تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أطياف صورة النصر

أطياف صورة النصر

كتابة: أحمد السروجي 13 دقيقة قراءة

أعادت حرب غزة تشكيل الفضاء البصري للنضال الفلسطيني، بضخها أيقونات وصورًا جديدة، لها أثرها على المخيلة الجمعية. من الباراشوت إلى لقطة درون السنوار والنهر الجاري بينهما، تفتح الصور نقاشًا عن الخيال المقاوِم، عن إلهامه المحفز أو تخديره الموضعي أو تحوله إلى أيقونات مجانية. ما هو خيال الصور الموّلدة من رحم «7 أكتوبر»، في زمن عُملته الصور الدوارة على الشبكة العنكبوتية؟

يتناول الكاتب أثر أيقونات الطوفان الفلسطيني على ذاكرتنا الحسية في ظل تغير علاقتنا بالوسيط البصري وانتقالها من تصميمها الصامت المصمت في شكل تماثيل ولوحات وصور إلى طورها المتحرك في شكل كادرات حية، في ظل إرهاصات «الديب فيك» والذكاء الاصطناعي، لكن هل هذا الانتقال هو مجرد فعل توثيقي للتاريخ بمعناه الخام والمباشر والعاري أم إعادة إنتاج للتاريخ في كادرات مؤدلجة؟

(1)

كيف يبدو القمر بينما تُرتكب على ضوئه مذبحة؟

فجيعةُ السؤال قد تساوي فجيعة

الإجابة: لا شيء

خارج عن المألوف

ست صور للموت - مها الأسود

استيقظ العالم صباح 7 أكتوبر 2023 على مشهد ملثمين مسلحين يطيرون في السماء ويهبطون بالبراشوتات على حفلة مُقامة في إحدى المستوطنات على بُعد كيلومترات قليلة من غزة. كانت تلك بداية «طوفان الأقصى» وأشّرت تلك الصورة للقطات أخرى كثيرة، تزاحمت فيها الأكواد والأعراف البصرية غير المعيارية للفلسطيني: من ضحية إلى مبادر بالاعتداء، ومن مضطهد إلى مقاوم. وتلا الطوفان سيل من الجثث الفلسطينية والجرائم الإسرائيلية، تراكمت خلاله مشاهد شديدة البشاعة والعنف، واستمرت لأكثر من سنة بعد ذلك المشهد الافتتاحي، والذي عبّر عن تلك القدرة الفعلية للخيال في أشد صوره جموحًا؛ الهروب من سجن غزة المفتوح عبر السماء والهبوط على جمع المستوطنين المحتفلين وهم يتراقصون ويطلقون العنان بدوره لجموحهم.

ثم أتى رد الفعل الإسرائيلي، وتمثّلت سريعًا معضلته في كيفية محو المشهد الافتتاحي للطوفان الفلسطيني. ومع توالي المجزرة، ازدادت الصور الفلسطينية: أشلاء ودم وصريخ ودمار. تراكمت صور الإبادة، في تدريب مُقنّع من النظام العالمي لإبادات أخرى آتية، حتى باتت صورة المشهد الافتتاحي في الخلفية تمامًا، وتعبيرًا عن لحظة عابرة جدًا. كانت الحرب الإسرائيلية، في أحد جوانبها الأساسية، تهدف إلى محو كل أثر ومعنى للسابع من أكتوبر، أي أنها في طورها الأخير، كانت حربًا بصرية. كان المشهد الافتتاحي لـ«طوفان الأقصى» أيقونيًا؛ بمعنى أنه كان فعلًا ماديًا اكتسب من الزخم والفائض المشهدي ما سمح له بالتحول إلى مجاز بصري. وكانت ردة الفعل الإسرائيلية فائضة هي الأخرى، ولكن هذه المرة بكشط مشهدي لكل ما جاء في طريقها.

في مقاله «صورة النصر»، يشير محمد هُوجْلا-كَلْفَتْ إلى أن «الإسرائيليين بمعنى من المعاني ومنذ زمنٍ ما هم في بعثة تصوير، وصار المشروع الصهيوني بحثًا متجددًا عن صورةٍ ما يجب العمل على موضوعها جيدًا قبل التقاطها». ولكن ماذا يحدث عندما يراوغ موضوع الصورة مُلتقطيها؟ عندما تتضافر الصدف والعكوسات التاريخية لإخراج مشهد يعيد التشكيك في تراكم صور النصر المصنوعة على أنقاض الجثث والأنقاض الفلسطينية؟ الإجابة هي حصولنا على المشهد الأخير للسنوار.

تتلخص أيقونة ذلك المشهد باعتبارها تمثيلًا لكل ما هو بدائي ضد التضخم والتفوق التكنولوجي للمسيّرات الإسرائيلية وتجارة الأسلحة الأمريكية: جسد منهك يستجمع آخر ما في جعبته من حياة ليقوم بفعل أخير ونهائي وغير معني بنتيجته ولا مآلاته. مشهد السنوار الأخير هي الصورة المتحركة غير المعنية بتمثيلاتها أو حيواتها اللاحقة.

السنوار في لحظاته الأخيرة بتصوير الدرون الإسرائيلية

لكن لم يأت ذلك المشهد وأيّقنته في فراغ بصري، ففي نفس العام، رأينا -صوتًا وصورة- مشهدًا آخر أصبح أيقونيًا، وإن كان على نقيض الطيف السياسي لمشهد السنوار. مرتديًا قبعته الحمراء المكتوب على جانبيها «فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، نسمع صوت «تك.. تك.. تك» متتابع بينما يضع ترامب يده اليمنى على أذنه. تتراجع عدسة الكاميرا لالتقاط كادر متوسط المدى، راصدة العلم الأمريكي وجموع المؤيدين في لحظات صراخهم المتتالية. يُكوّن أفراد الخدمة السرية سريعًا دائرة متشابكة الأيدي حول ترامب، وبدلًا من التحرك، يستجديهم للانتظار. ينظر إلى الجماهير ويرفع يده اليمنى في قبضة عاليًا، مرددًا «قاتلوا.. قاتلوا.. قاتلوا». يَجُن جنون الجموع، مهللين «USA».

مشهد أمريكي بامتياز حيث محاولة اغتياله هي تجسيد لكل ما هو تكنولوجي ومسلح ومسرحي. يرفع ترامب يده في قبضة، مستلهمًا تاريخًا طويلًا من الأيادي المرفوعة للمواطنين السود الأمريكان، لكن هذه المرة ليس ضد التسلط، بل «في صحته». أيقونة ترامب بطل واعٍ بمئات الكاميرات، وبقوة حضورها، يتلكع بعض الحين بعد أن يدفعه رجال الشرطة السرية للأمن، رافضًا ذلك قبل أن ينظر إلى الجماهير لإخراج لقطته الأخيرة.

ترامب رافعًا قبضته بعد محاولة الاغتيال

مشهد السنوار سوريالي، إذ يتفوق على الواقع بإعادة تشكيل دلالاته، بينما مشهد ترامب كاريكاتوري، يُحَمّل الواقع صورًا لاجتراح دلالاته. وبين أيقونة السنوار وترامب البصرية، راحت مآلات أبطالها تحاكي صورها: الأولى بمقتل بطلها والثاني بإعادة إحيائه في المشهد السياسي الأمريكي وصولًا إلى فوزه بالرئاسة. تبحر هذه الأيقونات في تيار لا نهائي من الكيتش البصري، ولا يمكن فهم مدى تأثيرها عند جماهيرها المتنوعة إلا بالتمعن في الأيقونات الغائبة، وأبرزها اغتيال حسن نصر الله. فمقتل نصر الله كان عاديًا بصورة مزعجة، لم يُخلّف وراءه أي فائض بصري يمكن الاستثمار فيه. تبخرت أيقونة نصر الله وقوة ردع حزب الله تحت حرارة 900 كيلوجرام من المتفجرات، غير تاركة أي جسد ولا أثّر يُبنى عليه مقام. لا شيء يمكن للجماهير العودة إليه؛ تسوية الأرض على مَن فوقها ومَن تحتها كانت علامة على أفق التسويات السياسية المتاحة في الشرق الأوسط.

(2)

لا فرق عندي بين تصويب مسدس أو كاميرا

 ماساو أداتشي [1]

في مقالها المنشور بـ«نيويورك ريفيو» بعنوان «الفاشية المبهرة» [2] (1975) تقف سوزان سونتاج أمام محاولات المخرجة الألمانية، ليني ريفنستال، لتبييض وجهها في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية باعتبارها فنانة ومخرجة مستقلة. اشتهر صيت الأخيرة خلال الحقبة النازية كمنتجة رائدة في إخراج أفلام دعائية لنظام الرايخ الثالث -أشهرها فيلم «انتصار الإرادة» (1935)، والذي غطّى المؤتمر السادس للحزب النازي في سبتمبر 1934 بمدينة نورنبيرغ، ويُقال إنه حضره حوالي 700 ألف مناصر نازي-. وفيما بعد، إثر انهيار النازية، راحت ريفنستال تُقنع الوسط الفني أن نجاحها كمخرجة كان برغم وليس بسبب إعجاب هتلر شخصيًا بأفلامها، مُرددة أن أعداءها كانوا كثيرين في هذه الفترة، وتضمنوا «جوبلز» شخصيًا، وزير البروباجندا آنذاك. أما فيما يخص أفلامها التي أصبح يُشار إليها باعتبارها نموذج البروباجندا الكلاسيكي، فقد صرحت في لقاء بمجلة كراسات السينما (1965) قائلة: «هذه لم تكن بروباجندا على الإطلاق، بل بالأحرى سينما الواقع (cinema verité)»، مضيفة أن فيلم «انتصار الإرادة» كان تجسيدًا «للتاريخ، التاريخ الخام».

ليني ريفنستال مع هتلر، مصدر: CPA Media/Pictures From History/picture alliance

ما عنته ريفنستال بأن فيلمها يرصد «التاريخ الخام» هو أنها لم تتدخل إطلاقًا في محتوى ما التقطته، بل إن الكاميرا كانت مجرد عدسة شاهدة على الأحداث، كما هي، دون تجميل أو تغيير. لكن العديد من المصادر التاريخية -وأهمها سونتاج- تشير إلى مُفارقة كلام ريفنستال تمامًا للحقيقة، فتنظيم المؤتمر السادس للحزب النازي كان مدفوعًا بصورة جزئية برغبة هتلر في إنتاج فيلم «انتصار الإرادة». وترد سونتاج على ادعاء ريفنستال بغياب أي صوت سردي في فيلمها أن ذلك لا يعني توثيقه لأي حقيقة تاريخية محضة، وذلك لأن «انتصار الإرادة» دلالة في حد ذاته على «تحوّل جذري ومتحقق للواقع: أصبح التاريخ مسرحًا».

رجوعًا للحظتنا المعاصرة، والتي أصبح العادي فيها مشاهدة محاولات اغتيال ومعارك كاملة لايف، صوتًا وصورة، لم تُعد فكرة التاريخ مسرحًا غريبة، بل من عاديتها، نتناسى غالبًا وجودها كعنصر أساسي في تكوين وعينا بالحدث التاريخي وقدرتنا على التفاعل معه. لم يكن لمشهد السنوار الأخير أي معنى في شكل صورة؛ مردوم تحت التراب، دون ملامح واضحة، ولا نستطيع التعرف على يده ولا ما يحاول عمله. تجسدت الأيقونة في المشهد الحركي، في الواقع المرفوع إلى مصاف خشبة المسرح. 

انتقلت صناعة الأيقونة من تصميمها الصامت المصمت في شكل أصنام وتماثيل ولوحات وصور، وأصبحت الآن متحركة. لم يعد هناك نسخة أخيرة لشكل التاريخ نسقط عليها تأويلاتنا، ولكن كادر حي يتحرك فيه أبطال المشهد. هذا الانتقال من الأيقونة الساكنة إلى المتحركة ليس مجرد تفصيلة تقنية، بل انتقال نوعي في علاقتنا بالتاريخ وإدراكنا لأحداثه. لا تحتاج الصورة المتحركة إلى صوت سردي، على الأقل في نموذجها الأولي، بينما تتطلب الصورة بطريقة نشطة توصيف وتقديم واستعراض لفحواها وظروف إنتاجها. لكن هل الانتقال بالفعل من تأبيد اللحظة في شكلها الساكن (تمثال - لوحة - صورة) إلى التقاطها في شكلها المتحرك (فيديو) هو مجرد فعل توثيقي للتاريخ بمعناه الخام والمباشر والعاري؟

تتعلق صناعة الأيقونة في طور صورتها المتحركة بإنتاج نمط معين من المُشاهِد والمُشاهَدة المتشظية؛ انتقل فعل المشاهدة تاريخيًا من كونه فعلًا اجتماعيًا وجماعيًا -في صالة سينما أو في التلفزيون مع العائلة أو الأصدقاء- إلى كونه فعلًا فرديًا -في يد كل واحد عبر جواله-. هذا التفتيت جزء من تكسير ممنهج لكل أشكال التنظيم الاجتماعية والجماعية من نقابات واتحادات وجمعيات، وذلك للانتقال من حقوق المواطنة إلى مكاسب الاستهلاك. الإبادة في هذا السياق التاريخي وفي طور توثيقها المتواصل هو فعل إزاحة مزدوج: إزاحة التاريخ من جغرافيته بالقتل، وإزاحة الجغرافيا من تاريخانيتها بانتقالها إلى تليفون كل واحد منّا الشخصي. 

(3)

البصري بالضرورة إباحي... تطلب منّا الأفلام التحديق في العالم كأنه جسد عار.

بصمات البصري - فردريك جيمسون (1992)

ظهر تعبير «إباحية الفقر» (Poverty Porn) في ثمانينات القرن الماضي للإشارة إلى تلك الممارسات البصرية التي تستهدف التقاط حياة الفقراء وظروف بؤسهم في إطار من الكادرات المثيرة والعجيبة والمبهرة؛ أي صناعة الغرائبية مما هو تحت العادي والمقزز والمنفر، وذلك تحت غطاء من توثيق الحقيقة وعرضها. كان الهدف النهائي لتلك الممارسات هو استدرار التعاطف الإنساني بمعناه المطلق، وتدوير القهر باعتباره ظاهرة متجاوزة للسياسة وانحيازات الساسَة، حتى يخرج المُشاهِد بانطباعات تلين قلبه كي يعطف ببعض من العملات لحملات الدعم المختلفة، أو على أقل تقدير، لإعادة توجيه انتباهه إلى إصدار جديد من جريدة أو برنامج تلفزيوني.

ومع ازدحام المنافسة على انتباه المشاهد، تكوّن اقتصاد قائم كليًا على كيفية تثبيت عينيه أمام الشاشة، وتطلب ذلك دفع سقف الإبهار باستمرار لمستويات أشد زخمًا. ومع تعميم ظروف الإفقار على مواطني العالم في شتى ربوع الكوكب، وهيمنة الصور كوسيط أساسي لتعاملنا مع الواقع، تطورت إباحية الفقر إلى طورها الأخير: إباحية المجزرة. فبعد أن سعت السياسات الاقتصادية إلى تفطيس الظروف المعيشية لأغلب البني آدمين، بات الآن ممكنًا ولازمًا الانتقال إلى الحل الأخير [3]: التخلص من البني آدمين أنفسهم، لمرة واحدة وللأبد.

إن الاستباحة الكاملة للأجساد والحيوات لم يكن ليكون ممكنًا دون تطبيعنا شبه المتكامل مع إباحية الفقر: انظروا إلى صور المأساة ومصمصوا شفايفكم. وعند مدّ هذا الخيط لآخره، نحصل على تنويهات إنستجرامية من قبيل Sensitive content: this video may contain graphic or violent content - محتوى حساس: قد يحتوي هذا الفيديو على محتوى صادم أو عنيف. ففي عالم تهيمن عليه سرديات المداواة والتعافي الفردية باعتبارها منتهى غاية الشخص لأجل حياة أفضل، يصبح منطق التعاطي مع العالم مرسومًا بحدود حساسيات أطرافه غير المرئية.

فإن كان «الجسد ليس اعتذارًا» و«جسدي هو معبدي» هو حدود الحضور المادي لصحة البني آدمين، تتحول السياسات الفعلية والبصرية المُهيمنة للتخديم على والاستثمار في تلك الحدود: قصف الأجساد والقبور والمعابد، والتنويه على صعوبة تلك المَشاهِد حرصًا على مشاعر المُتفرجين.

محتوى حساس

ومع توسع أمد الحرب وتكاثر المجازر على جبهات متنوعة، تراكمت المناعة العصبية والحسية لدى كثير من المتعاطفين، إذ يؤدي الغمر دائمًا إلى حالة من التشبع، مُوّلدًا قدرًا من التخدير. تحميل الجهاز العصبي المتواصل لا يؤدي إلى التعاطف، بل بالأحرى، لاستكمال عملية التصفح اللانهائية التي تتيحها وسائل التواصل الاجتماعي. يستلزم بروّزة مشهد واكتسابه مصاف الأيقونة إذًا اختراقه للدفاعات المتراكمة عند المشاهدين؛ إيقاظ السائرين نيامًا في نهر الصور الأبدي. ومع تدفق البشاعات وتضاعفها المستمر، تحوّلت العلاقة مع التاريخ من موقع الشاهد إلى المشاهد، أي من موقع المتضامن للمتعاطف.

هيمنة البصري على وعينا ومركزية فعل التحديق في العالم ما هو إلا بدعة معاصرة؛ فقبل توسط الصور لعلاقة كل واحد منّا مع العالم ومن ثم التاريخ، اعتمدت البشرية في الأغلبية الساحقة من مسيرتها على الأذن للتصديق والتواصل مع العالم الأوسع. حتى مع انتشار القراءة والكتابة، ظل معظم الناس أُميين، يعتمدون بصورة أساسية وساحقة على آذانهم لتلقي سرديات السلطة والتمرد والقيل والقال. كان الانتقال من مركزية الأذن إلى العين نقلة تكنولوجية، حيث ارتحل الحضور البشري من فعل الاستماع والإنصات إلى النظر والمشاهدة. عنِّي ذلك بصورة مبدئية تأطير جديد ومتجدد لحدود الخيال؛ فبينما سمحت الأذن لعقل كل مستمع بملئ تفاصيل الخبر ورسمه على حسب هواه، جاءت العين لتحديد الأخبار المتواترة في كادرات تزعم تقديمها للعالم كما هو. ومع تعرف وتطبيع المستهلكين مع المنتجات البصرية في شكلها الفوتوجرافي أولًا والسينمائي لاحقًا، انشطرت هذه العلاقة مرة أخرى.

(4)

خيط الكلام مع الموتى يجب ألا ينقطع، حتى يُفصحوا عما دُفن معهم من مستقبل.

هاينر مولر

في لحظتنا المعاصرة التي تتميز بإرهاصات الذكاء الاصطناعي والديب فيك (DeepFake)، أضحت الصور -بالذات في دورها التوثيقي والتسجيلي- نسخة رديئة من الواقع، مُطَعمّة بكل أشكال وأسباب الشك والتشكيك. فبينما أصبحت تشير الصور الفوتوجرافية إلى حدس وجود شيء آخر، زائد أو ناقص، في الكادر، أضحى المنطق الحاكم للصورة المتحركة على النقيض يدفع المتفرج إلى البصم على أن ما يراه هو بالفعل الموجود، ولا شيء أبعد من ذلك.

هذا الانتقال من الأذن إلى العين في التعاطي مع التاريخ، وادعاء الصورة المتحركة لقدرتها على تقديم العالم كما هو دون إغفال أي تفصيلة هو التعبير الأصدق عن تسلّط الوسيط البصري في لحظتنا الراهنة. إذ كان الهدف النهائي لكل ما هو بصري هو التواصل، وما تتضمنه تلك العملية من لغة بقواعد نحوها وشفراتها، فإن صناعة المشهدية هو حديث من طرف واحد. ويتضمن ذلك شبكة لا مركزية من توزيع الأدوار البصرية: هناك مَن يُنتجون صورًا لحيوات الآخرين، وهناك من يستهلكون ويعيدون تدوير صوّر حيواتهم. ولكن نادرًا ما تكون هذه الثنائيات محضة؛ فحتى الحديث من طرف واحد يستلزم آذانًا، أحيانًا صاغية ومرات عديدة غير مبالية. إذًا، كيف يمكن أن نتعامل نحن قاطني هذه البقعة من الخريطة، مع كل تلك الصور الموُزّعة علينا؛ اللمحات الخاطفة لانتصاراتنا والسيل المتواصل لأطلال حيواتنا؟ كيف يمكن إعادة صياغتنا موقعنا كمُشاهدين لنخطو بصورة فاعلة وفعّالة في جغرافيا البصري وتاريخ شروط إنتاجه؟

ساكنة أم متحركة، لكل إنتاج بصري حيوات تالية، يُعاد فيها استدعاؤه عند الحاجة، في ظروف وتحت شروط لا يمكن تخمينها مُسبقًا. يحتضر أو يُقتَل بطل الفيديو مرة واحدة، لكنه يستمر في العمل بداخل الكادر، في «بلاي باك» متواصل، يموت ويحيا مرات لا نهائية، في تأبيد متكامل لمستقبله. سيرفع السنوار كل مرة يده ملتقطًا عصاه، وسيرميها في كل مرة محاولًا إصابة المُسيّرة، وستراوغ الأخيرة في كل مرة، وسيلاقي هو مصيره الأخير، مرة تلو الأخرى. هل ذلك هو منتهى حياة موضوعات الصور المُتحركة في دورها التوثيقي؟ حياة متواصلة منزوعة التاريخ؟ حياة تلتقط لمحات من التاريخ وتعيد تشغيله بلا هوادة وبصورة منفصلة عن سياقات إنتاجه الأولى؟ فالموتى يعملون أيضًا، «أوفر تايم» وبصورة سيزيفية، حتى يلتقطوا خيط التاريخ الحي ليندسوا منه مرة أخرى، مُعيدين تشكيل الواقع، طويلًا بعد انقضاء دورة حياتهم.

ومع كل مجزرة جديدة واستدعاء أجدد لصور النصر والهزيمة، ردد كثيرون أنه ستأتي حتمًا لحظة ما يتوقف فيها هذا العالم أمام وطأة الأحداث، ولكن ظلت الحياة تستكمل دورتها، في قلب المجزرة وعلى أطرافها. الانتقال من الشهادة على الحدث لموقع مشاهدته صاحب معه خُرس مُكتسَب: أمام هذه الفظاعات، ماذا يتبقى أن نقوله ولم يقال؟ وما فائدة الكلام بالأساس؟ عندما تلجم العين اللسان، لا يجد الأخير نفسه إلا مُصدرًا أصوات وآهات وهمهات، أي حضور دون اللغة البشرية: وجود تحت إنساني، يحبو ويتدحرج ويتخبط. ولا يفك حبسة اللسان إلا آذان أخرى: ألسنة تروح وتأتي، في تناوب متنوع، ليبدأ اللسان في إنتاج سردية مغايرة لما يراه: مشاهد من العالم ومشاهدته لنفسه في ذلك العالم. قد يكون أحد أشكال مسيرة التحرر هو العمل على إنتاج صور ومشاهد لانتصاراتنا عصية على تحولها إلى أيقونة، على الأقل بمعناها الدارج في الاقتصاد البصري السيبراني. وقد يكون بديلًا لذلك هو إنتاج أيقونات تستطيع قلب هذا التطبيع المتراكم للصور، ولقدرتنا كمستقبلين لها على التعامل معها. صور تعيد ترتيب حواسنا؛ نراها بألسننا ونسمعها بأعيننا ونعيها بآذاننا، حتى نعود من صحراء المشاهدة إلى قلب الشهادة على التاريخ. 

صورة النصر أم صورة الهزيمة؟.. نازحون فلسطينيون عائدون إلى شمال قطاع غزة، إثر بدء سريان وقف إطلاق النار

هوامش:

1- كاتب سيناريو ومخرج وممثل ومنظر ياباني وعضو سابق في الجيش الأحمر الياباني. في عام 1971، زار بصحبة المخرج الياباني، كوجي واكاماستو، مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وصوّرا معًا فيلم «الجيش الأحمر/الجبهة الشعبية: إعلان الحرب العالمية The Red Army/PFLP: Declaration of World War«

 2- نُشِر بعنوان «Fascinating Fascism« (6 فبراير 1975)، ثم اُعيد نشره في كتاب مُجمَّع بعنوان Under the Sign« «of Saturn (1980)

3- الحل الأخير أو «الحل الأخير للمسألة اليهودية» هو اسم الخطة التي وضعها أدولف أيخمان - رئيس الجهاز السري في ألمانيا النازية (الجيستابو) – للتخلص من المدنيين اليهود عبر معسكرات الاعتقال، وهو ما أصبح يُعرف لاحقًا بالإبادة النازية لليهود (الهولوكوست). 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#القضية الفلسطينية

غزة: التمثيل والخيال والسلطة

 أعادت حرب غزة تشكيل الفضاء البصري للنضال الفلسطيني، بضخها أيقونات وصورًا جديدة، لها أثرها على المخيلة الجمعية. من الباراشوت إلى لقطة درون السنوار والنهر الجاري بينهما، تفتح الصور نقاشًا عن…

محمد صبحي 9 دقيقة قراءة
#فنون بصرية

صورة النصر

محاولة لفهم أثر مشهد السنوار الأخير عليه وعلى كثيرين

مَحمد هُوجْلا-كَلْفَتْ 11 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن