تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أرض محروقة.. مستقبل «الدعم السريع» بين يدي عبد الرحيم دقلو

أرض محروقة.. مستقبل «الدعم السريع» بين يدي عبد الرحيم دقلو

كتابة: حسان الناصر 19 دقيقة قراءة

في صحراء نائية تمتد عبر حدود تشاد وليبيا والسودان، بعيدًا عن مقرن النيلين في الخرطوم، حيث تُحكم النخبة الاقتصادية والسياسية قبضتها على السلطة منذ عقود، يقف عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع وشقيق قائدها سيئ السمعة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وعيناه صوب المستقبل.

يظهر عبد الرحيم في هيئة رثة، يحمل بندقية آلية على كتفه وهو يتحدث إلى رجاله الذين يقودهم بنفسه في معركة الفاشر، العاصمة التاريخية لدارفور.

في سبتمبر 2023، بعد قرابة خمسة أشهر من اندلاع الحرب التي أنهت فيها القوات المسلحة السودانية سنوات تقاسمها المشحون للسلطة مع «الدعم السريع» منذ انقلاب أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة الانتقالية المدنية، غادر عبد الرحيم الخرطوم، ربما إلى غير رجعة.

caption

هنا، في دارفور، لم تعد هناك أي من الامتيازات التي تمتع بها عبد الرحيم وإخوته خلال فترتهم القصيرة في السلطة إلى جانب شركائهم العسكريين. استبدل ظلال أشجار اللبخ العتيقة في شارع النيل بالخرطوم، ومكاتب الوزارات، والفنادق الفاخرة، والقصر الرئاسي الأثري والآخر الجديد الذي شيدته الصين عام 2015، والفلل الفخمة التي كان يمتلكها في أحياء الخرطوم الراقية، كل ذلك مقابل شمس دارفور القاسية ونشوة المعركة.

من نواح كُثر، لم يكن عبد الرحيم ليختار أي سبيل آخر.

على مدار نحو عقدين، بنت قوات الدعم السريع إمبراطورية اقتصادية وعسكرية مترامية الأطراف، ووجدت نفسها في قلب المشهد المحلي والدولي بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير عام 2019. وبينما سعى حميدتي وشقيقه ذو العقلية التجارية، القوني دقلو، إلى تجاوز جذور العائلة القبلية واغتنام الفرصة التي أتاحها خروج السودان من عزلته الدولية، لم يكن عبد الرحيم معنيًا بالقدر ذاته بهذا الطموح العابر للحدود لإمبراطورية «الدعم السريع» السياسية والاقتصادية.

بالنسبة للأخ الرابض في الظلال في عائلة دقلو، عبد الرحيم، كان مستقبل «الدعم السريع» دومًا يرتبط بالسوق السياسية السودانية؛ بالقوة العسكرية الشرسة والدامية التي صنعتها العائلة بدعم من الرئيس المخلوع عمر البشير، ثم لاحقًا من خصمه الحاليّ، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، عبر سنوات من إراقة الدماء في دارفور واليمن، واحتكار العائلة تجارة الذهب.

اليوم، وبعد 23 شهرًا من بدء الحرب، ورغم الدعم الهائل الذي حصلت عليه قوات الدعم السريع للسيطرة على مقاليد الحكم في الخرطوم، تخرج بقايا قواتهم منكسرة من المدينة، ويذهب هباءً أي طموح لقادتها في بناء مشروع عابر للحدود. القوات المسلحة رفضت السماح لإخوة دقلو بتغيير معادلة النظام السياسي السوداني انطلاقًا من القصر الجمهوري، ، الذي لطالما كان بيت ضيافة مؤقت لزعماء الحركات المتمردة.

أما حميدتي، فقد فر إلى مكان مجهول ولم يظهر علنًا منذ أشهر، بينما يشق عبد الرحيم طريقًا مختلفًا، وفق ما قالته مصادر لـ«مدى مصر»، إذ يستعد لإعادة رسم مستقبل «الدعم السريع» بدماء الفاشر ومشروع سياسي يزيح السودان عن مساره نحو الاندماج العالمي، ويعيده إلى هوامش الدولة، حيث لطالما كانت لقوات الدعم السريع اليد العليا.

على مدار الأشهر الستة الماضية، تحدث «مدى مصر» مع 23 مصدرًا، من المقربين لعائلة دقلو وإمبراطوريتها الاقتصادية، إلى مسؤولين أمنيين تشاديين، وضباط في «الدعم السريع»، ودبلوماسيين سودانيين، وسياسيين، وضباط استخبارات، لفهم كيف أصبح عبد الرحيم، الأخ الذي لطالما كان يعيش في ظل حميدتي، هو من سيحدد مصير الميليشيا المسلحة التي كادت أن تسيطر على السودان بأسره.

***

عندما خرج المتظاهرون إلى شوارع السودان في ديسمبر 2018 للمطالبة بإسقاط الرئيس عمر البشير بعد ثلاثة عقود من حكمه، لم تكن ثورتهم موجهة إلى الطبقة السياسية فحسب.

كانت الأزمة الاقتصادية تخنق البلاد. أسعار الخبز قفزت إلى مستويات جنونية، وبلغ التضخم نحو 73% في السنوات القليلة التي سبقت الثورة، وتهاوت قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار.

لجأت حكومة البشير إلى طباعة النقود لمحاولة تغطية كلفة الواردات الباهظة، بينما تقاعس الدعم الخليجي الذي طالما عوّل عليه السودان.

ورغم أن دائرة المقربين من البشير استفادت بلا شك من مكاسب غير مشروعة، فإن الكثير من الاختلالات الاقتصادية كانت نتيجة عزلة السودان عن الاقتصاد العالمي بسبب جرائم الحرب في دارفور، إلى جانب تمويل الدولة وإيوائها للجماعات الإسلامية.

دفع هذا الواقع السودان أكثر نحو الخليج، فقدم مساحات شاسعة من أراضيه له للاستثمارات الزراعية، وأرسل قواته للقتال في اليمن لصالحه.

ورغم أن الولايات المتحدة أعلنت في 2017 بدء رفع العقوبات الاقتصادية تدريجيًا، فإن السودان ظل مُبتلى بعقود من العزلة.

وعندما أطاحت الاحتجاجات الشعبية والانقلاب الذي قاده الجيش و«الدعم السريع» بالبشير، برزت قضية إعادة دمج السودان في الاقتصاد العالمي كأحد أبرز ملفات المرحلة الانتقالية. فمن منظور المواطنين، كان كبح غلاء المعيشة ضرورة ملحة، أما بالنسبة للقيادة الجديدة، فقد مثّل ذلك فرصة لوضع أيديهم على تدفقات مالية من الغرب تدخل البلاد لأول مرة منذ عقود.

هنا، وجد حميدتي، الذي بنى إمبراطورية اقتصادية هائلة من سيطرته على مناجم الذهب، طريقه إلى قلب المشهد الاقتصادي الجديد، بعد تعيينه رئيسًا للآلية العليا لإدارة الأزمة الاقتصادية في السودان، وأدرك جيدًا كيف يلعب على كل الأوتار الصحيحة وعيناه صوب مقعد الحكم. 

في خطاب ألقاه خلال حفل وداع القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم، ستيفن كوتسيس، بعد انتهاء فترة عمله بالسودان، أعرب حميدتي عن أمله في تدفق الدعم الاقتصادي، قائلًا إن «السودان يحتاج بشكل كبير لتعاون الأصدقاء والأشقاء لتحقيق التنمية الاقتصادية، وإعادة الاندماج في المجتمع الدولي، وإعادة ربط الاقتصاد بالنظام الاقتصادي والنظام المالي الدولي».

وبينما كان حميدتي يعقد اللقاءات مع الدبلوماسيين الأجانب، ويتفاوض تارةً مع القوى الثورية، ومع أعيان القبائل تارةً أخرى، ظل شقيقه عبد الرحيم في الظل بعيدًا عن المشهد السياسي، ليقتصر دوره على العمليات العسكرية، مع قواته، تدريبًا وتسليحًا.

بخلفيته كرقيب سابق في ميليشيا متحالفة مع الجيش خلال قتال المتمردين في دارفور، لم تكن لعبد الرحيم خبرة في دهاليز السياسة في الخرطوم سوى عمله كمقاول عسكري في نظام البشير وجماعته الإسلامية.

لكن الأزمة التي أعقبت انقلاب أكتوبر 2021 الذي أطاح بالمكون المدني في الحكومة الانتقالية، منحته أول فرصة للصعود إلى الساحة السياسية.

ففي الشهر الذي تلا الانقلاب وحتى توقيع اتفاق في نوفمبر حاول معالجة الأزمة التي تمخضت عنه، شهدت الخرطوم مفاوضات مكثفة بين القوى السياسية ومتآمري الانقلاب: الجيش و«الدعم السريع».

وكان عبد الرحيم في قلب كل ذلك.

سعى عبد الرحيم إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني وفق شروطه الخاصة، يقول مصدر سابق في استخبارات الدعم السريع لـ«مدى مصر»، حيث رفض مشاركة أي كتلة سياسية في إدارة الفترة الانتقالية، وكان يُفضل قيادة عسكرية بحتة مع رئيس وزراء مدني، بهدف منع أي تحالفات تتيح لضباط الأكاديمية العسكرية السودانية التعاون مع الفصائل السياسية. كما كان متوجسًا من التحالفات الواسعة، بحسب تقدير المصدر، إذ رأى أنه في حال توافقت الجهات العسكرية والدولية والسياسية على إقصاء النظام القديم، ففي النهاية، سيتم التضحية بـ«الدعم السريع».

لكن ذلك اصطدم برؤية حميدتي، الذي كان يسعى إلى بناء قاعدة سياسية بديلة. حاول حميدتي إعادة بناء تحالفاته، حيث تخلى عن الإدارة المحلية وأيقن أنه لا بد من بناء تحالف سياسي يفرض شروطًا مختلفة للحكم، بحسب مستشار سياسي لحميدتي ما بين 2019-2020، وعضو وفد الحكومة لمفاوضات جوبا في 2020. كان طموحه إنشاء كتلة بعيدًا عن أي تأثير للإسلاميين أو النخبة السياسية التقليدية التي تضم حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، يقول المصدر. 

في النهاية، أذعن عبد الرحيم إلى طموحات شقيقه. ووفقًا لمصدر في مكتب رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، حاول عبد الرحيم إقناع قوى الحرية والتغيير -وهي الفصيل الأكبر في الكتلة الثورية والتي تقاسمت السلطة مع الجيش و«الدعم السريع» قبيل الانقلاب الذي أطاح بهم- بدعم الاتفاق في مقابل وعود بعودتهم إلى السلطة. 

لكن في اللحظات الأخيرة، انسحبت قوى الحرية والتغيير من حفل التوقيع بالقصر الرئاسي. وبحسب المصدر، كان السبب وراء قرارهم هو خطوة البرهان بفك تجميد أموال الإسلاميين وإعادة تفعيل حساباتهم البنكية، ما يعني فعليًا استعادة الإسلاميين لنفوذهم المالي، ما ألقى بظلال من الشك حول قدرة عبد الرحيم على الالتزام بوعوده. 

أدى قرار «الحرية والتغيير» في اللحظة الأخيرة إلى تعزيز قناعة عبد الرحيم بأن التعويل على التحالفات السياسية للحفاظ على المرحلة الانتقالية كان خطًأ.

يقول مصدر استخباراتي سابق ثان في قوات الدعم السريع لـ«مدى مصر» إن عبد الرحيم اعتبر الانقلاب بداية النهاية لسيطرة شقيقه على كل من «الدعم السريع» والدولة، إذ سمح لخصومهما باستعادة نفوذهم، وعلى رأسهم، وفقًا لوجهة نظر عبد الرحيم، الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، علي كرتي، إلى جانب بقايا الحرس الأمني لنظام البشير.

ورغم أن الخلافات بين الشقيقين دقلو كانت دومًا موجودة، فإن هذه اللحظة شكلت بداية افتراقهما التدريجي.

وبحسب أحد أفراد العشيرة التي ينحدر منها عبد الرحيم وحميدتي، فإن سنوات من المناورات المالية في الظلال منحت الأول درجة من الاستقلالية عن شقيقه. لكنه لم يكن طموحًا بالشكل الذي يسمح ببناء منظومة مالية عابرة للحدود، مفضلًا توسيع نفوذه محليًا من خلال التحالفات القبلية والتجار والسوق. ترك عبد الرحيم الواجهة لحميدتي، بينما فضّل البقاء في الظل، رغم أن نهجه لم يرقَ لشقيقهما الأصغر والأكثر تعليمًا، القوني.

في حديثه لـ«مدى مصر»، يصف مسؤول مالي سابق في شركة الجنيد للمعادن، المملوكة لعائلة حميدتي، القوني بأنه شخص سعى إلى التحرر من بيئته القبلية والانخراط في الأسواق المالية العالمية. تجلّى هذا الطموح حين تولّى إدارة المنظومة المالية لـ«الدعم السريع»، والتي فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات في أكتوبر 2024 بسبب شراء الأسلحة والمعدات العسكرية قبل الحرب وبعدها.

كان حميدتي معجبًا بعقلية القوني التجارية، وفقًا للمسؤول السابق، وخاصةً في تعامله الاستراتيجي مع التجارة والتمويل. في المقابل، كان عبد الرحيم، بوصفه بدويًا، يجد إلهامه في شخصية معمر القذافي، البدوي الذي امتلك كل شيء. وبتبنيه لنموذج «الرجل القوي»، أحاط عبد الرحيم نفسه بمقاتلين أشداء، وسيارات مدججة بالسلاح، وأموال، دون اكتراث بصورته العامة أو بمصادر ثروته.

ولكن فيما يتعلق بالمشهد السياسي السوداني المتشظي، كان عبد الرحيم الأقدر بين إخوته، وفقًا للمسؤول السابق، مضيفًا أن ذلك مكّنه من إيجاد الحلول السريعة للمشكلات، كما فعل في أعقاب أزمة ما بعد الانقلاب. 

***

في مطلع عام 2023، كانت شاحنات «الدعم السريع» من طراز هينو ZS، بواجهاتها المطلية بالأصفر مثل «كدمول» قوات الدعم السريع، تشق الطرق الوعرة باتجاه الخرطوم. في تلك الأثناء، كان عبد الرحيم في مجمعه السكني الفاخر بحي «جاردن سيتي» الراقي شرقي الخرطوم، وهو المبنى الذي أخذه من دبلوماسي سابق في نظام البشير. ووفقًا لأحد القياديين الشباب من دارفور، جلس هناك مرتديًا كدموله، يتناول المناصيص -اللحم المشوي على الطريقة الدارفورية- بينما أسرّ لقادة ميدانيين شباب من دارفور بأن «الدعم السريع» تتوقع أن تهاجمها مصر عسكريًا. ولكنه رسم لحضوره هالة من الثقة، مستبعدًا أي تهديد من البرهان أو الجيش السوداني. «جدار القيادة العامة لن يحميهم إذا ما بدأت الحرب»، قال لهم، بحسب المصدر.

لكن، بالطبع، لم يتماش الواقع مع ثقة عبد الرحيم المفرطة، إلا أن تلك الأيام التي سبقت الحرب شهدت تصاعد عداء عبد الرحيم تجاه البرهان إلى نقطة اللاعودة.

من جانبه، اتهم البرهان، عبد الرحيم بأنه من أشعل فتيل الحرب، زاعمًا أنه كان المسيطر الحقيقي على نائبه السابق حميدتي، بحسب مصدر دبلوماسي سوداني التقى البرهان خلال زيارته إلى كينيا في 2024. وقال المصدر لـ«مدى مصر» إن البرهان أشار إلى عبد الرحيم بلقب «الشاويش» الذي بدأ الحرب، «وليس حميدتي».

لكن العلاقة بين عبد الرحيم والبرهان لم تكن دائمًا على هذا النحو.

مصدر رافق عبد الرحيم بين عامي 2007-2017 قال لـ«مدى مصر» إنه تمكن خلال تلك الفترة من بناء نفوذ بين القادة العسكريين الذين أشرفوا على العمليات في دارفور، ما شكّل بداية علاقته بقيادة الجيش في المنطقة، لا سيما بالبرهان، الذي كان آنذاك مسؤولًا عن قوات حرس الحدود.

وكانت صلات عبد الرحيم بقيادات التجنيد في الجيش حاسمة في حشد الشباب من المجتمعات العربية وتنظيمهم في وحدات قتالية، على عكس زعيم قبيلة المحاميد، موسى هلال، الذي كان بإمكانه استدعاء المقاتلين مباشرة عبر زعماء القبائل في دارفور. رأى عبد الرحيم في البداية هذا الفارق نقطة ضعف، لكنه سرعان ما استغلها لبناء شبكة علاقات واسعة ومراكز نفوذ متعددة.

أما البرهان، فقد شغل سابقًا منصب محافظ محلية نيرتتي بولاية وسط دارفور، حيث كان همزة الوصل بين حكومة الولاية والمناطق الإدارية التابعة لها ضمن نظام الحكم المحلي في السودان. وكان دوره يشمل الإشراف على الشؤون الإدارية كافة، بما في ذلك القضايا المرتبطة بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك.

مشاركة البرهان في بناء قوات حرس الحدود -وهي المنظومة التي أُدمجت لاحقًا ضمن الهيكل القتالي للجيش السوداني- عمّقت علاقته باستراتيجية البشير الأمنية. اعتمد البشير على تفتيت احتكار السلطة المركزية لإدارة العنف عبر توزيع السيطرة بين أجهزة أمنية وميليشيات متعددة، كل منها تحت قيادة شخصيات مختارة، بينما احتفظ هو بسلطة القرار المركزي.

ومع تزايد اعتماد النفوذ السياسي على الولاء للبشير، برزت شخصيات من خارج هيكل الحزب الرسمي -مثل البرهان وحميدتي- كلاعبين مؤثرين يخدمون في فلك الرئيس. وسرعان ما أصبح حميدتي المفضل لدى البشير، الذي كان يردد دومًا: «حميدتي حمايتي».

لكن عبد الرحيم كان صاحب الدور المحوري في العديد من العمليات العسكرية التي نفذها الجيش و«الدعم السريع» في المناطق الحدودية السودانية.

برزت خبرته العسكرية بوضوح خلال معركة «قوز دنقو» عام 2015، التي ألحقت فيها قواته هزيمة ساحقة بحركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية الحالي، جبريل إبراهيم. ووفقًا لمقاتل من الحركة أُسر خلال المعركة، فإن حميدتي كان يصدر الأوامر من موقع قريب، بينما كان عبد الرحيم نفسه على الأرض يقود القتال مباشرة.

لعب التحالف بين البرهان وعبد الرحيم دورًا محوريًا أيضًا في تعزيز علاقات البشير مع الإمارات، من خلال جهود التجنيد التي قادتها «الدعم السريع» لإرسال مقاتلين إلى الحرب في اليمن.

ومع تهاوي نظام البشير، بدأ في تشكيل مجموعة جديدة مقربة تحل محل حرسه القديم، لكن الأوضاع كانت قد تغيرت بالفعل تحت السطح. لم يبدُ حميدتي، وهو يمشي في أروقة القصر، وكأنه في حاجة بعد إلى البشير، لا حليفًا ولا حاميًا. لم يملك البشير ما يخسره، ورفض حميدتي الانجراف معه إلى الهاوية وهو يحاول التشبث بالسلطة.

وفي الأثناء، كانت تحالفات أخرى تتشكل في الظلال، ليصبح عبد الرحيم مقربًا للبرهان الذي عُين مفتشًا عامًا للقوات المسلحة في أوائل عام 2019. 

إذن، ماذا حدث؟

يقول أحد مستشاري عبد الرحيم إن الأخوين دقلو نظرا إلى المرحلة الانتقالية باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل المشهد السوداني، بحيث يصل حميدتي إلى الرئاسة عبر الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية، بينما يتولى عبد الرحيم قيادة «الدعم السريع».

كان عبد الرحيم يُمني نفسه بالصعود على السلم العسكري ليجلس قبالة البرهان على قدم المساواة، بحسب وصف المصدر. 

«نحن لا نتحدث بكل تأكيد عن نزوات شخصية أو طموح عبثي»، يقول المصدر، «عبد الرحيم يعلم جيدًا ما يعنيه أن يكون قائدًا للدعم السريع. فهو سيجلس على طاولة ومقابله قائد الجيش: البرهان».

لكن هذا المشروع انهار تمامًا. يعزو عبد الرحيم وحميدتي ذلك إلى الإسلاميين، بحسب المصدر، إذ يعلمان مدى تغلغلهم في الدولة، بعدما شهدا بنفسيهما نفوذهم الأمني وقدرتهم على التحايل.

لكن العداء بين الإخوة دقلو والبرهان لم يكن مرتبطًا بالإسلاميين فقط، بل كان متجذرًا أيضًا في خلفياتهم القبلية المتصارعة.

يعتمد خطاب حميدتي إلى حد كبير على استدعاء إرث الدولة المهدية، التي حكمت السودان لفترة وجيزة بين 1885-1898، عندما أطاحت الحركة الدينية لمحمد أحمد بن عبد الله، والذي ادعى أنه المهدي المنتظر، بالإدارة العثمانية المصرية في الخرطوم. لكن ابن عبد الله توفي بعد فترة قصيرة من السيطرة على العاصمة، وتولى القيادة من بعده تابعه عبد الله التعايشي، الذي شنّ حملة دموية لترسيخ حكمه، تضمنت إبادة خصومه من القبائل المعادية وإعادة تشكيل التركيبة الديموجرافية، ما شهد توطين قبيلته في الخرطوم.

وبينما كان السودان يعاني من المجاعة وتصاعد التحديات الداخلية، تقدمت القوات البريطانية-المصرية لإعادة استعمار البلاد، وأُبيدت قوات المهدية في معركة كرري عام 1898 على تخوم أم درمان الشمالية.

بالنسبة لحميدتي ومن يعتنقون هذه الرواية، كانت هزيمة كرري عودة للحكم الاستعماري الذي أجهض خروج الدولة السودانية الحقيقية إلى النور، وقد يرون أن ما يلزم اليوم هو بعث جديد للسياسة المهدوية ومعاقبة من وقفوا مع الحكم الثنائي ضد المهديين، والذين يعتبرونهم في الغالب من القبائل النيلية.

وبالفعل، بدا عام 2019 للكثير من أنصار «الدعم السريع» كأنه عودة المهدية.

في أعقاب سقوط البشير وانخراط قوات الدعم السريع في حكومة انتقالية لتقاسم السلطة مع الجيش وقوى الحرية والتغيير، انتقل حميدتي وعائلته وجحافل من أقاربه من حي جبرة المتوسط طبقيًا إلى أرقى أحياء الخرطوم. كانت قواته تجوب المدينة في سيارات الدفع الرباعي، تحرس الجسور النيلية والقصر الرئاسي، وتجفف ملابسها على جدرانه، في إشارة بدوية صارخة إلى تحول الخرطوم، المدينة، إلى قرية داخل العاصمة.

caption

في مارس 2021، خلال الفترة الانتقالية في السودان، وأمام حشد كبير من أهل دارفور في الخرطوم، قال عبد الرحيم في ثورة من الغضب: «الخرطوم دي حقة أبو منو؟»، أي «من هو مالك الخرطوم؟».

يوضح مستشار عبد الرحيم جذور العداء بينه وبين البرهان من هذا المنطلق القبلي العميق، «عداء تشكل منذ 130 عامًا، [بين] الرزيقات الذين نصروا التعايشي وقادوا حملات تأديبية واسعة ضد الجعليين، والشايقية الذين عادوا التعايشي».

«نحن نتحدث عن جيش يمثل نُخبة السودان النيلية -الجعلية والشايقية-، والبرهان نفسه من أصول شايقية وتربى في قرى الجعليين»، يقول المصدر. هذا الانتماء زاد من عداء الأخوين دقلو تجاهه، خصوصًا عبد الرحيم، الذي يدرك تمامًا أن البرهان «لعب بكل هذه الخيوط».

في اجتماعات يناير 2024 مع زعماء القبائل في بابنوسة، لم يُخفِ عبد الرحيم عداءه للبرهان. وفقًا لمصدر محلي التقاه في غرب كردفان، خلال استعداداته للسيطرة على الفرقة 22 مشاة في بابنوسة، حاول عبد الرحيم إقناع زعماء قبيلة المسيرية بحملته العسكرية في جلسة مطوّلة. بدا مقتنعًا بأن أي اتفاق عسكري لن يكون ممكنًا «إذا لم يكن سلاحه معبأ بالرصاص»، بحسب المصدر.

«البرهان لا يعرف سوى لغة الدم»، قال عبد الرحيم لزعماء القبيلة. «لقد وضعنا جميعًا في المحرقة، وعليه أن يدفع الثمن»، وفقًا لما نقله المصدر عن عبد الرحيم.

لكن عبد الرحيم أصيب بخيبة أمل كبيرة عندما رفض زعماء المسيرية التنازل عن بابنوسة، بحسب المصدر المحلي. حاول الشيوخ التفاوض على استثناء للفرقة العسكرية، وأرسلوا التماسهم عبر قائد ميداني إلى حميدتي، لكن لم تكن هناك أي استجابة.

***

بحلول سبتمبر 2023، بعد نحو خمسة أشهر من الحرب، غادر عبد الرحيم الخرطوم، ربما بلا عودة. توجه إلى تشاد للقاء قادة الحركات المسلحة في مفاوضات برعاية الرئيس التشادي محمد ديبي، وفقًا لمصدر عسكري في انجامينا تحدث إلى «مدى مصر». هدفت المحادثات إلى إبرام صفقة عسكرية تسحب بموجبها الحركات المسلحة قواتها من الفاشر، ما يتيح لقوات الدعم السريع السيطرة على الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش، يقول المصدر. لكن عرض عبد الرحيم لم يرق لقادة الحركات المسلحة، خصوصًا أنه، بحسب المصدر، رفض لقاء رئيس حركة العدل والمساواة.

في لقاء مطوّل بُث من مقر الفرقة 16 في نيالا في نوفمبر 2023، أكد عبد الرحيم أن الفاشر ليست استثناءً، ولن تكون بمنأى عن هجماتهم، وأن الحركات المسلحة المتمركزة هناك مُنحت فقط بعض الوقت لتسليم نفسها.

في آخر ظهور علني له بالخرطوم، في 3 نوفمبر 2023، خاطب حميدتي دفعة جديدة من الخريجين العسكريين، وأشار إلى مطلبه الذي كان يخطط له عبد الرحيم، حيث ذكر أن على القوة المشتركة أن تنسحب من الفاشر وتخلي الاتجاه الشرقي من المدينة من أجل أن تدخل قواته للفرقة وتسقطها.

يقول ضابط استخبارات سوداني سابق لـ«مدى مصر» إن إصرار حميدتي على التمسك بوسط السودان رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها قواته، في الوقت الذي انسحب فيه عبد الرحيم إلى الفاشر وواصل القتال هناك، يعكس تباينًا استراتيجيًا داخل «الدعم السريع»، مضيفًا أن قرار عبد الرحيم بالتركيز على السيطرة على الفاشر بدلًا من الدفاع عن مباني الخرطوم، التي تُركت الآن «للقِطَط» لتسكنها، يشير إلى انقسام جوهري في رؤية «الدعم السريع» لمستقبلها.

يقول مصدر في قيادة القطاع الغربي لقوات الدعم السريع لـ«مدى مصر» إن السيطرة على الفاشر لم تكن ضمن الخطة الأصلية. «لكن مع الاستيلاء على نيالا وتعنت الحركات المسلحة وانحيازها للجيش، أيقن عبد الرحيم بأنه لا بد من إسقاط الفاشر وفرض معادلة جديدة على الطاولة بحيث يمكن أن تتم عمليات تسوية مع الجيش ضمن إطار عسكري راهن جديد»، يقول المصدر.

يمكن تفسير فشل عبد الرحيم في الاستيلاء على الفاشر، حتى الآن على الأقل، بحجم القوات التي استنفرت من الزغاوة، بالإضافة إلى قدوم قوات تابعة للحركات المسلحة من ليبيا وتشاد من أجل الدفاع عن المدينة، وحجم العتاد العسكري الذي دفع به الجيش إلى الفاشر من الفرق التي انسحبت من بقية ولايات دارفور. 

يقول مصدر من القوة المشتركة لـ«مدى مصر» إن عبد الرحيم ما زال مصممًا على التقدم نحو الفاشر، معتبرًا المعركة مسألة حياة أو موت، وتحدٍ يسعى من خلاله إلى فرض أجندته على المشهد السياسي والعسكري.

وبقيادة عبد الرحيم، تواصل قوات الدعم السريع هجومها على تخوم الفاشر، مستخدمة الطائرات المسيرة والمدرعات التي جلبت خصيصًا لمعارك الفاشر. واستُدعي كذلك قادة عسكريون بارزون من الخرطوم استعدادًا لما يُتوقع أن يكون أكبر هجوم عسكري تشهده المدينة.

بحلول أكتوبر 2024، بدأت قوات الدعم السريع في إعادة تنظيم صفوفها حول الفاشر. يقول مصدر استخباراتي سوداني إنه في ذلك الوقت، كان عبد الرحيم يسعى إلى تأمين الإمدادات العسكرية عبر جنوب السودان، وعقد اجتماعات مع قيادات جنوبية. وبينما نفت جوبا أن يكون عبد الرحيم التقى الرئيس سلفا كير، إلا أنها لم تنف التقارير التي تحدثت عن وجوده في العاصمة. ويرى المصدر أن هذا التحرك كان جزءًا من حملة عبد الرحيم الإقليمية الأوسع لتأمين الدعم لخطته لإسقاط دارفور.

تحقق له ذلك، حيث تم تمرير إمدادات عسكرية كبيرة من مطار أم جرس إلى نيالا. وفي 2 ديسمبر، اعترضت القوة المشتركة شحنة في طريقها لقوات الدعم السريع، تضمنت طائرات مسيرة قادرة على حمل صواريخ قصيرة المدى وصواريخ موجهة، إلى جانب طائرات استطلاع وذخائر، بحسب مصدر من القوة المشتركة للحركات المسلحة المساندة للجيش تحدث إلى «مدى مصر» في ديسمبر الماضي.

في هذه الأثناء، تعيش الفاشر أزمة خانقة، تستيقظ كل صباح على رائحة الدم والموت. تلفح حبات رمالها أحلام رجال يريدون أن يدخلوا التاريخ من باب الدم والدموع، غافلين عن الأرواح البريئة التي تُغرس كل يوم في تربة طرقاتها.

قد تعيد المدن تشكيل خرائط التاريخ وتغير مسار الأحداث، لكنها في النهاية تنقش ذاكرتها بالرصاص الذي يأتي من خلف البحار متسللًا بين أودية دارفور، ناشرًا رعب القصف والقنص. 

***

اليوم، وبعد أن كانت قوات الدعم السريع تحظى بالاعتراف كأحد الممثلين الشرعيين للشعب أمام المجتمع الدولي خلال الفترة الانتقالية، بدأت في التهاوي.

يقول مستشار سابق في المكتب السياسي لقوات الدعم السريع لـ«مدى مصر» إن هجوم حميدتي على المجتمع الدولي في تسجيل مصور بأكتوبر الماضي دليلًا على فشل قدرته على احتواء تكاليف الحرب. «لم يتوقع حميدتي أن تنحدر الأمور إلى هذا المنحى»، يقول المصدر، «هو دائم التراجع في القرارات المصيرية، يريد أن يكون منفذ القرار وليس متخذ القرار، هذا الأمر هو جزء في تكوين حميدتي السياسي. فقد كان البشير يتحمل تكلفة الأوامر التي يصدرها له».

في آخر تسجيل مصور له في 15 مارس الماضي، قال حميدتي إنه لن يخرج من الخرطوم والمقرن والقصر الجمهوري. 

لكن الجيش أخرجه من القصر الجمهوري والخرطوم بأكملها بين يومي 21 و28 مارس الماضي، ومن كامل وسط السودان بالقوة، منهيًا حلمه بالبقاء فيها.

في هذه الأثناء، أصبح واضحًا لكثيرين في الدوائر المقربة من «الدعم السريع» أن عبد الرحيم هو من يدير الأمور داخل الجماعة المسلحة. ترسخت مكانته كقائد عسكري فعلي بعد سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة في ديسمبر 2023، عندما ظهرت وحدات قتالية جديدة داخل صفوفه.

خلال اجتماع في أديس أبابا مع تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية، اعترف حميدتي بنفسه بعدم قدرته على السيطرة على هؤلاء المقاتلين، وفقًا لمصدر حضر الاجتماع وتحدث إلى «مدى مصر». قال حميدتي حينها إن «هذه القوات لا تقاتل من أجل الدعم السريع، بل لمصالحها الخاصة»، وهي الاستراتيجية ذاتها التي اعتمدها عبد الرحيم في معركة الفرقة 16 في نيالا: حشد وحدات مرتزقة مدفوعة بمكاسب المال والسلاح.

جاءت خسارة «الدعم السريع» للجزيرة بعد 13 شهرًا، لتكون مؤشرًا آخر على هذا الواقع.

يقول خبير في الاقتصاد التنموي كان جزءًا من الفريق الاستشاري لـ«الدعم السريع» إنه تلقى اتصالًا من شخصية عسكرية رفيعة في قوات الدعم السريع عندما بدأت الهزائم تتوالى على «الدعم السريع». «كنت أتابع ما يحدث على المستوى الخارجي من جرائم وانتهاكات. وحذرنا حميدتي مرارًا أن ترك الدعم السريع تحت رحمة إخوته وأبناء عمومته، خصوصًا في قطاع الاستثمار»، يقول الخبير.

يؤكد المصدر أن عبد الرحيم هو من دفع بالتوجه إلى تشكيل حكومة موازية في العاصمة الكينية نيروبي. ويرى أن هذه الخطوة كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش أي فرصة للاعتراف الدولي بـ«الدعم السريع».

«يمكنك مشاهدة ما قام به في نيروبي. تلقيت اتصالًا من أطراف كانت تعمل على إعلان حكومة منذ سقوط مدني، ولكن كنا نرفض ذلك، وقلت لهم بشكل واضح إن نموذج ليبيا غير متاح للسودان. بلا موارد وبلا إمكانيات بنى تحتية، لا يمكن إنشاء حكومة، لكن مع سيطرة عبد الرحيم على مفاصل الأمر العسكري دفع بهذا الخيار من أجل فرض أمر واقع على الأرض، وخصوصًا في دارفور. لذلك سيقوم عبد الرحيم عاجلًا ام آجلًا بإعلان حكومته ولن يهتم للأبعاد الخارجية لهذا الأمر، لأنه يريد أن يحصد ما يقوم به لسنوات داخل الدعم السريع»، يقول المصدر.

وبالنسبة لخبير «الدعم السريع»، فعبد الرحيم «أشبه بالحشائش الضارة: يحول كل شيء إلى أمر بسيط لا يحسب له حساب». لكن في الأرض المحروقة التي خلفتها قوات الدعم السريع في مساحات شاسعة من السودان، لا شيء أقدر على ضرب جذوره فيها من تلك الحشائش.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن