آجي أتعتع.. يقوم مخبوط
في عز ما كانت النفوس منشرحة، والآمال متفجرة في دنيا جديدة، عام 2011، خرجت من كل فج عميق -بالتوازي مع شعارات السياسة وأغاني أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام- أصوات حماسية تكتب الشعر، مقلدة ميراث شعر العامية المصري، مستخدمة تراكيب استهلكت، وألفاظ محفوظة، خاوية من معنى عميق أو تجربة حقيقية. في عز هذه المعمعة، برز ميدو زهير، الذي كان مندمجًا سابقًا مع أوساط مغنيي الأندرجراوند، بعدما غنت له فرقة بلاك تيما، قصيدته «أزرق»، والتي ألقاها أحمد حلمي في مسلسل «الجماعة».
في هذا التوقيت جاءت لميدو فرصة التحدث عن فلسفته لكتابة الشعر، وقدمها بحدة واعتداد بالنفس في لقاء تلفزيوني قائلًا: «أنا عيني ع الناس… واللي بيعمل غنا بيروح للناس»، الشاعر لازم يبقى ضمن الجموع، لازم يخرج من ماهيته، «اعتبر نفسك ضمن الشيوع». بردوده البسيطة، يطرح ميدو فلسفته في الكتابة، فهو الفنان المرتبط بالناس وقضاياهم. هو المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي.
(شاهد: 7:04)
يِمكن، مع هذه الفلسفة، التي عبّر عنها زهير بوضوح في لقائه، التي تجنح نحو الناس، فإننا، نتوقع منه أن يصير امتدادًا لشعراء سبقوه من أجيال أخرى، يحملون القضية الاجتماعية أو السياسة، ويخبئون ذواتهم الخاصة، منكرين لها، أو ببساطة، يعتبرون إظهار الفردية ضعفًا، يصيب الشعر. لكن تبرز جمالية شعر زهير من هنا، أنه لا يتخلى عن فرديته، لكن أيضًا يتوجه نحو الجماعة.
عَلمني الدَبح مامشيش ف قَطِيع
وإن قالوا بَيان لاَ سمَع ولا طِيع
أصل الجزار لو ليه أفكار
هتكون فـ سياسة التقطيع.
هنا تلفت تجربة زهير الشعرية الانتباه؛ لقد فَضَّل أن يكون في هذا الموقع، بين الفردانية والهم العام، وحلَّ هذه المعضلة، بتفريقه بين أسلوب الفنان وسؤاله. فزهير يلعب باللغة، ويلونها، ليخلق بها فلسفته الخاصة عن الحياة. فهو مثل أسلافه فؤاد حداد وعبد الرحيم منصور ونجيب سرور، يتعامل مع اللغة العامية باعتبارها ليست مجرد أداة لإنتاج الشعر، لكنها أيضًا فلسفة ومعنى مرتبطين بأسئلة كبرى. وهذا في حد ذاته سؤال ثوري يطرحه عن الفن، بجعل اللغة نفسها بطلًا صعلوكًا ومغامرًا للعمل الأدبي.
هو بأسلوب كتابته، يعتبر نفسه جزءًا من الجماعة، وذاته حاضرة في القصيدة، ويتعامل مع اللغة ومع نفسه -الفنان- كغنيمة من التهميش، لأن السلطة همشته فاقتطعته خارج الوجود الإنساني، شيَّئته، وجعلته بلا معنى أو أهمية، لم يكن له حل، إلا أن يترك نفسه للشِعر ليصطاده، لينجو أو ليستطيع المضي قُدمًا.
هذا التهميش هو فقدان الإنسان جزء من ذاته وعجزه عن تعويض آخر، حسب تعريف علم الاجتماع السياسي. هو إذًا ينطلق في قصيدته من هذا التناقض، من ذات في حالة فقدان فردية مستمرة، بسبب السلطة، سلطة الحكام والنخب، سلطة الدين والمجتمع. متجهة ناحية رغبة شِعرية مستمرة في المقاومة، مقاومة السائد. هو إذًا مفقود من الجميع، وضد الجميع، لكنه، بشعره يضحي بنفسه لأجل الجميع.
مَضغوط
ومهما أفِرّ
برضك أعُود
فـ وشي ضحكة م السَكَة
وفـ قلبي كلام مربوط
أجي اتكلم يخوني الصوت
أجي اتعتع أقوم مخبوط
وتِتَانِك
وتتفَزلِك
وتتنطط عليَّ قرود
وناس تكتم فـ أنفاسي
لحد ما حِس إني هاموت
وناس تِخرِب فـ إحساسي
وتفرقع فـ قلبي بارود
بقيت مـ الولعة فـ شعور
بَمَثِل إني عندي برود
بقيت بهرب بدون مجهود
بقيت بَخرَب بدون مَجهود
بقيت فاقد
لأني من زمان مَفقود
رغم أن قصائد زهير، تنشد معاني مجردة، مُتفَكَّر فيها، مثل الحق والجمال والإيمان والإنسان وغيرها، فإنه لا يدخل إلى قصيدته، من موقع الفنان المفكر، الذي يتخذ مسافة من نصه، لكنه يكتب من موقع المغامر، ليس بمنطق أن الفنان الحقيقي هو من يُفكر مثل فيلسوف ويخلق مثل طفل، لكن بمنطق أن القصيدة ليست الفكرة التي جالت في عقل الفنان، بل هي ما حدثت له في أثناء الكتابة، أو بالمعنى الذي طرحه الفيلسوف هربرت ريد بأن «الفن هو عملية تكوّن داخلي للإنسان نفسه. لذلك، الفنان المغامر ليس مجرد مجرّب، بل كائن يكتشف ذاته من خلال الفعل الفني». فهو يُشَغِّل الحدس ويترك نفسه لطاقة الخَلق، التي في كينونتها تحمل مسؤولية الفنان عن الكلمة التي ينطق بها. ويذهب بنفسه إلى مغامرة الشعر المبهمة والمؤثرة في آن.
ويمكن لهذا السبب، ومن هذا الطريق، لا تمنع نفسك، حين تسمع أشعاره، بأن يساورك الإحساس بأن هناك صيدًا مخفيًا، فريسة مدماة، تختبئ بين طيات الكلام، بين الصوت الذي يغني وبيننا نحن الذين نسمع. هذا الأثر الذي يتركه كفنان، هذا الصيد هو الفنان نفسه.
تدوَّر وترجع، وجع واعتكاف
وتطبق عليك السنين العجاف
وأول ما حبك يقابلك، يسيبك
وأول ما حبك يسيبك، تخاف
صنعت سجنك مـ الهوا
ودخلته بإرادتك
واديِّت حبيبك نفسك
ما سألت فين حطك
واكمن كله آذاك
قررت تعشق ملاك
ياللي عشقت الملاك
حتى الملاك صدَّك
من باب المغامرة والتضحية بالنفس داخل الشعر، يكتب زهير عن السياسي والمجرد، يستخدم فرديته، ووجوده كإنسان، ليدخل من الخاص إلى العام. ففي مطلع الأغنية نسمع أناه الفردية يعبّر فيها عن مشاعره وأفكاره الذاتية الخاصة، المنغمسة في الداخل. ثم يحولها إلى أنا جمعيّة، إلى «نحن» تشمل الجميع، وتخص كل مستمع، بحيث تصبح الكلمة ليست مجرد بكاء، لكن صوت جماعي محتج على السلطة أو غاضب عليها أو ساخر منها.
لا يكتب زهير عن السياسي لأنه يدعي البطولة الشعرية، أو التراجيديا، لا يدعي نبوة الشعراء. بل، يمكن لأنه يدرك، أن وجود الفنان السياسي لا ينفصل عن وجوده الفردي. لذلك فهو المغامر الذي لا يخجل، من دخول القصيدة من موقع الضعف أو من موقع الذكورة الهشة، المُتعَبة من زمن ثقيل، والممتلئة بحب الحياة والفن.
تقارير ذات صلة
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
إلى حسني سليمان
بضع كتب، على قدر اتساع الرسالة، لا تغطّي طبعًا ما نشرته «شرقيات» من 1991 إلى 2017.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن