«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
كانت جلسة المحاكمة الأولى في القضية التي جمعت محمد إبراهيم «أكسجين» وعلاء عبد الفتاح ومحمد باقر، المرة الأولى التي يخرجون فيها من مقبرة «العقرب» بعد تدني الأوضاع المعيشية للسجناء على مدار شهور متواصلة. قبلها مباشرةً أعلن علاء رغبته في إنهاء حياته، وقبلها بشهرين حاول أكسجين إنهاء حياته. في اللحظة التي دخلوا فيها القفص، توجه باقر وعلاء إلى أصحابهما، بينما ذهب أكسجين ببطئ إلى قاع القفص، يديه تلف جسده، كأنها تصنع مسافة مع الناس والواقع والبشر الذين افتقدهم قسرًا. يتفرج علينا جميعًا في صمت بنصف ابتسامة حذرة.
لم تحضر أسرته جلسة المحاكمة الأولى، لم يكن هناك علم بما سوف يحدث في هذه الجلسة المنعقدة وسط تواجد أمني كثيف وعصبي. مرت الجلسة بسلام، وأدركوا أن محاولتنا للتواصل الإنساني مع المعتقلين والاطمئنان عليهم لم تهدد الأمن القومي. تحدثنا بعد الجلسة مع المحامين عن حضور أهل أكسجين، وقالوا سوف يبلغونهم لحضور الجلسة القادمة.
حضرت الأم والأخت الصغرى والأخ الأكبر جلسة المحاكمة الثانية، دخلوا برفقة المحامين بعد التفاوض على دخول الأهالي في أثناء انعقاد الجلسة، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها أكسجين أسرته منذ سجنه قبل عامٍ وتسعة أشهر دون زيارة واحدة. حضرت اللقاء مع آخرين، وشاهدنا ما لا تستطيع هذه الكتابة المشحونة ألم وغضب أن ترصده، مع أنها تحاول. كان الموقف دقيقًا جدًا. كانت فرصة وحيدة وفريدة، لم تكن الفرصة أكثر من ساحة محكمة، يقف فيها الأهالي على مسافة من القفص ترقبًا لالتقاط لحظة دون مراقبة الضباط والمخبرين وأمناء الشرطة والجنود. ظهر أمامنا شخص آخر غير الذي شاهدناه في الجلسة السابقة.
تلون الوجه الأبيض، تعلق بحديد القفص مثل رفاقه، وتحركت حدقة العين في كل اتجاه قرب الأم والعائلة، وابتسم.
اقتربوا جميعًا من حدود المعانقة التي لن تحدث، دمعت العيون واختلطت الهمهمات والابتسامات المشوبة بالحذر من إظهار الفرحة العارمة، فكيف نفرح وسط سحابة الجند والسلاح وبخار الظلم المكتوم داخل كل رئة.
صاح الضباط لكي يبتعد الأهالي عن القفص ويعودوا إلى الدكك الخشبية وإنهاء فوضى السعادة التي وقعت. تبتعد العائلة، لكنه ظل يتحدث إليهم ويتحدثون إليه من بعيد، أعادت الفرحة الطارئة ترسيم قسمات الوجه المتشكك المنطوي. حضرت العائلة كل الجلسات، حتى جلسة النطق بالحكم، التي لم يحضرها المتهمون أنفسهم ولا القاضي صعد لإلقاء حكمه على المنصة. كانت المرة الأخيرة التي نلتقي فيها مع أمه وعائلته. لم تتوقف الأم عن البكاء الصامت، لم تفهم معنى أربع سنوات جديدة قادمة في هذا الجحيم الذي لم يحتمله ابنها منذ شهور وحاول التخلص من حياته.

رفض الشاب حضور جنازة والدته. رفض المنحة التي صرفها له النظام بعد خمس سنوات كاملة من التنكيل متعدد المستويات. رفض الشاب أن يضع الوردة على تل من الخراء. رفض أن يكون هذا هو اللقاء الأخير، أن يشاهد جثمان والدته مسجى بلا دموع أخيرًا، بلا حيرة، بلا قلق على مصيره، بلا توسلات للضباط والعساكر للحصول على كلمة من ابنها.. رفض أكسجين هذه الصورة الملفقة، ألقاها على وجوهنا ووجوه من حاولوا تجميل صورة البطش. لم تتوقف السكين عن الدبح إلا للتحمية وسن الأطراف. الخروج للعزاء لم يكن سوى انكشاف لبشاعة هذه الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة، ضحايا يودعون بعضهم من السجون للقبور. لم يحتمل، ولم تدفعه رغبته فى إدراك اللحظة، أراد تفويتها كأنها لم تكن، وكيف للمسلوب من رجاء.
حرم هذا النظام والدة أكسجين من زيارة ابنها لمدة عامين متواصلين، والآن يمنون عليها بعد موتها، يسمحون أخيرًا أن تلتقي مع وليدها ويقفون شاهرين الأسلحة في جنازة ويحسبون ذلك عملًا وطنيًا جليلًا.
في شتاء يشبه هذا، في القسوة وغياب مستدام للشمس، ذهبنا إلى قرافة باب النصر. حضرنا وقائع دفن تحت الحراسة المشددة. شددت القيادات الأمنية وتابعوهم في التأكيد على حضور المعتقل جنازة أبيه، طوقت القوات الأمنية المكان من ثلاثة مداخل، وحضرت قيادات تحمل النجوم والسيوف لتأمين الجنازة التي اقتصرت على حضور إجراءات الدفن. انتظرنا وانتظر أهل المتوفى، وانتظر المتوفى نفسه، حضور المعتقل الذي جاء بحراسة خاصة عصية على الفهم، فلم يكن متهمًا في أحداث عنف، بل كانت تهمته السخرية وتوجيه النقد اللاذع وإضحاك الجمهور. كان الفتى مهرجًا، وصار معتقلًا لسنوات، ومات أبوه وسط هذه الفترة المظلمة من حياته.
تأخرت الكتيبة الأمنية التي تُقل الشاب ساعات دون إدراك السبب، من سجن طره إلى مقابر باب النصر، والمسافة بينهما لا تزيد على 20 كيلومتر فقط. انغلقت السماء وأدركنا المساء بينما جثمان الأب متروك في مدخل حوش الدفن، والأم والابنة تجلسان بجواره، الأقارب يقفون على فوهة القبر المفتوح، والتُرابية وعمال الحفر يجلسون بجوار المعدات والفؤوس، المتضامنون وأصدقاء المعتقل ينتشرون حول المقابر مثل نمل يبحث عن إنقاذ من حفرة. ظللنا على هذا الوضع ساعات، في حصار جماعي للميت وعائلته. لم ينعموا حتى بلحظة وداع إنسانية. تشاركنا قسرًا لحظات هبوب الرياح في القرافة، وشعرنا بثقل التراب في حلوقنا. طال الوقت حتى تشاركنا الحديث مع سكان القرافة الذين اندهشوا من التواجد الأمني غير المسبوق. قالت سيدة تعيش في مدينة الموتى مستهزئة: أمال لو مكنش الميت له حرمة، كانوا عملوا إيه؟
جاء الفتى المعتقل محاصرًا بالقوة الأمنية، وحوله اثنين من ذوي الأجسام الضخمة يتحركون مثل ظله. أحضر الترابية الأضواء الكاشفة لتتم إجراءات الدفن وسط أجواء شبحية، نرى فيها ظل المعتقل وظل جثمان أبيه ونسمع نداءات التكبير وتلاوة آيات الرحمة والمغفرة، وبعد انتهاء المهمة الحزينة، وقف الشاب على أضواء التليفونات المحمولة معجونًا بين الأجسام الضخمة يتلقى العزاء. كانوا أقرب إليه من عائلته وأصدقائه حتى في مثل هذه اللحظة.
هذا ما كان ينتظر أكسجين وعائلته إذا خرج ليتم المشهد المخيف، سوف تنقلب العائلة وأهل البلد ويُحاصر المعزون في قويسنا بمحافظة المنوفية في أماكنهم مقابل خروج الفتى ليلقي على أمه نظرة الوداع في الظُلمة والبرد. كان مدهشًا أن المباحث والشرطة حضروا الجنازة على الرغم من غياب أكسجين عن الحدث، وكأنهم يراقبون ظله الذي رافق أمه إلى قبرها.
هل يدرك مؤسسي جمعية قتل الأمهات داخل النظام الحاكم حصاد أفعالهم اليومية؟ تُوفيت والدة المحامي محمد رمضان بينما كان سجينًا ولا يزال، ولم يخرج لوداعها، فخرج أهالي سيدي بشر تودعها عوضًا عن ابنها المحامي المشهود له بالجدعنة مع كل المظلومين في الحي.
تُوفيت السيدة أميرة توفيق، والدة الرفيق المعتقل حسن مصطفى، منذ عامين في أثناء محاولة زيارته بعد أن جاءت من الإسكندرية وقت إغلاق السجون بحجة انتشار فيروس كورونا. ماتت في طريق العودة بعد أن فشلت في لقاء ابنها. ماتت بعدما أغلقت باب قلبها على مسعى لقائه، وعلى مسعى حياة لم تكن تتصورها، فطالما امتلأ بيتهما في شارع الحديني بمحرم بك بصوت حسن الجهوري وحماسه المبالغ فيه، وحضور زمرته، يتحدثون ويتطلعون إلى الحرية والعدل. ماتت من فرط استخدام العدل.
لم ألتقِ أكسجين قبل دخوله هذه التجربة الكابوسية. عرفت مدونته وعمله في الصحافة الشعبية المستقلة التي ظهرت مع الثورة.كان عفيًا مثل أبناء جيله الذي خرج من البيوت والحواري للشوارع الواسعة التي تبحر بالملايين إلى قصور ومقار الحكم الفاسدة. ينتمي الشاب إلى ما أطلقوا عليه «شباب 25 يناير الطاهر». تكونت تجربته في غمار الأصوات العالية والمطالب المزلزلة. طاف بالكاميرا يسجل أقوال وحكايات وأخبار وآراء. غاص في النشوة ثم خرج للكابوس بعد أول تجربة اعتقال في 2017. استمرت شهورًا، ثم عاد إلى حياة مهددة تحت وطأة التدابير الاحترازية، ثم أُلقي القبض عليه مرة دون سبب، فمن هي الجهة التي سوف تحقق في اختفاء شاب من داخل قسم الشرطة، قبل ظهوره بعد أيام في النيابة، فلا يمكن إدراك حجم الدهاليز التي تصل بين مقار الاحتجاز ومقار التحقيق في بلادنا.
تعرفت إليه في أحد جلسات القضية التي ضُم إليها مع علاء وباقر، بعد أن ظل عامين في الحبس دون محاكمة. تحدثنا بعض الوقت، كان شغوفًا بمعرفة الأجزاء الناقصة من كل حكاية، يحاول جاهدًا جمع خيوط الحدث. لم يتوفر له إلا معلومات قليلة جدًا عن كل ما يدور في الخارج، سألني عن موضوعات مختلفة، سد النهضة وحقيقية ما تفعله إثيوبيا وما تستعد له مصر، زيادة الأسعار وهل لا تزال تتصاعد، وكيف يعيش الناس في مثل هذه الظروف، سألني عن الكتب حديثة الصدور، ولمن نقرأ هذه الأيام، أخبرته أنني بصدد إصدار كتاب، أحرجتني سعادته بعد إعجابه باسم الرواية، وتحدثنا عن الروايات المتاحة القليلة التي يقرأها، فدخول الكتب ممنوع، ويضطر إلى قراءة المتاح في مكتبة السجن، إذا سمحوا له.
كان شغوفًا لمعرفة كيف تحدث الأمور في الخارج، كيف يستقبلها الناس، كيف أراها. حدثني عن حضور باقر في حياته خلال الفترة الأخيرة، كيف ساعده في تمضية الوقت، تنتابهم الحماسة في أيام، فيقرر استخدام الوقت في تعلم اللغة الإنجليزية، وفي أيام أخرى لا يتحدثون إلا في الضرورة، ينكفئ كل جسد حول نفسه في بقعة قصية. حدثني عن تجربة نيلسون مانديلا في السجن، كيف قضاها، ولكن هذه التجارب الملهمة ينطفئ حضورها مع غياب الشمس والتريض وانحسار المعلومات وتكرار الوجوه. يعي أكسجين الدرس جيدًا؛ أن يحتفظ السجين بأعصابه وقلبه ورأسه بأقل ضرر ممكن، لكن هذا الدرس يتبخر ويتبدد من رأسه لأسباب لا يعرفها، فهو يعاني من التوتر والاضطراب، فلا يمكن الوصول للمعنى عبر الدروس المستفادة. التجربة أقسى مما يحتمل أو يتوقع. كلما رتب حياته على وضع سيئ، تصل الأوضاع إلى الأسوء.
سألني هل يتحدث أحد عني بالخارج، قلت له نتذكرك، ولا تخون ذاكرتنا أسمائكم ومصائركم، يعرف الجميع لماذا أنت هنا. أنت صحفي مستقل وشجاع.
لم يكن هناك سبب معلن لاعتقال السجين داخل السجن، فالسجون أنواع، كما ندرك جميعًا، فلم يستوِ السجين حبيب العادلي أو جمال مبارك مع علاء عبدالفتاح أو محمد الباقر وأكسجين. لم يحلموا بترابيزات بنج بونج أو أجهزة كهربائية حديثة، أو طعام يأتي من فنادق النجوم السبعة يوميًا إلى باب السجن، إنهم يريدون الخروج إلى الشمس.
هل كان قرارًا سياسيًا أم أمنيًا، أم قرار أحد ضباط السجون؟ لم يهتم أحد من رجال تنفيذ القانون بأن هذا العقاب غير وارد في كل قوانين العقوبات التي أقرتها هذه الدولة نفسها. كيف يُمنع شاب عشريني من زيارة أهله تحت أي مسمى وأي قرار؟ كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟ كيف يجهلون أبسط التغيرات التي تحدث في حياة عوائلهم وأحبائهم، يكسرون الجسر بين المعتقلين وحيواتهم حتى ينزوي الشخص مثل فكرة منسية. يعاقبونهم بالعزلة والقطيعة مع الحياة، فلا تكتمل في رؤسائهم فكرة ولا ينمو في قلوبهم معنى. يسرحون في صحاري الذات بلا هدف، يعودون إلى ظُلمة لا قاع لها.
الغفران كلمة عصية على الفهم والتفسير في مثل هذه الحالات، لن نطلبها لأكسجين الذي يستحق حياته وكان يستحق حياة والدته، وكانت والدته تستحق حياته لولا شيوع الظلم والكدر والمعاناة.
يا أكسجين، لو مر بهذه البلاد قبسًا من اسمك، لطلب هذا النظام الغفران منك ومن آلاف الأبرياء والمظلومين ممن يبحثون عن الشمس مع كل صباح.
آراء أخرى
الحديث عن الأشجار
«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»
تدوينة: عنبرة
«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»
عن أبي السجين.. قبل فوات الأوان
«مستقبل مصر سيصبح أقوى إذا تجاوزنا مرارات الماضي من أجل المصلحة الوطنية العليا»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد