تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«أدينا بندردش» وبنكتب التاريخ: عن أرشيف شبرا

«أدينا بندردش» وبنكتب التاريخ: عن أرشيف شبرا

لا تتسع الكتابات الأكاديمية وغير الأكاديمية التي تناولت شبرا، على كثرتها، لحوار مع أهلها

كتابة: كريم منسي 16 دقيقة قراءة

نستكشف هنا برامج فنية ومبادرات وتعاونيات ومجموعات عمل وصفحات تحاول المساهمة في رفع أسقف الخيال الثقافي والوعي النقدي حولنا.

قبل عام، تعرفت مصادفة، من زميلة في أحد المساقات التي يقدمها معهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة على «أرشيف شبرا». جذبني الاسم من فوره، أرشيف وفي شبرا؟ 

ارتسمت في مخيلتي صورة غرفة معتمة سوفيتية التصميم، تكتظ جنباتها بالملفات المتراصة وتتوسطها موظفة خمسينية تُعمِل مقوارها في لُباب ثمرات الكوسة، غير عابئة بطابور المواطنين الحزين. غير أن الفكرة النمطية تلاشت حين علمت أن تعاون زميلتي مع «أرشيف شبرا» كان من خلال كتابتها لنص حلقات بودكاست، أصدره الأرشيف بالتزامن مع إصدار كتابه الأول، عن الحضور التاريخي لترام القاهرة، في ذاكرة سكانها، بعنوان «سلام ترام».

بدأ هذا المشروع يثير اهتمامي تدريجيًا لأتعرف بشكل أقرب على هذه المساحة الفريدة من نوعها. ترى، ماذا يُطبَخ هناك؟

في نفس الآونة، قادتني الأقدار للسكنى في حي شبرا. شبرا التي عرفتها ليست قريبة الشبه بشبرا التي قتلها علماء الأنثربولوجيا والاجتماع بحثًا ودرسًا، وليست شبرا التي صورها فيلم «فيلم هندي» (2003). ولّت دولة محمد علي، وولّت معها خصوصية الحي، الذي ارتبط وجوده في الأساس بالطبقة المتوسطة الناشئة حديثًا. اليوم، وحيث يجثم جسد الدولة، بكل تمظهراته السياسية والثقافية والحضرية، على ذاكرة المدينة وواقعها المعاش، تكاد تتلاشى تلك الصورة المميزة للحي، بين المطاعم والكافيهات والعلامات التجارية المحلية منها والأجنبية، والتي صارت تخنق شوارعه أكثر فأكثر، من أحمد حلمي لدوران شبرا.. مسرة والساحل وسانت تريزا والخلفاوي وصولًا إلى المظلات. لا يختلف الحال كثيرًا، تشابه يبعث على الملل والازورار، وزحام لا يتسع لموطئ قدم. مع ذلك، استوعبتني شبرا. 

شبرا خارج التاريخ

«لا تتسع الكتابات الأكاديمية وغير الأكاديمية التي تناولت شبرا، على كثرتها، لحوار مع أهلها»،

يعلق الباحث الأنثربولوجي مينا إبراهيم، مؤسس «أرشيف شبرا»، حين سألته، عن موضع الخلل الذي عايشته دون أن أتمكن من معاينته،  بصفته مواطن عاش جل حياته في شبرا. ويصف المشهد الثقافي في القاهرة بالمركزية الشديدة في إنتاجاته المعرفية، حيث يتركز الاهتمام الأكاديمي والأدبي على منطقة وسط البلد. 

مينا إبراهيم في فعالية «بيت العيلة»- تصوير چورچ مرقوريوس

يضرب إبراهيم مثالًا على ذلك من أطروحة الباحثة فرانشيسكا بيانكاني (زميلة زائرة في مركز دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية بالقاهرة)، عن العمل الجنسي في مصر الكولونيالية، حيث لم تعثر على أية وثائق عن بيوت الدعارة، الثابت تاريخيًا شيوعها، بحي روض الفرج، المتاخم لحي شبرا، على عكس مناطق مثل شارع كلوت بيك ومنطقة الأزبكية القديمة الموثقة باستفاضة. ويُرجع إبراهيم السبب إلى تمركز المثقفين والصحفيين، المعنيين بالتوثيق آنذاك، في مقاهي وشوارع وسط البلد. من هنا نجد أعدادًا لا حصر لها من الوثائق عن حكايات كلوت بيك وعن مواخير وتياترات الأزبكية وشارع عماد الدين. 

يقول إبراهيم إن  الجمعيات الأهلية، في النصف الأول من القرن العشرين، انفردت بتوثيق أحوال الناس في شبرا وضواحيها آنذاك، حيث عملت كصحف محلية، قبل أن يتقلص دورها السياسي والاجتماعي إلى الأعمال الخيرية في السبعينيات.

احتياج وليست رفاهية

ثمةَ فجوة بين القاهرة الإسلامية والخديوية -مصنع كل السرديات عن القاهرة التي نعرفها- وبين شبرا المختزلة في تاريخ قصورها أو جوانب العلاقة بين مسلميها ومسيحييها. وفي تاريخ دولة يوليو الحديث لم يُمنح سكان شبرا، ومن على شاكلتهم، لحظة توقف يتساءلون ويسائلون فيها طوفان التغيرات العمرانية العاصف بحيهم وحياتهم. وشبرا نموذج للكثير من أحياء القاهرة المنسية، التي تساهم في تشكيل المعرفة، في حين لا يحظى ناسها بفرصة حقيقية لتداول ما أسهموا في تشكيله قبل أن يصبح منتجًا معرفيًا نهائيًا. 

في خطوة تسجيله كمؤسسة غير ربحية تحمل مسمى «أرشيف»، مر «أرشيف شبرا» بنفس تجربة تسمية الأرشيف الكندي للمثليين -المعروف كأول أرشيف مجتمعي في العالم- حيث قوبل الطلب بالرفض لأن الجهة المسؤولة عن التسجيل قررت أن المؤسسة لا تطابق تعريف الأرشيف، لذلك لا يمكنها استخدام الكلمة في اسمها. وذلك استنادًا إلى أن الأرشيف هو «مكان يتم فيه حفظ السجلات العامة من خلال هيئات حكومية». «لجأنا لحيلة تسمية الأرشيف بـ «سرد/SARD» وهو اختصار الحروف الأولى لتسمية «أرشيف شبرا للبحث والتطوير».

تقول الباحثة ريبيكا شيفيلد إن الحاجة لحفظ كل ما يمثله تراثنا من هويات وتجارب واهتمامات خارج الأطر الرسمية للمؤسسات، هو ما ينبثق عنه الأرشيف المجتمعي، موفرًا مساحات اجتماعية تحت إدارة المجتمع نفسه، تُمكِن أعضاءه من ممارسة الاستقلالية بعيدًا عن المؤسسات الرسمية، والتي ستستبعد الفكرة بكليتها لعدم استيفائها شروط الأصالة والموثوقية التي تتطلبها الأرشفة التقليدية. ولا يتوقف تبجح وتسلط هذه الشروط عند إضفاء ونزع القيمة عن مواد التوثيق، وإنما يمتد لنقاط أبعد قد تبدو مبتذلة وساذجة. 

يبدو مفهوم الهيمنة الرمزية عند بيير بورديو مفتاحًا لفهم كيف تضيق الفجوة وتتسع، وهي تلك الآلية الخفية التي تمارس من خلالها الفئة المهيمنة سيطرتها على باقي المجتمع، ليس بالعنف المادي ولكن عبر ترسيخ رموز وقيم ومعايير تُجبر المهيمن عليهم على القبول باللا مساواة كأمر مشرعن وطبيعي. 

لذا فإن الحقل المضاد الذي يخلقه الأرشيف المجتمعي ضد تكريس النخبة المهيمنة للغة التاريخ واتجاه دفته ومعايير انتقاء الوثائق ومنهجية توثيقها، يعيد تعريف القيمة الثقافية والتاريخية من خلال تفكيك هيمنة الرواية الرسمية على عدسة الرؤية.

في مصر، تبدو فكرة الأرشيف المجتمعي ناشزة عن مثيلاتها، لكن سنوات الثورة وما تلاها، كشفت احتياج الناس لتفريغ هذه الطاقة السلوكية. يخلق الأرشيف المجتمعي حوارًا حوله.. حوارًا قد يبدو غير ذي بال، ما جدوى الكلام عن ذكرياتنا مع مشاهدة فيلم ما في السينما؟ لكن ما أن يُرى الأمر في سياق مرتبط بواقع ممارسيه، يتكشف عن قيمة هي تاريخ المدينة وصورتها في عين أصحابها، حتى وإن لم يُعنَ تاريخ المدينة الموثق بأيٍ من هذا الكلام.

بديل؟ 

استلهم إبراهيم فكرة «أرشيف شبرا» الفكرة من قراءات برنامجه البحثي التعليمي الأول، والذي بدأ في 2021، عن الأرشيفات المجتمعية في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إذ بدأت الأرشيفات عملها هناك في وقت الفصل العنصري، آخذة في توثيق جرائم ارتكبها المواطنون ضد بعضهم البعض، غير مهووسين بانتقاد النظام على كثرة جرائمه. يبدو الصدق في التوثيق مفتاحًا رئيسيًا لامتلاك التاريخ، ما يمنح الناس في نهاية المطاف حرية التصرف في هذا التاريخ.

حين أعددت أسئلة مقابلتي مع إبراهيم لم أكن قد تيقنت بالضبط من الفارق بين الأرشيف البديل والمجتمعي، ومع أول سؤال ذكرت فيه كلمة «بديل» ثار مؤسس الأرشيف في انفعال واضح، مشددًا على أن الأرشيفات المجتمعية، و«أرشيف شبرا» على وجه التحديد، ليست مساحات بديلة لكتابة سردية مغايرة للأحداث، ومؤكدًا على هذا الاختلاف، انطلاقًا من افتراض توفر هذه المساحات، وتلك البدائل بالتوازي مع وجود السردية الكبرى نفسها. 

يحاول «أرشيف شبرا» تقديم نفسه كمسوّغ ومُمَكّن ونموذج أوّلي يدرك، من خلال مبادراته، المواطن العادي إمكانية امتلاك التاريخ بشكل خاص. هنا يتبلور دور التمكين، من خلال الاعتداد بقيمة الذاكرة الشخصية، خالقًا مسارًا موازيًا، يحتال فيه الأشخاص من شهود مفعول بهم إلى مؤرخين فاعلين. 

«الأرشيف المجتمعي هو بالضبط ما يفعله مارتن، طالب جامعي بعمر الثامنة عشر يعمل على توثيق استوديوهات التصوير في شوارع شبرا في صورة أفلام قصيرة باستخدام الموبايل، لا يعرف مارتن شيئًا عن التاريخ الموثق لاستوديوهات التصوير، لكنه يمتلك الفرصة لاستكمال مشروعه كمسار مستقل».

من أحد معارض الأرشيف

يجادل إبراهيم بجوهرية الاختلاف بين الأرشيف المجتمعي والبديل، راسمًا بذلك خطًا فاصلًا، يبدأ فيه كل منهما من نقطة انطلاق مختلفة، حيث يبدأ الأرشيف البديل، أو أي شكل آخر من أشكال الثقافة البديلة، من ذات السردية التي يميز نفسه عنها، لكنه يحاول أن ينتقدها أو يشتبك معها أو ينظر إليها نظرة مغايرة. على نقيض ذلك، يوثق الأرشيف المجتمعي مادةً لا يعيرها أرشيف الدولة اهتمامًا ولا يعترف بموثوقيتها ولا يجد لها مكانًا في سرديته. 

يضم أرشيف شبرا مثالًا على تلك المادة بمجموعة خطابات تعود لستينيات القرن الماضي أرسلها مواطن يُدعى عزت شحاتة عبيد إلى الاتحاد السوفييتي. عبيد هو قبطي عاش في حي الشرابية وعمل مدرسًا في كلية التربية الموسيقية. يطلب عبيد في خطاباته أحدث المجلات والكتب عن الشيوعية. «يزخر التاريخ الرسمي الموثق بين مصر الستينيات والاتحاد السوفييتي بمراسلات وبعثات ومؤلفات عديدة، لكنه، بطبيعة الحال، لن يلتفت لخطابات عبيد، إنها مجرد أوراق لا تحمل أي قيمة».

يعتقد إبراهيم أن الأرشيف البديل لن يتمايز عن الأرشيف الرسمي في عدم إيلاء الأهمية لهذا النوع من الوثائق، كلاهما سيبدأ من نفس النقطة، وسيحذو نفس المنهجية، وسيعتمد على نفس المواد، الفارق الوحيد هو أن الأرشيف البديل سيخلص لنتيجة مختلفة عن تلك الرسمية. «نحن نبدأ من اللا شيء، قد تكون خطابات عبيد غير مهمة في العلاقات المصرية السوفيتية، لكنها تمثل لحظة مهمة جدًا في حياته».

من إحدي ورش «أرشيف شبرا»

وإذ لم تنشر الأهرام وغيرها موضوعًا عن ترام شبرا وسينماتها وساحاتها الشعبية، يحتفي «أرشيف شبرا» بوثيقة مهملة من مجلة الإيمان، تعود لعام 1938، تحكي ملابسات إنشاء أول كنيسة في شبرا، كردة فعل من عمال الترام على التفرقة الطبقية بين مرتادي الكنيسة من العمال والأعيان. 

يحدثنا إبراهيم عن المادة الأغرب التي اعتمد عليها في التوثيق: «لدينا في أرشيف شبرا دفتر لمأذون شرعي يضم زيجات عام 1925 بحي روض الفرج، بقيت منه أكثر من 20 وثيقة زواج. تخيل كيف تؤرشف مادة كهذه بسردها المنظم جانبًا منسيًا من الحياة اليومية للناس؟».

«كونوا مستعدين لمن يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم»، لا يؤمن إبراهيم بهذا المبدأ، ويميز بين

طريقة عمل الأرشيف المجتمعي والأرشيف البديل في انتقاء المواد التي يوثقها، مشبهًا حالة الدفاع التي يحصر فيها الأرشيف البديل نفسه بالتبريرات الدفاعية  التي يقدمها اللاهوت لمهاجميه، حيث يرى مثلًا أن التاريخ المسيحي في مصر«ينطوي على مجاهيل كثيرة، إذ ينشغل كُتابه بما قد يظنه الآخر بهم، ليردوا بمختلف التفسيرات والحجج التي تثبت صحة إيمانهم. في المقابل يمنحك الأرشيف المجتمعي تحررًا كاملًا من كل هذه الهموم، ويصبح شغلك الشاغل هو أن يكتب الناس تاريخهم ويقرؤوه».

 يشبه إبراهيم الأمر بالمعركة القائمة في تأريخ الاستشراق، إذ يبدأ حتى أشد معارضيه ضراوة من نفس الافتراض الذي يطرحه الغرب، وبذا ينحصرون دائمًا في موقع الرد دون أن يكون لهم الفرصة في البدء. «توصيف البديل سيجعلنا دائمًا في حالة دفاع مفرطة، وما ينطوي عليه ذلك من انتقاص من النفس وتموضع في منزلة دنيا».

يقدم «أرشيف شبرا» نفسه كمشروع مستقل يسعى لملء فجوة خلقها غياب الديمقراطية الثقافية، ويرفض مؤسسه حصر الهدف من المشروع في المسارات التقليدية التي تعرف بها المشاريع المشابهة نفسها، باعتبارها فعل مقاومة أو زاوية نظر غير معتادة. بدلًا من ذلك، يسعى الأرشيف لمنح المواطنين أدوات التوثيق وتعريفهم بها، دون فرض أي شكل من أشكال الوصاية على المنتج المعرفي المستخرج منها، ما يجعل من أرشيف شبرا مضادًا موضوعيًا لنخبوية المعرفة والتاريخ واحتكار التصرف فيهما «في النهاية، نريد أن نمنح الناس الوصفة لا الطبخة».

التاريخ الشفهي.. كنز لا يلتفت إليه أحد

في العقود الأخيرة، اكتسب التاريخ الشفهي ثقلًا معتبرًا كأداة من أدوات العلوم الإنسانية. فحتى وقتٍ قريب تأثرت النظريات الاجتماعية في انتقاء منهجيتها وأدواتها بالاستعمار والنظرة التجريبية للمعرفة، لكن مع تطور تلك العلوم، ومع تفاعل نظرياتها مع المجتمع، أنتجت نظريات جديدة تستبعد المنهجيات التي أفرزتها قبلًا، وصارت عملية كتابة تاريخ مجتمع بدون الالتفات لتصورات أفراده الشفهية عنه عملية مشوهة تنتج تاريخًا مبتورًا في أحسن الأحوال. 

«علمتني الحرب أنني إن لم أحكِ قصتي بنفسي، فسيحكيها غيري بدلًا مني، أو أنها لن تُحكى على الإطلاق، تقول فاطمة صلاح، باحثة ومؤرشفة سودانية استقرت في مصر في ربيع 2023، خاضت تدريبًا مع «أرشيف شبرا» حول وثائق المهاجرين الأرمن واليونانيين والفلسطينيين في مصر، حيث وجدت في تجارب السكان متعددي الجنسيات في شبرا انعكاسًا لتجربتها الخاصة، لتبدأ فيما بعد العمل مع مشروع sudanahye المعني بتوثيق تراث المهاجرين الأرمن في السودان، فضلًا عن المشاركة في مبادرة Nile Melodies Archive المهتمة بحماية وتوثيق التراث الموسيقي السوداني بعد الحرب.

الباحثة فاطمة صلاح

في نهاية تدريبها مع أرشيف شبرا، شرعت فاطمة في إجراء عدد من المقابلات مع المهاجرين السودانيين كجزء من مشروعها «كم كانت التجربة مقبضة وكئيبة! حتى أنني توقفت بعد المقابلة الأولى»، وهو ما لم يثنها عن تثمين تلك الخطوة، باعتبارها استبطانًا لمعطيات وشروط واقع مستتر، لكنه مع ذلك ينبض بالألم.

تعزو فاطمة أهمية التجربة إلى دورها كفعل مقاومة في وجه التهميش والإبادة الثقافية والتزييف المتعمد للحقائق. رغم شرعية وجهة نظرها إلا أنها تضعنا في مفترق طرق، لنا أن نتساءل الآن، أتظل الأرشيفات المجتمعية محصورة وحاصرة لنفسها في هذه المساحة دائمًا؟ 

يبدو السؤال غير ذي نفع في «مجتمع يكاد يكون مهمشًا بكليته»، وإلى أن تُعير الدولة اهتمامًا لذاكرة مواطنيها باعتبارها صورة معبرة عن تاريخٍ ما، سيظل الأرشيف المجتمعي اللاعب الوحيد في هذه المساحات

وتعتقد فاطمة أنه من الممكن الاستفادة من التناقض بين الرواية الشفهية والوثيقة «من خلال تحليل هذا التناقض وعكس وجهة النظر أيًا كانت، يمنحنا التناقض منظورًا معبرًا، ليضحى التناقض نفسه إجابة بشكل ما، ما دمنا قد اتفقنا على أن الرواية الرسمية لا تختلف عن رواية رجل الشارع في قيمتها الجوهرية».

وتدلل فاطمة بأن «الحروب تدمر وثائق الناس، هل يعني هذا محوهم من التاريخ؟»، هنا يظهر التاريخ الشفهي كقيمة فريدة لا يمكن أن تُستعاض بسردية يكتبها مفتعلو هذه الحروب ومدمرو تلك الوثائق.

تشككت كثيرًا في واقعية الهدف الذي يرمي إليه الأرشيف، باعتبار مادته تقوم حصرًا وبالأساس على تعاون المجتمع المحلي ومشاركته لذاكرته الخاصة عن الأشياء والأحداث. أجابتني فاطمة بأن مصر أكثر من مؤهلة لاستضافة الأرشيف المجتمعي وانتعاشه «منذ وصولي لمصر، يكفي أن يعرف أبسط سائق أو بائع أنني سودانية، ليحكي لي أي علاقة ولو بعيدة تربطه بالسودان، الشعب المصري مثقف ومطلع ويحب الحكي».

نجادل بأن الأرشيفات المجتمعية على حداثة عهدنا بها في مصر، إلا أنها قد تجد لنفسها، في السنوات المقبلة، بيئة خصبة، وحيث يحتفي المواطن العادي بالحكي والتذكر على المقاهي وفي الشوارع والمواصلات العامة، يتبقى فقط أن يدرك نفس المواطن العادي، أنه بهذه المنهجية غير الممنهجة، إن جاز التعبير، قد ينتزع السلطة يومًا ما من قبضة من يملكون القلم والكاميرا الرسمية. «إنهم يمتلكون كنزًا، على كل شخص أن يدرك أن ما يملكه من صور عائلية، بطاقات هوية قديمة، إيصالات كهرباء وحتى فواتير السوبر ماركت، كلها تمثل زوايا مهمة لتاريخ أصبح مرحبًا بتوثيقه في أرشيف شبرا».

التعرف على الطريق من خلال المشي

رغم اشتغاله بالأكاديميا، إلا أن إبراهيم يرى في عمله بـ«أرشيف شبرا» ما يشبه طقس التطهير، إذ أنه يشعر في ممارساته الأكاديمية أنه يتحدث إلى نفسه، حيث تنغلق الدائرة الأكاديمية على أعضائها بلغتها الخاصة ومادتها المحددة ومنهجيتها الصارمة، وهو ما يعتبره شكلًا من أشكال الطبقية المعرفية، في حين أنه في شبرا ليس مضطرًا إلى ذلك، بالأحرى أنه مضطر إلى عكس ذلك.

في يناير، أقام «أرشيف شبرا» ورشة تحت عنوان «تعريب الأرشيفات المجتمعية»، وهي أشبه ما يكون بـ «الأرشيف المجتمعي 101»، «في أرشيف شبرا نتعرف على الطريق من خلال المشي». ومدلول هذا المبدأ هو أن الأرشيف المجتمعي في جوهره لا يخضع لمبادئ توجيهية محددة، إذ أُقيمت الورشة في الأساس ليتعلم المشاركون والميسرون معًا، ليقرؤوا ما كُتِب عن الموضوع معًا، وليكتبوا النسخة المعربة الأولى من هذه الأفكار معًا. 

من الورشة

«الشيء الوحيد الذي أعرفه الآن هو أن وجودنا في قلب شوارع شبرا هو ما يجعلنا جزءًا من تركيبة وهوية المكان، أرشيف شبرا كبقالة شبرا وعطارة شبرا».

والسؤال هنا، هل نستطيع أن نسحب هذه الفكرة على مجالات ثقافية أخرى؟ يعتقد إبراهيم أن الأمر ممكن شريطة تحديد الهدف النهائي من الطريق التي نسلكها، «هناك ألف نظرية في الأرشفة، أيها تتبنى؟ لا يهم. المهم أن تعرف ما الذي تبحث عنه، الأمر ليس في تكديس الأوراق، رقمنتها والتباهي بالأرشيف العملاق الذي نملكه».

ويستعيد إبراهيم تجربة الأرشيف في مشروع الترام معترفًا أن فكرة الأرشيف المجتمعي لم تكن قد اكتملت في ذهنه حتى لحظتها، لكنه كان حاسمًا أمره «لا أحاول انتقاد سردية الدولة عن الترام، تجربة الشخص العادي مع الترام هي ما يهمني». الهدف الواضح للأرشيف هو أنه لن يحتكر التصرف في مواده أبدًا، وإذ يحاول كتابة تاريخ آخر للأشياء والأحداث دون الاعتبار بالسردية الرسمية، فإنه لن يمنع من يقرأ هذا التاريخ الجديد من استخدامه في النقد أو المقاومة أو غيرهما.

الوصول للناس

وبالنظر لحقيقة أن الأرشيفات الرسمية غالبًا ما تقيد الوصول لمحتواها، ولا تمثل سوى جزءًا ضئيلًا من المجتمع، مما يجعلها بالأحرى أداة لإسكات الأصوات المهمشة. فإن أعضاء الأرشيف على دراية بصعوبة الوصول للناس المستهدفين من عملهم، ويعتقد إبراهيم أن العملية قد تكون بطيئة نوعًا ما، لذلك يبدأ من الأشخاص المحيطين به «كعم سمير الجزماتي، عم حسن النجار، وأم محمد بائعة الخضار، لكن الأمر يحتاج وقتًا ومجهودًا وتفرغًا وتمويلًا جيدًا».

بشكلٍ مبدئي، يشتري الأرشيف مواده، لكن خدمة الرقمنة خيار آخر، حيث يطلب الأرشيف من الناس جلب أوراقهم ووثائقهم، لتُمسَح ضوئيًا، تُرقمن ثم تعاد إليهم. كانت للأرشيف تجربة أولى مع خدمة الرقمنة في فعالية «بيت العيلة» التي أُقيمت، في الثاني والثالث من مايو، بالتعاون مع مركز «بساط» الثقافي. «يستهدف المشروع أشخاصًا لا علاقة لهم بالفن. الإعلان على السوشيال ميديا يدعو الجميع للحضور والتجربة، هكذا يتعرف الناس علينا، في النهاية سيعرفنا أشخاص أكثر وأكثر، تُبنى الأرشيفات وتنمو بهذه الطريقة».

في نفس الإطار يعمل «الأرشيف» على لفت انتباه الناس من خلال فعاليات وجولات تعرف الناس بأهمية وثائقهم، والغرض هو ألا تكون كل إنتاجاته أكاديمية أو أوراق بحثية، كالمعارض وعروض الأفلام التي تستهدف شرائح أوسع. وتدلل فاطمة بأن «حلقات البودكاست التي أصدرها الأرشيف بالتوازي مع مشروع كتاب «سلام ترام» استهدفت بالأساس أناسًا غير النخبة، نحارب هذه النظرة الطبقية بين الأشكال المختلفة للمعرفة».

من كتاب «سلام ترام»

وفي حين أن الأرشيف قد تعاون مع فنانات محترفات في مشروع «بيت العيلة»، من خلال إقامة ورش للإنتاج الفني البصري، لكنه منح، في نفس المشروع، فرصة للجميع لترجمة قصصهم الخاصة إلى صور فنية وملصقات وتدوينات شخصية تعبر عنهم، «عندما أتيت لمصر بعد الحرب، أدركت معنى البيت، العائلة، التنقل وعدم الاستقرار، أفكار كثيرة في رأسي، كنت مشتتة ووجدت في برنامج (بيت العيلة) مساحة للتأمل في أشياء لم أدقق النظر فيها من قبل».

ولا تتوقف محاولات أرشيف شبرا للانفتاح على التجارب الشخصية واستيعاب صور مختلفة من العمل المجتمعي عند هذا الحد، إذ يحاول بناء قاعدة واسعة تؤسس للمزيد من أنشطة الأرشيف التشاركي، «في البداية، ظننت عبثًا أن نجاح المشروع مرهون بامتلاك كل شيء عن شبرا، مستحيل!»، يشير إبراهيم إلى فرص التعاون مع المواقع التي تمتلك تاريخًا هامًا لكنها فقدت دورها الآن، إذ يسعى «أرشيف شبرا» حاليًا لجمع المواد التي تربط شبرا بأماكن ومواقع أخرى، كالتعاون مع «وكالة بهنا»، التي تمتلك وثائق وأوراق عن أفلام عُرضت في سينمات شبرا، في محاولة لربط ما يملكون بالتاريخ الشفهي لمن شاهدوا نفس الأفلام في شبرا وذكرياتهم معها. وفي 30 مايو، أقام «أرشيف شبرا» فعالية في النادي الأرمني «نادي الشرق الأدنى» بروض الفرج عن تاريخ الجاليات الأجنبية في شبرا. 

كما يملك «أرشيف شبرا» مشروعًا لتوثيق الممارسات الترفيهية ووسائلها في حي شبرا، من خلال ورشة تشاركية مع مدرسة خزانة للتراث تستهدف مجمل أحياء القاهرة الشعبية. يسعى المشروع لتقديم صورة تاريخية عن تلك الممارسات في دور السينما والمسارح والحدائق العامة وفرق كرة القدم الشعبية والجماهيرية وحتى وسائل المواصلات، كالترام، اعتمادًا على التاريخ الشفهي. ويعود إبراهيم للتأكيد على أن عملية توثيق دور السينما على سبيل المثال لا تسعى لمهاجمة أشكال الإنتاج السينمائي الحالية، وإنما تنأى بنفسها عن الاشتباك مع أي سردية حاضرة لتخلق سرديتها الخاصة لنفسها وبنفسها. 

نحو معرفة محلية

في النهاية تقلب المشاريع مثل «أرشيف شبرا» ظهر المِجَنّ لشروط الذاكرة الرسمية التي تحدد منفردة ماذا يُحفظ ومن يوثق، معيدًا بذلك تعريف ذاكرة الحياة اليومية لطبقات عريضة من المجتمع اعتادت انتفاء قيمة ما تعكسه تلك الذاكرة. 

تحثُّ هذه الرؤية المواطنين على إنتاج معرفة محلية من خلال توظيف الموارد المتاحة، ونقلها ضمن إطار جماعي يخدم الغايات المشتركة. وهو المفهوم الذي يتناوله هنري جنكنز (المنظر البارز في دراسات الإعلام) حين يؤكد أن الثقافة التشاركية تنبني على مبدأين جوهريين: التمكين الذاتي (حيث يمتلك الفرد الحق في المشاركة متى اختار ذلك) والاعتراف التبادلي (الذي يضمن تقييم المساهمات بشكل عادل). في هذا السياق، لا يكون الأفراد مستهلكين فقط، لكنهم يصبحون فاعلين في تشكيل البيئة الثقافية التي ينتمون إليها. هذه الديناميكية لا تقتصر على مجرد تبادل المعلومات، بل تُعيد تعريف علاقات القوة داخل الفضاء الثقافي، حيث تتحول «الهوامش» إلى «مراكز إنتاج»، وتتضاءل الفروق التقليدية بين النخب والجماهير في عملية الخلق الثقافي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن