بدأت الأمطار في الهطول على مدينة درنة شمال شرق ليبيا طوال يوم 10 سبتمبر العام الماضي، لكنها لم تكن أمطارًا عادية. هذه المرة كان إعصارًا غير مسبوق ذي طبيعة استوائية، عُرف باسم «العاصفة دانيال».
بحلول الليل، تزايدت حدة السيول، مع اتجاه العاصفة مباشرة إلى منطقة «الجبل الأخضر».
تدفقت مياه الأمطار إلى «وادي درنة»، فتراكمت المياه خلف السديّن اللذين تم تشييدهما في سبعينيات القرن الماضي لحماية المدينة من الفيضانات. بعدها، بدأت المياه تتجاوز سد «البلاد»، أصغر السدين، والذي يقع على بُعد حوالي 2.25 كيلومتر من شاطئ مدينة درنة، عند منتصف الليل تقريبًا. وبحلول الواحدة والنصف صباحًا، انهار الجزء الشرقي من السد، ليندفع طوفان المياه نحو المدينة.
لكن، خطرًا أكبر كان يلوح في الأفق، فعلى بُعد حوالي 13 كيلومترًا من سد «البلاد» في الوادي، يقع سد «بو منصور» الذي يبلغ ارتفاعه 75 مترًا، وبه خزان يمكنه استيعاب 22.5 مليون متر مكعب من المياه. لكن العاصفة كانت أقوى من أن يتحملها السد. تقريبًا في نفس الوقت الذي تجاوزت فيه المياد سد «البلاد»، بدأت المياه تصل إلى منطقة «بو منصور» وتنفذ إلى قلب السد الطيني من خلال الشقوق التي لم يتم إصلاحها، والتي تضررت في فيضان عام 1986.
بحلول 2.40 صباحًا، بدأت المياه تخترق جسد سد «بو منصور». وعندما انهار السد، اندفعت موجة شاهقة بسرعة قصوى تبلغ 36 كيلومترًا في الساعة تجاه المدينة. اقتلعت الموجة «سد البلاد»، الأصغر حجمًا، واجتاحت المنازل والمساجد والجسور والطرق.
غرقت مدينة درنة وأهلها.
التقديرات الأوليّة للخسائر في الأرواح مُذهلة. قالت منظمة الصحة العالمية إن ما لا يقل عن 3958 شخصًا لقوا حتفهم، إلى جانب تسعة آلاف شخص في عداد المفقودين. وارتفع عدد القتلى إلى 5923 على الأقل، فيما تواصل السلطات الليبية حتى الآن محاولة التعرف على المفقودين.
وبمجرد انخفاض مستوى المياه في المدينة واتضاح حجم الكارثة، بدأ الحديث عن جمع التبرعات للإغاثة من الكوارث وعملية «إعادة الإعمار».
قدّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي الأموال اللازمة لمُعالجة الدمار بحوالي 1.6 مليار دولار أمريكي، في تقييم نُشر في يناير الماضي.
وصل المال بالفعل إلى ليبيا، لكن لا أحد يعرف أين ذهب بالضبط، ولا حتى المصادر القريبة من «الصندوق» الذي أصبح يُهيمن على عملية إعادة الإعمار. وفي الأسابيع التي سبقت الذكرى السنوية لكارثة تغير المناخ الأسوأ في المنطقة، أكد حمد الشلوي، عضو لجنة الأزمات البرلمانية الليبية المُكلفة بالإشراف على الوضع في درنة، على هذا، قائلًا إنه لم يتم صرف أي مبلغ من أموال الميزانية المُخصصة لإعادة الإعمار من قِبل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي ومجلس النواب وحكومة الوحدة الوطنية، والتي تُقدر بنحو 15 مليار دولار.
من المسؤول عن هذا؟ بحسب الشلوي، فإن «القيادة العامة» -كناية عن عائلة المشير خليفة حفتر، قائد ما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي»- هي التي لم تحقق وعودها بإعادة الإعمار لأسباب مجهولة، في حين أن «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، الذي تم إنشاؤه في أعقاب الفيضانات ولم يشارك في مؤتمر إعادة الإعمار، قام بمشروعات ضخمة من خلال شركات ليبية ومصرية.
يترأس بلقاسم حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، هذا الصندوق. في محاولة لفهم عملية إعادة إعمار درنة والمنافسة السياسية التي احتدمت حول مليارات الدولارات التي تدفقت على ليبيا، قالت مصادر تحدثت لـ«مدى مصر» إن بلقاسم وحده هو من يعرف أين ذهبت هذه الأموال.

بدأت المنافسة الشديدة للسيطرة على إدارة الكوارث في درنة تتكشف بعد ساعات قليلة من وقوع الكارثة في الثالثة صباحًا. قطعت السلطات التابعة لحفتر الكهرباء والاتصالات في المدينة، ولم يعلم المواطنون حجم الدمار حتى وصل بعضهم إلى المناطق المتضررة. الناجون الذين تمكنوا من الوصول إلى المناطق الآمنة هم من أبلغوا عن حجم الكارثة، ونشروا صورًا ومقاطع فيديو للأضرار الجسيمة والجثث التي تم انتشالها ونقلها إلى المناطق الجافة في المدينة بعد تصريف مياه الفيضانات في البحر الأبيض المتوسط.
مع توافد الصحفيين على المدينة لتغطية الحدث، بدأت عائلة حفتر وتشكيلة واسعة من قوات الأمن التي تسيطر عليها في قمع الأصوات المُنتقدة. وطُلب من الصحفيين مُغادرة المدينة. وبعد حوالي أسبوع من وقوع الكارثة، قال متحدث باسم الأمم المتحدة لوسائل الإعلام إن فريق الأمم المتحدة «غير مُصرح له بالتوجه» إلى درنة.
بعد أسبوع من وقوع الكارثة، وبينما تواصل الفرق المحلية والدولية جهود البحث والإنقاذ، جرت مظاهرة غير مُتوقعة مساء 18 سبتمبر أمام مسجد الصحابة، أحد المعالم الرئيسية وسط درنة. طالب المتظاهرون بحل مجلس النواب وتوحيد ليبيا. وقال مصدر محلي من درنة لـ«مدى مصر»، إن الاحتجاج تم بالتنسيق مع «صدّام خليفة حفتر»، نجل المشير صاحب النفوذ وذراعه التنفيذية، والذي يُتوقع أن يخلفه. في مايو الماضي، عُين رئيسًا لأركان القوات البرية لقوات ما يعرف بـ«الجيش الوطني الليبي»، وفي أغسطس تمت ترقيته إلى رتبة فريق.
يمثل الاحتجاج، الذي شارك فيه العشرات من سكان درنة، العلامات الأولى للتوتر بين عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، وخليفة حفتر، اللذين كانا حليفين ذات يوم ثم دارت بينهما معركة سياسية في السنوات الأخيرة على النفوذ السياسي. وأصبح من الواضح أن حفتر يعتزم إحكام قبضته على جهود إعادة الإعمار.
إصرار حفتر على السيطرة على عملية إعادة الإعمار أزعج عقيلة صالح ومجلس النواب. وبعد أسبوع من الكارثة، بدأ برلمان الشرق مناقشة مُقترح إنشاء جهاز لإعادة إعمار وتأهيل المناطق المُتضررة من الفيضانات. وكان الهدف من هذه الجهاز، المُمول من الميزانية الوطنية، هو مُعالجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية مثل الطرق والجسور والممتلكات العامة والخاصة، وتم الترخيص له بإنشاء فروع في المناطق المُتضررة. وكان من المتوقع أيضًا وضع معايير لإدارة هذا الجهاز، على نحو يضمن مُشاركة خبراء محليين ومُتخصصين من المناطق المُتضررة بحسب الحاجة. وكان من المُقرر أن تقوم لجنة بقيادة صالح، تضم محافظ مصرف ليبيا المركزي وممثل عن القيادة العامة رشّحه حفتر، بفتح حساب في المصرف المركزي للتعامل مع أموال المساعدات المحلية أو الدولية، كما صرّح المتحدث باسم البرلمان عبد الله بليحق في 18 سبتمبر الماضي. وكان الهدف هو قيام البرلمان بإنشاء جهاز لإعادة الإعمار يرأسه أحد سكان المناطق المُتضررة.
في هذه الأثناء، بدأت القوى الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، التعاون مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس لتنسيق عمليات الإغاثة ومساعدة الناجين من الكوارث. وسُرعان ما دخلت روسيا على الخط، مع وصول نائب وزير الدفاع، يونس بك يفكيروف، إلى بنغازي في 16 سبتمبر مع فرق إنقاذ من موسكو. عقد يفكيروف اجتماعات مع حفتر وأبنائه لتنسيق الجهود الروسية في درنة، حيث وصلت بالفعل فرق تركية، ومالطية، ويونانية، وإيطالية، وفرنسية.
ومع استمرار عمليات البحث والإنقاذ وبدء المشاورات الثنائية بين حفتر والدول المعنية، أعلن أسامة حماد، رئيس الوزراء المُعين من قِبل البرلمان والموالي لعائلة حفتر، عن عقد مؤتمر لإعادة إعمار درنة.
كان من المُقرر عقد المؤتمر في أكتوبر، إلا أنه تم تأجيله مرتين، قبل أن يُعقد في نهاية المطاف في نوفمبر الماضي.
أحد مستشاري حماد قال لـ«مدى مصر» إن التأخير يرجع إلى خلافات بين حفتر وعقيلة صالح من جهة، والقوى الغربية من جهة أخرى، حول الجهة التي ستتولى الإشراف على إعادة الإعمار. طبقًا له، فإن حفتر أصر على أن تكون هذه العمليات تحت إشرافه.
اتضح هذا عندما أصدر حماد، في 27 سبتمبر، قرارًا دخل حيز التنفيذ في الأول من أكتوبر، بإنشاء صندوق لإعادة إعمار درنة والمناطق المتضررة من الفيضانات، متجاهلًا الجهاز الذي كان مجلس النواب يناقشه وتأسس بالفعل في 3 أكتوبر الماضي. وصدر قرار لاحق بتعيين بلقاسم خليفة حفتر مديرًا تنفيذيًا لصندوق حماد الجديد، والذي مُنح سلطة كاملة لجهود إعادة الإعمار، وحظى بصلاحيات واسعة لإدارته. وفقد الصندوق الذي أسسه البرلمان أهميته في ظل قرار حماد الذي دعمته القيادة العامة.
لكن بلقاسم لم يكن يقنع بمدينة درنة ومنطقة الجبل الأخضر فقط.
في خطوة مفاجئة في 6 فبراير، أصدر مجلس النواب، الذي يرأسه صالح، قانونًا بإنشاء «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا» وتعيين بلقاسم حفتر رئيسًا له. وسمح القانون للصندوق فعليًا بالعمل كهيئة شبه حكومية تتمتع بصلاحيات واسعة، من بينها صلاحيات تقتصر عادة على وزارة المالية مثل الإذن بالاقتراض من مصرف ليبيا المركزي. كما تم إعفاء الصندوق من لوائح العقود الإدارية والرقابة من قِبل ديوان المحاسبة الليبي، ما يُحصنه فعليًا من التدقيق، وفقًا لنص القانون الذي اطلع عليه «مدى مصر».
مصدر من الدائرة الداخلية لعائلة حفتر قال لـ«مدى مصر» إن قرار صالح بإنشاء الصندوق القوي ومنح السيطرة عليه لبلقاسم هو بمثابة حماية لنفسه، في مواجهة الضغوط التي مارسها أبناء حفتر، بلقاسم وصدّام، عليه. وعلى الرغم من خلافات بلقاسم وصدام، إلا أنهما غير راضين عن الأداء السياسي لرئيس مجلس النواب، وكانا يُخططان لإزاحته من منصبه على رأس البرلمان. يقول المصدر إن بلقاسم وصدّام غير مرتاحين لتوجهه السياسي في ظل انفتاحه على عدد من اللاعبين السياسيين في المنطقة الغربية، وخاصة تقاربه مع قيادات تُعتبر جزءًا من جماعة الإخوان المسلمين.
واعتبر مصدر في مجلس النواب أن تعيين بلقاسم لرئاسة الصندوق حدث بطريقة غريبة، إذ تم تعيينه في البداية في المنصب قبل تأسيس الصندوق بتاريخ أقدم. وأضاف المصدر أن الشقيقين يُصرّان على الهيمنة على المجالات السياسية والاقتصادية والمالية، على الرغم أنهما يديران حكومة حماد بشكل فعلي. وقال المصدر إنهما سبق وهددا، مُستخدمين الموالين لهما في مجلس النواب، بالدعوة إلى إعادة انتخاب اللجنة التنفيذية بمجلس النواب، وهو ما يمثل تهديدًا فعليًا لصالح.
ولكن رغم اتحاد الأخويّن حفتر في معركتهما ضد صالح، لم تكن علاقتهما بالضرورة دافئة.
ظهر ذلك عندما أصدر حفتر قرارًا بإنشاء الجهاز الوطني للتنمية، وهو جهاز استثماري يشرف على مشاريع البناء في بنغازي ووسط وجنوب ليبيا، ويعمل في تلك المشاريع إلى جانب صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا الذي يرأسه بلقاسم حفتر. وبحسب المصدر المُقرب من عائلة حفتر، فإن الجهاز الوطني للتنمية، الذي يرأسه الإعلامي محمود الفرجاني، تأسس بناءً على طلب من صدّام حفتر لكي يقف على قدم المساواة مع شقيقيه: خالد وبلقاسم. خالد هو رئيس أركان الوحدات الأمنية في الجيش الوطني الليبي الذي تسيطر عليه عائلة حفتر، ويُشرف أيضًا على هيئة الاستثمار العسكري، بينما يرأس بلقاسم صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا.

وكما هو الحال مع الإخوة، كذلك يتنافس صندوق ليبيا للتنمية والإعمار، والجهاز الوطني للتنمية، على إبرام العقود مع الشركات الأجنبية. ولم يكشف أي منهما عن تفاصيل مشاريعهما الضخمة التي تم الإعلان عنها في درنة أو المناطق المُتضررة من الفيضانات أو المناطق المُتضررة من القتال العسكري، سواء في بنغازي أو سبها أو سِرت أو المناطق الجنوبية. يتمتع كل من الصندوق والجهاز باستقلالية تامة ويعملان خارج أي آلية للمُراقبة أو الإشراف.
سمح ذلك لأبناء حفتر بترسيخ سلطتهم من خلال جذب مؤيدين جُدد، سواء كانوا من النُخب السياسية من مجلس النواب، أو القادة المحليين والشعبيين، أو النُخب الاقتصادية ورجال الأعمال الذين أقاموا شراكات تجارية مع عائلة حفتر بهدف حماية مصالحهم.
أصبح لدى أبناء حفتر الآن حلفاء جُدد من قبائل الفرجان والزاوية وقبائل أخرى تشغل أدوارًا أقل أهمية في صندوق ليبيا للتنمية والإعمار والجهاز الوطني للتنمية. على سبيل المثال، تم تعيين المهندس سعد الزاوي نائبًا لمدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، ما جعله الرجل الثاني في الصندوق المسؤول عن الإشراف على إعادة إعمار درنة. ينتمي الزاوي إلى قبيلة الزاوية التي يتحالف أفرادها مع أبناء حفتر. وتسكن القبيلة مناطق أجدابيا وواحات الجنوب والشرق. كما تم تكليف الإعلامي محمود الفرجاني، من قبيلة الفرجان، والذي كان يُدير قناة «الحدث» بالإضافة إلى شركة خدمات إعلامية مملوكة لعائلة حفتر، بإدارة فرع الجهاز الوطني للتنمية في مدينة سِرت. وفي بداية مُخططات الهيمنة على مشاريع إعادة الإعمار، حصل أبو بكر مصدق الزاوي، وكيل وزارة الحكم المحلي، على صلاحيات إضافية، تفوق صلاحيات وزير الحكم المحلي نفسه، سامي الضاوي، والقادم من غرب ليبيا. تم تكليف الزاوي بتقييم الأضرار الناجمة عن الفيضانات وتقديم الدعم المالي للأسر المُتضررة. في المقابل، كان دور الوزير ثانويًا وغير مرئي. كما تم حرمان وزير الأشغال العامة، نصر شرح البال، من قبيلة العبيدات، أكبر قبائل برقة، من لعب أي دور رغم انتمائه للحكومة المُكلفة من قِبل مجلس النواب.
بعد مُكافأة الموالين، جاء دور تصفية الحسابات مع المُعارضين.
في أعقاب الفيضان مباشرة، اتهمت النيابة العامة 14 شخصًا بالإهمال فيما يتعلق بصيانة سديّ وادي درنة، وحملّتهم مسؤولية الكارثة. من بين المُعتقلين والمُحتجزين عُمدة مدينة درنة وعدد من المسؤولين في وزارة الموارد المائية وهيئة السدود. ولا يزال اثنان آخران خارج البلاد بعدما أفلتا من الاعتقال، من بينهما علي الحبري، المحافظ السابق للفرع الشرقي لمصرف ليبيا المركزي، ورئيس اللجنة البرلمانية المُكلفة بإعادة إعمار درنة. وأصدر الإنتربول نشرات حمراء لكلا الهاربين.
وكشفت تحقيقات النيابة العامة في كارثة فيضان درنة عن الإهمال في صيانة سديّ درنة، وعدم وجود نظام إنذار، وعدم تنظيف فتحات الصرف العُليا أو إجراء الصيانة الروتينية، وهو ما ساهم في وقوع الكارثة. علاوة على ذلك، لم يعمل نظام الصرف الصحي في الوادي على النحو المطلوب بسبب تراكم الطمي لمدة عام قبل الكارثة، دون إجراء أي صيانة. كما تم اكتشاف تشققات وتسريبات كبيرة في سديّ «البلاد» و«بو منصور» قبل حدوث الفيضانات.
بعد أكثر من سبعة أشهر من المحاكمات، وفي 27 يوليو الماضي، حكمت محكمة جنايات درنة على 12 مسؤولًا بالسجن بتهمة الإهمال. وتضمنت الأحكام السجن لمدة تسع سنوات مع دفع الديّة على المُدانيّن: عمر امحمد، وعمر خليفة، والموظفون بوزارة الموارد المائية، البهلول جمعة وأحمد إقجام، وعبدالقادر العمامي، وعضو لجنة إعادة الاستقرار في درنة فرحات الفيتوري، ومدير مكتب المشروعات ببلدية درنة، وسام إمراجع.
كما حكمت المحكمة على عبد المنعم الغيثي، رئيس المجلس التسييري لبلدية درنة وأحد أقارب رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بالسجن 15 عامًا، ودفع الديّة وإعادة الأموال المُتحصلة من الكسب غير المشروع.
كما قضت المحكمة بالسجن 19 سنة ودفع الديّة على الموظف بمصرف ليبيا المركزي أحمد عبد الله بن شتوان، والسجن 27 سنة وإعادة الأموال المُتحصلة من الكسب غير المشروع على محافظ المصرف المركزي السابق في بنغازي والرئيس السابق لصندوق إعادة إعمار درنة المُكلف من مجلس النواب، علي محمد الحبري. كما حكمت أيضًا بالسجن 26 سنة وستة أشهر مع دفع الديّة، وإعادة الأموال المُتحصلة من الكسب غير المشروع على المدير العام لصندوق إعادة إعمار درنة المكلف من حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في العام 2021، علي عبد الحفيظ إبحيري.
وسمح مسؤولون في بنغازي للحبري وإبحيري بالفرار من البلاد، وبالتالي تجنبا الاعتقال، بحسب المصدر المُقرب من عائلة حفتر، واصفًا ذلك بمكافأة مقابل دعم الحبري لعمليات القيادة العامة رغم خلافه مع أبناء حفتر. خسر الحبري منصبه في نهاية المطاف جرّاء هذا الخلاف، بعد أن رفض تخصيص المزيد من الأموال الموجودة في المصرف للحكومة الموازية ولجنة إعادة الإعمار والاستقرار.
أتاحت المُحاكمة أمام محكمة جنايات درنة لعائلة حفتر التخلص من منافسيهم بشكل سلِس وقانوني. كانت درنة منطقة مُتنازع عليها بين القبائل الرئيسية في منطقتي الجبل الأخضر وبطنان، وخاصة بين قبيلتي العبيدات والحضور، اللتين تقطنان المدينة وترجع أصولهما إلى غرب ليبيا.
ظهر هذا الصراع قبل أسابيع من الفيضانات التي ضربت درنة، مع استعداد الحكومة لانتخابات المجلس البلدي. وكان عقيلة صالح يؤيد إبقاء درنة تحت سيطرة قبيلة العبيدات، وعيّن رئيسًا مؤقتًا للبلدية من بين أقاربه. من ناحية أخرى، كانت عائلة حفتر تتآمر لدعم قبيلة الحضور، فقامت بنقل عدد كبير من أبناء القبيلة من غرب ليبيا إلى درنة. كما دعمت عائلة حفتر قائمة انتخابية يقودها طلال الهنشير للانتخابات البلدية. إلا أن الاضطرابات القبليّة أعاقت إجراء تلك الانتخابات.
مع احتدام الصراع حول درنة، والذي تحوّل إلى العنف، سارعت عائلة حفتر وعقيلة إلى تهدئة الأمور. وأعلنت الحكومة المُكلفة من قِبل مجلس النواب تأجيل الانتخابات في سبتمبر لتجنب الصراع القبلي، كما عيّنت عبد المنعم الغيثي، أحد أبناء عمومة عقيلة صالح، رئيسًا مؤقتًا للبلدية.
لكن الحكم الذي صدر ضد الغيثي بالسجن في قضية الفيضان ترك المدينة بلا سلطة محلية، تحت هيمنة حفتر.
ومع عدم وجود من يتحدى سلطته، بدأت عملية إعادة الإعمار التي يقودها حفتر. وكانت وجهته الأولى إلى القاهرة، لتوقيع عقود مع شركات مصرية قريبة من الدولة المصرية لضمان عملية إعادة إعمار ناجحة وسريعة. ولم يمض وقت طويل قبل أن يبدأ بلقاسم في توقيع عقود مع مجموعة إبراهيم العرجاني. تم توقيع العقود الأولى مع العرجاني في 21 يناير لبناء 11 جسرًا في درنة وبنغازي وأجدابيا. وقّع بلقاسم هذه العقود بصفته مديرًا لصندوق إعادة إعمار درنة والمناطق الأخرى المتضررة من الفيضانات.

بعدها، وقّع بلقاسم عقودًا جديدة مع العرجاني في 6 يوليو، بصفته مديرًا لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، وبصفة العرجاني رئيسًا لمجموعة نيوم، لتنفيذ ستة مشاريع جديدة في درنة ومدن منطقة الجبل الأخضر. وتم توقيع العقد بحضور رئيس مجلس إدارة نيوم وزير الإسكان المصري السابق، عاصم الجزار.
خلال مراسم التوقيع التي جرت في بنغازي، بمقر صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، قال الجزار إنه تم تعيينه من قِبل الدولة المصرية والقيادة السياسية للإشراف على العمليات المصرية في ليبيا. وقدّر أن عدد الشركات المصرية العاملة في ليبيا في ذلك الوقت كان يزيد عن ألف شركة، وفقًا لتصريحاته التي نشرها صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا على صفحته على فيسبوك في 8 يوليو.
منح تعيين بلقاسم حفتر رئيسًا لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا غطاءً سياسيًا وشرعية لتحركاته، ما سمح له بالانضمام إلى شقيقه صدّام كمُحاور رئيسي مع القوى الأجنبية التي لها مصالح في ليبيا. وبدأت السفارات الأجنبية في التواصل مع بلقاسم حفتر، وخاصة السفارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإيطالية والألمانية، التي حاولت جميعها كسب ود نجل المشير من أجل الحصول على نصيبها من عقود إعادة الإعمار لشركات بلادها.
قام بلقاسم بأول زيارة دولية رسمية له في 25 يوليو إلى أنقرة، حيث التقى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، وناقشا التعاون الثنائي بين البلدين، بحسب ما أعلن صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا. ونشر الصندوق صورة واحدة من اللقاء دون أي تفاصيل أخرى.
وفي 11 أغسطس، توجه بلقاسم مع حماد إلى مدينة العلمين، حيث التقيا رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، لبحث زيادة مشاركة الشركات المصرية في إعادة الإعمار. من جانبها، اعترضت حكومة الوحدة الوطنية المُعترف بها دوليًا، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، على الزيارة بعد شهر من لقاء الدبيبة بمدبولي في المقر الجديد للحكومة المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، حيث اتفق الجانبان على سُبل مساعدة مصر في إنهاء أزمة الكهرباء.
حدد القرار الرسمي لإنشاء صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا عدة مصادر للتمويل، منها موازنة خاصة يقدمها الصندوق لمجلس النواب للموافقة عليها، ومِنح ومساعدات غير مشروطة، وقروض ومساهمات من مؤسسات محلية ودولية، وأي مصادر تمويل أخرى تتوافق مع التشريع المعمول به، إضافة إلى ما يُخصص للصندوق من الموازنة العامة، والاقتراض من خلال المصرف المركزي الليبي أو المصارف التجارية.
في المقابل، لا تُعرف طبيعة تمويل الجهاز الوطني للتنمية، التابع لصدّام حفتر. أشارت تقارير في وقت سابق من العام الجاري إلى أن عائلة حفتر تمتلك كميات هائلة من الأموال المُزيفة التي استخدمتها لتمويل عمليات القيادة العامة، وهو ما دفع المصرف المركزي الليبي إلى سحب فئة خمسين دينارًا من التداول. وقالت مصادر مُقربة من القيادة العامة لـ«مدى مصر» إن هذه الفئة النقدية استُخدمت لتمويل عمليات القيادة العامة، خاصة وأن حفتر كان يصرف مكافآت كبيرة للضباط والجنود العاملين معه في المناسبات الخاصة، والتي تجاوزت 20 ألف دينار للضابط الواحد، خلال عيد الفطر الماضي.
ورغم البيانات المالية الشهرية التي يُصدرها، لم يتطرق المصرف المركزي قط إلى موضوع إيرادات ونفقات القيادة العامة منذ بدء نشر تلك البيانات. لكن للمرة الأولى في يوليو، تضمن التقرير المالي الشهري للمصرف المركزي بندًا لنفقات عملية إعادة الإعمار، والتي بلغت أكثر من 900 مليون دينار (200 مليون دولار)، وهو ما يشير إلى أن المصرف يموّل صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا.
وفي الأيام التي سبقت ذكرى الكارثة، عقد بلقاسم اجتماعًا موسعًا مع نُخب درنة وممثلي الشركات العاملة في إعادة الإعمار بالمدينة، حيث أُعلن عن إطلاق مجموعة من المشاريع «الحيوية» التي ستُساهم في تحسين الخدمات العامة في درنة وتحسين نوعية الحياة لمواطنيها، مُشيرًا إلى إنشاء عدد من المؤسسات الصحية. وفي اليوم التالي، افتتح حفتر مسجد الصحابة برفقة عقيلة صالح، وافتتح كذلك مُجمع عيادات محمود الهريش، أحد المرافق الصحية الرئيسية في المدينة.
ولكن عندما سأل «مدى مصر» أحد أعضاء لجنة الأزمة في مدينة درنة عن حياة السكان بعد عام من الفيضان، انتقد المصدر التعويضات المُقدمة للأسر المُتضررة من الفيضانات في المدينة لأنها صغيرة ولا تُلبي احتياجات الأسر، مُشيرًا إلى أن 15 ألف وحدة سكنية تضررت بسبب الفيضانات، بالإضافة إلى وحدات أخرى غمرتها المياه بالكامل في وسط المدينة. وتم صرف تعويضات بقيمة 100 ألف دينار عن كل منزل لنحو أربعة آلاف أسرة فقدت منازلها بالكامل بعد أن جرفتها المياه، وهو مبلغ لا يكفي لشراء شقة صغيرة في المدينة، بحسب المصدر.
تقارير ذات صلة
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا
تمدد دور جاد الله ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر
من الصيد إلى السجن: كيف تبدلت أحوال «برج مغيزل»
القضية التي أخذت طابعًا سياسيًا في إطار الحرب على «الهجرة غير الشرعية» تسلط الضوء على أحوال القرية
سيف الإسلام القذافي: نهاية الأسطورة
مات سيف الإسلام والآمال التي كان الكثير منها نابعًا من الأسطورة التي عمل جاهدًا على بنائها قد تبددت
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن