ياما في السجن| الزيارة: دفء السجن وخواءه
«ياما في السجن» هي سلسلة نصوص يكتبها، عبدالرحمن الجندي، بالتركيز على جوانب مختلفة عن تجربة السجن، التي استغرقت من حياته أكثر من ست سنوات، بدأها في 6 أكتوبر 2013، حين كان في السابعة عشر من عمره، وحتى خروجه في 13 يناير 2020.
في 6 أكتوبر 2013، تغيرت حياتي إلى الأبد. كانت عشية أول يوم لي كطالب هندسة في الجامعة الألمانية بالقاهرة، عندما اعتقلت في سيارتي من قبل الشرطة المصرية لتصوير مسيرة سلمية، ومعي والدي الذي أصر على مصاحبتي متخيلًا أن وجوده سيحميني من الوضع الأمني المقلق وقتها. كان عمري سبعة عشر عامًا فقط، قاصرًا كنت، ومع ذلك تم محاكمتي بالخطأ مع البالغين، وحُكم عليّ بالسجن المشدد خمسة عشر عامًا، نفّذت منها ستة أعوام وثلاثة أشهر.
لقد حظيت بنصيب لا أحسد عليه من التجارب المفجعة في السجن، ولكن أشدها عليّ وطأة وأدفأها -للعجب- في الوقت ذاته كانت دقائق الزيارة.
لا يمكنني نقل أو تفسير ما شعرت به تلك اللحظات بشكل كامل، لا يسعني إلا أن آخذك لتعيشها معي مرة أخرى، زيارة تلو الأخرى.
***
دفنت نفسي بين ذراعي أمي. لم تكن رائحتي لطيفة بالمرة؛ لم أتمكن من الاستحمام منذ أسبوع.
لم أصدق نفسي عندما نادوا أسماءنا متبوعة بصيحة «زيارة» منذ دقائق. دفعت الأجساد المكدسة حولي وفوقي، وحاولت ألا أسحق الرأس المحشورة تحت مرفقي بينما أتكئ لأنهض. كنت أنام مستندًا على صدر والدي، مضغوطين معًا في زاوية الزنزانة. دفع هو الآخر بقية السجناء النائمين عنه، وساعدته على النهوض.
أيمن، الصديق الوحيد الذي تعرفت عليه هنا في اليوم الأول، أشار لي متمنيًا حظًا سعيدًا.
مشينا على أطراف أصابعنا متقافزين عبر الزنزانة، محاولين ألا نطأ رأس أي شخص أو بطنه بالخطأ، هذان أكثر عضوين يؤلمان عند دهسهما. استهدفنا الأيادي والأقدام قدر ما استطعنا. عند اقترابنا من باب الزنزانة، صرخت بأننا جاهزان. انفتح الباب محدثًا ضجيجًا عاليًا للسماح لنا بالخروج لأول مرة منذ أسبوع. قضينا أسبوعًا كاملًا نتعفن مع 64 سجينًا آخر في زنزانة صغيرة مساحتها أربعة في خمسة أمتار داخل معسكر السلام للأمن المركزي.
ظلت أمي تبكي وهي تعتصرني في عناقها بلا توقف، أشعر بالدموع تتسرب إلى قميصي البالي وتبلله، فأبكي أيضًا. لم تخفف أمي شدة عناقها. لم تكترث أبدًا للمزيج النتن من رائحة العرق والأوساخ ودخان السجائر.
«أنا آسف... آسف... آسف…» بقيت أكرر، وهي تبكي.
نجلس على طاولة معدنية صدئة، وأدير إصبعي على السطح الخشن مستشعرًا وخزه، بينما تمطرنا هي وعمتي بوابل من الأخبار فوق استيعابنا: لقد تم طمأنتهم بأننا سنخرج. كان هذا كله خطئًا غير مقصود. اتصلوا ببعض الشخصيات. كان صديقي يعرف شخصًا ما بدوره يعرف شخصًا ما. اعتصم زملائي في الكلية في الحرم الجامعي في الأسبوع الأول بعد اعتقالي.
تمتلئ عيناي بالدموع. كان من المفترض أن يكون هذا أسبوعي الأول كطالب جديد في الكلية. تأثرت كثيرًا بما فعلوه وهم لا يعرفوني حتى.
امتدت أذرعٌ خشنة تمسك بكتفي ثم كتف أبي. بكت أمي، فبكيتُ، وبكت عمتي. تتوسل أمي أن تعانقني للمرة الأخيرة، لكنهم يقولون إن الوقت انتهى. ألوّح لها، فتلوّح، نواصل التلويح حتى اللحظة الأخيرة. يجرونني من الخلف، ويدفعونها بعيدًا. ألوّح وألوّح بشدة حتى يختفي آخر إصبع من يدها وراء باب الزيارة، ولا أعود أراها.
***
يقهقه أيمن وهو يشاهدني أحلق ذقني بغشامة عكس اتجاه بصيلات الشعر في مرآة الحمام الصغيرة.
«بتضحك على إيه! بيقولوا كده بتتقل أسرع، لسه فيها حتت فاضية كتير»، أقول مدافعًا.
يضحك بصوت أعلى، ثم «ينعكش» شعري ويترك الحمام. مرت ثلاثة أشهر منذ أن التقينا للمرة الأولى، وأصبحنا أصدقاء مقربين. أيمن أكبر مني بسنتين فقط، لكن يبدو أن الجينات المسؤولة عن شعر ذقنه تعمل بكفاءة أكبر.
أتأوه عندما أجرح نفسي، وأشاهد خطًا أحمرَ رفيعًا يظهر فوق ذقني ويزداد سمكًا. أراقبه حتى يمر إحساس الحرقان المألوف. تتحرك ستارة الحمام المجاور لي -بطانية ميري معلقة على المدخل- ويخرج والدي. يحثني على الانتهاء بشكل أسرع: خد دش والبس بسرعة! اتندهنا زيارة!
طقوس الزيارة الأسبوعية: أستيقظ في الصباح الباكر، أغسل أسناني، أحلق (أو أتظاهر بذلك)، أستحم، أرتدي ملابس التحقيق البيضاء، أرش بعض الكولونيا المهربة، ألتقط كيس الغسيل المتسخ، وأتربع بجانب باب الزنزانة منتظرًا.
في اللحظة التي أسمع فيها أسماءنا تُنادى مرة أخرى لنقف جاهزين بجانب الباب، أقفز من مكاني بابتسامة عريضة تملأ وجهي: سأرى أسرتي الآن.
اعتدل من عناق أمي القوي، وألتفت إلى أختي الصغيرة البالغة من العمر 16 عامًا وأخي ذي العشر سنوات.
ألقي ذراعي حول كتفي أخي وأسأل عن الأشهر القليلة الأولى له في الصف السادس الابتدائي، أستمع إلى أختي وهي تصف معاناتها في المدرسة الثانوية. تحتضنني أمي، لا تكسر تلامسنا طول الوقت أبدًا. وجهها متورّد: تعاني أمي من ضيق شديد في صمام القلب يمنعها من المشي لمسافات طويلة، أو صعود السلم، أو الوقوف في الحر، أو بذل أي جهد غير ضروري. أشعر بذنب شديد بينما أشاهد ابتسامتها وهي تحاول إخفاء تألمها. يُجبرونهم على الانتظار في طابور خارج السجن لأكثر من خمس ساعات تحت شمس الظهيرة العاتية، حاملين حقائب بلاستيكية ثقيلة عديدة مليئة بالملابس والطعام والكتب لي ولأبي.
أتجه إلى عائلة أيمن وأنغمس معهم في محادثة دافئة، واحدة من أجمل العائلات التي قابلتها على الإطلاق.
دوت دقات مفاجئة كالرعد على الباب عبر قاعة الزيارة، وبدأت الأذرع في سحبنا بعيدًا عن الدفء. أتقدم للأمام وازمجر إني سأعانقهم مرة أخيرة. أعانق أمي بإحكام مرة أخرى. تبكي، فأبكي.
هذا يكفي، تظهر الذراعان مرة أخرى وتقبض على كتفي. يد تمسك بكتف: سينطبع هذا المشهد في عقلي كتجسيد انعدام الحرية في السجن.
ألوّح لها، فتلوّح، نواصل التلويح حتى اللحظة الأخيرة. يجرونني من الخلف، ويدفعونها بعيدًا. ألوّح وألوّح بشدة حتى يختفي آخر إصبع من يدها وراء باب الزيارة، ولا أعود أراها.
***
أرتدي سترة السجين المحكوم الكحليّة، قام بتفصيلها على مقاسي مسجون جنائي في عنبرنا يعمل ترزيًّا.
كان المنتج النهائي مدهشًا في جودته كونه نفذ عمله كله بخيط وإبرة لا غير.
اليوم هو 12 ديسمبر عام 2015، عيد ميلادي العشرين. أرش العطر الذي استعرته من أيمن فتملأ الرائحة أنفي وأشعر بها تجوب أنحاء جمجمتي: تعيدني لرائحة العشب المقصوص حديثًا في ساعات الركض في الصباح الباكر بمدينة الرحاب. جلست مقرفصًا أمام الحمام الصغير. الزنزانة مكتظة عن آخرها: نحن 27 سجينًا في مساحة لا تكاد تتسع لـ 15. ننام في صفين على الأرض، أجسادنا عبارة عن أطراف متشابكة لأن الزنزانة لا يتجاوز عرضها ثلاثة أمتار ونصف المتر. أرى والدي مستندًا إلى الحائط مقوس الظهر، يحدق في الخواء، مساحة نومنا المشتركة التي يبلغ عرضها 60 سنتيمترًا بالكاد تحتويه. يضرب وحش الذنب القميء أحشائي فينهشها بلا رحمة، تاركًا إياها مشوهة إلى الأبد. أقاوم الدموع المهددة بالنزول. مرت سنة وثلاثة أشهر منذ أن حكم على قضيتنا بالسجن المشدد 15 سنة، وتم نقلنا بعدها إلى هذا الكابوس الخارج من الجحيم: سجن وادي النطرون.
بعد دقائق، نقطع الممرات القاتمة خارجين من العنبر إلى ضوء الشمس الناعم الذي لا نراه الآن إلا مرة واحدة كل أسبوعين، هي الفترة بين زيارات السجناء المحكوم عليهم.
نمر عبر باب الزيارة الحديدي، فأراهم في الزاوية البعيدة. والدتي تحمل كعكة وتنادي: «كل سنة وأنت طيب يا حبيبي!» وأنا أقترب. تضعها على المقعد بجانب أختي وتجذبني في عناق حار. أطلت البقاء في أحضانها مستغرقًا في الدفء. تتراجع وتمسك وجهي بين يديها.
«عشرين سنة!»، قالت وهي تمسح أصابعها على الذقن الخفيفة على وجهي وعيناها تنهمر بالدموع. أشعر بعينيّ تتلألأ أيضًا، فأتظاهر بالضحك وأشكرهم على الكعكة.
اسأل متعجبًا: «دخلتوها إزاي ديه!»
يتحول تعبير والدتي لآخر أكثر حزنًا وتشرح بتردد كيف سمحوا لها فقط بإحضار الكعكة لتريها لي، لكنهم رفضوا تمامًا أي احتمال لأن آكل منها أو آخذها معي. تخبرنا أختي كيف انتقلت من ضابط إلى آخر، تتوسل إليهم للسماح لها بعمل هذه المفاجأة الصغيرة لي، حتى وافق أحدهم على مضض ولكن بتلك الشروط: لا أكل.
ابتسم. تنتفض عروقي بالغضب. ينبض رأسي. أرتجف من البغض الخالص الذي يندفع خلالي، الغضب الذي يجعلني أستمر. غضبي أرجواني قبيح، يلطخ رؤيتي، ضبابيٌّ حول الحواف.
ابتسم.
تنتهي الزيارة التي لم تتخط عشر دقائق، بالكاد نتحدث كالمعتاد، لكني مررت لها كومة الرسائل المخفية التي هربتها من زنزانتي، وفي نفس الحركة آخذ الرسائل الواردة منها، وأخفيها بسرعة داخل سروالي: طقوس زيارتنا الثابتة منذ أكثر من عام الآن... خدمة بريد سرية.
أضع ذراعي حولها في عناق شديد. إعادة الشحن للأسبوعين المقبلين. أشعر بالبرد في صدري يتبدد قليلًا.
«هتوحشيني» أهمس بينما تأتي الذراعان إياهما لانتزاعي بالقوة، ينسج البرد نفسه حول قلبي مرة أخرى، مجمدًا إياه كلوح ثلج. ألوّح لها، فتلوّح، نواصل التلويح حتى اللحظة الأخيرة. يجرونني من الخلف، ويدفعونها بعيدًا. ألوّح وألوّح بشدة حتى يختفي آخر إصبع من يدها وراء باب الزيارة، ولا أعود أراها.
***
قلبي يدق بعنف، وكأنه يحاول كسر قفصي الصدري. يتقاتل الغضب والفزع على زمام عقلي، ولا أدري أيهما سيناله، لكن جسدي دليل على صراعهما المحتدم: الدم المندفع لرأسي، الغثيان، النقاط السوداء الراقصة أمام عيني، قبضتي المشدودة، والدوي الهادر في صدري.
والدتي مستلقية على مقعد الزيارة فاقدة للوعي، يصرخ الناس المجتمعون حولها الكليشيهات المعتادة: محدش يقرب! النفس يا جماعة النفس!
طلبت منها ألا تأتي لزيارتي لمدة شهرين على الأقل أثناء وجودي هنا في سجن استقبال طرة، حيث أخوض امتحانات العام الثالث في هندسة الميكانيكا بجامعة عين شمس. نحن في رمضان، وهي صائمة.
توسلت إليها، لكنها أصرت.
أشعر بتنميل في جلدي وخَدَرٍ ينتشر ووخزات إبَرٍ على امتداد جسدي.
قبل ثلاثة أيام فقط، كانت أمي تزور والدي في السجن الجديد الذي نُقل إليه -طرة شديد الحراسة 2- مع العديد من أعضاء قضيتنا. رفضت محكمة النقض طعننا النهائي في وقت سابق من هذا العام، وأصبح الحكم بالسجن لمدة 15 سنة باتًا نهائيًا غير قابلٍ للطعن عليه. نحن في عام 2016: باقٍ 12 عامًا أخرى.
تحولت حياة والدتي إلى زيارة كبيرة لا تنتهي. لمدة عام الآن، كل ما تفعله هو الاستعداد لزيارتي، الطهي لحوالي ثلاثين سجينًا، الوقوف في طابور لخمس ساعات حاملة حقائب تزن طنًا، رؤيتي. العودة إلى المنزل للتحضير لزيارة والدي، والطهي لثلاثين سجينًا آخرين، ثم تقف في طابور في سجن آخر لخمس ساعات أخرى، حاملة حقائب أخرى تفوق سابقتها ثقلًا، ثم تدور الكَرَّة وتبدأ من جديد. حلقة لا نهاية لها من العذاب أستطيع أن أراها تنهش في صحتها الهشة بالفعل. والآن تحقق أسوأ كوابيسي، لقد انهار جسدها.
«ماما؟ إنتي كويسة؟» أهمس وأسمع همهمتها بهدوء وهي تحاول أن تطمئنني.
أرتجف. أخي البالغ من العمر أربعة عشر عامًا، والذي أصبح في طولي تقريبًا، يبدو عاجزًا ومذعورًا.
ثم تأتي الأذرع.
بدأوا بسحبي للخلف، لكنني نزعت كتفي بعنف واستدرت. أنا في وضع الهجوم. أصرخ، أكاد أبصق عليهم، كل الغضب والرعب يتدفق؛ لا أريد أن أقيدهم بعد الآن. أريد أن أقتلع الأذرع من مفاصلها وأغرسها في حناجر أصحابها، أريد أن أمزق وجوههم إرَبًا ليخرسوا إلى الأبد، لا أريدهم أن يسحبوا أي شخص مرة أخرى مدى الحياة.
أهدأ فقط عندما تطلب مني أمي أن أتوقف، في همسات ترسل خناجر صغيرة تخرق ثقوبًا لا حصر لها في قلبي.
تتوسل قائلة «متقلقش هبقى كويسة»
تطمئنني أسر زملائي السجناء: سنبقى معها حتى تصبح على ما يرام. تتوسل عيناها، لا تريد للأذرع أن تؤذيني.
تراجعتُ، تلاشى غضبي، تبدد رعبي، وقلبي بات شظايا صغيرة. منكسرًا أصبحتُ.
دفعتني الأذرع للخلف ونحو الباب. أطفو إلى الوراء ممتثلًا، لم يعد بي طاقة للقتال.
عندما أخذوني بعيدًا، شاهدت المشهد الختامي: أخي التائه المذعور، رجل يرش بعض الماء على وجه أمي، ابتسامتها المكسورة.
ألوّح لها، فتلوّح بضعف. نواصل التلويح حتى اللحظة الأخيرة. يجرونني من الخلف، ويتركونها ممددة ومنكسرة. ألوّح وألوّح بشدة حتى يختفي آخر إصبع من يدي وراء باب الزيارة، ولا أعود أراها.
أتساءل عما إذا كانت الشظايا في صدري ستعود قلبًا أو ما يشابهه مرة أخرى.
***
دلفت أنا وأبي إلى قاعة الزيارة بسجن طرة شديد الحراسة 2، أومأ برأسه إلى ضابط أمن الدولة. بعد عام من استجواب أمن الدولة للسجناء الذين تم نقلهم إلى هذا السجن، اكتشف السجناء أن هناك برنامج عفو رئاسي عن السجناء السياسيين، وتم إحضار كل من تم نقله إلى هذا السجن كجزء من عملية الاختيار. لم يتوقف أبي عن الإلحاح عليهم حتى أحضروني أيضًا.
أنظر حولي في قاعة الزيارة، مساحتها أكبر من القاعات الأخرى. تقف والدتي وتلوح بفرح، ويضيء وجهها عندما تتلاقى أعيننا. نتعانق كلنا ونتناقش بحماس حول الآثار المترتبة على وصولي إلى هنا؛ بات هناك احتمال أن نذهب معًا إلى المنزل قريبًا.
سلمتها باقة الورد التي صنعتها لها من المناديل الورقية المعطرة. تستنشق رائحتها وتحتضنني. أعلم أنها ستعود إلى المنزل وتضعها بجوار المئات الآخرين الذين أخرجتُهُم لها على مر سنين.
تتحدث أختي عن معرضها الفني القادم. أوصت بأعمالها أستاذتها في عامها الثالث بقسم الخزف في كلية الفنون التطبيقية، وأبدت اللجنة إعجابها فقُبِلت في المعرض.
أهنئها وأسأل أخي عن سنته الأولى في المدرسة الثانوية. تلقي أمي بمزحة عن مذاكرته شبه المنعدمة، يحتج ونضحك.
يخبرهم والدي عن الحياة في الداخل وكيف شعر الجميع بسعادة غامرة لمقابلتي. أستمع وألاحظ الشعر الأبيض السائد في لحيته والذي لاحظته لأول مرة عندما اجتمعت معه هنا بعد عام من الانفصال. تفتح والدتي علبة طعام بلاستيكية حتى نتناول الإفطار معًا كـ«عـــــــــــــائلـــــــة».
نتحدث ونضحك ونمرر السندويشات.
بعد ساعة، رن الجرس. أعانق كل واحد منهم بإحكام، وأترك بذرة في كل قلب منهم. تصل الأذرع.
الأذرع متطابقة في كل سجن، لكني لا أقاوم هذه المرة.
أذهب معهم في سلام.
ألوّح لها، فتلوّح، نواصل التلويح حتى اللحظة الأخيرة. يجرونني من الخلف، ويدفعونها بعيدًا. ألوّح وألوّح بشدة حتى يختفي آخر إصبع من يدها وراء باب الزيارة، ولا أعود أراها.
تتثاءب زهرة شائكة من تحت الأجزاء الجليدية في صدري وفي كلٍّ من قلوبهم، وتبدأ في النبات للسطح.
***
لقد مرت ستة أشهر بالفعل وما زلت لا أستطيع اعتياد مظهر والدي بملابس مدنية.
أراقبه طوال الزيارة: كيف يبتسم، الكيلوجرامات الإضافية التي اكتسبها، وقصة شعره المقصوصة بعناية، لكنني دومًا أعود لأتفحص ملابسه. يرتدي سترته الجلدية البنية المفضلة، مهترئة قليلاً عند الحواف. تحتها قميصُ جديدُ تملؤه مربعات زرقاء وحمراء متراصة بجوار بعضها، مزرّرٌ بأزرار باستثناء الزر الأخير، متجعدٌ مكان التقاء القميص مع الجينز الأزرق الداكن. تنتهي نظرتي على حذاء كرة السلة الأبيض الشبيه بذلك الذي صودر مني قبل ثلاث سنوات في تشريفة سجن وادي النطرون.
لم يعد أبي معنا. ما عاد سجينًا. ما زلت أتذكر ذلك اليوم بوضوح: وقوفه عند نظارة باب الزنزانة وهو يتلو الخبر: تمت إضافة اسمه إلى قائمة العفو الأخيرة. تحول العالم من حولي إلى حلم ضبابي فجأة. معجزة فوق الخيال بعد ثلاث سنوات ونصف. زحف داخلي ارتياحٌ قلِقٌ محاولًا أن يملأني. «أنت متأكد؟»: سألته، ارتفعت دفاعاتي مسرعة كعادتها كلما داعبها الأمل. عندما طمأنني دون أدنى شك، انهار السد أخيرًا. انفجر قلبي بفوران من الارتياح والفرح وسرعان ما تبعه وجع مفاجئ في أحشائي، حين أدركت ما لم يقال.
لم يشملني العفو.
أقف الآن في الزيارة، بعد ستة أشهر، مشدوهًا كما المرة الأولى التي رأيته فيها بعد خروجه. تحطم جهازي المسؤول عن المشاعر بشكل يستعصي على الإصلاح في ذلك اليوم. أدى التدفق العنيف لكل تلك المشاعر المتناقضة والعميقة حتى النخاع إلى تدميره.
ثم ظهرت قائمة عفو أخرى ولم يكن اسمي مدرجًا بها أيضًا.
لم أعد أستطيع الشعور أو البكاء الآن. تضاءلت كل مشاعري. السعادة لم تعد كالسعادة، ولا عاد الحزن كالحزن. اعتلى التبلد العرش في صدري، تحفُّ أقدامه شظايا قلبي المحطم.
نتحدث عن آخر أخبارهم: حصلت أختي على الجائزة الأولى في معرض فني، يبلغ أخي سن السادسة عشرة الشهر المقبل، أخذ يحكي لي عن إعلان مكمل غذائي لإنبات اللحية رآه على الانترنت ويفكر في شرائه/ تزعجه بعض البقع الصلعاء في ذقنه.
«متستعجلش» ألكم كتفه وأضحك. «سيبها تطلع براحتها، ومتحلقش عكس الشعر عشان هتشرَّح وشك!».
أحك لحيتي البالغة من العمر شهرًا وأتحدث معه أكثر عن مدى ملل الحلاقة على أي حال.
ألاحظ ابتساماتهم، أشكال أفواههم، تجاعيدهم، تعابير وجوههم، إيماءاتهم، واستمتع بكل لحظة. أرمش جفوني مثل عدسات الكاميرا لمحاولة التقاط الحب الرهيب الذي أشعر به الآن. تذوب شظايا الجليد في صدري للحظات – دائمًا تذوب للحظات.
في اللحظة التي تمسك بي فيها الأذرع مرة أخرى، يتجمد داخلي ثانية.
أدفعهم بعيدًا فيظلوا في الخلف. أعانق عائلتي بشدة، واحدًا تلو الآخر. تبقى الأذرع في الخلف. أعانقهم مرة ثانية، لفترة أطول. تمتد الأذرع نحوي مرة أخرى فأزمجر. تبقى في الخلف.
أضم والدتي في حضن ثالث أطول، وأستنشق وجودها، أتمسك بالشعور، ثم أتركها.
ألوّح لها، فتلوّح، نواصل التلويح حتى اللحظة الأخيرة. لم أعد أقبل أن أُجَرَّ ثانية؛ بت أفضل الضرب وحتى الموت على ذلك. ألوّح وألوّح بشدة حتى يختفي آخر إصبع من يدها وراء باب الزيارة، ولا أعود أراها.
أحبس أنفاسي وأتمسك بالدفء لفترة أطول، أغمض عيني وأحتفظ بالصور الحية على جفني، لكن كل ذلك يتلاشى مع دوي إغلاق الباب الأخير.
***
مثل زومبي، أسير طافيًا عبر الممرات. أصل لباب العنبر، ويبدأ ذراعان في تفتيشي ذاتيًا. يفحصان جيبي ويصلان إلى فخذي من الداخل، لكنني أصفعهم بعيدًا: لا.
يتركونني وشأني. عدد لا يحصى من المشاجرات، والصراخ الهائج، والكراهية المتبادلة الواضحة جعلتهم يتجنبونني.
عندما يبدأون في الشعور بأنه ليس لديك ما تخسره، تتلاشى لذتهم السادية، فيتجاهلونك ويواصلون السخرية من السجناء الجدد الآخرين والتنمر عليهم. هناك دومًا سيلًا لا ينضب من أولئك السجناء.
تم إصدار قائمة عفو أخرى. ثم أخرى، ثم أخرى.
العام هو 2019، وأنا لن أعود إلى المنزل؛ أعرف ذلك الآن.
أتبادل أنا وأمي الرسائل وراء ظهورنا: الكومة التي تحوي جوابي إلى أيمن، وأستلم جوابه الوارد إلي. جزء من طقوس زيارتنا المقدسة لمدة ست سنوات.
أعانق أفراد عائلتي المتحمسين واحدًا تلو الآخر وأقف على رؤوس أصابعي لتقبيل أخي على خده. ينزلق الشعر الأبيض من تحت حجاب أمي فتدخله بتلقائية. عندما يثني والدي ركبته، أسمعها تطقطق وألاحظ توجعه. عائلتي تكبر بدوني، وأنا بدونهم.
أشعر بالثقب الأسود حيث يجب أن يكون قلبي وكأنه سِنٌّ يتم اقتلاعه مرة تلو المرة تحت تأثير تخدير ثقيل: لا تشعر بألم، لكن يملؤك شعور قبيح ومزعج للغاية حيثما ينبغي أن يكون الوجع موجودًا.
في الأسبوع الماضي، تخرجت من كلية الهندسة بعد خمس سنوات مرهقة من الجهد المهول، من جهتي ومن جانب عائلتي. نحتفل اليوم بمعجزة. يخبرونني عن ردود فعل وسائل التواصل الاجتماعي على تخرجي وكيف رفع زملاء دفعتي صورة لي في دقيقة صمت، أعقبها تصفيق حار تقديرًا لإنجازي. ابتسمت، أومأت برأسي، وعانقتهم بقوة.
يعلق والدي على نمو لحيتي. أخبره أني أكسل أن أحلقها.
أمازحه «ما انتوا عارفين خلقتي كده كده هتفرق ف إيه».
تغني أختي لي أغنية لأديل غنتها في نشاط طلابي انتخبت رئيسة لإحدى لجانه في عامها الأخير في الجامعة. سألت أخي كيف تسير دراسته في سنته الأخيرة في المدرسة الثانوية، فغمغم بكلمات حول التفاضل والتكامل والفيزياء والمعلمين غير الأكفاء، بينما يخدش لحيته النابتة.
ألقيت نكتة عن إني من الواجب أن أبدأ بالبحث عن وظيفة من الآن، فالسوق هنا تنافسي. يضحكون ويبدؤون في اقتراح وظائف لي.
نتجاهل السجن. لم نعد نتحدث عن العودة إلى المنزل. نحن هنا، وهنا نحن عائلة عادية، نتحدث عن الأشياء العادية، ونتناول الإفطار معًا ونستمتع بصحبة بعضنا البعض.
كل أسبوعين، تكون هذه هي ساعتي اليتيمة من الإنسانية.
تحافظ الأذرع على بُعدها وتلوح لي لأقف وأذهب معهم. اتجاهلهم وأواصل الدردشة مع عائلتي. تمسك الأذرع بالسجناء الآخرين لتقودهم بعيدًا، ثم تشير لي مرة أخرى للوقوف. لا أفعل، لكن والدتي تدفعني أن أكتفي بذلك ولا أزيد في استفزازهم.
«هنشوفك قريب!»: تقول بإشراق، لكن سطوع صوتها لم يقارب عينيها.
أنتهي من طقوسي: جولتان من العناق، وثالثة أطول لأمي.
ألوّح لها، فتلوّح، نواصل التلويح حتى اللحظة الأخيرة. أشعر بمذاق مر بمسحة حلاوة، كقطعة من الشوكولا الغامقة تذوب في آخر اللسان. ألوّح وألوّح بشدة حتى يختفي آخر إصبع من يدها وراء باب الزيارة، ولا أعود أراها.
أبتلع ريقي.
***
خطوت خطوتي الأولى خارج مركز الشرطة. خطوتي الأولى بلا أذرع تلاحقني منذ أكثر من ست سنوات.
شعري هائش، ذقني نامية، تائه النظرات: أنا بالخارج.
أستنشق، وأملأ صدري بالهواء، وعلى لساني مذاق العالم.
طعمه حُرّ.
فجأة أرتبك.
أشعر بالانفصال، كما لو كنت في حلم أو أرى العالم من خلال عيون شخص آخر. توقفت في وسط الشارع غير مدرك. أنا بطل هذا المشهد. هذه الساق هي ساقي، هذه الخطوات هي خطواتي، هذا هو المشهد الذي لعبته مرارًا وتكرارًا في مسرح خيالي، متخيلًا في كل مرة إحساسًا جديدًا، عنيفًا، وأكثر جمالًا وعاطفة. كنت أتوق لهذا اليوم بكل كياني، لأنه بطبيعة الحال، ستعوضني الأحاسيس الملونة في الخارج عن كل ما فقدته.
في مرحلة معينة من السجن، بدأت أشك في أنني كنت خارجه يومًا. لم أستطع تذكر الأحاسيس أو العواطف. لم تعد ذكرياتي موجودة، بل أصبحت أشبه بأحلام بعيدة. تحول الماضي كله إلى سلسلة من الصور الضبابية البعيدة التي تفتقر إلى الحياة.
هل هذا حقيقي؟ هل أنا أختلق هذا؟ هل ما زلت في الداخل؟
في فجر يوم 13 يناير 2020، بعد ثانيتين من خطوتي الأولى في العالم، أراهم.
وعندما أراهم، أعود إلى الواقع.
يركضون نحوي، تنهمر الدموع على وجوههم، ثم أرى أمي. أقسم أن بإمكاني لمح الهالة وسماع الأجنحة البيضاء ترفرف.
ألوح لها، فتلوّح، نواصل التلويح حتى يسحقني عناقهم، فرحتهم، دموعهم. أتجاهل العالم من حولي وأدفن نفسي بين ذراعي والدتي، تمامًا كما فعلت قبل ستة أعوام وثلاثة أشهر.
أنا الآن في بيتي...
آراء أخرى
الحديث عن الأشجار
«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»
تدوينة: عنبرة
«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد