تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أزمة السكر.. صناعة حكومية 

أزمة السكر.. صناعة حكومية 

كتابة: ندى عرفات 8 دقيقة قراءة
أرشيفية- خلال أزمة السكر في 2016

خلال لقاء تلفزيوني الأسبوع الماضي، اعتذر وزير التموين علي المصيلحي، للمواطنين عن أزمة السكر التي تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة، وتتمثل في شُحه وارتفاع سعر الكيلو 275% مقارنة بالعام الماضي. خلال اللقاء، دعا وزير التموين المواطنين للتحمل والهدوء «شوية» وعدم شراء السكر حتى نخرج من هذه «الضائقة» خلال 15 يومًا، كما وعد. 

قبل تصريحات المصيلحي، زادت طوابير المواطنين أمام منافذ البيع لشراء السكر، ليحصل كل مواطن بعد ساعات من الانتظار على 2 كيلو سكر بحد أقصى، وكيلو واحد فقط في بعض المناطق، حسبما قال مواطنون لـ«مدى مصر». بعد التصريحات، استمرت الطوابير.

 شُح السكر في الأسواق وارتفاع سعره لمستويات قياسية، ليس جديدًا على المصريين، فقد شهدوه عدة مرات خلال السنوات الماضية. أكثر الأزمات شبهًا للحالية كانت في عام 2016. وفي الأزمتين اكتفت الحكومة بتحميل «جشع التجار» وحده المسؤولية دون الاعتراف بأن قراراتها ساهمت بنفس القدر في تفاقم الأزمة. 

 ***

تنتج مصر ما يصل إلى نحو 2.8 مليون طن سنويًا من السكر، بواقع 835 ألف طن من قصب السكر، و1.7 مليون طن من البنجر تنتجه الشركات الحكومية والقطاع الخاص، بالإضافة إلى 250 ألف طن من المُحليات المُستخرجة من الذرة، وفقًا لتقرير مجلس المحاصيل السكرية السنوي لعام 2022، الذي اطلع عليه «مدى مصر». 

في المقابل، يستهلك المصريون نحو 3.4 مليون طن من السكر، منها نحو مليون طن يحصلون عليه من خلال البطاقات التموينية، وفقًا لتصريحات المصيلحي. يعني ذلك أن هناك فجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك تصل إلى 600 ألف طن. هذه الفجوة، يسد أغلبها القطاع الخاص عبر الاستيراد، بينما تستورد «التموين»، في بعض الاستثناءات، كميات للسوق المحلية عبر مناقصات، بحسب تصريحات المصيلحي.

ظهرت بوادر أزمة السكر قبل أشهر، تحديدًا بعد انتهاء موسم زراعة وحصاد بنجر السكر، الذي يمتد على مدار نحو عام عبر ثلاث عروات. 

مع حلول موسم زراعة العروة الأولى، كانت درجات الحرارة مرتفعة بشكل غير اعتيادي، ما دفع الكثير من المزارعين للإحجام عن زراعة البنجر، فانخفض حجم المحصول. وفي العروتين التاليتين، كثّف المزارعون مساحات البنجر لتعويض النقص في العروة الأولى، ما أدى إلى تراكم المحصول، بما يتجاوز قدرات المصانع الاستيعابية.

هذا التراكم وتأجيل عمليات التصنيع ساهم في خفض نسبة الحلاوة في البنجر، ما انعكس في انخفاض المُنتج من السكر. في الوقت نفسه، تقلصت مساحات القصب بنحو 21 ألف فدان، مقارنة بالموسم الذي سبقه، وهو ما أقر به المصيلحي خلال لقائه التلفزيوني.

رغم ذلك، لم يتجاوز النقص في إجمالي إنتاج السكر 100 ألف طن، وهو ما يوازي 3.5% فقط من الإنتاج السنوي، ولا يتعدى 3% من التقديرات الرسمية لحجم استهلاك مصر الكلي من السكر.

بدأت «التموين» في سحب احتياجاتها من المصانع كالمعتاد للوفاء بمتطلبات البطاقات التموينية. وبالمثل، فعلت شركات التعبئة والتغليف، التي اعتادت استيراد خام السكر وتكريره ثم إعادة تصديره أو توفيره في السوق المحلية، لكن لأن هذه الشركات تعاني من القيود على الاستيراد وصعوبة توفير العُملة الصعبة اللازمة لها، اتجهت لشراء السكر من السوق المحلية وتصديره، للاستفادة من ارتفاع سعره بالخارج، وتوفيرًا للعملة الصعبة الشحيحة، حسبما قال وزير التموين في تصريحاته. 

بعد أسابيع من الحصاد، أفاقت «التموين» على تزايد معدلات تصدير السكر، فأصدرت قرارًا بحظر التصدير، في مارس الماضي، مع السماح ببعض الاستثناءات في حالة وجود فائض. 

سجّلت صادرات السكر في أول تسعة أشهر من العام الجاري 394 مليون دولار، بينها 51 مليون دولار عن شهري يناير وفبراير فقط (قبل أيام قليلة من صدور قرار حظر التصدير في 20 مارس) ما يعني أن قيمة المُصدّر بعد قرار الحظر تدور حول 343 مليون دولار، بفضل تلك الاستثناءات.

استمرت الاستثناءات وزاد معها التصدير. في المقابل، انخفضت معدلات استيراد السكر لتعويض الفجوة، وهي العملية التي كان معنى بها القطاع الخاص بشكل أساسي، حسبما قال المصيلحي في تصريحاته، ومصادر بالقطاع لـ«مدى مصر». 

لمعالجة النقص، وضعت وزارة التموين، في مايو الماضي، حدودًا لصرف السكر التمويني (ستة كيلو لكل بطاقة تضم أربعة أشخاص)، ورفعت سعره من 10.25 جنيه للكيلو إلى 12.6 جنيه، مبررة ذلك بارتفاع أسعار السلع العالمية، وزيادة تكاليف الشحن، بالإضافة إلى رغبة الحكومة في تقليص الفارق بين أسعار السلع المدعمة والحرة، حسبما قال مصدر بوزارة التموين لـ«مدى مصر». نجحت القيود الجديدة في تخفيض احتياجات «السلع التموينية» الشهرية من السكر إلى نحو 65 ألف طن، بدلًا من 80 ألف طن قبلها، وفقًا لمصادر بالقطاع. 

ومع ذلك، أخذ نقص السكر في التفاقم، خاصة بعدما كثّفت مصانع الصناعات الغذائية من شراء احتياجاتها من المعروض المحدود دون وجود تعويض كافِ من المستورد، وفقًا لمصادر بالقطاع. 

وبدأت ملامح الأزمة تظهر على السطح. في البداية ارتفع السعر لمستويات قياسية، قبل أن يختفي تمامًا من منافذ البيع، عندما بدأ التجار في تخزين بضاعتهم الثمينة من السكر في ظل تكثيف الطلب ونقص المعروض، حسبما قال مستورد وتاجر لـ«مدى مصر». 

أملًا في تخفيف الضغط، قررت «التموين»، في يوليو الماضي، التدخل باستيراد السكر الخام بنفسها لصالح الشركة القابضة للصناعات الغذائية، ثم ضخه في السوق الحر بعد تكريره. لكن، الكميات التي تعاقدت عليها «التموين» لم تصل قبل سبتمبر الماضي. خلال الأشهر بين يوليو وسبتمبر، استفحلت الأزمة بالفعل.

خلال انتظارها الشحنات، قررت الحكومة التدخل بشكل أكثر حزمًا، في منتصف أغسطس، بطرح سكر عبر «بورصة السلع»، في محاولة لضخ كميات في السوق لخفض سعره، لكن ظل الوضع دون تحسن. لذلك، غيّرت الحكومة خطتها، في مطلع أكتوبر الماضي.

خطة «التموين» الجديدة يُمكن أن نصفها بالكلاسيكية، نفذتها من قبل في 2016 مع أزمة مشابهة، ويمكن تلخيصها في «التحكم في الحنفية، وضرب المربوط علشان يخاف السايب»، كما يصفها مستورد وتاجر لـ«مدى مصر». 

لكسر عملية تخزين التجار للسكر، قررت الحكومة الإمساك بزمام السوق. لديها الآن مخزون كبير بعد وصول الشحنات المستوردة. أول التحركات في الخطة الجديدة هو منع مصانع السكر الحكومية، التي تمثل نحو 80% من مصانع السكر البالغ عددها 15، بقرار شفهي، في أكتوبر الماضي، من توريد السكر إلى أي تاجر أو شركة أو منفذ بيع، وأن تكون وسيلة بيع السكر الوحيدة عبر «البورصة السلعية»، حسبما قالت ثلاثة مصادر بالقطاع لـ«مدى مصر».

لم يأخذ القرار في حساباته أن مئات الشركات وآلاف الموزعين، الذين يغطون السوق عبر الوصول إلى كل بقّال في أنحاء مصر، لا يمكنهم التسجيل في البورصة لشراء السكر لأسباب مختلفة، منها ارتفاع مبلغ التأمين أو عدم تسجيل الشركة بشكل رسمي، أو عدم وجود شركة من الأساس، حسبما قالت المصادر لـ«مدى مصر»، وحسبما أقر المصيلحي في تصريحاته، التي قال فيها إنهم أدركوا الخطأ فيما بعد وعملوا على إصلاحه، دون أن يوضح كيف حدث ذلك.

هذا الإجراء حصر المشترين في 15 مناقصة طرحتها بورصة السلع منذ أغسطس الماضي وحتى الأسبوع الماضي، لبيع 177 ألف طن سكر إلى كبار التجار والشركات، ما سهّل من الاحتكار، وصّعب عملية تداول السكر من الشركات الكُبرى المحدودة التي تحصل عليه عبر بورصة السلع، لتجار المحافظات، ثم تجار الجملة، والتجزئة، وأخيرًا المستهلك.

 بالإضافة لذلك، بدأت بعض شركات الصناعات الغذائية، بعد توفير احتياجاتها، في بيع الجزء المتبقي من السكر إلى شركات التغليف والتعبئة غير المقيدة في البورصة بسعر 37 ألف جنيه للطن، في حين أنهم اشتروه عبر «البورصة» بسعر لم يتجاوز 30 ألف جنيه للطن، لتحقيق مكاسب، حسبما قال أصحاب مصانع تعبئة لـ«مدى مصر». تداركت الحكومة هذا التسريب لاحقًا، وقررت قبل أيام فقط، إيقاف التعامل مع عشر شركات لعدم التزامها بالاشتراطات المحددة من البورصة الخاصة بآلية تداول وبيع السكر من خلالها، والمتعلقة بالأسعار والكميات المطروحة. 

الإجراء الثاني في خطة الحكومة تمثل في شن هجمات موسعة على التجار والمصانع لضبط أي كميات مخزّنة من السكر. بالفعل نجحت الحملات في ضبط أطنان من السكر في محافظات مختلفة، لكن هذا النوع من الحملات دفع التجار إلى التفنن في تخزين ما لديهم من السكر بسرية، بدلًا من بيعه، حسبما قالت مصادر مختلفة بالقطاع.

ودفعت أيضًا 75% من مصانع التعبئة والتغليف إلى التوقف عن العمل مؤقتًا، خشية المداهمات الأمنية وحملات التفتيش التي تعرضت لها الشركات، حسبما قال مدير شركة تعبئة وتغليف لـ«مدى مصر». 

أصحاب المحلات التجارية الصغيرة، وبعض سلاسل السوبرماركت، وصغار الموزعين، قرروا أيضًا النأي بأنفسهم عن كل ذلك. «أنا عندي خمسة طن بوزعهم على المنطقة بتاعتي في الجيزة، لو مسكوني هياخدوها مني ويقولوا إني محتكر، وحتى لو معايا فاتورة بيهم في أحسن الظروف هياخدوهم مني من غير قضية، علشان كده وقّفت شراء سكر لحد ما الأمور تهدى»، يقول تاجر جملة لـ«مدى مصر». وهكذا تصرف أيضًا البقالين الصغار تجنبًا لـ«وجع الدماغ»، حسبما وصف أحدهم لـ«مدى مصر».  

 التوقف المؤقت لمعظم مصانع التعبئة، وامتناع المحلات الصغيرة وتجار التجزئة والجمل عن بيع السكر، فاقم الأزمة. 

استمرت الحكومة في خطتها عبر قرارات أكثر حدة. أعلن المصيلحي عن مهلة للتجار الذين احتكروا السكر ورفعوا سعره إلى 50 جنيهًا، لخفض الأسعار خلال عشرة أيام وإلا ستطبق الحكومة تسعيرة جبرية على السكر، لكن التهديد لم يفلح، وبعد أيام ارتفع سعر كيس السكر إلى 60 جنيهًا. 

سارت التموين على نفس الخطوات في أزمة السكر عام 2016، ووصلت لنفس النتيجة. تفاقمت الأزمة، وتزايدت معها الطوابير، لتقرر التموين في المرتين بعدما أدركت هذه الأخطاء حسبما قال المصيلحي، إلى التراجع عن القرارات السابقة. 

في تصريحاته، قال المصيلحي إن الوزارة عملت على إصلاح الأخطاء والسماح بعودة السوق كما كان دون أن يوضح أكثر، فيما قالت مصادر بالقطاع لـ«مدى مصر» إن التموين ألغت «خطة أكتوبر» الماضي، وسمحت بعودة تداول السكر عبر المنافذ القديمة من التجار وشركات الصناعات الغذائية. 

كما قررت «التموين» تولى مسؤولية استيراد السكر بدلًا من القطاع الخاص، حسبما أعلن المصيلحي، الذي قال في تصريحاته إن استيراد الحكومة للسكر مستقبلًا كان باتفاق مع التجار، على ألا يتجاوز سعر الكيلو 24 جنيهًا في الأسواق بعد انتهاء الأزمة، دون توضيح تفاصيل الاتفاق.  

ورغم تراجع الحكومة عن قرارها الأسبوع الماضي، لم يتغير شيء في الأزمة حتى هذه اللحظة. لا يزال السكر غائب، والمتاح منه تصل أسعاره إلى 60 جنيهًا، وهو ما فسّره تاجر لـ«مدى مصر» بأن عملية توفير السكر عبر مساراته المعهودة قد تحتاج لأيام قبل أن تعود لطبيعتها، مشددًا على أن التغيير في الأسعار وتوافر السكر لن يكون كبيرًا، لأن معظم  التجار قرروا تخزين السكر حتى تطبيق قرار تحرير سعر الصرف المتوقع بعد الانتخابات الرئاسية. «معظم التجار دلوقتي بيخزنوا في بيوت مش في مخازن، لأن دخول البيوت محتاج إذن نيابة عكس المخازن، مئات الشقق دلوقتي مليانة سكر ومش هيطلع غير بعد التعويم»، يقول المصدر.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن