الحديث عن الأشجار
«أي زمن هذا؟
الحديث عن الأشجار
يوشك أن يكون جريمة
لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولًا»
عنوان المقال مستوحى من هذا المقطع من قصيدة للشاعر والمسرحي الألماني برتولت بريخت، وهو أيضًا اسم لفيلم سوداني يقول أصدقاء إنه يستحق المشاهدة، واسمه على الأغلب مستوحى من نفس القصيدة، التي قرأتها ﻷول مرة داخل السجن في كتاب حياتي في الشعر لصلاح عبد الصبور، ولست متأكدًا إن كانت من ترجمته، لكني قرأتها بترجمات أخرى، وأعجبتني هذه الترجمة.
كان بريخت معاصرًا لصعود النازية وجرائمها، ولعله كتب هذا المقطع في ظروف إبادة شبيهة بتلك الجارية اليوم. ومع أنني أعتقد أن الحديث عن الأشجار متصل بالحديث عن الجرائم الأخرى، عبر دائرة من القمع يترابط فيها الاعتداء على الأشجار وتدمير البيئة بالاعتداء على البشر وقتلهم، لكنني أفهم ما يقصده بريخت، إذ أجد في الكتابة عن الأشجار مهربًا من الألم والعجز والذنب الذي ينتابني حين أفكر في الإبادة الدائرة في غزة، وفي أخبار النهب الاقتصادي والغلاء المستعر في مصر، وأخبار الأصدقاء والغرباء الذين يختطفون كل يوم ليختفوا في زنازين السلطة.
المشي في جامعة حلوان
في المسافة الطويلة من بوابة الجامعة المواجهة لمحطة المترو إلى معامل الكمبيوتر، آخر مباني الجامعة بجوار كلية الطب حيث تجري امتحانات الميدتيرم، تنتابني الأسئلة عما أفعله هنا. أنهيت ليسانس اللغة العربية وآدابها، منذ 12 عامًا، في جامعة عين شمس، وماجستيرًا في الاجتماع والأنثروبولوجي من جامعة أوروبا المركزية في فيينا، فما معنى بكالوريوس آخر في حلوان، وفي الحقوق بالتحديد من بين كل المواضيع التي يمكن دراستها في هذا البلد؟
بدأت هذه الشهادة البائسة لتسلية فراغي في السجن، وكان عبثيًا أن أذاكر مادة القانون الدستوري ﻷقرأ مواد الدستور التي تنص على منع الحبس في جرائم النشر وتُجرم إخفاء شخص أكثر من 24 ساعة، بينما أُخفيت ستة أيام قبل أن أُعرض على النيابة، وكنت أُحاكم بتهمة نشر أخبار كاذبة. وفي مادة الإجرام والعقاب، ذاكرت مقتطفات طويلة من لائحة السجون وحقوق المسجون، قرأتها بينما أضحك على الحقوق المنصوص عليها في القانون ولا أثر لها في الواقع.
يحدثنا محمود درويش عن «ساعة الشمس في السجن»، وهي ساعة غالية لا يحصل عليها كل المساجين. لو كان هنا لكتب عن «لحظة الظل في حلوان». فالمشي في جامعة حلوان معاناة قاسية رغم أنني شخص محب للمشي، وأفعل ذلك كثيرًا في المعادي حيث أسكن، ﻷن المعادي -حماها الله من أعين التتار وجرافاتهم- ما زالت تحوي شوارع ظليلة مغطاة بالأشجار من الجانبين، ما يسمح لي بالمشي وركوب الدراجة حتى في أيام الصيف. أما في الجامعة، فإن دقائق المشي، التي أمشي أضعافها في المعادي، تكون جحيمًا حارقًا لأن الأشجار شحيحة، بعضها نخيل ضئيل الظل، أما الأشجار الباقية فمعظمها مقلّم الفروع على شكل مكعبات ودوائر قبيحة الشكل عديمة المعنى، لا ينال المارة أي ظل منها، في تقليد لا أعرف من اخترعه وكم ينفقون عليه.. اتركوه ينمو ويغطي هذه الصحراء القاحلة التي يمشيها عباد الله المعذبون.
أتذكر أنني جئت للجامعة قبل الثورة، ربما عام 2009. وحسب ذاكرتي، كانت الجامعة أكثر اخضرارًا من ذلك. لكنني لا أثق بذاكرتي، فسألت ذاكرة الإنترنت التي أخبرتني أن طلابًا نظموا مظاهرات، مطلع عام 2013، احتجاجًا على قطع مئات الأشجار عمرها من عمر الجامعة، التي تأسست عام 1975. أتخيل أنها كانت أشجارًا باسقة وارفة الفروع، قُطعت لتباع بالمزاد العلني كما يقول الخبر. لم أجد أخبارًا عن قطع أشجار أخرى، لا ﻷن القطع توقف، فقد اقتطعت نصف مساحة الجامعة التي كانت تضم مساحات خضراء فيما مضى لتصبح جامعة حلوان الأهلية. وﻹنشاء مباني للجامعة الجديدة، اقتلعت المزيد من الأشجار. لكن هذه المرة لا أخبار عن اعتراض الطلاب على هذه الجريمة، ﻷن الجامعة، ككل جامعات مصر، أُخليت من أي حراك طلابي يمكن أن يفضح مثل هذه الجرائم أو يسعى لمواجهتها، وكان آخر تجليات هذا القمع اعتقال الطالبين زياد البسيوني ومازن دراز لمجرد إنشائهما صفحة على مواقع التواصل بعنوان «طلاب من أجل فلسطين».

أخبرتني ذاكرة الانترنت أيضًا بأن الجامعة أطلقت، على مدار السنوات الماضية، مبادرات عدة لزراعة الأشجار، آخرها في فبراير من عام 2023. تشير المصادر إلى أن الجامعة زَرعت 2500 شجرة، وتقول أخرى إنها 3500، والعدد في اللمون، فلم أشهد أي زيادة ضخمة للأشجار تثبت هذه الأرقام، اللهم إلّا فسائل متناثرة هنا وهناك. ومنذ بضعة أشهر، أضافوا صفًا بائسًا من 13 نخلة وشجيرتين، وسط رصيف عديم المعنى أضيف مؤخرًا ليشق طريقًا طويلًا يخيل من مرآه أن العابرين فيه سيهلكون من العطش تحت الشمس الحارقة دون بقعة ظل واحدة.
الحنين إلى كوبري طرة
ليست كل الكباري شرًا. بعضها يفتقده المرء، وهو أمر يبدو مثيرًا للريبة نظرًا لموقفي المُعادي للنمط العمراني الكوبريهاتي الذي غزا قاهرة السيسي بكوبري لكل مواطن. لكن دعوني أولًا أحدثكم عن كوبري طرة (اسمه الرسمي كوبري شمال طرة) يتوسط الكوبري منطقتي المعادي وطرة، ويبدو خطًا فاصلًا بين عالمين متناقضين طبقيًا.. حي المعادي الراقي ذو التاريخ الاستعماري الذي ما زال يسكنه عدد كبير من الأجانب ومن البرجوازية المصرية، وحي طرة الذي يضم المحاجر والسجون. كان الكوبري القديم يعبر بالسيارات القادمة من الأوتوستراد إلى الكورنيش، متجاوزة قطار البضائع وخط مترو حلوان الذي يمشي فوق الأرض ليقطع المعادي بموازاة شارع 9، وقد شاء حظي أن أسكن على جانبي الكوبري في سرايات المعادي وفي سجني ليمان طرة والمزرعة. أما الكوبري الجديد، فيفترض أنه سيربط القاهرة بالجيزة، بداية من الأوتوستراد ومحور حسب الله الكفراوي ثم يضاف له جزء جديد يقطع نهر النيل إلى الجيزة ليتصل بالطريق السياحي المؤدي إلى 6 أكتوبر، ليربط بين ضفتي النيل ويختصر الوقت اللازم للتنقل من مناطق شرق وجنوب القاهرة إلى الجيزة وأكتوبر.
يقع مطلع الكوبري في شارع القنال تحت بلكونة بيتي مباشرة، ومع ذلك ما كنت أشعر بوجوده ﻷنه كان مغطى بالأشجار، محاطًا بها من اليمين واليسار والأعلى والأسفل، غابة حقيقية سجلتها هذه الصورة الساحرة على فيسبوك، وهذه صورة التقطتها لمطلع الكوبري من بلكونتي حيث يختفي الكوبري تماما بين الأشجار

وثّقت آخر أيام الكوبري القديم في هذا الألبوم على فيسبوك. وكما يظهر في الصور، استلزم هدم الكوبري قطع أشجار عمرها عشرات السنين، ويستلزم إعادتها إلى ما كانت عليه عشرات الأعوام كذلك، هذا إن كان في خطتهم زراعة أي شجرة من الأصل. على الأغلب سيحدث في الكوبري الجديد ما حدث في الكباري الأخرى التي أُنشئت في السنوات العشر الأخيرة. سيتحول الكوبري إلى مول وتزرع تحته وحوله عشرات الكافيهات والمحلات، دون مراعاة لراحة السكان.
كانت ميزة هذه الأشجار التي تحجب الكوبري أنها تمتص الضوضاء والتلوث الناتج عن مرور السيارات. أحد الآثار الشخصية لهدم الكوبري عليّ هو كمية التراب الناتجة عن الهدم والمستمرة لستة أشهر الآن مع عمليات البناء، ما أدى إلى مشاكل صحية أعاني منها الآن، إذ أنفجر في نوبات من السعال العنيف بينما أكتب.
ولأن كل هذا يجري دون شفافية ولا يأخذ رأي السكان في الاعتبار، فإننا لا نعرف متى سينتهي العمل في الكوبري، وماذا سيحدث للمساحات التي أُخليت من الأشجار حوله إلا من شائعات وأخبار تتناثر هنا وهناك. لم يُستشر السكان ولم يُطلعوا حتى على ما يجري قبل الهدم ولا أثنائه. وطبيعي أن يستمر ذلك بعده، ولا نعرف ما إذا كان ممكنًا مثلًا ألّا يهدم الكوبري أصلًا، وأن يُطوَر ويضاف إليه الجزء العابر للنيل دون المساس بالكوبري الأصلي.
استمرت شائعات هدم الكوبري والتحضيرات لها فترة طويلة. وفجأة استيقظنا على الهدم. كان يومًا مشهودًا في المعادي التي شُلّت حركة المرور فيها تمامًا ذلك اليوم، ﻷن المسؤولين لم يخطر ببالهم أن يخبروا الناس عما سيحدث وتأثيراته عليهم (إن كان المسؤولين يعرفونها أو درسوها أصلًا) وكيف يمكن تفادي الطرق التي ستتأثر بالهدم، والطرق البديلة.
لكن هذا الجهل بأساسيات العمران والطرق يمكن توقعه حين نقرأ أسماء و«رتب» المسؤولين عن لجان العمل في هذه الفقرة من موقع اليوم السابع:
«حضر اجتماع لجنة تعارضات امتداد محور حسب الله الكفراوي اللواء يحيى الأدغم السكرتير العام المساعد لمحافظة القاهرة واللواء طارق بحيري رئيس حي المعادي والمهندسة جيهان جادو رئيس حي طرة والعميد ماجد فوزى بمتابعة المشروعات القومية بالمنطقة الجنوبية ومنال محمود سكرتير حي المعادي وممثلي الشئون المالية والقانونية وبحوث الإسكان والتسكين بمحافظة القاهرة وحي المعادي وطرة».
ورغم كل هذه العيوب، فإن كوبري طرة الجديد (الذي يقال إنه سيتم اختيار اسم يليق به، دون أن يُسأل السكان بالطبع) ليس بدرجة وحشية كباري ومحاور أخرى لم يكتفى فيها بقطع الأشجار وتلويث البيئة، بل هُدمت ﻷجلها مقابر تاريخية، أو بيوت محيطة بها وشُرّدت عشرات الأسر دون مأوى في أحيان كثيرة أو بمقابل مادي بخس. وحتى لو كان المقابل المادي ملائمًا (وهو ما لا يحدث في معظم الأحيان)، فإن فكرة نزع عشرات الأسر من بيوتها وأشغالها وعلاقاتها بالجيران ومواصلاتها المستقرة ومدارس أبنائها لتلقى إلى المجهول بداية من البحث عن بيت إلى السعي لترتيب مكان جديد يحتاج إلى سنوات للاستقرار فيه، هي فكرة مرعبة. والأكثر رعبًا أن هذه صارت ممارسة عادية ترتكب بشكل يومي لدرجة أن ما يقارب ثلاثة ملايين من سكان القاهرة هجروا من بيوتهم في السنوات العشر الأخيرة.
إعادة تقييم العلاقة مع النخلة
لطالما أحببت النخل. أقدم ذكرياتي معه حين كنا في السعودية، كانت تجاور مقر عمل أبي نخلة باسقة، حين تثمر كنا نتسلقها لنجمع التمر وكان شديد العذوبة بالذات حين يطيب على الشجرة ويُؤكل طازجًا وأنت معلقٌ فوق النخلة قرب السحاب. كان النخل وقتها علامة على الخير ورمزًا للجمال يتداوله الشعراء، كامرؤ القيس في معلقته، أحد أحب القصائد إلى قلبي، حين يصف شعر امرأة حسناء قائلًا:
وفَـرْعٍ يَزِيْنُ المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِــمٍ
أثِيْـثٍ كَقِـنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِــلِ
غَـدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلَى العُــلاَ
تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَــلِ
الفرع: الشعر، أثيث: كثيف. يقول إن شعرها الطويل الأسود الفاحم يزين جسدها وهو كثيف كفروع النخلة، وخصلاته منتشرة ومرتفعة إلى الأعلى مفردة ومعقوصة في ضفائر، باختصار يصف امرأة شعرها كيرلي في good hair day.
هذه العلاقة تغيرت مؤخرًا، بل وانقلبت إلى الضد حتى صرت أستاء من مرأى النخل، وصار تشبيه مثل «منتصبًا كالنخيل» لا يثير في مخيلتي الكرامة والعزة، بل فكرة أن هذا الجذع المنتصب لا يُلقي إلّا ظلًا محدودًا، وهو ما ينطبق أيضًا على سعف النخيل الذي لا ينتشر ويتمدد مثل فروع الشجر. أصبح النخل علامة على التخريب المستمر لشوارع القاهرة، يقطع سفاحو الأشجار صفًا عريضًا من الأشجار الظليلة التي كانت تغطي الشارع، ثم يزرع مكانها -إن زرع- نخل زينة أو نخلًا مذكرًا لا يثمر ولا يظل.
النخلة التي اكتشفت أثناء الكتابة أن هناك نقاشًا أكاديميًا حول اعتبارها شجرة من الأصل، تتكون من جذع غير متفرع في قمته وريدة من الأوراق/السعف. ولعل هذا بالتحديد هو سبب زراعتها، فهي تعطي شكلًا جماليًا، دون أن تحجب الرؤية ﻷنها بلا فروع، ما يجعلها زينة مناسبة للسيارات مؤذية للمشاة. فبسبب محدودية الغطاء الشجري الخارج منها، فهي لا تساعد على امتصاص الحرارة ولا تُبرّد الشوارع والأرصفة للمساعدة في مواجهة تأثير الجزر الحرارية الحضرية التي تُفاقم أثر الاحتباس الحراري الذي يهدد الكوكب، خصوصًا في مناخ حار كمناخنا في الصيف يحتاج المشاة فيه إلى أشجار كثيفة الظل تحميهم من حرارة الشمس، وهو ما تفعله أشجار أخرى ظليلة مثل الجميز الذي كان شجرة تاريخية في المدن والقرى منذ مصر القديمة، لكنها اختفت تدريجيًا من مدننا لتحل محلها أنواع نخيل مستوردة تزرع في بيئة لا تناسبها.
هذه الأسباب دفعت نشطاء بيئيين ﻹطلاق حملة في المغرب تحت عنوان «أوقفوا غرس النخيل» لمواجهة ظاهرة زرع نخيل الزينة في شوارع مدن المغرب وعلى رأسها الدار البيضاء، خصوصًا نخيل الزينة المستورد الذي يزاحم الأشجار المحلية الظليلة الأكثر فائدة للبيئة والأقدر على التكيف مع المناخ. وحتى في المناطق التي يعد النخل شجرة أصيلة فيها، فإن ثمة توجهًا لاستبدالها أو تقليل وجودها مثل ولاية فلوريدا الأمريكية وأشهر مدنها ميامي، التي تعد صورة نخيلها أيقونة لسياحتها الشاطئية. ومع ذلك، فإن مدن الولاية تسعى لتقليل وجود النخيل ضمن غطائها الأخضر. وحتى في السعودية، أصدرت جهات حكومية، خلال السنوات الماضية، تعميمات بعدم زراعة النخيل واستبداله بأشجار أخرى، ﻷسباب بيئية متنوعة مثل صغر حجم ظلها واستهلاكها المرتفع للمياه مقارنة بالأشجار الظليلة، وحاجتها للصيانة والمتابعة المستمرة لتلافي خطر سقوطها على السيارات والمارة أو انتشار سوسة النخيل الحمراء.
صديق يعمل مصممًا في هيئة حكومية سعودية أخبرني أنه تلقى في بداية عمله تعليمات بتجنب استخدام النخل في التصميمات ومعه كل ما يحصُر السعودية في هوية بدائية تراثية مثل الجمال والصحراء. وقد تبدو ملاحظة هامشية لكنها تستثير مفارقة عن سعي السعودية لترسيخ صورة جديدة لسعودية خضراء حديثة، بينما تتخلص مصر من أشجارها التاريخية التي يبلغ عمرها عشرات ومئات السنين لتستبدلها بالنخيل أحيانًا وفي معظم الأوقات بالأسمنت والأسفلت.
الضابط يتبع نصيحة زرقاء اليمامة
إنّي أَرى شَجرًا مِن خلفها بشرٌ
وَكيفَ تَجتمعُ الأشجار والبشرُ
هذا البيت المنسوب لزرقاء اليمامة يشرح الفلسفة الأمنية في التعامل مع الأشجار، إذ يعتبرون وجودها خطرًا أمنيًا قد يخفي خلفه نشاطًا غير مشروع. وقد يبدو شاعريًا أكثر من اللازم أن نقول إن رجال الأمن ينصتون إلى نداءات زرقاء اليمامة التي كانت تحذر قومها من الأعداء المختبئين وراء الأشجار، لكن من دخلوا الجيش خصوصًا في المناطق الحدودية يحكون أن إحدى المهام الأساسية التي كانوا يقومون بها هي إزالة أي أشجار محيطة بالمعسكرات، لئلا تعوق مراقبة المنطقة المحيطة، أو توفر ملاذًا لاختباء المهاجمين أو المهربين أو المُراقبين. هذا المنطق الأمني في التعامل مع الشجر محوري لفهم تصرفات الحكام الحاليين تجاه الأشجار باعتبارها عائقًا يمنع المراقبة، خصوصًا مع الاعتماد على الكاميرات التي يُجبر القانون أصحاب المتاجر على وضعها أمام محلاتهم. وفي هذه الحالة، يُنظَر إلى الأشجار على أنها عائق يحجب الرؤية فيطلب من أصحاب المحلات قصها أو إزالتها تمامًا.
تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة. كل شيء مرئي سوى المراقِب الواقف في برج البانوبتيكو*. وعلى الرغم من أن المراقِب لا يستطيع مراقبة كل السجناء طوال الوقت، إلّا أنهم لا يدركون متى تتم مراقبتهم، حيث يظل البرج مظلمًا، وهو ما يربي داخلهم شعورًا بأنهم تحت المراقبة المستمرة فيتصرفون على هذا الأساس من تلقاء أنفسهم. لم تعش السجون المصممة على نموذج البانوبتيكون طويلًا، لكن الفكرة نجحت فلسفيًا وألهمت عشرات الأعمال التي تحاول تفسير القوة أو السلطة غير المرئية، أهمها ما قدمه الفيلسوف وعالم الاجتماع ميشيل فوكو في كتابه المراقبة والمعاقبة عن كيفية سيطرة السلطة الحديثة على الناس عبر خلق رهاب مستمر وشعور دائم بالرقابة يسري في المجتمع.
أتذكر في أيام ما بعد الثورة، حين كانت الأحلام ضخمة،عن إعادة هيكلة السلطة ومكافحة الفساد والتعذيب في أقسام الشرطة، أنني قرأت عن تجربة جورجيا، وهي دولة صغيرة في منطقة القوقاز جنوب روسيا، قامت بعد ما عرف بثورة الزهور، عام 2003، بتحويل أقسام الشرطة إلى مبانٍ زجاجية لضمان الشفافية وخضوع الضباط للمراقبة الدائمة من المواطنين. أما نحن، ومنذ 2014، يحدث لدينا نقيض هذه التجربة. يُعرّى المواطنون وشوارعهم ومدنهم من أي غطاء يحفظ خصوصيتهم، بينما تغيب السلطة وراء الجدران العالية والشوارع التي يحظر المشي فيها حول أقسام الشرطة والمؤسسات الرسمية، أو في مدينتها/كومبوندها في العاصمة الإدارية الجديدة وراء صحراء التجمع، معزولة عن الشعب تراقبه ولا يراقبها، من أطول برج في إفريقيا وأكبر مسجد وكنيسة ومجمع أمني.
وكما في البانوبتيكون، لا يقف برج المراقبة في مساحة مفتوحة، بل وسط زنازين مغلقة تخلق شعورًا دائمًا بالتوتر والضغط وتكثف الشعور بالمراقبة والحصار لإحكام السيطرة النفسية على المواطنين. أما المساحات المفتوحة، فتتيح للناس حرية الحركة والتنفس، وتعطي هذا الإحساس بالحرية الذي تسعى السلطة لوأده عبر إغلاق الحدائق أو أي مساحات عامة قد تسمح للمواطنين بالنقاش والتجمع والتحرك لمواجهتها. هكذا يرتبط إغلاق المجال العام سياسيًا بالتدمير المادي للمساحات العامة، فلا حدائق ولا أشجار ومتنزهات تسمح بتجمع الناس حتى لو ﻷغراض غير سياسية.
هذا المدخل الأمني محوري لفهم أوسع للمنطق العمراني الذي يعيد تشكيل قاهرة اليوم، ويشكل في الوقت نفسه ذوقا فرديًا وجماعيًا قبيحًا يستشري في المجتمع ويخرب مفاهيمه عن الجمال وعن شكل المدينة ووظيفتها، مرسخًا ما يطلق عليه أحيانًا «ذوق لواءات». هذا البوست من صفحة «أعمال خرائية» على فيسبوك، إحدى الصفحات الرائدة في رصد وتحليل مأساتنا العمرانية المعاصرة (هنا لقاء مع مؤسسها)، يلخص بصورة بليغة العناصر المعمارية لذوق اللواءات، لكن يمكن أن نضيف عنصرًا مهمًا نسيت الصفحة أن تشير إليه في تحليلها لصورة المبنى: خلوه التام من الأشجار إلّا من نخلة وحيدة يظهر انعكاسها على الزجاج المصقول.
يتسع الهوس الأمني المعادي للأشجار لهوس أخلاقي أيضًا، يعتبرها ستارًا للأعمال المنافية للآداب، وهو هوس تشارك فيه السلطة المجتمع، فيراقب الجميع الجميع تحت شعار حماية الأخلاق، من خطر الحبّيبة والمراهقين، فتصير الأشجار والحدائق مرادفًا للإجرام وأوكار الأعمال المنافية للآداب، تُقدم لأجله استجوابات في البرلمان وتتسابق الصحف على تغطية فضائحها، وتجيش المحليات والأحياء لقطعها وإنقاذ المواطنين من شرورها. وبهذين المنطقين الأمني والأخلاقي، يمكن فهم سبب انتشار النخيل باعتباره شجرًا لا يحجب الرؤية ولا يتيح الاختباء.
يرتبط هذا التوجه الأمني الأخلاقي للسلطة بوجه آخر اقتصادي، إذ تتعامل كمقاول يسعى لاستغلال قطعة الأرض/الوطن باعتبارها بيزنس ينبغي استغلال كل شبر فيه، ويصبح السكان من وجهة نظرها زبائن لا مواطنين، فلا تصير هناك مساحة للحديث عن الأشجار، إذ يمكن استغلالها ببيعها، وإقامة كشك أو مول مكانها ليدر دخلًا أعلى، عبر شبكة واسعة من المستفيدين تبدأ من موظفين في الأحياء وتجار صغار، وتتسع، في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية والتوجه العام لتقليل الدعم الموجه للخدمات العامة، إلى تمويل الأحياء والجامعات وغيرها من المؤسسات العامة، عبر ما تطاله من موارد شحيحة تحت أيديها مثل قطع الأشجار وبيعها، وهي ممارسة غير مستدامة إذ تدمر موارد يستغرق نموها عشرات السنين دون خطة لاستبدالها، لتتحول الدولة ككل من رعاية الموارد العامة وتنميتها إلى مقاول يبحث عن كل ما يمكن بيعه لتحقيق الربح وتوفير الموارد، حتى ولو كان ذلك على حساب المواطنين وحياتهم وعلى حساب البيئة والتراث الذي يفترض أن يحفظ للأجيال القادمة.
* البانوبتيكون (بالإنجليزية: Panopticon)، وتعني «رؤية (opticon) الكل (Pan)»، هو نوع من السجون قام بتصميمه الفيلسوف الإنجليزي والمنظر الاجتماعي جيريمي بنثام عام 1785. يتكون التصميم من دائرة من الزنازين يتوسطها برج مراقبة بحيث يمكن لمراقب واحد يقف على قمة البرج أن يرى جميع الزنازين دون أن يكون المسجونون قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا. وصف بنثام البانوبتيكون بأنه «طريقة جديدة لإحكام سيطرة العقل على العقل». نقلًا عن ويكيبيديا بتصرف
آراء أخرى
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
تدوينة| حجز زيارة سجين بالتليفون.. خليط الأمل والحزن ومرار الانتظار
«عن زيارة السجناء في عهد كورونا»
6 خطوات واجبة على «السجون» في ظل تفشي «كورونا»
«هذه الخطوات يجب تنفيذها على الفور لتجنب وضع مأساوي للسجناء والموظفين»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد