «خالتي بقت تعرف معني liminality، وصحاب مامتي فهموا مفهوم التهادي في الثقافات المختلفة».

تشعر فرح بالخجل الآن من هذه الفيديوهات، إذ تغير المشروع بالكامل، وتغيرت هي معه. كان العمل الميداني الخاص بالماجستير ورشة تشاركية، ما فرض عليها وسيطًا مختلفًا لإنتاج المعرفة، «في الفيديوهات بقول والناس بتسمع ومفيش مساحة حد ينتقدني أو يغير مسار تفكيري». شكلت الورش التشاركية تجربة مؤثرة بالنسبة لفرح، حتى أنها كررتها في مجال الأنثروبولوجيا البصرية 15 مرة خلال سنة ونصف، وتنوع جمهورها ما بين صناع سينما ومصورين وفنانين وحتى الأطفال.

caption

«خرج والمفروض يعُد» مشروع فني مموّل بجمعية

في هذه الفترة قررت فرح البدء في مشروع «خرج والمفروض يعُد» عن هجرة المصريين للخليج، والذي انبثق عن انشغال ذاتي لكنه طرح تساؤلات جمعية عن ظاهرة غير مدروسة بشكل متعمق. تناول الموضوع قلة من الباحثين، وحتى من تناوله منهم مثل صامولي شيلكه في كتابه «أحلام المهاجرين»، ركز فيه على طبقة العمال، وهي طبقة مختلفة عن الطبقة المتوسطة الميسورة نسبيًا، والتي يملك مهاجروها رفاهية جلب عائلاتهم معهم. درس المشروع بنية هذه التجربة من خلال تفكيك مفاهيم الغياب والأب والعفش والموت وأنسنة الأشياء. وبطريقة بحث اعتمدت على التجارب الشخصية وثقافة البوب، تلمّس المشاركون معرفة عميقة عن جانب مهمل تمامًا في حيواتهم، ما أنتج في النهاية معرضًا فنيًا للمشروع ومطبوعة تضم مخرجات التجربة لإتاحتها للبحث والإضافة للمهتمين. 

استضاف مركز الصورة المعاصرة المعرض في مقره القديم بوسط البلد، والذي لم يكن فقط أول إنتاج فني ضخم لـ«أنثروبولوجي بالعربي»، لكنه كان أيضًا أكبر حدث ينظمه «CIC» في السنوات العشر الأخيرة من حيث عدد الحضور، والذي جاوز أربعة آلاف شخص. تزامن مع المعرض نشر الإصدار الأول «ريزو» من المطبوعة الخاصة بالمشروع، والتي بيعت نسخها المئة جميعها يوم المعرض، مع طابور طويل من الطلبات مسبقة الدفع. تتالت الطبعات فيما بعد، فبيعت 750 نسخة من الإصدار الثاني في غضون سنة ونصف، وخرج الإصدار الثالث بأعداد أكبر في العام الماضي.

لم يكن المعرض عرضًا لنتائج البحث النظري وإنما امتدادًا لأسئلته. تعتبر فرح حلابة المعرض حلمًا لأي شخص يدرس الموضوع من زاوية أنثروبولوجية، فبدلًا من دراسة الظاهرة نظريًا ومن ثم الخروج للبحث عن عينة ميدانية لاختبار النظرية، خلق المعرض عمله الميداني لنفسه وبنفسه، ما أفرد مساحة حقيقية لإكمال أسئلة البحث. فوجود جمهور بهذه الكثافة يمنح بالتأكيد رؤى واستكشافات وزوايا نظر مغايرة للبحث، والتي اجتمعت معًا لتمنح المشروع حيوات مختلفة وغير متوقعة. وبدلًا من ضرورة الوجود بالقاهرة في أكتوبر 2022 في وسط البلد للتفاعل مع المشروع، خرج المشروع لكل مكان، دُعيت المبادرة لعرض المشروع في أبو ظبي في وقت لاحق، واستلهم الكثيرون مشروعاتهم الخاصة عن «الغربة» من قراءة المطبوعة التي رشحها لهم الحضور.

من معرض المعمل في مركز الصورة المعاصرة

شكّل معرض «خرج والمفروض يَعُد» نقلة نوعية للمبادرة لأنه خرج بها تمامًا من إطار الأنثروبولوجيا بصيغتها الأكاديمية وقدمها في صورة ممارسة فنية حقيقية. مُوِّل المعرض بشكل كامل ذاتيًا، «المحررين والمصممين والمشاركين كانوا كريمين معانا جدًا بوقتهم وفلوسهم».

تأثر الجمهور بالتجربة بشكل ذاتي وجمعي في نفس الوقت، فتجربة الهجرة للخليج تجربة يعرفها الشعب المصري منذ عقود، ولا يكاد يخلو بيت في مصر تقريبًا من مغترب. المميز في المعرض هو أن جمهوره لم يكن كالجمهور النمطي للمعارض، إذ حضرت عائلات وأسر كاملة، بقوا لساعات طويلة، تعانقوا وبكوا، وعاد بعضهم للزيارة مرة أخرى.

حفز حصول مبادرة «أنثروبولوجي بالعربي» النشطة على منحة أخيرًا، تدشين النسخة المطورة من «خرج والمفروض يعُد»، والتي كانت إصدارًا معدلًا يستهدف التمرد على المعايير الثابتة والأصيلة للممارسة الفنية واللعب بأدوات فنية مخالفة للسائد ومط نطاق الأسئلة والترحيب بإجابات مغايرة، «أنا مع ديمقراطية الممارسة الفنية». تعاون «أنثروبولوجي بالعربي» مع صانعتي أفلام هما يمنى خطاب وغادة فكري لتيسير ورشة صناعة أفلام غير تقليدية. فعلى عكس ورش الأفلام التي تبدأ من وجود قصص تحتاج لترجمتها بصريًا، كان المشاركون في الورشة يملكون أرشيفًا بصريًا جاهزًا، لكن ينقصهم استخراج وبناء القصص منه.

شاهد فريق العمل الأفلام والمسلسلات التي دارت حول الغربة، ولاحظوا فيها تيمة مشتركة، وهي أن الكاميرا لا تذهب للخليج أبدًا. «ثقافة البوب بتنهي حكاية المغترب دايمًا عند سلم الطيارة»، وتمتد الحكاية فيما بعد بانعكاسات وتأثيرات الهجرة على الأسرة المقيمة في مصر. صُمِم البرنامج خصيصًا لغير الفنانين والباحثين، واشترط فقط امتلاك المشارك لأرشيف بصري عن الحياة في الخليج. طرحت المادة الأرشيفية تساؤلات غير اعتيادية عن تجربة الغربة، وخرجت بسرديات متمايزة عن بعضها لكنها تستحضر التجربة الجمعية في جوانبها المشتركة. كانت جلسات المشروع في نسخته الثانية ثمرة أفكار النسخة الأولى؛ الأب والموت، والعفش والكراتين، والزمن والزمنية، وطبعًا الحياة المؤجلة. بالنسبة لي، كان تعبير«الحياة المؤجلة» غاية في البلاغة والإفصاح لوصف تجربة المصريين في الغربة.

حصل المشروع على منحة «نقطة» من مؤسسة أضف، والتي دفعت بالكاد تكاليف مونتاج الأفلام السبعة وإيجار الأماكن التي استضافت الورش، «كلنا اشتغلنا ببلاش».

فرح حلابة ويمنى خطاب وغادة فكري 

معمل «أنثروبولوجي بالعربي» وتقسيم الكيكة: نحو تمويل تشاركي

استلهمت فرح من تجربة المشاركة في المعرض تجربة «معمل أنثروبولوجي بالعربي» والذي بدأ في صيف 2024. اهتم المعمل بالتقاطعات بين الممارسة الأنثروبولوجية والتنسيق الفني، لكن مع حصوله على منحة «آفاق» لتمويل المشروعات الفنية والثقافية، فضّلت فرح مشاركة المنحة مع مشروعات أكثر، «قدمت على المنحة بس ماكنتش عايزة آخدها لوحدي لأن المنح قليلة، مش عايزة أنثروبولوجي بالعربي يبقى مقتصر على اهتماماتي أنا بس».

بعد تجربتها مع منحة «أضف» التي راحت كلها لعيون المونتيرين، فكرت فرح في مشاركة منحة «آفاق» مع مشروعات أكثر، أو بتعبيرها «بنقسم الكيكة حتت أصغر عشان ناس أكتر تدوق». نظم المعمل برنامج تدريبي يمزج بين التساؤلات الأنثروبولوجية والتنسيق الفني. انقسم المشاركون في البرنامج لقسمين رئيسيين، يتألف القسم الأول من أشخاص يملكون سؤالًا بحثيًا جاهزًا يحتاج لتطويره فنيًا مع قيّم متخصص في تنظيم تحوُّل الأفكار الجماعية لأنساق فنية. بينما يمتلك القسم الآخر الأدوات الفنية والمهارات التنسيقية التي تشكل إطارًا يتبقى ملؤه بموضوع بحث متماسك.

تمحور البرنامج بشكل كبير حول الغائبين عنه، والغائب بشكل عام. لم يُقبل الكثيرون في البرنامج فغابوا، وقُبِل آخرون لكنهم لم يستطيعوا الحصول على تأشيرة السفر فغابوا كذلك، غابت أم لأنها لم تملك وقتًا مع انشغالها بأطفالها، وغاب من لم يملك وقتًا لأنه يعمل في وظيفتين، غاب من لم يتصفح فيسبوك وقتًا أطول ليشاهد الإعلان عن البرنامج.

كانت مشاركة الغائبين بكل تحديث انشغالًا خاصًا لدى فرح، وعليه صورت كل شيء ووثقت كل كلمة، وقريبًا تصدر مطبوعة مدون فيها خلاصة المعمل، كل شيء تقريبًا، مناقشات جماعية، حوارات جانبية، نصوص كُتِبت على الهوامش، ممارسات من الأطراف مركزت نفسها في القلب، ومساحة منفردة للعمل العاطفي.

أنتج المعمل مشروعات هامة ومؤثرة، كورشة «الذنب والنجاة» وورشة «الألم» الجاريتان الآن. لكن العمل العاطفي غير المحكي عنه يستحق أن يدون هو الآخر، أن يُحتفى به كإنجاز من الإنجازات. يُوضع في هذا النوع من العمل جهدًا هائلًا، لكن أحدًا من المشاركين في المشروع لن يجرؤ على كتابته في البورتفوليو الخاص به. ورغم ما بُذِل فيه من طاقة كبيرة لضمان دقة وسلاسة سيرورة العمل، إلا أنه يبقى غير ملاحظ تقريبًا، قد تكون الآية الوحيدة على نجاح العمل العاطفي هي تحديدًا عدم ملاحظته، للدرجة التي تدفع البعض لطلبه باستحقاقية من مانحيه دون تقدير مشقته.

تعتبر فرح برمجة المشروعات من الأعمال العاطفية المنسية، لأنها تحمل معنى من معانِ الضيافة، ما يستصحب الشعور الدائم بغياب الحصانة/vulnerability، والاهتمام المبالغ فيه أحيانًا بأن يسير كل شيء على ما يرام، أن يكون الجميع منبهرين ومتحمسين ومرتاحين للتواجد معًا.

كان التزام المعمل ناحية المشاركين فيه هو تسليحهم بالأدوات الأنثروبولوجية اللازمة للتفكير وصياغة التساؤلات بشكل أنثروبولوجي منهجي، وحين انتهت مدة الستة أشهر أو أكثر قليلًا، وُوزِعت المنحة الخاصة بالمعمل على أربعة مشروعات بدت الأجهز والأنسب لاستثمار المنحة. تقوم الفكرة على أساس ريزومية أو تشعيب المنحة، بمعنى ألا يكون لها جذر واحد أو أصل واحد أو طبعًا مستفيد واحد، وإنما بتقسيمها ولو لأجزاء صغيرة قد لا تكون كافية أصلًا، يشعر الجميع بالحضور والتأثير، ويُضاف لنصيب كل مشروع من المنحة نصيبًا آخر من العمل العاطفي الذي لا يقل تحريكًا عن مبلغ المنحة. 

يأمل المعمل أن تكون علاقته بمشاركيه ريزومية أفقية التفرع، لا يملك أي تكتل فيه السلطة على الآخر.

لم تتجاوز سلطة المعمل على ورشه أبدًا دور الدعم، فالمعمل يقوم على منهجية ترحب بالمنتج الذي سيخرج من البرامج كائنًا ما كان. بهذه الطريقة فقط، تعتقد فرح أن المشروعات ستكون حقيقية وتشبه أصحابها. بالطبع هناك مساحة للإشراف وقدر من المعايير والخطوط التوجيهية التي تُعنى بتصميم المعمل نفسه، لكنها أبدًا لا تعدو كونها «مساحة لـ» و«قدر من». 

فكر فريق برنامج «الذنب والنجاة» في تصميم مشروعهم على شكل ورشة تشتبك مع الموضوع لتستخرج منه وتخرجه في صورة ممارسات فنية باختلاف وسائطها، وفضّل فريق «برنامج الألم» أن يكون مشروعهم جلسات كتابة وتحرير عملية متصلة لإنتاج مطبوعة، بينما فضّل فريق «برنامج مناجم إسكندرية» خوض إقامة بحثية كاملة. الأساس في كل الحالات واحد؛ الالتزام بعملية التشارك بين الأعضاء والاتساق بين آليات العمل والمنتج النهائي.

وفقًا لفرح فإنها تحاول بقدر الإمكان أن تفترض الثقة في المشاركين في المعمل، «طالما مش هيصيفوا بيها في الساحل، مش لازم نكدرهم بتظبيط الفواتير وتسليم الإيصالات وتقييف التقارير».

بهذا المعنى، تحاول مبادرة أنثروبولوجي بالعربي كسر العلاقة النمطية بين المنحة والوصاية. يملك المانح بالتعريف سلطة فعلية على متلقي المنحة، حقيقة واضحة كالشمس؛ إذا كنتُ سأمول مشروعك، فستقول ما أريد. لا تنجو مؤسسة مانحة تقريبًا من هذه العلاقة. لكن في نفس الوقت وعند طبقة أعمق قليلًا، نلاحظ أن هذه السلطة تمارس ما تمارسه من وصاية بشكل عكسي مع مقدار الثقة التي يحوزها متلقي المنحة من المانح. وبهذا المعنى، ستظهر العلاقة الحالية بين المانح والمتلقي كعلاقة سامة فعلًا إذا فكرنا في إمكانية بناء الثقة -فضلًا عن افتراض وجودها- بشكل طبيعي وسلس في مناخ أقل تسلطًا وأكثر تشاركية. والتشاركية هنا تقوم على مشاركة كل شيء ممكن؛ الموارد والفرص والمساحات، أن يتسلح الجميع بالجميع. 

بدأت فرح عملها الأنثروبولوجي من الفيديوهات المنفردة تمامًا، والآن «الفيديوهات وحشتني، بس ما بقتش بعرف أشتغل غير في شراكات تعاونية»، تضفي الجماعية حالة من الألفة والتعاضد بين المشاركين بما يقتل الشكوك في جدوى العمل في مهدها، ويدفع لمزيد ومزيد من العمل. تبدو تجربة الهجرة للخليج تجربة خاصة عاشها الملايين من المصريين كل على حدة، لكنها تظل تجربة جماعية كذلك، ما يعني أن فهمها بشكل أعمق يتطلب منّا التشارك في تفكيكها. وهكذا تصبح ديمقراطية التساؤل مكفولة للجميع، دون شهادة جامعية متخصصة في الأنثروبولوجيا، «طالما عندك عين الأنثروبولوجيست من حقك تسأل لأن المساحة دي موجودة بالفعل».

تضع مبادرة «أنثروبولوجي بالعربي» نفسها في مساحة ثالثة بين المساحتين التقليديتين لعمل الأكاديميا والإنتاج الفني. في كتاب «الأنثروبولوجي كقيّم/ The Anthropologist as Curator»، يذهب محرره روجر سانسي إلى أن التنسيق الفني يعد نوعًا من الإثنوغرافيا، والتي يمكنها إعادة تشكيل ممارسة البحث الأنثروبولوجي. ومن خلال دراسات نقدية لعلماء عملوا في الفضاءات المتقاطعة بين الأنثروبولوجيا والفنون المعاصرة، يصل الكتاب لافتراض أن المعارض والعروض الفنية بمثابة أرض إثنوغرافية يتم فيها إعادة إنتاج التمثيلات الثقافية، مما يُعيد التفكير في طرق إنتاج المعرفة وتحليلها وتقديمها. يعكس هذا الافتراض اتجاهًا أكاديميًا حديثًا يُعرف بـ«التحول التنسيقي/ curatorial turn» حيث يضحى التنسيق المعرضي أكثر من مجرد عملية عرض، بل طريقة بحث وتحقيق تُنقِّل الثقافة والعمل الحي بالتبادل بين الحيز الأكاديمي والتطبيق الفني.

وبنفس الطريقة يعتبر معمل «أنثروبولوجي بالعربي» أن البرامج الفنية التي خرجت من تجربته، امتدادًا لبحثه وليست عرضًا لنهايته، وهو ما يمنحه وقتًا إضافيًا لاستكشاف الحدود بين المواقع النمطية للأشياء.

caption

ماذا بعد «خرج والمفروض يَعُد» والمعمل؟

تأمل مبادرة أنثروبولوجي بالعربي أن تتحول هيكليًا بعد مشروع «خرج والمفروض يعد». تملك المبادرة الآن صدى واسعًا خارج مصر، كما يمنحها حجمها ومشروعاتها موقعًا جيدًا وموثوقية معتبرة في طابور المنح الطويل. «عايزة نتوسع أكتر في المنطقة، نبقى أنثروبولوجي بالعربي بجد مش بالمصري». وتأمل فرح حلابة بشكل خاص أن تحصل على فريق كامل في إدارة وتشغيل المبادرة، وتعتقد أن الشوط الذي قطعته المبادرة قُطِع بالأساس بفضل كرم ومساعدة من آمنوا بالفكرة. لكن تظل فرح مع ذلك هي العضو الأساسي والوحيد في المبادرة، «بعمل كل الشغلانات، بجيب الناس من المطار وببرمج وبخطط وبحط الميزانية وبحجز الأماكن وحتى الأكل أنا اللي بجيبه، لو بشتغل في مؤسسة فيه 6 هيعملوا شغلي». وتخشى فرح أن توقف وجود المبادرة على وجودها سيقود بالضرورة لاستنزافها واستنفاذ أفكارها واهتماماتها، في حين أن وجود فريق أكبر -مدفوع الأجر بالطبع- سيدعم بناء برنامج طويل الأمد للمبادرة، تكون خططه ومنطلقاته نتاج طموحات واقتراحات فريق عمل كامل.

سألت فرح لماذا لا تبني فريقها بالطريقة التقليدية التي تتبعها أغلب المؤسسات الموثوقة في كل المجالات تقريبًا، والتي تقوم على منح المتقدمين للعمل فرصة التدريب والتعلم مع المؤسسة لكن بشكل مجاني لعدة أشهر. أجابتني بأن «التدريب المجاني بيخلي المتدرب على الحركرك، كلنا بنشتغل شغلانات تانية عشان نعرف نعمل حاجة عشان العائد مش كبير، مش هخليه مجاني كمان!»

من ناحية أخرى، تفضل المبادرة التعاون مع مبادرات أخرى في شراكات وبرامج أوسع. تمنح الشراكة -من وجهة نظر فرح- المساحة للتمدد بالأفكار، والكفاءة لتنفيذها بطاقات أكبر، والفرصة لإيصالها لجمهور أوسع، والشراكات بكل حال أكثر استدامة من المنح المحدودة بقيمتها ووقتها.

تعتمد الشراكات بالأساس على العلاقات والمعارف، وبالنسبة لـ«أنثروبولوجي بالعربي»، تشكل مطبوعة «خرج والمفروض يعد» فاتحة الحوار التي تُبنى عليها كل علاقاتها وشراكاتها تقريبًا، كشراكتها الحالية مع مؤسسة «مماغ/MMAG» الأردنية. وتحاول المبادرة إنتاج مطبوعة المعمل لنفس الهدف، فهي بتصميمها كمشاع إبداعي يستخلص تجربة المعمل -تمامًا كالمطبوعة الأولى- ستقدم مساحة جديدة للحوار وفرصة واعدة للشراكة.

يتنوع جمهور «أنثروبولوجي بالعربي» المستهدف بتنوع المشروعات، ففي «خرج والمفروض يعد» استُهدِف جمهور مهتم بالمعارض والأنشطة الثقافية لكن بالأساس هم أشخاص لامسوا تجربة الهجرة للخليج بشكل أو بآخر، فيما استهدف المعمل تدريب من يملكون المهارة البحثية أو التنسيقية لإنتاج مشروعات أخرى بجمهور آخر.

وهنا يظهر أهم انتقاد يُوجه للمبادرة، فهي تتبدى كمساحة نخبوية تمامًا في انتقاء مشاركيها واستهداف جمهورها. ترد فرح حلابة بأن هناك تحديدًا معرفيًا طبقيًا لا يمكنها تجاوزه، فالمشاركون والجمهور يجب أن يمتلكوا هذه الرفاهية بالأساس، لكنها تفكر أن المشروع لو بدا نخبويًا فإن هذا يحدث فقط في الطبقة الأولى لإنتاج المشروعات، بينما في الطبقات التالية يتنوع الجمهور مع اختمار الأفكار وتحولها لوسائط مستساغة لدى قطاعات أكبر من الناس. ومثال ذلك جمهور معرض «خرج والمفروض يعد» الذي ضم عائلات بأكملها، رغم أن عملية الإنتاج الأولى لم تكن لتستوعب نفس هذه العائلات.

«بعد الحرب على غزة، مابقتش قادرة أفكر أن اللي بنعمله ليه معنى، لكن خلينا نعتبرها مساحة تعلم وونس تحسسنا إننا نقدر نعمل حاجة مع بعض». وتتمنى فرح أن يُقدر هذا الشكل من إنتاج المعرفة أكثر، معتبرةً الجلسة التي سجلنا فيها النقاش حول المبادرة هي مثال واضح على إنتاج المعرفة بهذا الشكل؛ خلق الحوار في المساحات غير التقليدية، وهو ما يمارسه الكثيرون دون أن يفهموا ما ينطوي عليه من أهمية. وتدلل فرح على ذلك بورش الأنثروبولوجيا البصرية التي تنظمها، إذ ترى أن معظم المشاركين يطبقون هذه الممارسة بالفعل، وما تقدمه الورشة هو فقط تسليحهم بأدوات ومفاهيم لتمكينهم من توظيفها على النحو الأمثل. وتعتقد فرح أن تغييرات كبيرة في طريقة تفكيرها حدثت بسبب العمل والمشاركة في مثل هذه المساحات غير التقليدية. وتواصل بأن المعرفة المعاصرة تمنحنا فرصة لجذرنة/Radicalize الممارسة الفنية والثقافية.

المراوغة والمنح الأجنبية: بين القبول والرفض

وإذا كانت فرح ترى في المساحات غير التقليدية مجالًا لإنتاج معرفة جذرية، فإن سهيلة خالد تعيش هذه الفكرة بشكل عملي في تجربتها اليومية. أجرينا محادثتين مطولتين عبر تطبيق زووم، في المحادثة الأولى، كانت سهيلة عالقة في مطار فرانكفورت أثناء فترة انتظارها بين رحلتين. سهلت هذه الفوضى عليّ الدخول في صلب الموضوع. عملت سهيلة كمصممة جرافيكس بعد تخرجها من كلية الفنون التطبيقية، لكنها سرعان ما تركت عملها كراهية في نظام عمل المؤسسات، وحين انتقلت للعمل في المجال الثقافي لم يكن الحال أفضل كثيرًا.

سهيلة خالد

 في المعمل وفي الورشة وفي لقاء زووم وفي كل مكان تقريبًا، تضطلع سهيلة بمهمة العمل العاطفي كوظيفة بدوام كامل، ولذا فهي تكره لحظة سؤالها عن عملها الذي تمرست فيه ولا تزال تجد صعوبة في تعريفه، «منسقة أو فنانة أو باحثة، المساحات سايحة على بعضها». تستعمل سهيلة الفنون والمنتجات البصرية كمدخلات للبحث، محاولة تتبع الأنماط المتكررة وتحليلها ووضعها في سياقات جديدة، ما مد اهتمامها في النهاية للسوسيولوجيا البصرية. بدأت علاقة سهيلة مع «أنثروبولوجي بالعربي» من عملها على تصميم الهوية البصرية للمعمل، وفي خلال جلستين أو ثلاثة أصبحت مشاركة بمشروع مع بقية المشاركين «راس براس». 

شبهت سهيلة تسللها للمعمل بطريقة عمل الجاسوس، بينما ذكرني ما فعلته بإعلان «فليت الأصلي قاتل الصراصير»؛ يزحف ويتوغل وينتشر ويتسرب. زحفت سهيلة من التصميم البصري لمناقشة أفكارها بين المشاركين، توغلت لتصبح مشاركة مثلهم تمامًا، انتشرت بين تكتلاتهم لتفككها، وتسربت بين اختلافاتهم لتعيد صياغتها كنقاط تلاقي. وسواءً كانت سهيلة جاسوسة أم قاتلة، فهي في كل الأحوال تتحرك في عملها بنفس السيولة التي تختبر بها عملية إنتاج المعرفة. تعتقد سهيلة أن الخط الواصل بين الأنثروبولوجيا والإنتاج الفني لا يجب أن يستثني شيئًا من التجربة المعرفية بكلها، فالدراسات الأكاديمية نقطة على الخط، وكذا التيكتوك والشارع والدردشات والقصص العادية نقاط مجاورة. وبالنسبة لها، تتشوه الأفكار حين تُجتزأ من السياق المحيط بها. تحكي لنا سهيلة قصة شاب سوداني من المشاركين في المعمل اعتُقل أحد أقربائه أثناء فترة التدريب، تصاعدت الأحداث وتعقدت بشكل حدا بالشاب إلى الانقطاع عن المعمل تمامًا. تعتقد سهيلة أن مطالبة الشاب بالإنتاج والمواصلة أو حتى بمجرد الوجود سيكون قاسيًا وأنانيًا جدًا، لكنها تعتقد في نفس الوقت أن تدوين التجربة دون إغفال السياق المحيط بها سيكون أصدق وأخلص ما يمكن فعله. في النهاية، كتب الشاب نصًا ثريًا عن التجربة، أعمق من أي شيء كان سيكتبه لو استخلص مخرجات المعمل من ركام تجربة الاعتقال.

ربما يكون هذا هو ما يجذب اهتمام سهيلة لممارسة التنسيق الفني، فهي تستخدمه كطريقة لإبراز انعكاس السياق المحيط على المشروعات، ما يقوّض في النهاية الحدود التقليدية بين الخاص والعام، وبين الشخصي والسياسي. أثناء إشرافها على ورشة لتعليم الأطفال البرمجة الإبداعية، تلقت سهيلة سؤالًا من أحد الأطفال يطفو بثنائية الخاص والعام للسطح مرة أخرى، «ليه موقع مدى مصر محجوب؟». في هذه الورشة كان من المفترض أن يتعلم الأطفال كيف يمزجون بين الدقة التقنية والخيال الفني لتحويل التكنولوجيا إلى لغة بصرية وتفاعلية، كيف يشتبكون مع الصورة ليتخطوا الفصل التقليدي بين «الوظيفي» و«الجمالي». بنفس الروح، ظهرت هذه المساحة كقناة تسمح بالتفكير في إعادة اختراع طرق التعبير وابتكار تجارب غير مألوفة للوصول للمعلومة والتعبير عنها بدلًا من الاستسلام للبنية المفروضة من السلطة. «السياق العام مرتبط ومتشابك مع قصصنا الخاصة بشكل رهيب».

تفكر سهيلة في المعرفة باعتبارها أرخبيل مكون من مجموعة جزر، ونحن نكون دائمًا في إحداها فقط، لكن بمرونة الفكر يمكننا التنقل بينها بحرية، بل وتعتقد أيضًا أن الاستسلام للانعزال مرذول. تدلل سهيلة على هذه الفكرة بفقه الإمام الشافعي الذي ألفه في بغداد ثم انقلب عليه في مصر. بهذه الطريقة من التعاطي مع المعرفة، نحتفظ لها بتراكميتها، ويبقى الكتاب مفتوحًا مرحبًا بالتأويل والإضافة والتعديل وحتى إعادة الكتابة. 

«أنا شايفة أي معرفة غير ثورية بلا معنى، لازم الشيء يبقى منتِج ويحتك بالواقع دون سفسطة كتير». لا تضمن لنا سهيلة رغم ذلك أن يصل بنا هذا التمرد على المعرفة إلى أي شيء، لكنها ببساطة لم تعد تتقبل التأطير التقليدي للمعارف، والذي يلزمنا بطرق تفكير محدودة وطبقات فهم غير كافية. وهنا تضرب لنا مثالًا بوظيفة الـ«curator» المستحدثة، والتي لم تترجم بشكل مُرضٍ أبدًا، فلا هي منسق ولا قيّم ولا وصيّ ولا أمين، والسبب في ظني أن الوظيفة والكلمة التي تعبر عنها تلعب في منطقة عمياء بالنسبة لفهمنا لطبيعتها؛ مساحة بين طبقتين من اللغة لم نتخيل أن يكون خلالهما شيء. يذكرني هذا الارتباك الدائم أمام القواعد والمحددات التي ورثها الإنسان بمقولة الفيلسوف الفرنسي، جاك دريدا: «أنا أتحدث لغة واحدة فقط، وهي ليست لغتي الخاصة»، من الحكمة إذن حين تعوقك هذه اللغة عن الحركة، أن تؤلف قواعد لغتك الخاصة.

caption

في فترة عملها مع تجمع فني/collective يتقصي مجلات الحائط في المدارس ويستنبط مدلولها الأنثروبولوجي، طُلب من المشاركين تصميم مجلة الحائط الخاصة بهم. منحت هذه التجربة انعكاسًا معبرًا عن هامش الحرية، وكشفت كيف كانت مجلات الحائط ممارسة اجتماعية وثقافية تعبر عن طريقة أصيلة للتعبير لدى التلاميذ والأمهات وحتى الخطاطين، بل وتوسعت الدراسة لتفحص الفروق الجندرية والطبقية وأثرها في التعليم من خلال نفس المادة، «البحث الأنثروبولوجي والإنتاج الفني متداخلين مع بعض، طول الدراسة كنا بنروح ونيجي بين الاتنين».

عند هذا الحد توقفت المحادثة لأن موعد طائرة سهيلة قد حان، وعندما استأنفنا الحديث في اليوم التالي، كانت سهيلة لا تزال تعاني من اضطراب فرق التوقيت بين القاهرة وفرانكفورت وأوتاوا، حتى إنها لم تكن تدري تمامًا أين هي. غير أن شعورها إزاء مسألة التمويل والمنح ظل ثابتًا لا يتغير، «بكره المنح وبكره إني مضطرة لها، بكره الورق بتاعها والتقديم والأسئلة الكتير، وبكره إني بسترضي كل ممول بالكلام اللي عايز يسمعه. التمويل حبل على رقبتي».

لا تدعم الحكومات المحلية في المنطقة الثقافة والفنون إلا بقدر محدود يكاد لا يُذكر، ووفقًا لتقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «ALECSO» تنعكس هشاشة البنى المؤسساتية الإحصائية في غياب بيانات موثوقة عن متوسط الإنفاق على الثقافة والفنون. تشير بيانات معهد اليونسكو للإحصاء إلى أن متوسط الإنفاق في أوروبا وأمريكا الشمالية يبلغ نحو 73 دولارًا للفرد، مقابل 12 دولارًا فقط للفرد في شمال إفريقيا وغرب آسيا. كما تُظهر بيانات البنك الدولي تدنّي حجم الإنفاق الثقافي في الدول العربية إلى نسب تتراوح بين 0.03% و0.3% من الموازنات المحلية، مقارنة بتقديرات عالمية تصل في بعض التقارير إلى نحو 6%.

وإذا كان الحال كذلك فما من بُد سوى اللجوء للتمويل الأجنبي، «عشان تاخد منحة لازم تبقى ضحية مثالية، لازم تستجلب الموافقة الغربية». بهذا الوضوح تجري الأمور، ولنفس المنطق اعتذرت سهيلة عن استكمال السعي لنيل منحة عملاقة من مؤسسة أوروبية مانحة ذائعة الصيت. رفض فريق سهيلة الانبطاح التام أمام عنجهية وصفاقة شروط التمويل التي سنتها المؤسسة، والتي بدت تمييزية مقارنة بما يتطلبه تمويل المشروعات المشابهة خارج الشرق الأوسط. طولب الفريق بأوراق وتوثيقات وشهادات يكاد يكون تحضيرها مرهقًا أكثر من المشروع نفسه. استمرت مفاوضات الفريق مع المؤسسة المانحة قرابة عامين، ولخمسة أشهر أخرى رُفِضت كل محاولات الحصول على أي جزء من المنحة بشكل فج، «مكسوفة أقول المبلغ اللي طلبناه من ضآلته، إحنا كنا عايزين فلوس مواصلاتنا بس». في النهاية، لم يجد الفريق سببًا لمواصلة السعي للمنحة، «المؤسسة كانت ماسكاني من رقبتي، مش سامحة لي أعيش بقيمي ولا أعمل المشروع ولا مدياني حقي ولا مساوياني بغيري ولا قادرة حتى أتكلم معاهم ند لند».

حين طرحت وجهة نظري عن اقتصاديات التمويل والتي كانت لاذعة بصراحة، أخبرتني فرح أنه في الأردن، على سبيل المثال، غالبًا ما يأتي التمويل من عائلات ثرية تسعى إلى غسيل أموالها أو حتى التبرع بها لتبييض صورتها، والحال في الخليج لا يختلف كثيرًا. أما في مصر، فإن المنح المفتوحة تأتي من جهات مانحة معروفة ومحدودة وغير سخية، «الفرد والمؤسسة بيتنافسوا على فتافيت، مشهد حزين جدًا».

لا تلوم فرح المؤسسات على هذه البيئة غير المشجعة على العمل، لأن هناك بنية قائمة هي المعنية بحل هذا الإشكال، ورغم أن الجميع يبحث عن طرق بديلة للتمويل إلا أن الحاجة الحقيقية هي إيجاد بنية جديدة مختلفة بالكامل.

وإذا لم يُتَح الإنتاج مُسبَق التمويل/Pre-Funded القادر على خلق إبداع مستقل، فإن الحلول البديلة -كالجمعية- ستخلق نفسها بنفسها، وهي على كل حال ليست مقصورة على الأموال فقط، فالمشاركون في جمعية فرح مثلًا، تبادلوا المال والوقت والمهارات، «في دورك في الجمعية هدفع لك فلوس وهكتب معاك وهساعدك في كل اللي محتاجه، الجمعية في رأيي هي النقيض للرأسمالية».

تعتقد فرح أن نظام التمويل -كما هو الآن- يريدك أسيرًا له على الدوام، كي لا تقوى على فعل شيءٍ خارج مشروعها. تفكر مبادرة أنثروبولوجي بالعربي في «تقسيم الكيكة» أكثر فأكثر، حتى يتذوقها أكبر عدد ممكن من الناس. وكأحد المستفيدين من «تقسيم الكيكة» تحكي سهيلة عن تجربة حصولها على «تمويل عن تمويل» في «معمل أنثروبولوجي بالعربي» لتنفيذ ورشة «حد نجا؟» مع إسلام صلاح الدين (كاتب ومنسق فني) ولجين خيري (باحثة في الأنثروبولوجيا السياسية). وبالمقارنة بطريقة عمل فرح حلابة التي لم تتعنت مع ميسري الورشة، لأنها عايشت التحضير لها من البداية وواظبت على حضور جلساتها، نجد النموذج الآخر للمنحة التي رفضتها سهيلة تشرف عليه بالوكالة عن المؤسسة الأوروبية امرأة مصرية عُيّنت في هذا المنصب لتعطيل المراكب السايرة تقريبًا، «كانت بتتكلم معانا من الساحل ومش واعية بحاجة، موجودة عشان ترفض بس، كأنها أوروبية أكتر من الأوروبيين».

بعد حرب غزة، جمدت أكبر الدول المانحة (أمريكا، ألمانيا، كندا، بريطانيا وغيرهم) تمويلهم لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا/ UNRWA» بسبب اتهامات لموظفيها بالضلوع في هجوم 7 أكتوبر، ما عرض ملايين البشر للكارثة الإنسانية الحالية. منذ ذلك الحين، تراكمت قرارات المنع والإغلاق وإيقاف التمويل عن كل ما يخص الشرق الأوسط. بدت هذه القرارات الفوضوية مسيّسة وإقليمية وبعيدة تمامًا عن منطق الكفاءة والاستحقاق، وهو ما حفز في النهاية تساؤل سهيلة والكثيرين عن وسائل أخرى للحركة، تنأى بالعاملين بالمجال الثقافي والفني عن الرضوخ لأجندات الجهات المانحة. متى يمكن للمتلقي أن يقول «شكرًا، لا أريد المنحة»؟

للإجابة على السؤال، تفكر سهيلة في المخاطرة بالاعتراف والتضامن والتواطؤ حين نقبل المنح، في مقابل حجم التأثير المتوقع للمشروع الذي سيحصل على المنحة في النهاية. وتستدرك بأنها ستقبل المنحة لو أن ما ستفعله بها ثوري ومؤثر فعلًا، حتى لو عنى ذلك إقصاءها عن كل المنح المستقبلية ووضعها في القائمة السوداء. لكن في ظل هيمنة الجهات المانحة على الأفكار والتوجهات والشكل النهائي للمنتجات الثقافية التي تمولها، وفي مساحة ضيقة من الموضوعات المتاحة للتمويل كالجسد والذات والمدينة والقصص الشخصية وكيف أشعر بكذا في جسدي وكيف أختبر علاقتي بكذا كفرد، تبدو معظم المشروعات الممولة بلا معنى، فهي تعيد إنتاج التفرق والعزلة والتركيز المطلق على الذات. 

أصبحت هذه التوجهات إجبارية لدى كل الممولين، ما يدفع سهيلة وغيرها في كل مرة يطاردون فيها منحة ما للمراوغة والالتفاف. يبدو لي أن تاريخ الرعاية والتمويل هو تاريخ من المراوغات والتلفيق، تتفق معي سهيلة في هذه النقطة، «قبل ما أخش حوارات المنح ماكنتش براوغ، قبل ما أصرف على نفسي كان عندي مساحة ماراوغش، دلوقتي الفلوس ماسكاني من رقبتي». جادلتها بأن الأمر رغم خسته لكنه يبدو منطقيًا، من الطبيعي أن تُفرض قيود أكثر على من سيصل إنتاجه لعدد أكبر من الناس. 

هنا اختلفت معي سهيلة، قائلةً إنه قد يبدو للوهلة الأولى أن حجم الإنتاج وتأثيره مرتبطان بالضرورة بالظهور العلني، غير أنّ الأمر ليس كذلك دائمًا. فهي لا تسعى للظهور بحد ذاته، بل وتفضل العمل دون اسم، إذ تجد في ذلك مساحة للحركة بحرية، وصفاءً نفسيًا لا يتأتى داخل دوائر الأضواء والتمثيل الاجتماعي. ولا ترى سهيلة الظهور كقيمة بحد ذاته، فالقيمة الحقيقية من وجهة نظرها هي اتساق الفرد مع قناعاته وليس مع ما يُفرض من اعتبارات شكلية. وصحيح أنّ التوسّع في الوصول إلى جمهور أوسع قد يستدعي التنازل أو الخضوع لشروط بغيضة، غير أنها ترفض أن تكون المراوغة سبيلًا إلى ذلك؛ فما يهمها هو سلامة الممارسة ومقاصدها الأوسع. تراهن سهيلة على المجموع البشري؛ الإمكانية الكامنة لأن ندفع بعضنا البعض. تفتح بعض المؤسسات الثقافية قاعاتها مجانًا لإقامة الورش والمشروعات، ويقدم آخرون الطعام والشراب للمشاركين دون طلب. لا تجد سهيلة غضاضة في اتكالنا على هذه الإمكانات التضامنية، وحتى اضطرارنا للعمل في وظائف جانبية، لأن ذلك يظل جزءًا من سعي أكبر يتجاوز الظهور الفردي أو نسب الفضل (الكريديتس) في سبيل تحقيق الغاية القصوى.

المصدر: أنثروبولوجي بالعربي على انستجرام

معرفة بديلة وجماهير جديدة

في الفصل الخاص بها من كتاب «الأنثروبولوجيا الاجتماعية في العالم العربي: التاريخ المجزأ لتخصص إشكالي»، تصف فرح كيف يمكن أن يتخذ إنتاج المعرفة مسارات تشاركية إبداعية تتجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي. وحيث تتحول تجربة شخصية أو قصة عائلية إلى ورشة ومعرض ومطبوعة، يصبح البحث نفسه ممارسة جماعية مفتوحة على الجمهور. هذا الطرح يوازي إلى حد بعيد ما يجري في القاهرة من محاولات لإنتاج معرفة وفن خارج شروط المنح والتمويل، بالاعتماد على اللقاءات والحوارات والمساحات غير الرسمية، بوصفها منصات بديلة تتيح التفكير والعمل المشترك. وتعتقد سهيلة أن تأثير هذه المحاولات لن يكون لحظيًا أو انفجاريًا، بل يتجلى في ما تتركه الأعمال من حيوات ممتدة واستيعاب مختلف. «في ورشة الذنب والنجاة إحنا غالبًا بنكلم نفسنا، لكن مجمل البحث هو اللي هيحرك المية الراكدة». فهي تعتبر أن مجرد تخفيف الشعور بالذنب عن أمّ معيلة، أو تغيير قناعة سائق سيارة أجرة عبر نقاش عابر، هو أثر كافٍ يجعل المشروع حيًّا وفاعلًا.

وفي رؤيتها، لا ينعقد الرهان على التمويل بل على الجمهور، موضحة أنها تبدأ مشاريعها من الناس لا من الأموال، وأن أي دعم مالي لا قيمة له إن لم تكن هناك قاعدة بشرية تؤمن بما يُقدَّم.

وتقترح سهيلة حلًا ثوريًا للتعامل مع تعنت الجهات المانحة وفداحة مطالبها. فبما أننا كُثُر جدًا في هذه البقعة من العالم، تتساءل عما قد يحدث لو تقدّمنا جميعًا، بشكل منظم، إلى المنح والبرامج، وقلنا ما يريدون سماعه، ثم استخدمنا ما نحصل عليه على نحوٍ معاكس تمامًا؟ سيفضي ذلك إلى إدراجنا جميعًا على القوائم السوداء بالتأكيد، لكنه سيكون أكثر فعل رافض يمكن تصوره. شكرت سهيلة على اقتراحها الحالم وأخبرتها أنه كان لينجح لو لم أكن متأكدًا من أن أحد المتقدمين «العيال» سيقول ما يريد المانح سماعه، ثم سينفذ ما يريد المانح تنفيذه أيضًا، وهكذا يروح اقتراحها النبيل «ضحية للمعيلة».

ربما يكون تاريخ التمويل الثقافي تاريخًا من المراوغات، لكن المستقبل قد يُكتب عبر المشاركة والتضامن لا عبر المنح المشروطة. وبين من يرى الحل في إعادة توزيع كيكة المنح لتصل لأشخاص أكثر، ومن يقترح كسر المنظومة من جذورها، هل يمكن تخيُّل ممارسة فنية وثقافية مستقلة فعلًا خارج منطق المنح المشروط؟

المصدر: أنثروبولوجي بالعربي على انستجرام
عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن