أطلال السُفرة وحفلاتها المحرمة
خطوة عزيزة #2| سفرة وغرفة نوم بالتبادل
#جو عام
في «خطوة عزيزة» نستضيف القراء في غُرف السلسلة التي وضع أساسها ودعا الناس للإقامة بها، هيثم الشاطر وهاني المصطفى للكتابة عن البيوت.
في ثاني حلقات «خطوة عزيزة»، يصطحبنا يوسف أبو عالية إلى غرفة نومه المقامة على أطلال سفرة بيت طفولته، مثل تباديل وتوافيق الطبقة المتوسطة في بيوتها، حيث يُزاح الأثاث لخلق مساحة مسحورة تؤسس بها غرفة من أطلال أخرى.
عن طقوس محرمة في بيتهم مثل أعياد الميلاد، يحكي أبو عالية، فلا «هابي بيرث داي» غُنت له طفلًا، ولا شموع أطفأ، بل لم يلمح من هذه الأجواء إلا طرف فرع زينة منسي مُتدلٍ من مسمار بسقف مكان نومه. ومن زينة المسمار، يغزل ويلضم حكايته عن البيت.
#خطوة عزيزة
في منزلنا بطنطا، تحديدًا في أقصى رُكن سقف غرفة النوم، كان ثمة مسمارٌ صغير، تتدلى منه بقايا شرائط زينة ملونة بلمعانٍ منطفئ، ترك الذباب نقاطًا سوداء على أطرافها، كثيرًا ما كنت أرمقها بفضولٍ، ثمة حفل كان هنا يومًا ما، أحدهم دقَّ هذا المسمار وأحكم فيه ربط شرائط الزينة، ثم شدَّ تلك الفروع بتسرعٍ فتمزقت ولم يتبق منها إلا بعض الشراشيب.
لطفلٍ، كانت الشراشيب -بألوانها المبهجة شبه اللامعة- تنقل لي أصداء ضحكاتٍ وغناء وتصفيق وحلوى ذات أشكال وألوان، وكلُّ هذا كان هنا، في نفس البيت الوقور الذي لا أسمع فيه الآن سوى نشرات الأخبار وإذاعة القرآن وتسجيلات تلاوات المآتم ذات صدى الصوت المتكرر، وصوت حفظ القرآن المتسارع، وأصوات تسمِيعِه المترددة، وربما صوت حِزامٍ رجالي يهوي في بعض الأحيان إن طال التردد.
لاحقًا، خلال التقليب في فوتوغرافيا الأسرة، ظهر لي فرع الزينة للمرة الأولى، تتدلى منه شرائط الزينة والبلالين الملونة وأسفله لقطات من ذاك الحفل المجهول، والذي بدا احتفالًا بعيد ميلاد شقيقتي الكبرى قبل ولادتي.
الغرفة في الصور لم تكن للنوم، بل بدأت مع والداي رحلة زواجهما باعتبارها «غرفة سفرة».
نيشٌ أنيق من خشب الزان حُفرت فيه يدويًّا زخارفٌ شديدة الإتقان، وبداخله أطقم مائدة وشاي خزفيَّة إنجليزية الصنع ماركة «ذا هانتر»، تتوسطه سفرة فخمة تتجانس زخارفها وزخارف مقاعدها مع زخارف النيش. تحكي لي صور غرفة السفرة (سابقًا) أو غرفة النوم (حاليًا) نُبذة عما شهده ترتيب منزلنا من تعديلات، كيف تصوَّره زوجان في مقتبل حياتهما وكيف تعدَّلت أولوياتهما العَملية والوظيفية بعد الأبوة. فعلى عكس غرفة الصالون، التي بقيت مساحة شبه مُغلقة يُحظر الاقتراب منها أو العبث بها ومحجوزة لضيوفٍ نادرًا ما نستقبلهم، وقعت السُفرة أولى ضحايا التوسّع في عدد غرف النوم، وأثبتت الطبلية عمليّتها نظرًا لمساحتها الصغيرة وإمكانية وضعها جانبًا بعد تناول الطعام، فضلًا عن تناغمها مع محيطنا الريفي البسيط، ولذلك خُلعت السفرة وخُزِّنت في مكانٍ آخر، مع إمكانية تركيبها في العزائم والمناسبات الاستثنائيَّة، حسب الاقتضاء وحسب الطبقة الاجتماعية للضيوف و«إتيكيت» استقبالهم.
لكن بقايا شرائط الزينة، كشفت لي احتفالًا من عالم مختلف عما وُلدت ونشأت بينه. ففي صور الحفل، رجالُ أقاربنا يبدون صبيانًا صغارًا للغاية، وآباؤهم بملامحٍ أصغر، سيداتُ الحارة والعائلة يبدون شاباتٍ بطُرحٍ صغيرة لجيل لم يكن قد تعوّد بعد على لفة الطرحة (الحجاب) بإتقان، ولكنه أيضًا لم يكن قد تخلص بعدُ من احتفالات أعياد الميلاد، أما على طاولة السفرة فكانت تتراص أصناف وألوان من الكعك والحلوى والمشروبات، وفوق رؤوسهم جميعًا تتدلى الزينة والبالونات الملونة، وعلى وجوههم ووجوه أطفالهم ترتسم البهجة والانتشاء.
قبيل ولادتي، لم يكن المجتمع فحسب يندفع بثبات نحو الصحوة الدينيَّة، لكن بعض الأحلام (الرؤى) الليلية كانت تؤرق أبواي بخصوص سلامة شقيقي الأكبر في طفولته، لم يكشف أي منهما عن تفاصيل تلك الأحلام المزعومة أبدًا، لكنها -بعد تفسير رجل دين لها- كانت المسوّغ المباشر وراء ذلك القرار النهائي: لا أعياد ميلاد، لا موسيقى، لا ألوان أو احتفالات.
غرق البيت بعدها في عقودٍ من الوقار والصرامة. لا تسمعُ صوتًا سوى تلاواتٍ قرآنيَّة لا تنقطع. وكان من بين الإجراءات الجديدة أن جهاز «الكاسيت» الوحيد في المنزل، ماركة «ناشيونال باناسونيك» يابانية الصنع، والذي تُشغَّل عليه تلاوات المآتم طوال الوقت، يجب ألا تُدنسه شرائط الأغاني مهما حصل.
ماذا إن خولف ذلك؟ على الفور يُخلع الشريطُ ويُطرح أرضًا وتُهشمه الأقدام أمام مَن خالف تلك القاعدة المنزلية. ولذلك كانت أصوات حكيم وحميد الشاعري وغيرهما لا تمرُّ عبر سماعات «الكاسيت الباناسونيك» إلا خلال مُهلة زمنية محددة بالدقيقة: ساعات عمل والدايّ، فيُخلع الشريط قبل دقائق من موعد وصولهما، أما التلفزيون، فيُطفأ قبل ساعة كاملة، حتى تبدو مؤخرة التلفزيون باردة تمامًا إن تحسسها أبي فور عودته من عمله. كان هذا يعني أننا لن نتمكن سوى من مشاهدة النصف الأول من الفيلم العربي في الواحدة ظهرًا، ثم سريعًا ما نُغلق التلفزيون ونتخيّل مسارات أحداث الفيلم في رؤوسنا.
كان هذا مُختلفًا عما تحكيه الصور الفوتوغرافية، ففي حفل عيد الميلاد البعيد ذلك، كانت علبة شرائط الأغاني تستقر على أحد كتفي النيش، يمكنك تمييزها بسهولة، ويحكي لي شقيقاي عما كانت تحويه من شرائط وألبوماتٍ موسيقية متنوعة. وكان «كاسيت الباناسونيك» نفسه يصدح بتلك الموسيقى في أثناء غسل الغلَّة تحضيرًا لطحنها وتخزين دقيقها، أو في أثناء تنظيفات العيد والمواسم والمناسبات، أو في أثناء أيام الخبيز والتفاف نساء العائلة حول الفرن. والمفارقة أن نهاية جهاز «الكاسيت» نفسه لم تأتِ إلا محترقًا من حرارة الفرن، بعد اختلاسه ذات صباح ووضعه فوق الفُرن للأنس ببعض الموسيقى في أثناء يوم الخبيز، ولم تنتبه نساءُ العائلة إلا وقد تصاعد منه الدخان واحترق من حرارة الفُرن أسفله.
لكن البيت -الذي تحول من ألوان الاحتفالات الغربيَّة والموسيقى إلى لون أهدأ من الصرامة والتقشف- لم ينس حظه من احتفال آخر، فرغم التوقُّف عن أعياد الميلاد بكعكاتها وبالوناتها، حل محلها «الندْر» وحُدد موعده في آخر خميس وجُمعة من أغسطس كل عام، الخميس للنساء والجُمعة للرجال، أما أغسطس فهو نفس شهر ميلادي وميلاد شقيقي الأكبر. لقد كان الندر -في حد ذاته- عيدَ ميلادٍ، لكنه يتنكر في شكل مختلف من الاحتفال.
كان الندر هائل التكلفة. فعيد الميلاد الغربي كان يكلفنا كعكات وزينة ببضعة جنيهات ربما، أما ندر الفتة واللحمة فكان يُكلف ألف جنيه تقريبًا (مبلغ عادل رُبع قيمة قطعة الأرض المجاورة لمنزلنا يومًا ما)، كان هذا يفوق دخل أسرتنا الشهري بالكامل، لذا كان يستلزمُ أقساطًا شهرية يسددها أبواي في جمعيَّة يقبضانها في أغسطس الذي حُجز دائمًا في رول الجمعية باعتباره ندر الأستاذ/ محمد، لا يمكن لأحد مبادلته فيه أو التفاوض بشأنه.
وخلال الأيام القليلة السابقة للندر، كان أبواي ينشغلان بترتيب كل شيء: حجز اللحم البلدي من ذبيحة طازجة مع الجزار الذي كان موظفًا زميلًا لهما في الهيئة، وترتيب شراء الأرز والخبز وأقفاص المانجو، وترتيب الحلويات وغيرها، ثم توجيه الدعوات إلى زملاء العمل والجيران والأقارب والأصدقاء وعائلاتهم.
وعلى مدار الأيام القليلة السابقة للندر، كان البيتُ يعيش حالة طوارئ. نتناوبُ غسل حوائط المنزل بالماء والصابون جيدًا، وتنظيف أركانه بعمق، واستبدال الحصير بالسجاد الفاخر المغسول، وغليْ بياضات المقاعد، وإخراج أفخر ما لدينا من مفارش وأطقم تقديم، وتنفيض المقاعد، وتجهيز معدات الطهو والأواني وأنابيب الغاز وشُعلاته.
في ليلة الأربعاء، السابقة ليومي الندر، كانت تصل «اللحمة»، يحملها الجزار على عربة نقل، كانت تفرشُ أرضية مطبخنا الواسع ليغرق في رائحة اللحم النيء، ووسط تلك الرائحة أقف ساعة أو ساعتين مع أبي ممسكًا أطراف كل قطعة ليمرر السكين الحاد ويقطعها بحذر. كانت «قطعيَّة» أبي سخيَّة، نادرًا ما وجدتُ سخاءها لدى أحد من بعده، لكن رائحة اللحم كانت تقطعها فجأة رائحة المانجو النفاذة، وقد أتى شقيقي يحمل أقفاصها على كتفه لتبيتَ في هواء بلكونة المنور خلال حرارة أغسطس، ولا يخفى أني كنتُ أتسلل إليها مرارًا وتكرارًا على مدار ليلة الأربعاء، أسحبُ حبَّة وراء أخرى، وأقصى أمانيّ أن تُسند إليّ ألذُ المهام: تخلية المانجو الزبدية وتعبئة جراكن عصيرها.
وما إن تأتي صبيحة الخميس الموعود، حتى يضج البيتُ بأصوات شُعلات الغاز القويَّة، والكل يتحدث بصوتٍ عالٍ للتغلب على ضوضاء الشُعلات، وتفوح رائحة طهو اللحم وتتصاعد بالتدريج لتنتشر في البيت وتتسرب إلى محيطه بالحارة، وهنا أنطلق لمشاويري التي لا تنتهي، ربما نحتاج طاقم تقديم إضافي، ربما إناء طهو كبير إضافي، أو إعطاء كميات هائلة من الثوم لتقشرها جارتنا، «ستِّي نبوية» التي لا تتقاعس عن مساعدة محيطها حتى في سن الثمانين آنذاك، ثم أعود لآخذ منها الثوم المُقشر مسرعًا لعمل «طشّة الفتة» على الطريقة الإسكندرانية، دون طماطم كما اعتمدتها أمي، والتي كانت تنفجر رائحتها المميزة في كل مكان لتخبر الجميع أن تقديم الطعام قد بدأ.
كنتُ بعدها أنطلق مع شقيقي بحقائب التسوق القماشية، وبداخلها وجبات الندر وأطباق الحلو. كانت الوجبة بسيطة: رغيف بلدي سياحي فاخر، فُرِش عليه الأرز الطازج (حبَّة وحبَّة على طريقتنا الدائمة)، وفوق الأرز تُرص قطع اللحم المحمَّرة في السمن والطشَّة، وإلى جانب ذلك بعض الحلوى. كنت أمرُّ بالحقيبة على بيوت الأقارب والجيران والحرافيش والمحرومين في محيطنا، والعجيب أن بعضهم لا يزالون يتذكرون ذلك الرغيف وبركته بعد 20 عامًا باعتباره من ألذ ما تذوقوا، دون أن أفهم أسبابًا مادية لذلك.
ومع حلول عصر الخميس، يوم الستات، كنت أعود إلى المنزل بحقائبٍ فارغة، وعلى سلالم البيت تستقبلني أصوات ضحك النساء والأحذية الحريمي في كل مكان، كانت أكثر من أن تساعها البَسطة الصغيرة أمام الباب، فكانت بعض المدعوات يخلعنها على درجات السلم نفسه. وعلى الباب، كانت تستقبلني القُبلات والعِناق من زميلات أبواي لتغمرني رائحة عطورهن النفاذة ومداعباتهن الظريفة.
أما يوم الجمعة، يوم الرجال، فمباشرة عقب أداء الصلاة تتراص الأحذية الرجالية، ويغمر البيت دخان السجائر وأصوات الضحك والنكات والنقاشات الساخنة عن العمل والسياسة والكرة والدين، وتلك المقالبُ التي يتبادلها رجالٌ في الأربعين بمرح، أما أنا فكنتُ أشتري «أروصة» سجائر سوبر، ليبدأ أبي بتوزيعها على المدعوين بسخاء لحين تقديم الطعام. كان طعامُ الندر هو المناسبة الوحيدة -بلا استثناء- التي نقدم فيها الولائم في أطباق وأواني «ذا هانتر».
كان الندرُ حدثًا سنويًا استثنائيًا، يحمل في حد ذاته لونه الخاص من الزخم والسعادة، لكنني كانت تستهويني احتفالات عيد الميلاد الغربيَّة: البالونات والزينة والكعك والحلوى والمشروبات الغازية، كتلك التي أراها دائمًا في الأفلام والمسلسلات، ورغم انتشائي بالندر وزخمه، ظللتُ أفتقدُ تلك الاحتفالات بشكلها الذي سبق ولادتي والذي كنت أراه في ألبومات الصور.
بعد عدة أعوام، وبعد توزيع آخر قطعة لحمٍ متبقية مساء يوم الجمعة، عادت أمي إلى البيت لتهنأ أخيرًا بالراحة، لولا أن داهمها ألمٌ حاد على مدخل عمارتنا. راق للجميع تفسيره بعينٍ حاسدة قد أصابتها، متجاهلين التفسير الأبسط: انزلاق غضروفي بعد أسبوع كامل من العمل الشاق المستمر دون راحة. لكن اكتمل الأمر حين حلّ موعد الندر في العام التالي، ورافقته وعكة صحيَّة تعرض لها أبي، واضطرت الأسرة إلى ضخ أموال الندر لإجراء جراحة عاجلة، فتوقفت العادة للمرة الأولى، كان ذلك باعتباره توقفًا لعام واحد فقط، لكن الندر لم يتكرر أبدًا. وحين كان يسألني الناس في القرية: «فين الندر بتاع كل سنة؟»، كنت أشعر بحرجٍ شديد، ثم ألهمني أحد الأشرار لأقول: «هانتبرع بالفلوس لفلسطين»، وجربت هذا الرد المُختلق مرة واحدة ولا أنسى اضطراب وجه تلك الجارة حين قلتُ ذلك، وقررتُ ألا أكررها أبدًا.
لكن انقطاعَ الندر، بعد استمراره عشر سنواتٍ كاملة، قد دفعني لأفرض احتفالي الخاص أخيرًا. وحين حلَّ عيد ميلادي، قررتُ دعوة زملاء الدراسة، واشتريتُ تورتة دائرية صغيرة ثمنها ثلاثة جنيهات، تُصنع بتجميع بواقي الكيك الإسفنجي من التورتات الفخمة، والتي يلصقها الحلواني معًا بالكثير من الكريم شانتيه، وتبرعت والدتي وشقيقتي بعبوتي جيلي فراولة وزجاجة عصير «فِيتراك». كان واحدًا من أسعد أيام طفولتي.
ودعوت أصدقائي لحفل عيد الميلاد عقب غروب الشمس، على سطح العمارة، تُجاورنا عشش الفراخ والكراكيب والغسالة القديمة الصدئة، ويداهمنا ظلام الليل، لكننا -أطفال في المدرسة الابتدائية- نرتجل مُختلف الألعاب ونعيش للمرة الأولى حفلًا نظمناه بأنفسنا ونقضيه بمفرداتنا الخاصة. وعلى مدار الأسابيع التالية، كان عيد الميلاد هو موضوع حديثنا في مجموعات الدروس ثم لاحقًا في المدرسة (بعد بدء الدراسة)، وبعد أسابيع قرر زميلٌ آخر أن يكرر الأمر ويدعونا لعيد ميلاده، وانتهى بنا المطاف نتبادل التزاور في أعياد الميلاد للمرة الأولى داخل المنازل وفوق الأسطح، ونتبادل الهدايا، والتي كانت لا تخرج عن برواز صغير (بحجم الكف) ثمنه 125 قرشًا، به منظر طبيعي وآية قرآنيَّة، والذي كثيرًا ما كنا نُعيد تدويره re-gifting، فضلًا عن كروت معايدة نكتب عليها بخطوط أيادينا المتعثرة «عيد ميلاد سعيد».
لكن حفل عيد ميلادي ظلت تشوبه تلك الغُصَّة. فميزانيتي لا تسمح بعيد ميلادٍ كذلك الذي رأيته في صور الفوتوغرافيا، ولا بدعوة العائلة، ولا بتعليق فرع زينة كالفرع إياه، ولا بملء السُفرة بألوان الكعك إياها، أو بتقديم الطعام والكعك في أطباق «ذا هانتر»، ناهيك بقدرتي على نقل الحفل نفسه من السطوح إلى داخل البيت، إلى غرفة الصالون مثلًا، التي كان سني وسن رفقائي أصغر من استضافتهم فيه.
كان الصالون -مثله مثل النيش- مساحة مُحرمة على عبث حياتنا اليومية، تُوصد أبوابه طوال العام، ثم تُفرش مقاعده بالبيَّاضات في ليلة العيد، أو عند قدوم ضيف مهم، أو أحد الأقارب في إجازته من عمله بالخليج. وكنت كثيرًا ما يؤرقني السؤال، في شقة صغيرة تضيق بأفراد أسرتها، لمَ تُحجب غرفة بالكامل لمجرد بقائها بحالةٍ أنيقة في فرص استخدام شحيحة، قد تكون أيامًا معدودة على مدار العام بأكمله؟ لكن الصالون بقي المساحة التي نحافظ فيها على صورتنا المتصوَّرة لأنفسنا في وجه ما تقتضيه وطأةُ حياتنا.
كان الصالون، بأبوابه المغلقة دائمًا، المكان الأنسب لحفظ الأشياء النفيسة. إن زارنا أحدهم وأحضر علبة شيوكولاتة، توضع العلبة في الصالون فورًا، ليس فقط لتحية الضيوف المحتملين منها، ولكن لأنه المكان الذي قد يكون وجودك داخله محل شُبهة ومساءلة في حد ذاته. أجبرني ذلك على مهاراتٍ بعينها: كيف أفتح باب الصالون الثقيل المتحشرج دون أن أصدِر صوتًا، كيف أتحرك في ظلامه معتمدًا على الضوء الشحيح المتسرب من بابه الزجاجي المزركش، كيف أستضيف فيه صديقًا خلال نهار الإجازة الصيفية ثم أخرج منه دون أن أترك أثرًا لوجودنا.
كان منها يومًا دعوت فيه صديقَ طفولتي إلى صالون بيتنا في الإعدادية، قطعتُ شرائح لحمٍ مُجمدة من الفريزر، طرقتُها وتبلتُها وصنعتُ منها «إسكالوب بانيه» حقيقي، وأعددتُ حلة ضخمة من المكرونة الإسباجيتي، وقدمتُ الطعام إلى صديقي في أطباق طاقم «ذا هانتر» الإنجليزي الذي نادرًا ما أكلنا فيه نحن. لم يكن ذلك تمردًا على القواعد المنزلية الصارمة بقدر ما كان محاولة لصُنع تجربة النيش والصالون التي نادرًا ما تذوقتها.
طوال سنوات التسلل والمغامرة، ظللت أتوّق إلى لحظة الاعتراف والحضور التي أكرّر فيها حفلًا من الذي رأيته في الصور، وفي نفس الوقت يختمر في قلبي بالتدريج حُب الندر والحنين إلى زخمه ولمَّته أيضًا، مدركًا أني قد أحببتُ كليهما وسعدتُ به، وأن كلاهما كان يحمل لونه الخاص من الأُنس والدفء، ومدركًا أن «كاسيت الباناسونيك» لم يهزم شراشيب فرع الزينة، وإنما تفكك الروابط ووطأة الحياة وأعباؤها هزمت كليهما معًا.
مضت 20 عامًا على كل ذلك، خلالها خُلع المسمار وشراشيب الزينة في أثناء تجديد الشقة، ومحل «الكاسيت» حلَّ «التلفزيون السمارت»: يوتيوب ونيتفلكس، تغيَّرت تركيبة الحارة وتعاقب جيل بعد جيل. بل تبدلت تركيبة العمارة نفسها، وتوارت أصوات كُحة أبي وأعمامي مع رحيلهم بعد أن حصدهم فيروس سي واحدًا تلو الآخر، حلَّت بعدها بسنواتٍ أصوات الزغاريد مع زواج الأبناء، ثم سريعًا ما استقبلت العمارة هديل ضيوفها الجُدد من جيل الأحفاد.
وصرتُ أحل بشقتنا القديمة ولكن باعتباري ضيفًا مع أسرتي الصغيرة الجديدة ولأيامٍ معدودة، بوقتٍ مقيَّدٍ تمامًا بالتزامات العمل التي لا تنتهي، أرمق النيش وطاقم «ذا هانتر» بنظرة مُختلفة: لقد حصلت الآن على قدرٍ من الاستقلاليَّة يسمح لي أخيرًا باستضافة من أُحب في أي مكان وأن أقدم لهم أفخر الطعام في طاقم «ذا هانتر» نفسه، الذي لم يخرج من النيش منذ 20 عامًا كاملة، لكني سريعًا ما أكتشفُ أن الطاقم موجود. لكن العالم نفسه قد تبخَّر وتشتت الشملُ في كل مكان تحت وطأة الحياة، أما أنا ففي عزلة مدينة صحراوية على أطراف القاهرة ولا أعود لمحيطي القديم إلا ضيفًا، وأما نفس الأصدقاء الذين جمعهم عيد الميلاد على سطوح المنزل، فأحدهم في الصحراء الغربيَّة يبحث عن النفط، وآخر في المنفى يدفع فيه ثمن رأيه السياسي، وصديق يدير مطعمًا في المدينة المنورة، وآخر يدير قسم المبيعات في شركة عقارات بالرياض، وآخر يجوب شوارع المملكة بسيارة عمله طوال العام، وآخرون يخوضون ماراثوناتٍ يومية مع التضخم وأحلام الترقي الاجتماعي ولا يرون عائلاتهم إلا لساعتين في اليوم الواحد.
أما أنا، فخلال زياراتي القصيرة لمنزلنا القديم، صرتُ أكتفي بالتسلل مجددًا إلى النيش، تمامًا كما كنتُ أفعل في طفولتي، لأخرج منه فنجانًا وطبق تقديم من طاقم «ذا هانتر»، أصنعُ فيه لزوجتي كوب قهوة فاخر على نارٍ هادئة جدًا، وأكرر لها سرد حكايات النيش والندر وأعياد الميلاد وذلك المسمار الذي كان هناك يومًا ما، ثم بدأتُ أواظب على الاحتفال بعيد ميلاد ابني الصغير كل عامٍ في نفس الشقة، نعلق البالونات بأنفسنا ونجمع أشتات العائلة حول الكعك والمأكولات الخفيفة ونلتقط صورًا كتلك التي كنت أراها، وعلى الحائط بالونات ترسم حروف كلمة «Happy Birthday»، وترفض أمي -التي صارت الآن جدة- خلعها طوال العام، لتتذكر أن حفيدها قد احتفل بعيد مولده هنا، تمامًا كما ظل ذلك المسمار وشراشيب الزينة معلقين لأعوام بعد أعياد الميلاد القديمة منذ عقودٍ طويلة.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن