تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سيف الإسلام القذافي: نهاية الأسطورة

سيف الإسلام القذافي: نهاية الأسطورة

كتابة: محمد أبو شلة، حازم ثروت، دانيال أوكونيل 14 دقيقة قراءة

أفلت سيف الإسلام القذافي من الموت مرتين.

الأولى في 2011، حين قُتل شقيقاه، سيف العرب وخميس، في غارات شنها حلف شمال الأطلسي (ناتو) استهدفت شخصيات في نظام العقيد معمر القذافي، الزعيم الليبي الراحل. كاد سيف الإسلام أن يلقى المصير نفسه أثناء فرار موكبه من مدينة بني وليد الليبية، معقل القذافيين التي سقطت في أيدي الثوار خلال تقدمهم. نجا وإن كان بيد ممزقة.

المرة الثانية كانت بعد أن ألقت ميليشيات الزنتان القبض عليه، بينما كان يرتدي زيًا بدويًا ويحاول الوصول إلى النيجر. حُكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص بتهمة التحريض على قتل المتظاهرين، ليقضي قرابة خمس سنوات في سجن بجبال الزنتان بعدما رفضوا تسليمه إلى سلطات طرابلس، وسط صراع المدن الليبية على الولاية القضائية والسيطرة والوصول إلى النفط، أكبر مصادر إيرادات الدولة. راوغ سيف الموت هذه المرة بفضل صداقته مع حارس سجنه عجمي العتيري، والذي رأى فيه «منقذًا»، وربما أداة للتلاعب بالتنافسات المتغيرة في الزنتان، ومع خليفة حفتر، رجل الجيش الوطني الليبي القوي، حليفه بالاسم آنذاك. في 2017، أُطلق سراح سيف الإسلام.

لكن حظ سيف نفد ليل أمس، الثلاثاء. قُتل في الزنتان، جنوب غربي طرابلس، حيث كان يتنقل كالشبح لسنوات طويلة، وحيث سُجن في السابق، وحيث أصبح رمزًا للحنين إلى ليبيا الموحدة قبل أن تعصف بالبلاد الانقسامات الفعلية الراهنة، والتآكل الاقتصادي الناجم عن الحروب الأهلية المتكررة.

ظهرت أنباء مقتله أولًا على وسائل التواصل الاجتماعي. كان فريق سيف الإسلام السياسي أول من نعى نجل العقيد، حيث كتب على فيسبوك أنه قُتل «إثر عملية اغتيال غادرة وجبانة نفذتها أيد آثمة في منزله بمدينة الزنتان». وأضاف البيان: «اقتحم أربعة ملثمين غادرين مقر إقامته وعمدوا إطفاء الكاميرات في محاولة بائسة لطمس جريمتهم النكراء، ليدخل معهم الشهيد في اشتباك مباشر ومواجهة بطولية، مقبلًا غير مدبر، حتى اختاره الله إلى جواره شهيدًا وشاهدًا على مأساة وطن».

وصف البيان مقتل سيف الإسلام بأنه «اغتيال لفرص السلام والاستقرار في ليبيا»، مؤكدين أن هذه الجريمة «لن تمر دون ملاحقة ومعاقبة كل من شارك في تدبيرها وتنفيذها». وطالب الفريق السياسي كل داعمي سيف الإسلام في أنحاء ليبيا بـ«ضبط النفس والتحلي بالحكمة والصبر»، والالتزام بمشروعه الوطني والثبات على مبادئهم للرد على القتلة.

ثم في وقت مبكر من صباح اليوم، أعلن النائب العام الليبي أن فريق تحقيق، برفقة أطباء شرعيين، زار مسرح الجريمة وعاين جثة المتوفى، مؤكدًا أنه قُتل بطلقات نارية. وأشار البيان إلى أن فريق التحقيق «أخذ في البحث عن أدلة الدعوى وتحقيقها، وتعيين حلقة المشتبهين بارتكاب الجريمة، وإمضاء الإجراءات التي تلزم إقامة الدعوى العمومية ضدهم».

عقيلة الجمل، رئيس المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة، قال لـ«مدى مصر» إن جثمان سيف سيُنقل إلى مسقط رأسه في سرت لدفنه، بعد وصول أفراد قبيلة قذاذفة لاستلام الجثة من الزنتان.

قصة سيف الإسلام، من هو قبل الثورة على نظام أبيه وكيف أصبح بعدها وحتى مقتله أمس، تمثل نموذجًا مصغرًا لحلقات الوحدة والانقسام التي دارت فيها ليبيا خلال 15 عامًا منذ اندلاع ثورة فبراير. كان سيف، الوجه الأكثر ظهورًا للقذافيين -أعضاء النظام السابق الذين انقسموا الآن إلى معسكرات متنافسة- يمثل أشياءً كثيرة. بالنسبة لجيل أصغر من أن يتذكر العنف الذي عاث به هو وعائلته، كان صعوده بمثابة طريق عودة إلى ليبيا موحدة. بالنسبة لأنصار حركة المقاومة الخضراء، والذين يتبنون الأيديولوجية السياسية للقذافي، كان سيف يمثل عودة إلى موقع الهيمنة بعيدًا عن سيطرة المعسكرات الليبية الأقوى الآن. وبالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى استخدام النظام السابق لدعم حملة الوحدة الوطنية، كان يمثل صوتًا قويًا للشرعية.

لكنه مات. الآن، كل هذه الآمال -التي كان الكثير منها نابعًا من الأسطورة التي عمل سيف نفسه جاهدًا على بنائها- قد تبددت. 

ظهر سيف الإسلام القذافي في المشهد العام في ليبيا، في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، وساعد على تدشين حملة لتحسين صورة نظام والده. قاد محادثات مع كبار مسؤولي النظام في 2004 أسفرت عن مصالحة مع القوى الغربية الرئيسية، بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا، بعد أن أقر نظام القذافي بالمسؤولية عن حادثة تحطم طائرة «بان أميركان» فوق بلدة لوكيربي في اسكتلندا، وتفجير طائرة «يو تي ايه» الفرنسية فوق النيجر أواخر ثمانينيات القرن الماضي، والتي تسببت في فرض حصار استمر أكثر من عقد على ليبيا.

بعدها قاد سيف الإسلام مشروعًا لإصلاح نظام والده أطلق عليه اسم «ليبيا الغد»، بدأ في 2006 بالمصالحة مع الإسلاميين، وتأسيس منابر إعلامية جديدة، وشرع في كتابة مسودة دستور بمشاركة خبراء من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وإنشاء «مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية» التي كانت تدير مجموعة من المنظمات المدنية، قبل أن ينتهي المشروع في ظروف غامضة في 2010 قبل أشهر قليلة من اندلاع ثورة 17 فبراير.

عندما اندلعت الثورة، كان بعض هؤلاء الإصلاحيين أنفسهم هم الذين خرجوا إلى الشوارع. محمود جبريل، على سبيل المثال، كان يترأس مجلس التخطيط الوطني في البرلمان والمجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، وعمل عن قرب مع سيف الإسلام. بعد الثورة ترأس جبريل مكتب العلاقات الخارجية للمجلس الوطني الانتقالي الثوري قبل أن يصبح رئيسًا للمكتب التنفيذي للمجلس. 

كانت هذه هي الفترة التي جعلت من سيف شخصية خلافية داخل التيارات القذافية بعد الثورة.

يقول عماد الدين بادي، الزميل الأول في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، لـ«مدى مصر» إن «شريحة كبيرة [من القذافيين] لم تغفر له قط أجندة 'التحرير' التي دفع بها في مطلع الألفية، ولا الإصلاحات المحدودة، ومساعي التواصل مع الإسلاميين وشخصيات من المعارضة التي قادها. وبالنسبة لكثيرين، يُنظر إلى هذا النهج بوصفه مقدمة مباشرة لانهيار النظام في 2011». 

لكن أيًا تكن الإصلاحات التي قام بها سيف الإسلام، فقد شكّلت الثورة نقطة تحول حاسمة له، إذ كان مصممًا، إلى جانب أشقائه ووالده، على قمع الاحتجاجات.

في الأيام الأولى لثورة فبراير، ألقى سيف الإسلام خطابًا في التلفزيون الرسمي، أثار جدلًا واسعًا، هدّد فيه المتظاهرين باستخدام العنف.

«نحن الآن نطالب، وكحل أخير ونهائي، قبل أن يفوت الأوان، ونحتكم كلنا للسلاح.. سنحتكم، خمسة مليون ليبي، للسلاح، ليبيا ليست تونس أو مصر. يا إخوان، نحن قبائل وعشائر، وسنحتكم جميعًا للسلاح، والسلاح أصبح الآن في متناول الجميع. بدل ما نبكي على 84 قتيل، سنبكي على مئات الآلاف القتلى. ستسيل الدماء، أنهر من الدماء، في كل مدن ليبيا. وأنتم سوف تهاجرون من ليبيا. البترول سيتوقف، والشركات الأجنبية بكرة ستغادر ليبيا، والأجانب سيغادروا ليبيا، وشركات النفط ستغادر ليبيا، ومؤسسات النفط ستتوقف. بكرة ماعدش فيه بترول، وماعدش فيه فلوس. مش هنلقو خبزة. اليوم ظرف الخبزة في البيضاء بدينار ونص، بعد أسبوع هيبقى بـ100 دينار، بعد سنة، هيبقى حق الخبز حق الذهب بليبيا. ولهذا، أتوجه إليكم، وللمرة الأخيرة، قبل أن نحكم ونحتكم للسلاح، كلنا كليبيين، إذا انفرط الأمر، ودخلنا في حرب أهلية وانفصال وفوضى عارمة، زي ما يريدون أن تحصل في ليبيا، قبل أن نحتكم لهذا، وقبل أن يضطر كل ليبي أن يحمل السلاح ويدافع عن نفسه وتسيل الدماء، أنا أقول: وإما استعدوا أيها الليبيين، للدخول في مواجهات وتقسيم ليبيا قطعة قطعة والدخول في حرب أهلية، وتنسوا فيه حاجة اسمها بترول، وتنسوا فيه حاجة اسمها غاز، سيتم تدمير أنابيب الغاز، والنفط. زي ما يحصل الآن في برقة، سيحصل في كل مكان في ليبيا. وأبناؤكم، تنسوا تعليمهم وصحتهم. لأن اليوم اللي صاير في برقة، في البيضاء، في الشحات، في بنغازي، شيء محزن جدًا».

غير أن المتظاهرين لم يتراجعوا، ليرد النظام بمزيد من التصعيد.

أرسلت عائلة القذافي «فرق موت» من مرتزقة أجانب ليجوبوا شوارع طرابلس، يطلقون الرصاص على مجموعات المدنيين ممن تجرؤوا على الخروج.

وفي 24 فبراير، أعلنت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان أن نظام القذافي «ينفذ استراتيجية الأرض المحروقة. ومن المعقول الخشية من أنه قرر فعليًا القضاء، إلى حد كبير، على المواطنين الليبيين الذين انتفضوا ضد نظامه حيثما أمكن، إلى جانب القمع المنهجي والعشوائي للمدنيين. ويمكن توصيف هذه الأفعال بوصفها جرائم ضد الإنسانية، وفقًا للمادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية».

وبعد بضعة أشهر، في يونيو 2011، صدر أمر بالقبض على سيف الإسلام.

عقب انهيار النظام، حاول سيف الفرار إلى النيجر، إلا أن مجموعة مسلحة من مدينة الزنتان ألقت القبض عليه قرب مدينة أوباري في جنوب غربي ليبيا، واحتجزته في الزنتان ورفضت تسليمه إلى مكتب النائب العام في طرابلس للمثول أمام القضاء. ولم يمثل أمام المحكمة سوى ثلاث مرات عبر الفيديو، قبل أن يُمنع لاحقًا من حضور الجلسات.

انتهت المحاكمة في 2015 بصدور حكم بإعدام سيف الإسلام.

في هذه الأثناء، كانت البلاد تشهد استقطابًا حادًا. إذ كان الجيش الوطني الليبي، بقيادة القائد العسكري السابق في عهد القذافي، خليفة حفتر، يوسّع سيطرته على مزيد من الأراضي، تحت مسمّى القضاء على خصومه من المجموعات الإسلامية.

بعد معركة طويلة استمرت ثلاث سنوات، بسط خليفة حفتر -الذي كان يصعد سريعًا كقوة مهيمنة في شرق ليبيا، لكنه ظل في صراع على النفوذ مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس- سيطرته الكاملة على مدينة بنغازي.

غير أن جماعات في أنحاء ليبيا كانت تنظر بعين الشك إلى مساعي الجنرال لتكريس نفوذه.

كان من بين هذه الجماعات كتيبة «أبو بكر الصديق» في الزنتان، والتي كانت تتولى احتجاز سيف الإسلام. فعلى الرغم من انضوائها شكليًا ضمن قوات حفتر والمجلس العسكري للزنتان، إلا أنها اتخذت قرارًا غير مفهوم بالإفراج عن سيف الإسلام في 2017.

قالت الكتيبة إنها أطلقت سراح سيف الإسلام بناءً على طلب الحكومة الانتقالية التي تتخذ من شرق ليبيا مقرًا لها، والتي كانت قد عرضت العفو عنه في وقت سابق.

غير أن هذه الخطوة قوبلت باستنكار شديد من المجلس العسكري للزنتان الذي أمر بحل الكتيبة.

شكّل الإفراج عنه بداية فصل جديد في مسيرته. فمنذ 2015، قبل إطلاق سراحه، وصولًا إلى 2021، ظل سيف الإسلام يتواصل مع الليبيين بشكل أساسي عبر فريقه السياسي أو من خلال خطابات مسجلة وبيانات مكتوبة، لكنه نادرًا ما ظهر إلى العلن. اقتصر حضوره العلني على مرتين، عبر صور ومقاطع فيديو التُقطت له في الصحراء الليبية.

خدم ابتعاده عن الأضواء أكثر من غرض.

فمن جهة، كان لا يزال يواجه خصومات محلية عديدة، إذ رأى كثيرون في الإفراج عنه سخرية من العدالة وإهدارًا لها في حق المتظاهرين الذين قُتلوا على يد عائلته خلال الثورة، ما جعل خطر الانتقام الفردي أمرًا غير مستبعد. وفي هذا السياق، تولى عناصر سابقين من «أبو بكر الصديق»، الكتيبة ذاتها التي تولت احتجازه سابقًا، مهمة تأمين حمايته. قال العتيري للصحافة في 2022، متذكرًا بمودة أسيره السابق، إن سيف الإسلام «كان قد نما لديه شغف بالتخييم والرحلات الليلية في الصحراء، إلا أن وقت فراغه الآن يقتصر على الصيد والقراءة».

من جهة أخرى، مثّل سيف الإسلام تهديدًا لفاعلين محليين آخرين، ولو على نحو رمزي إلى حد كبير، في ظل استمرار قطاعات من حركة المقاومة الخضراء في النظر إليه بشكل أو بآخر، فضلًا عن تمتعه بقدر من القبول أو الدعم الدولي.

يقول بادي إن «شريحة [من القذافيين] إما بقيت ملتزمة أيديولوجيًا بعائلة القذافي، أو كانت براجماتية بما يكفي لإدراك أنه الشخصية الوحيدة القادرة على 'إنقاذ' شبكات عهد القذافي من دون إجبارها على الخضوع للفاعلين القائمين في المشهد الحالي».

فتح فشل «الوطني الليبي» في حربه على طرابلس عام 2020 فصلًا جديدًا من المرحلة الانتقالية السياسية، قادته حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن تفويض جديد، والتي كان من المفترض أن تقود البلاد إلى انتخابات رئاسية بحلول نهاية 2021.

وفي الفترة التي سبقت الانتخابات، سادت تكهنات واسعة حول احتمال ترشح سيف الإسلام، مع حديث عن إعداده من قبل روسيا.

نقلت «بلومبرج» في 2020 أن يفجيني بريجوجين، المقرب حينها من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين وقائد مجموعة «فاجنر»، أوفد مستشارين للعمل إلى جانب سيف الإسلام، وأن بعض الدبلوماسيين الغربيين بدأوا ينظرون إلى رموز النظام السابق باعتبارهم لاعبين محتملين في المستقبل.

أضاف بادي أن «سيف الإسلام احتفظ بقيمته كخيار احتياطي لموسكو، لا سيما في ظل الحذر الروسي المستمر تجاه حفتر بسبب علاقاته بالولايات المتحدة وتاريخه مع وكالة الاستخبارات المركزية وحمله الجنسية الأميركية». وتابع أن «الأهم من ذلك أنه كان يتمتع ببقايا جاذبية شعبية يفتقر إليها كثير من فاعلي الأمر الواقع، غذّتها مشاعر النوستالجيا، وغيابه الطويل عن المشهد، والطابع الشبابي للمجتمع الليبي، ما جعله شاشة إسقاط مناسبة لشرائح سئمت النخب المتجذرة».

ومع ذلك، فإن الرهان الروسي في نهاية المطاف انصب على شبكات القذافيين وليس سيف الإسلام بذاته، ولا سيما في أعقاب الانتكاسة الكبرى التي مُني بها حفتر إثر فشله في السيطرة على العاصمة.

بعد 2020، جرى استيعاب عدد كبير من القذافيين داخل الكتلتين المهيمنتين على الحكم في البلاد. فقد ضمهم عبد الحميد الدبيبة إلى حد كبير عبر شبكات الأعمال والسياسة في مرحلة ما بعد 2020، بينما استوعبهم خليفة حفتر أكثر من خلال الشبكات العسكرية وشخصيات سابقة في جهاز الاستخبارات، وإن كان حفتر كان قد بدأ استيعاب القذافيين في وقت أبكر بكثير، عند إطلاقه عملية «الكرامة»، الحملة الواسعة ضد الإسلاميين التي بدأت في 2014. 

يقول بادي إن «المنطق الكامن في الحالتين تمثّل في إدماجهم ضمن هرم السلطة القائم، مع طموحات ضمنية للهيمنة على تلك الشبكات وإخضاعها، لا تمكينها كفاعلين سياسيين مستقلين»، مضيفًا أنه «بالنسبة إلى مكونات المقاومة الخضراء، ظلّ احتمال صعود سيف الإسلام إلى السلطة يومًا ما شيئًا يرنون إليه، باعتباره مسارًا يتيح لهم أن يكونوا في موقع السيطرة، لا الخضوع، ضمن النظام السائد».

وعندما قرر سيف الإسلام تقديم أوراق ترشحه لانتخابات 2021، احتشد كثير من القذافيين خلفه. «تم استغلال هذا الدعم من خلال اسمه، وأحيانًا من خلال الادعاء بتمثيله، بوصفه وسيلة لتأمين الاعتراف والمقاعد لمكونات عهد القذافي داخل مسارات الحوار السياسي ومنتديات المصالحة».

لكن سيف الإسلام كان هو الآخر يزيد من تفخيم صورته. في مقابلة مطولة مع «نيويورك تايمز» نُشرت في 2021، رافقتها صور درامية الطابع لابن الديكتاتور السابق، جرى تقديم سيف الإسلام في صورة العرّاف، مع إعادة تأطير خطابه المتلفز في 2011 عن «أنهر الدم» بوصفه نبوءة بما ستؤول إليه ليبيا.

سيف الإسلام القذافي في مقابلة مع «نيويورك تايمز»

ومع ذلك، لم يكن ترشح سيف الإسلام في جوهره يتعلق بشخصه، ولم يكن السبب في النظر إليه باعتباره تهديدًا.

يقول الباحث هشام الشلوي لـ«مدى مصر» إن شهرة سيف الإسلام «ليست بسبب أن لديه تيار أو قوة سياسية».

يرى بادي أن قوته كانت تنعكس في قدرته على «سحب مكونات من المقاومة الخضراء من فلك [حفتر والدبيبة]، وإعادة تشكيل هرم بديل من المحسوبية خارج سيطرتهما. وكان عنصر الشبكات مهمًا بحد ذاته»، حتى وإن تعزز بسماته الشخصية، مثل انتهازيته، وتعامله الانتقائي مع الإعلام الدولي، وإشاراته إلى استقلاله عن نخب باتت فاقدة للمصداقية»، يقول.

وفي نهاية المطاف، لم تجر الانتخابات التي كانت أصلًا بعيدة الاحتمال. وظل سيف الإسلام يتنقل في الجبال، مادة للتكهنات والخيال.

قبيل مقتله، كان دور سيف الإسلام قد تراجع إلى حد كبير. يقول الشلوي إنه «ليست لديه قوة أو أنياب يستطيع من خلالها أن يكون رقمًا في المعادلة السياسية والأمنية والعسكرية الليبية التي انحسرت مؤخرًا بين طرفين: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، المدعوم من أكبر قوة عسكرية في المنطقة الغربية ممثلة في مدينة مصراتة، والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر التي تسيطر على شرق وجنوب ليبيا، ولديه قوات مدججة بالأسلحة الثقيلة ودعم خارجي وازن».

خلال الأسابيع التي سبقت مقتل سيف الإسلام، كانت الأوضاع الأمنية في الزنتان بدأت تحيد لتصبح معادية له. ففي 9 يناير الماضي، أصدر مخاتير محلات بلدية الزنتان بيانًا محذرين فيه «كل من يمثل أو يدعم سيف الإسلام القذافي دخول مدينة الزنتان، وتتحمل الجهات والقبائل الداعمة لهم كامل المسؤولية القانونية عن أي تبعات تترتب على ذلك».

بيان مخاتير الزنتان.

وتبع ذلك بيانات لعبد الله ناكر، رئيس حزب القمة، المنحدر من الزنتان، والذي تربطه علاقة متنامية مع الدبيبة، دعا فيها إلى إلقاء القبض على سيف الإسلام.

قد تكون هذه الأجواء العدائية قد أدت إلى تغيير في طاقم الحماية الخاص به، إذ أفاد مصدر في مكتب النائب العام لـ«مدى مصر» بأن سيف الإسلام لم يكن برفقة حراسه المعتادين ليلة الثلاثاء، حين تعرّض منزله للهجوم.

يقرأ الشلوي سهولة مقتله بوصفها مؤشرًا على أن روسيا تخلت عنه، بعد أن كانت قوات «فاجنر» قد وفرت له الحماية لفترة، وسهلّت تنقله من الزنتان إلى سبها.

أما عن دلالات وفاته، فيتفق كل من بادي والشلوي على أن مقتله يعني على الأرجح تفكك حركة المقاومة الخضراء.

«أتوقع انفراط عقد الملتفين حول سيف القذافي، سواء الغاضبين من ثورة فبراير أو الذين رأوا أن مصالحهم السياسية والاقتصادية يمكن أن تتحصل من خلال سيف»، يقول الشلوي، «سيذهب هؤلاء في اتجاهات متعددة ومختلفة، لأن ليس لديهم تكتلات سياسية أو حركات اجتماعية كبرى تستطيع بمجرد وفاة المؤسسة أو غيابه أن تستمر. كل العملية مرتبطة بأشخاص إلا إن كان هناك استثمار دولي ضخم كما يحدث في حالة حفتر في شرق ليبيا».

بالنسبة إلى أحمد حمزة، رئيس المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان، فإن مقتل سيف الإسلام قد يعرقل الجهود الدولية الرامية إلى إعادة توحيد ليبيا. «أنصار النظام السابق كانوا منخرطين في العملية السياسية في جنيف، والآن في الحوار المهيكل ضمن العملية الجديدة للبعثة الأممية، وكذلك في مسار المصالحة الوطنية الذي يرعاه الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة»، يقول، «كنا نحتاج إلى استثمار شخص القذافي للتأثير على أنصاره وأنصار النظام السابق لدعم المصالحة والسلم الوطني بما ينعكس إيجابًا على الحالة العامة في ليبيا وأن يكون لهم دورًا إيجابيًا في الوصول إلى تسوية».

إلا أن أمرًا واحدًا بات واضحًا. «سيف الإسلام أسطورة انتهت»، يقول الشلوي، «وانتهى معه التيار الذي كان يلتف حوله».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن