تدوينة: عنبرة
عنبر! كله يسمع.
لاحظت منذ خروجي، في ديسمبر الماضي، إنني شبه توقفت عن التعبير، بل ربما حتى التفكير باللغة العربية.
لمن تكون الكلمات؟ لمسؤول لا يسمع؟ للتقليب على مواجع رفيق مكلوم؟ للرد على تصريحات آخر مقهور؟ هبقى أنا والزمن علينا؟
الصمت أكرم.
لحد ما تيجي نغزة تتحدى صمتي الاختياري.
حتى الحديد يسمع.
ثلاث حبسات، كل منها لها أثر باقٍ.
الأولى، أصبحنا أيتام.
الثانية، قمعت شذرات الثورة بداخلي.
الثالثة، ظلام مطلق. لا مفر، مثلما المذبحة، ممر الخروج غير آمن.
حتى بلاط السجن يسمع.
يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، كل شيء. حيل التأقلم تنهار أمام العدم، لتجد نفسك وحيدًا في مواجهة الظلام.
بلا حيلة تنساق خلفه، تتأمله. تتطلع في طياته. لكن، مع الأسف، عقلك اللعين لا يتوقف عن الفضول.
لماذا؟ إلى متى؟ ما المطلوب؟ حساب المشاريب مبيخلصش ليه؟
بلا حيلة تنساق إلى فخ البحث عن منطق. لا منطق، لا نجاة، ولا جدوى. كل ذلك تعلمناه سابقًا. دروس شادي، لا يصح نسيانها.
يتراجع العقل، ثم يعود باقتراح جديد: لنتأمل في الظلام؛ هو المتغير الوحيد في المعادلة الجرداء. كيف يعمل؟ على ماذا يعتمد؟ لماذا يتصرف كما المهزوم وهو معه قوة مطلقة؟ لنقتل الوقت بتحليل الظلام.
هنا تبدأ في الفهم، المعادلة بسيطة وقاسية في آن واحد.
تشعر بشيء جديد لأول مرة، خليط من انتعاش كما الأمل وعدمية كما اليأس.
تستلذ الشعور، يذكرك بكثير من الأمثال، ضربوا الأعور على عينه، عيان بي. كم هي مسلية ثقافتنا الشعبية.
بعد إذن الإدارة الجبّارة
هقول كلمتين من عالنضّارة.
السجن مدرسة تعلمك وتعلم عليك. في التالتة تعلمت الدرس. تعلمت الأدب. تعلمت أنني إذا أردت أن أشكو.. عليّ أن أصرخ، لا يصح الكتابة والسباب على فيسبوك مباشرة. هذه سذاجة. عليّ أن أطوف قارات حتى أجد أذن جحا.
قبل الخروج، جربت الطرق على الباب لتفادي المشوار، لكن كالعادة لا حياة لمن تنادي. من ثلاث أشهر بدأت الرحلة، قطعنا شوطًا وطريق الاستمرار واضح أمامي. لكنه يبقى غير مرغوب. ما زلت أتمنى أن أعفى من هذا الدور، ألا اضطر لتكملة الجزء المظلم من الرحلة.
أتمنى أن أجتمع بأسرتي في أمان لندن.
أتمنى أن أعيد بناء حياة طبيعية في بيتي بالقاهرة.
أتمنى أن تكون الثالثة تابتة.
هل من مجيب؟ هل من نتفة حكمة بجانب أكوام البطش؟
#FreeAlaa
تنويه: أجرت الكاتبة تعديلات على التدوينة في 19 يوليو 2022.
آراء أخرى
الحديث عن الأشجار
«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
عن أبي السجين.. قبل فوات الأوان
«مستقبل مصر سيصبح أقوى إذا تجاوزنا مرارات الماضي من أجل المصلحة الوطنية العليا»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد