تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«أنا قادم أيها الضوء».. رحلة الصعود إلى جبل النور

«أنا قادم أيها الضوء».. رحلة الصعود إلى جبل النور

سيرة مع المرض ومع الإرادة ومع العائلة ومع الحب ومع الوطن

كتابة: إبراهيم عبد المجيد 13 دقيقة قراءة

سأحاول أن أقطع رحلة مع هذا الكتاب العظيم لمحمد أبو الغيط، الذي أصدرته مؤخرًا دار الشروق. يقول أبو الغيط في تقديمه للكتاب: «كنت قد قرأت مرارًا عن تجربة الدنوّ من الموت. طالعت تجارب لمرضى تعرضوا لتوقف قلوبهم لدقائق ووصفوا ما شاهدوه في تلك اللحظات التي غابت فيها الحياة عنهم. الكثير منهم رأى نفسه عبر نفقًا مظلمًا نحو عمود ساطع. الأغلبية كانوا يشعرون بالسعادة والراحة وهم ماضون إليه، وقد يرون وجوه أموات يعرفونهم أو ذكريات مرت بهم، فيما البعض الآخر وصف مشاهد مختلفة لفزع رهيب عايشوه».

ولا أنسى أني مررت بهذه التجربة مرة في أواسط التسعينيات حين ابتلعت قطعة بيتزا صغيرة وأنا شارد مع ما أكتبه في روايتي «لا أحد ينام في الإسكندرية»، فأصبت باختناق رهيب، لأنها دخلت إلى القصبة الهوائية لا إلى المريء. وكيف كان ابني يضربني على ظهري وزوجتي الأولى رحمها الله، التي ماتت فيما بعد بالسرطان اللعين أو الغادر كما يقول أبو الغيط، تصرخ «وطِّي وطِّي»، وكيف مُت لكن لثوانٍ، رأيت فيها نفسي في طريق طويل على جانبيه أعمدة إنارة كالتي على جانبي الطرق الطويلة، والأسلاك ممتدة عالية بينها تجلس عليها نساء متشحات بالسواد لا تظهر حتى وجوههم، وصوت أمل نقل الذي كان قد مات بالسرطان أيضًا من قبل، يعلو قائلًا: «أترى حين أفقأ عينيك… هل ترى؟»، وحين قفزت القطعة الصغيرة جدًا إلى الخارج وعدت إلى الحياة، اتسعت الدنيا حولي ووجدت نفسي أجري إلى السرير ألقي بنفسي عليه غير مصدق أني نجوت. بعدها عثرت على عدد من سلسلة مختارات أدبية القديمة يتحدث عن هذه الظاهرة فقرأته، ووجدت فيه كثيرًا قريبًا مما رأيت. نور وموتى واتساع في الفضاء، فتأكد لي أني مت لثوانٍ.

 تنتهي المقدمة بقول أبو الغيط: «لو وافاني القدر ورحلت في الوقت الذي قدره الأطباء فأرجو أن يكون ما بعد نفقي نورًا وهدوءًا وأمنًا، وأن يكون في هذا الكتاب ما قد ينقب ولو ثغرة واحدة ليمر منها بعض الضوء إلى من يقرأ».

الكتاب رغم الألم في تفاصيل رحلة المرض، إلا أن أبو الغيط يمتلك لغة أعمق من كونه صحفيًا. لقد بدأ حياته كاتبًا للقصة، وفاز في إحدى مسابقات مكتبة الإسكندرية للقصة القصيرة من قبل عمله بالصحافة، بالمركز الثالث. مهما كتابته كانت علمية، فهو صحفي استقصائي من طراز فريد، مكتوبة بلغة تحلِّق في سماء الروح كما تحلق في سماء العقل.  تعكس مئات من الكتب الأدبية والفكرية التي قرأها. لماذا يكتب محمد هذا الكتاب؟

الكتابة خلود كما تقول كل الشواهد القديمة من آثار وكهوف منذ عشرات الآلاف من السنين. لقد فهم منها محمد كيف أراد الإنسان أن يقول كنت هنا. الكتابة عظَّمتها الأديان، ففي المسيحية «الكلمة بداية كل شيء»، وفي الإسلام أول ما نزل على الرسول الكريم آية «اقرأ». الكتابة دفاع عن الشرف. والشرف المقصود هنا هو ذلك المكوِّن الأخلاقي الروحاني الغيبي داخله. الكتاب هو صيحة «محمد أبو الغيط مرّ من هنا».

تبدأ رحلته الصعبة منذ اكتشاف المرض. سرطان المعدة اللعين الغادر، الذي انتشر تقريبًا في الجسم كله، وكيف تفتح الأمراض الخطيرة الباب لأسئلة علمية حقًا وفلسفية أيضًا فيتساءل المريض، لماذا أنا؟ ويسأل المحيطون لماذا هو؟ هي كلها أسئلة عبرت بي أيامًا لا أنساها، وما لا أنساه أني كنت مع المرحوم سعيد الكفراوي، قبل أن يصيبه المرض اللعين، وكانت قد أصيبت به زوجته، أحلام، صديقة العمر والكفاح. يومها قال لي «أحلام مش صغيرة يعني العمر قرب ينتهي. كان ممكن يعديها. ليه يختارها ويعذبها كدا».

 مرت الأيام، ولم يدرك سعيد أني ضعيف أمام هذه الحالة بحكم ما رأيت مع زوجتي الأولى التي رحلت بالسرطان. لقد خرجت من الألم بروايتين هما «برج العذراء» و «أداجيو». أحزنني تساؤل سعيد. وبعد أشهر قليلة كتبت قصة قصيرة بعنوان «كان يمكن أن تمرّْ» عن رجل عجوز يركب تاكسي من مدينة نصر يخبر السائق أنه ذاهب إلى منطقة الشيخ زايد، وحين يصل يطلب منه أن يعود، ويقول له حين نعود إلى مدينة نصر ربما نعود مرة أخرى للشيخ زايد. يشعل ذلك حيرة سائق التاكسي، بينما بطل القصة ضائع مع ما يحدث لزوجته، يفكر فيها ولا يعرف مرفأ يصل إليه. كنت أتصور أن سعيد قد نسى ما قاله لي، لكنه هاتفني حين نشرت القصة، في جريدة الأهرام، يقول لي أن «أحلام زوجته قرأتها وبكت».

caption

 أنا الآن أمسك دموعي وأنا أكتب المقال، فحولي كثيرون يعانون من هذا المرض، أو يحملهم كل يوم إلى السماء. كيف تعجز البشرية حقًا عن دواء ناجح له مهما تقدم في درجاته؟ لا أدري . هل هي شركات الدواء التي تربح من الأدوية غير الفعالة كما قرأت يومًا فى كتاب عنونه «صحة الأمم» من تأليف مايك مولر، عن الصراع الوحشي في سوق الدواء العالمية، أم هو العجز البشري. 

المهم، لأخرج من هذه الشرنقة أعود إلى محمد أبو الغيط. كابوس كان قد داهمه قبل أن يظهر المرض، يرى نفسه فيه مختنقًا بأشواك طويلة تملأ فمه، يندهش من حجمها كلما انتزع واحدة منها من جوفه، ويستيقظ فزعًا. يتكرر الكابوس لخمس مرات، وسرعان ما ظهر المعنى الذي لم يصل إليه حين سأل أطباء نفسيون ورجال دين. كان جسمه يستغيث ولا يفهمه. بعد أسبوعين عانى من مشاكل معوية، قيئًا وألمًا وصعوبة في التنفس، ظنها نتيجة طبيعية من أثر تعاطيه أدوية لآلام ظهره. لكنه قام بفحوصات انتهت بتشخيصه بسرطان المعدة، وقد انتشر الورم الليمفاوي في أماكن أخرى. حين عاد الكابوس وتكاثرت الأشواك، قرر أن يتوقف عن انتزاعها، وبدأ في ابتلاعها داخله فاختفت فجأة كلها. اعتبر ذلك فألًا طيبًا بزوال المرض بعد معاناة ورضا بفضل دعم المحبين وصلواتهم. التفاؤل الإرادي يمكن أن يحدث، والمشاعر يمكن أن تُختَلق فتصدُق، وحين دخل المستشفى للمرة الأولى في 11 يونيو 2021  كانت الحيلة هي جملة «يحدث للآخرين فقط» أي ليس لي! وكانت تعمل بكفاءة. 

رحلة المرض القصيرة حافلة بأسماء الأطباء ومراتبهم  العلمية وتاريخهم مع المرض والمرضى والنقاشات معهم، وأسماء أنواع المرض وأشكاله، وكيف اتسع ليشمل الكلى والكبد والأمعاء والرئة والطحال. المراحل التي مرّ بها المرض ودرجاته وتطوره، ونسبة الناجين في كل مرحلة وأسماء الأدوية. ويظهر بين ذلك الملاك التي هي إسراء شهاب، زوجته التي تتفاءل معه، رغم أنه أكد لها أن تتزوج فيما بعد من تشاء ولا تغرق في دراميات «أعيش لابني»، يقصد يحيي الصغير، الذي لم يبلغ العاشرة. أنواع العلاجات التي مارسوها معه، وأحيانًا بعد نقاش معه فهو طبيب سابق . كيف كان يدخل على صفحات الطب يعرف ما لا يعرفه عن السرطان، وغيره من أشياء أخرى، مثل الشلل الرباعي والزهايمر، فلا يريد أن يمضي عمره عبئًا على أحد. لذلك لم ينشر خبر مرضه في البداية. عدد محدود من الأصدقاء والأقارب عرفوا حتى يفهموا سبب تأخره في الرد على رسائلهم أو طلباتهم. كيف كانت ردود الفعل متفائلة من الهزليين والمتفائلين العقلانيين، الذين جعلوا من الأمر نكتة أو دعابة، لكن بعض ردود الفعل كانت كما يقول، تدمر خطوط دفاع جيشه النفسي، فينهمر في البكاء من فرط رقتهم، فقرر أن يعلن المرض على الجميع، فذلك أفضل.

 بين جلسات العلاج يبحث عن صديق جديد هو النسيان. السرطان سجن، والخروج من السجن ممكن بالنسيان الإرادي أو العمدي، والانغماس في أنشطة أخرى. المهم أن يتجنب الأشياء التي تحفّز على التذكر. أمثلة من مرضى في العالم يقرأ عنهم أو لهم، كُتابًا وشعراء، لكن تطور المرض كان يتحدى النسيان كثيرًا، ففي البيت سيتم تركيب قنوات وريدية. يطلب من الطبيب غطاءً لها حتى لا يراها طفله يحيى، وفي كل زيارة للمستشفي لا تفارقه إسراء، وطبعًا في البيت، وتمشي معه يومًا بيوم. يقدم أمثلة على الضحك والنسيان من كتاب ميلان كونديرا «الضحك والنسيان والسياسة». الحقيقة أن ثقافته العظيمة كانت تفتح له أبواب الذاكرة للكتب ولحياته، خاصة أن العلاج كان يمر بدورات مختلفة بين الكيماوي والإشعاعي والجراحة، حتى وصل الطبيب إلى قوله له «أنت الآن وصلت إلى نهاية الأرض التي يعرفها العلم وانتهى الأمر. لا أقول لك أن رد الدكتور فلان خاطئ أو أن رأيي خاطئ. كلانا لا يعرف. نحن نخمن فقط».

 هذه نهاية الأرض التي يعرفها العلم، لكن محمد يخاطر بنهايات أخرى. وبين ذلك يزرع حديقة منزله الصغيرة. فالزراعة تاريخ رآه في الحياة حوله، ورآه على جدران المعابد الفرعونية تخلد مراحل الزراعة وأنواع النباتات، ورآه في الزخارف التي تحيط بقصور الحمراء في غرناطة محيطة بعبارة «لا غالب إلا الله»، وفي فسيفساء غوطة دمشق الخضراء على جدران المسجد الأموي. إنها أكبر من أن تسجل لقطة تاريخية، بل هي تظفر بمشاعر الفخر والحب من البشر نحو الرفاق الخضر، الذين هم الأشجار، وتحمل الشكر للإله ورجاء منه أن يستمر التمتع بالجنان في العالم الآخر. رسالة خالدة من الأرض للسماء. يملأ سيارته بالشتلات حتى كاد يحيى ابنه يختفي بينها، ويزرع من الفاكهة والزهور والأعشاب، الفراولة والتوت الأزرق واللافندر والنعناع والريحان، وغيرها. يغيب عن الحديقة لتدهور صحته، لكنه يعود من المستشفى ليجدها قد كبرت. سيقانها المهتزة تذكره بسيقان يحيي حتى صار يقف دون مساعدته. تعود إليه المشاعر الجميلة تجاه يحيى الذي شغله عنه المرض. يعرف فوائد الزراعة لمرضى السرطان نفسيًا وجسديًا، ويحكي كالعادة عن كتب في ذلك، ومنها كتاب الكاتب الفلسطيني، حسين البرغوثي، مريض السرطان الذي عاد بعد رحلات طويلة للعلاج ليكون بين اللوز في الضفة الغربية في كتابه البديع «سأكون بين اللوز» يحزن لما يراه على السوشيال ميديا من قطع أشجار الشوارع في مصر. يتذكر أرض نخلات جده. البذور منها الطيب والخبيث، والكلمات مثل البذور منها الطيب والخبيث، فيأسى على محاولة شخص مسلم في أميركا قتل الكاتب سلمان رشدي بسبب كلمة خبيثة قالها الخميني قبل 34 عامًا.

يستمر الحديث مع تفاصيل التجارب الطبية التي لن يتوقف عنها، ومراسلاته حول العالم، وانتقاله إلى مركز أندرسن بحثًا عن شعاع أمل في الأدوية الجديدة. يتذكر الآمال القديمة فقد تعطيه الأمل!  قصة زواجه بإسراء. يطل عليه وجه والدها الذي هو في السجن بعد قضية برأته منها محكمة النقض بعد تسع سنوات، لكن حيكت له قضية جديدة قبل أن يخرج وصار محبوسًا احتياطيًا الآن. لقد تم القبض على والد إسراء عام 2013، وهو الدكتور السيد حسن شهاب، عميد كلية الهندسة بجامعة حلوان، بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان، وبرأته محكمة النقض عام 2021. لقد أتم عامه السبعين في سبتمبر 2022، لكن تم إدراجه في القضية رقم 786 لسنة 2020. لقد طرقوا كل الأبواب لخروجه ولا فائدة. كل الأوراق والمستندات القانونية متوفرة، لكن كيف تكتب أن الدكتور سيد رجل كريم؟ 

ذهب إليه، هو الطبيب الشاب القادم من الصعيد، الذي لم ينهِ سنة الامتياز بعد، وليس لديه دخل ولا شقة، فقال له الرجل حاسمًا أن القبول والرفض بيد ابنته لا بيده هو. تفاصيل الزواج المضحكة، وكيف كانت في مكان صغير بالقاهرة وبلا قائمة، ويسكن في شقة صغيرة في عمارة في دورها الثامن.. لم تنتهِ بعد، وكيف صعدت إسراء إلى الدور الثامن بثوب الزفاف الذي مهما ترفعه عن الأرض يصل إلى السلالم المتسخة، هي التي تهمها النظافة إلى حد الجنون. ينقلنا حديث الزواج إلى الحديث عن أبيه وأمه، وكيف ذهب أبوه، أبو الغيط، وهو طالب في السنة النهائية من كلية الطب، ليخطب فتاة لم يرها بل سمع عنها كل خير ممن رأوها. كان أبوه من عائلة فقيرة، بينما أمه من عائلة موسرة، لكن أباها وافق لسمعة أبو الغيط الطيبة، وهي قالت ليس المهم المال لكن المهم السيرة والإخلاص في الزواج. رحلة والده وأعماله في الطب في علاج آثار حروق الجسد، وخدماته لأهل قريته وغيرها، في المستشفيات العامة والخاصة والعيادة، وقصص جميلة ومثيرة عن بعض المرضى. كيف علمته أمه القراءة مبكرًا في مجلة ميكي، ثم صار يقرأ الكتب، فصار أشطر الطلاب في كل المراحل، وشقاوته في الفصل مع المدرسين بسبب ثقافته. 

قصة كفاح أمه مع أبيه في سنوات زواجهما الأولى، وكيف تحملت مشاكله المادية ولم تبدِ أي تذمر، وأنجبت منه محمد وأخوته. لقد عرف صدفة من حديث في البيت بين أمه وأبيه أن جده لأمه أمضى سبع سنوات منذ عام 1965 في سجون عبد الناصر. عام قضية تنظيم الإخوان وسيد قطب، لكنه استعان بالكاتب أحمد الدريني، الذي عمل على فيلم عن سيد قطب، فلم يجد اسم جده في من تم محاكمتهم، وخرج جده يعاني من آثار التعذيب. ثم يأتي اليوم الذي يُساق فيه شمس بدران مع غيره من رجال المشير عبد الحكيم عامر إلى السجن بتهمة الانقلاب على عبد الناصر عام 1968، ومن بين من معه حمزة البسيوني، مدير السجن الحربي، الذي ارتكب كل الآثام مع المعتقلين. أمه التي كانت ملاكًا تحب الدعاء تعرف أنه في يوم الجمعة ساعة استجابة، ولأنها لا تعرف أيّ ساعة فتجلس في شرفة المنزل تدعو الله من الظهر إلى المغرب. لقد تأخر حملها سنة بعد الزواج، وبدأت القرية تتهامس عن ذلك، فدعت الله ووافقت أن تذهب مع أبيه إلى الطبيب ليخبرهما أنها حامل. 

كان هو أول مولود لها مع توأم توفي بعد ثلاثة أيام. أمه من غرست فيه حب القراءة، ورأت في الصدق في الدعاء جناحين يصلان إلى الله. يقرأ في ذلك المقالات عن التهاتف الروحي في علم النفس، وكيف إذا فكرت بصدق في شيء طيب تتمناه تجده. الكون يستجيب للنفوس الصافية. ويستمر في الأحاديث عن بر الوالدين، وكيف كانت تتم تربية الأبناء منذ الفراعنة على ذلك. كيف حملت زوجته إسراء، وردته البيضاء كما يسميها دائمًا، الكثير من أفكار أمه. 

يفعل ذلك مستمرًا في الحديث عن الانهيار والتقدم في المرض بالتفصيل المؤلم، وبين الأدوية وجلسات الإشعاع والكيماوي تسمع صرخاته. وإسراء لا تتركه لحظة. إسراء ذات جوهر صلب بثلاث وردات رقيقة حقًا، لكن لا تنكسر أبدًا، فهي ليست هشة، بل تزداد تماسكًا. يقول لم تكن بدايتنا عادية. لقد اختارتني إسراء قبل أن أختارها. التقينا للمرة الأولى في تجمع أصدقاء على الفيسبوك خاص بالقراءة الأدبية. 

قالت إنها بمجرد ما رأته وقع في قلبها فورًا أنها ستتزوجه، وكانت تعاني وقتها من تجارب سيئة مع متقدمين للزواج بالطرق التقليدية (زواج الصالونات) يومها اتصلت بصديقة لها قائلة «باركي لي. النهاردة قابلت اللي حتجوزه». بادرت هي وراسلته تسأل عن تفاصيل تخص كتاباته في مدونته القديمة، فلمسته روحها منذ السطر الأول. لم تمضِ أسابيع إلا وقد أطلق نصفه العاطفي نداء اكتماله، لكنه لم يلبِ النداء فورًا. كان يقاوم متذكرًا ما قرأه في كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي، أن الحب الذي يفضله ليس حب النظرة الأولى، بل الذي يأتي بعد كثير من المشاهدة. وجد إجابة لسؤاله: هل أنا أحبها حقًا؟ بنعم أحبها وعينه تتأمل كل تفصيلة من ملامحها. يحبها لأنه يشعر بالفخر حين يقابلها أو يحدثها، ولعلامات بينهما بالإعجاب بأشياء في الحياة كإعجابها الشديد بفرقة الطمي ومسرحيتهم «ثورة القلق» التي لم تكن متاحة وقتها على الإنترنت. كلاهما انبهر بها. كم فرد يعرف المسرحية والفرقة الجديدة؟ إنها السند مهما تأخر. 

 الكتاب سيرة مع المرض ومع الإرادة ومع العائلة ومع الحب ومع الوطن، حاولت أن أعرضه دون التزام بترتيبه، فمحمد أقام له بناءً معماريًا مدهشًا. يبدأ في كل فصل بالمرض ثم ما حوله، وكلما اشتد المرض عاد إلى الوراء في ذكرياته. فيلتئم القديم، حيث الأمل مع الأخير، حيث النهاية. لكني لا أستطيع إنهاء الحديث عن الكتاب الذي يحتاج إلي عشرات الصفحات لعرضه، دون أن أتحدث عن إسراء الآن. لقد كانت مصابة بتنميل في أطرافها منذ شهور وهي ترعى محمد، والآن ولم يمر شهر على وفاة محمد أصيبت بعدم رؤية بعينها اليسرى. أخبرها الطبيب أن هذا مرض مناعي. أجرت كل الأشعات والتحاليل، وهي في قلق على يحيى، وتنتظر السيناريو الأفضل للمرض. فاكتشفوا أنه مرض «التصلب المتعدد MS» 

ولن أتحدث عن هذا المرض وأثره على الأعصاب والبصر والحبل الشوكي وغير ذلك. تسمعها صديقتها، مرام أحمد، التي كتبت الخبر على فيسبوك تقول وهي على سريرها في المستشفى «كدا برضه يا محمد تمشي من غير ما تعرف أنا عندي إيه؟» وتقول صديقتها مرام في نفس البوست:

«حاولنا نضحك وسط الأحداث الغريبة دي كلها: بنقولها لو هنحوّل حياتك فيلم يا إسراء ما حدش هيصدقه، تو ماتش دراما هندية وشكسبيرية في نفس الوقت، وهي بتقول: من غيري حياتكم كانت هتبقى مملة ومافيهاش ساسبنس.

مش عارفين نتمنى إيه للسنة الجديدة، الأمنيات بقت مخيفة، لكن يعني نتمنى إن إسراء تكون أخدت كل رصيدها من القسوة، وتكون السنة الجديدة أهدا وأروق ومملة شوية، أصل الملل جميل أحيانا».

هذا هو ما تعانيه إسراء الآن . فقدت أمها من قبل، ثم فقدت زوجها العظيم محمد أبو الغيط، ووالدها في السجن بعد براءة تأخرت تسع سنوات، ومعها يحيى وحدهما في لندن. هذا ما يحزنني ويحزن أي شخص، حتى لو لم يرَ هذه الأسرة ولا هذه العائلة. صحيح معها أصدقاؤها، لكن هذا المرض الصعب ظهر بعد أن رحل نور الحياة الذي لو لم يصبه المرض ويخطفه سيكون أعظم سند لها. 

كم من قوة تحتاجها إسراء التي حملت زهور الأمل على مصابيح النهار في حياة محمد ليضيء حياتنا. كم أنا حزين من أجلك يا إسراء التي لم أرها، وأقول لك ما قلته على صفحتك: هناك من يصطفيهم الله بالآلام، لكنه أيضًا يستطيع أن يصطفيهم بالعلاج والصحة، وسوف يصطفيكِ بالحياة من أجل يحيى بعد أن اصطفاكِ بالعذاب مع محمد وطهركِ على نساء العالمين. ولا بد من يوم معلوم يا إسراء تتفتح فيه الزهور.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن