تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ما وراء جباليا.. الاستراتيجية الاستطلاعية لإسرائيل من غزة إلى بيروت

ساري عرابي
13 دقيقة قراءة
ما وراء جباليا.. الاستراتيجية الاستطلاعية لإسرائيل من غزة إلى بيروت

أتى مقتل قائد حركة حماس، يحيى السنوار، العقل المدبر لهجوم السابع من أكتوبر كما تصفه إسرائيل، ليعزز حالة من الإحباط تصاعدت منذ الجمود السياسي الذي شهدته مفاوضات إنهاء الحرب على قطاع غزة، والحملة الإسرائيلية على لبنان، التي تلت سلسلة من الضربات الأمنية الناجحة، وجهتها إسرائيل إلى حزب الله اللبناني. في ظل هذا المشهد، وبعد مرور عام كامل على اندلاع الحرب، تتأكد الحاجة إلى قراءة بانورامية للاستراتيجية الإسرائيلية وتطورها خلال تلك المعركة، ورسم الأفق الذي يتجاوز محدودية اللحظة الراهنة وضغوطها.

نحاول هنا تتبع الاستراتيجية الإسرائيلية للتعامل مع الحرب الجارية على قطاع غزة والصراع بين إسرائيل وإيران وحلفائها. تنطلق تلك القراءة من مقاربة ترفض التسليم بأن الدولة مفهوم مصمت متجانس، وتحاول أن ترى في تحركات الدولة وقراراتها محصلة صراعات اللاعبين السياسيين ضمن إطار الدولة نفسها.

ساعدنا ذلك على إيجاد سياق متسق للخطوات الإسرائيلية المتتالية خلال الصراع وحدودها، عبر التمييز بين مؤسسة الجيش الإسرائيلي الذي فضل في بعض محطات المعركة تأجيل سؤال «اليوم التالي» إلى ما بعد هدنة تعيد فيها إسرائيل بناء عقيدتها الأمنية، والحكومة الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، التي نفترض هنا أنها تتبنى استراتيجية استطلاعية، أي أنها تسعى إلى حلول عملية مرحلية على أمل الوصول إلى نقطة النصر الاستعراضي الحاسم التي تضمن إنقاذ مستقبل تلك الحكومة ورئيسها.

تطمح تلك الاستراتيجية الاستطلاعية الإسرائيلية اليوم إلى تأسيس حكم عسكري إسرائيلي في قطاع غزة يستهدف تمهيد التربة السياسية لغزة ما بعد «حماس»، مع تأجيل الإجابة عن هذا التصور لما بعد «حماس» إلى حين الانتهاء من تفكيك الحركة سياسيًا وعسكريًا، وهو التفكيك الذي تزداد قناعة القادة الإسرائيليين باستحالته دون حكم عسكري للقطاع، يتحول من تكتيك الحملات العسكرية التي تواجهها «حماس» بالدفاع المرن إلى تكتيك الملاحقة الأمنية للحركة كمجموعة خلايا متمردة. تسمح تلك الملاحقة بجمع أوسع وأدق للمعلومات وتوجيه نيراني أدق ومساحة أكبر لخنق القدرة على المناورة المرنة التي أظهرتها «حماس» عسكريًا من بداية الحرب.

تساعدنا تلك القراءة البانورامية للتحرك الاستراتيجي الإسرائيلي خلال عام من الحرب على إدراك أن التحركات الإسرائيلية، ومن ورائها تحركات الولايات المتحدة الأمريكية، لا تتسم بالاتساق والتماسك الاستراتيجي الذي تبدو عليه بأثر بعدي، وإنما تتسم بما وصفناه هنا بالاستطلاعية، أي الانتقال إلى محطات وخيارات لم تكن مطروحة سابقًا، وذلك بحسب ما يخدم أهداف اللاعبين السياسيين ضمن إطار الدولة نفسها، وبحسب ما يتيحه السياق السياسي والإمكانيات العسكرية من آفاق في لحظة معينة.

السابع من أكتوبر.. المفاجأة وغياب الاستراتيجية

بعد السابع من أكتوبر، وجدت إسرائيل نفسها أمام معضلة ذات طبيعة استراتيجية، لكنها تتطلب حلًا تكتيكيًا عاجلًا، إذ عليها أن تصل إلى حسم ما في غزة دون «حماس»، لكنها كانت مضطرة للرد سريعًا حتى قبل وضع تصورات واضحة حول مستقبل قطاع غزة، والترتيبات الضرورية لعبور تلك المسارات. هذا النقاش هو ما تجسد في مقولة «اليوم التالي» التي أطلقتها الولايات المتحدة آنذاك في مباحثاتها العلنية مع إسرائيل حول ما ينبغي فعله تجاه القطاع.

كان الهدف الأول لإسرائيل في ذلك الوقت هو تفكيك التنظيم العسكري للحركة «كتائب القسام»، وهو ما حاول الجيش الإسرائيلي تنفيذه بخطة عملياتية بدأت بالقصف التمهيدي السجادي لقطاع غزة، خاصة شماله، امتد لثلاثة أسابيع. وبدأت بعد ذلك العملية البرية في نهاية أكتوبر 2023، وتكونت من حملتين استمرت أولاهما إلى منتصف يناير تقريبًا حين أعلنت إسرائيل انتهاءها من تفكيك التنظيم العسكري لـ«حماس» في شمالي القطاع، الذي يشمل مدينة غزة ومحافظة الشمال (بيت حانون وبيت لاهيا). أما الحملة الأخرى فبدأت قبل انتهاء الأولى، وتحديدًا في الأسبوع الأول من ديسمبر، وتوجهت نحو خان يونس، حيث استمرت لما يقارب خمسة أشهر، وانتهت في الأسبوع الأخير من أبريل.

في ذلك الوقت، كان الموقف في إسرائيل واضحًا، إذ ليس لدى الجيش الإسرائيلي المزيد مما يمكن أن يقدمه من ناحية دوره في ملاحقة الأهداف التي تزوده بها الأجهزة الاستخبارية المختلفة، أو من ناحية قيام القوات البرية بالتمشيط والاستطلاع للكشف عن الأنفاق والمنشآت التابعة لـ«حماس»، ما دفع إلى بدء عملية تفاوضية بهدف التوصل إلى اتفاق هدنة وصفقة لتبادل الأسرى بين «حماس» وإسرائيل. تكللت المفاوضات بالورقة المصرية التي قدمت لـ«حماس» في السادس من مايو تحت إشراف من مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، ويليام بيرنز. أعلنت «حماس» موافقتها على تلك الورقة التي تضمنت إضافة عبارة «وقف الأعمال العدائية» بين قوسين بعد عبارة «استعادة الهدوء المستدام» لتأكيد أن الهدوء المستدام يعني وقف إطلاق النار بالكامل، وليس الانتقال إلى مرحلة الاستهداف الانتقائي لنقاط في قطاع غزة وفقًا للمخطط الإسرائيلي الذي تم إعلانه في بداية الحرب.

موافقة «حماس» وانتهاء العمليات العسكرية في غزة وخان يونس وضعا نتنياهو في مأزق، إذ كان الرجل يدرك من بداية الحرب أن انتهاءها دون انتصار إسرائيلي استعراضي يعني نهاية مستقبله السياسي عمليًا، بفعل تفكك تحالفه مع الصهيونية الدينية. كان تحالف حزبي التيار الديني القومي (حزب العظمة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير، وحزب الصهيونية الدينية الذي يقوده بتسلئيل سموتريتش) مع حزب الليكود الصهيوني العلماني (حزب نتنياهو) الإكسير لأربع سنوات من البرلمانات المتأرجحة في إسرائيل، وبعد أن عجز «الليكود» عن تشكيل تحالف حكومي مستقر، واضطر خصومه (تحالف أزرق أبيض بقيادة بيني جانتس، وحزب هناك مستقبل بقيادة يائير لابيد، وحزب اليمين الجديد بقيادة نفتالي بينيت) إلى القبول بالتحالف مع حزب عربي (القائمة المشتركة بقيادة منصور عباس) لتشكيل حكومة دون «الليكود». لذلك فإن نتنياهو يرى أن تحالفه مع الصهيونية الدينية هو تحالف استراتيجي، ودونه يصبح مصيره السياسي على المحك. يخشى نتنياهو كذلك تحمله مسؤولية الإخفاق في السابع من أكتوبر، وشق المجتمع الإسرائيلي بفعل الإصلاحات القضائية الجدلية، فضلٍا عن اتهامات الفساد ضده. وأخيرًا، فإن الانسحاب من غزة يتناقض مع رؤية نتنياهو الأيديولوجية التي ترى في الاستيطان ضرورة اجتماعية وسياسية لإسرائيل.

هكذا، تمسك نتنياهو باستراتيجيته في الهروب إلى الأمام، أو ما يمكن وصفه بتعبير عسكري بأنه استطلاع بالقوة، أي مواصلة الهجوم لاختبار الحدود التي يمكن أن يصل إليها بفعل القوة العسكرية. هنا بدأت مرحلة رابعة من الحرب تمثلت في عملية رفح التي استمر صخبها إلى نهاية مايو، وتكللت بإعلان السيطرة على محور صلاح الدين «فيلادلفيا» الحدودي بين قطاع غزة والأراضي المصرية.

في نهاية مايو، كانت الظروف نضجت من جديد للتوصل إلى اتفاق بين إسرائيل و«حماس» لإنهاء الحرب وتبادل الرهائن، ما دفع الرئيس الأمريكي، جو بايدن، لإطلاق مبادرته التي كانت مجرد دعوة، صريحة هذه المرة، لإنهاء الحرب على غزة، وشهد شهر يونيو مفاوضات ماراثونية برعاية أمريكية وجهود حثيثة لإقناع «حماس» بالتوقيع على العرض الإسرائيلي، الذي تضمن النص على صفقة تبادل محدودة في المرحلة الأولى تتوازى مع مفاوضات للوصول إلى المرحلة الثانية التي تتضمن استعادة الهدوء المستدام (وقف إطلاق النار). تكللت تلك المفاوضات بموافقة «حماس» في الثاني من يوليو على الصفقة الإسرائيلية بعد سلسلة من التعديلات التي أجرتها الولايات المتحدة لطمأنة الحركة بأن إسرائيل لن تعود للقتال بعد انتهاء المرحلة الأولى.

بدا الجيش الإسرائيلي في تلك اللحظة مستعدًا للذهاب إلى صفقة. ففي منتصف يونيو، خرج المتحدث العسكري باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاجاري، معلنا أن من غير الممكن القضاء على «حماس» كفكرة، في إشارة إلى أن الجيش فعل كل ما يمكن القيام به للقضاء على «حماس» كتنظيم عسكري في قطاع غزة، وأن الأمور باتت في انتظار خطوة سياسية. لم يكتف هاجاري بذلك، بل عبر ضمنيًا عن استياء الجيش من الموقف السياسي للحكومة عندما قال إن الحديث بإمكانية القضاء نهائيًا على «حماس» هو بمثابة ذر للرماد في العيون، وعلى إسرائيل إيجاد بديل لحركة حماس، وإلا فإنها ستبقى.

من جديد، وجد نتنياهو نفسه تحت التهديد، لذلك كان عليه أن يهرب إلى الأمام مرة أخرى. ولكن لأن العملية العسكرية في غزة كانت وصلت إلى نهايتها عمليًا، فقد كان على الرجل هذه المرة المراوحة في المكان عبر وضع العقدة في المنشار. هذه العقدة هي الشروط الأربعة التي أعلنها نتنياهو للاتفاق مع «حماس»: عودة إسرائيل إلى القتال بعد الهدنة، وتقييد عودة النازحين إلى شمالي غزة، والاستمرار في احتلال محور صلاح الدين «فيلادلفيا»، والإفراج عن أكبر عدد ممكن من الأسرى الإسرائيليين في المرحلة الأولى من الهدنة. لم تكن تلك الشروط جزءًا من الصفقة التي عرضتها إسرائيل نفسها قبل شهر واحد، إذ لم يمانع النص الإسرائيلي وقتها من الانسحاب الكامل من القطاع، ولم يفرض شروطًا على عودة السكان إلى الشمال. 

يوليو.. موسم الهروب إلى الشمال

لم يكن نتنياهو غافلًا بالتأكيد عن حقيقة مأزقه في ذلك الوقت بعد أن فرغت جعبته من السهام التي يمكن إطلاقها على قطاع غزة، لذلك كان الحل هو البحث عن مرمى جديد لسهامه، جبهة أخرى يمكن إشعالها تخلق فضاء أو أمامًا يمكن الهرب إليه. كان على نتنياهو في ذلك الوقت أن يلجأ إلى ذراعين يعتمد عليهما إلى حد بعيد، الأول هم الحلفاء في واشنطن (اللوبي الإسرائيلي)، حيث زار نتنياهو الولايات المتحدة في 25 يوليو لتأمين موافقة أمريكية على الانتقال من محاولات التسوية في غزة إلى التصعيد، وهو ما نجح فيه على الأغلب في ظل حرص إدارة بايدن على تجنب معركة تكسير عظام مع إسرائيل واللوبي الداعم لها في واشنطن بشكل يخدم مصالح المرشح الجمهوري المنافس دونالد ترامب، خاصة أن إدارة بايدن لا تتبنى موقفًا مبدئيًا ضد التصعيد كما بدا واضحًا إلى الآن. أما الذراع الثاني، فقد تمثل في جهاز الموساد.

رغم عمره السياسي الطويل كرئيس لوزراء إسرائيل، لم يحظ نتنياهو بعلاقة جيدة على ما يبدو مع قادة الجيش، إذ شكل بيني جانتس وغازي آيزنكوت حزبًا معارضًا له، بينما تصاعدت الخلافات بينه ووزير دفاعه والجنرال السابق، يوآف جالانت على خلفية الإصلاحات القضائية، وتصاعدت الخلافات خلال الحرب وخرجت إلى العلن إلى حد التكهن أكثر من مرة باقتراب الإطاحة بجالانت. كذلك أبرزت تقارير خلال الحرب خلافًا واضحًا في الرؤية بين نتنياهو وقادة جيشه حول مستقبل قطاع غزة والحرب مع «حماس». أما جهاز الشاباك، فقد أزعجه التقارب بين نتنياهو واليمين الديني الذي يراه الشاباك تيارًا غير ملتزم بالرؤية الأمنية للجهاز، كما زادت المشاحنات بين رئيس الجهاز رونين بار ونتنياهو خلال الحرب.

في المقابل، تمكن نتنياهو من توثيق علاقته بالموساد، عبر وضع مستشاره المقرب يوسي كوهين على رأس الجهاز سنة 2016، وقيل وقتها إن نتنياهو يرى في كوهين الخليفة الأفضل له في رئاسة وزراء إسرائيل، بينما صرح كوهين في المقابل بأن علاقة الثقة بين نتنياهو وبينه ساعدت كثيرًا في تطور عمل الموساد.
من هنا، قدم الموساد لنتنياهو مجموعة من الخدمات التي يمكن من خلالها تأمين تصعيد وإنجاز سريع يوفر الشرعية والزخم المطلوبين للتصعيد، وكانت كلمة السر في تلك الخدمات هي القدرة على اختراق حزب الله سواء عبر قدرات الجهاز الخاصة حصريًا، أو عبر التعاون الذي يملكه الجهاز مع أجهزة استخبارية أخرى على رأسها وكالة الاستخبارات الأمريكية.

جاء الهجوم الصاروخي على مجدل شمس في 27 يوليو ليمثل الذريعة المناسبة لنتنياهو لإطلاق الهجوم على الشمال. فمجدل شمس هي قرية عربية أصلًا لا عبرية، ويسكنها دروز الجولان الذين لا يرحبون بالاندماج في الدولة الإسرائيلية على خلاف دروز الجليل وحيفا. حزب الله منذ بداية الحرب أظهر من ناحيته تحاشيًا واضحًا لاستهداف المدنيين، فكيف كانت حادثة مجدل شمس؟ على كل حال، اتخذت الحادثة ذريعة لعملية الاغتيال التي هزت بيروت في الليلة الأخيرة من شهر يوليو، مستهدفة القائد العسكري لحزب الله، فؤاد شكر، في الضاحية الجنوبية لبيروت. في نفس الوقت، تمكن الموساد من اغتيال قائد حركة حماس، إسماعيل هنية، أثناء زيارة رسمية من الأخير إلى طهران.

كان من المتوقع أن يلي ذلك خلال شهر أغسطس تصعيدًا من قبل إيران التي ظلت تتوعد بالرد على انتهاك سيادتها باغتيال هنية في ضيافتها، ومن قبل حزب الله الذي تعرض لأكبر عملية اغتيال يتعرض لها منذ مقتل قائده العسكري عماد مغنية عام 2009. تعطل الرد مع ذلك لسبب هو على الأرجح وساطات أوروبية أقنعت الإيرانيين بإمكانية أن تمثل الاغتيالات فرصة للتوصل إلى تسوية تحفظ لإسرائيل ولنتنياهو على وجه الخصوص صورة إنجاز معقول في مواجهة مكسب إيران وحزب الله و«حماس» بإنهاء الحرب غير المرغوب في تطويلها. هنا بدأت مباحثات مسقط غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة بواسطة عمانية على أمل التوصل إلى تسوية إقليمية تستوعب الحرب في غزة، وتتجاوزها إلى نزع فتيل الأزمة الإقليمية واستعادة مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران بخصوص المشروع النووي. ما تبين لاحقا هو أن تلك المباحثات لم تكن عمليًا سوى فخ يسمح لإسرائيل بإعداد عدتها لتوجيه ضربة قاصمة لحزب الله خلال شهر سبتمبر التالي.

منذ السابع من أكتوبر، كان واضحًا أن على إسرائيل أن توجه ضربة إلى حزب الله. هذا ما اقترحه جالانت بالفعل، فلا يمكنك الذهاب إلى الجنوب وأنت قلق من ضربة تأتي من الشمال. لكن ما حدث في سبتمبر لم يكن مجرد ضربة إحباطية يجري توجيهها إلى حزب الله، وإنما هجوم شامل استعراضي استهدف في الحقيقة تحقيق إنجاز إعلامي وفتح صراع مفتوح في لبنان. هنا تظهر مرة أخرى رائحة الموساد ونتنياهو.

بدأت الهجمات بهجوم البيجر في 17 سبتمبر، وتلا ذلك الضربة الكبيرة لحزب الله التي لا نبالغ إن قلنا إنها هزت المنطقة، وتجاوزت أي أهداف عسكرية يمكن أن يطرحها الجيش الإسرائيلي، وهي اغتيال حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني والزعيم اللبناني ذي النفوذ الواسع في لبنان وكثير من الدول العربية الأخرى.

لا يبدو أن ذلك الشكل من الهجوم على حزب الله يمثل استراتيجية تتشاركها المؤسسات الإسرائيلية ونتنياهو. فالجيش الإسرائيلي مثلا كان حريصًا بالتأكيد على تقويض قدرات حزب الله الذي يشكل تهديدًا كبيرًا لأمن إسرائيل من جهة الشمال، لكنه لم يكن يهدف بالضرورة إلى فتح جبهة ممتدة وحرب واسعة في الشمال. أما نتنياهو فقد كان حريصًا على تحقيق نصر استعراضي وتحويل الصراع مع الحزب إلى جبهة مفتوحة إلى أجل غير مسمى على غرار جبهة غزة، وهو ما يفسر رفضه مقترح الهدنة الأمريكي الذي عرف بمقترح هوكشتاين (نسبة إلى المبعوث الأمريكي، عاموس هوكشتاين) بعد أن خرجت تقارير إسرائيلية تؤكد وقف إطلاق النار خلال ساعات.

الحملة على جباليا.. ماذا تريد إسرائيل؟

مع انتهاء الحملات العسكرية الإسرائيلية الواسعة على مناطق قطاع غزة في نهاية يونيو، أعلن جالانت الاستعداد للانتقال إلى ما أسماه المرحلة الثالثة من الحرب (المرحلة الأولى تمثلت في القصف الجوي، والثانية العملية البرية)، وتعني وفقا للإعلان الإسرائيلي؛ عمليات نوعية محدودة لتصفية أهداف مهمة في قطاع غزة. مع ذلك، ظل التصور الإسرائيلي لمستقبل القطاع غائبًا عن المشهد الاستراتيجي الإسرائيلي، حتى بدأت ملامحه مع تعيين مسؤول عسكري إسرائيلي عن إدارة الوضع الإنساني في قطاع غزة في مطلع سبتمبر الماضي.

عنى هذا القرار سياسيًا أن الحكم العسكري لقطاع غزة ولو بشكل مؤقت هو القرار الاستراتيجي الإسرائيلي على الأرجح. ولكن على مدى الشهر التالي لهذا القرار، لم تتحرك إسرائيل تحركًا ميدانيًا يمكنه أن يمهد فعليًا لرمي أساسات هذا الحكم العسكري حتى كانت الحملة على مخيم جباليا.

تحاول إسرائيل فيما يبدو ممارسة الحكم العسكري عبر استراتيجية السيطرة على المحاور، بما يعني أن تتمركز القوات الإسرائيلية في المحاور الأساسية الفاصلة بين مناطق قطاع غزة بما يسمح بالسيطرة الأمنية والعسكرية على القطاع، وتشكيل معاقل إسرائيلية داخله. تشمل هذه المحاور محور نتساريم الفاصل بين مدينة غزة ومحافظة الوسط (دير البلح والمخيمات)، ومحور كيسوفيم الفاصل بين محافظة الوسط وخان يونس، ومحور غوش قطيف الفاصل بين خان يونس ورفح، وأخيرًا محور صلاح الدين «فيلادلفيا» الحدودي.

تمتاز محافظة الشمال (وتضم بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا) ومحافظة غزة دون سائر المحافظات بالاتصال العمراني، ويمتد مخيم جباليا ومنطقة جباليا النزلة كنقطة اتصال عمراني بين المحافظتين.

عندما بدأ الهجوم على مخيم جباليا مالت أكثر التحليلات، بما في ذلك التحليل الذي تبنته حركة حماس رسميًا، إلى أن الهجوم يأتي في إطار فرض التهجير على سكان شمال قطاع غزة، تمهيدًا إلى تحويلها إلى منطقة عازلة والقضاء على خلايا المقاومة التي ما زالت تعمل بنشاط في الشمال، ويبلغ حجمها خمسة آلاف مقاتل وفقا للتقديرات الإسرائيلية، يقودهم قائد لواء غزة في كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عز الدين حداد، وهو من كبار القادة الميدانيين الذين لم يصل إليهم الجيش الإسرائيلي إلى الآن. تعزز هذا التحليل بفعل عاملين، الأول هو التقارير عن خطة جديدة غير واضحة التفاصيل للسيطرة على شمال غزة تحدثت عنها الصحافة الإسرائيلية تحت اسم «خطة الجنرالات»، أما العامل الثاني فهو مطالبة الجيش الإسرائيلي للسكان في الشمال بالنزوح جنوبًا لتجنب العمليات العسكرية في شمال قطاع غزة.

لكن عددا من الشواهد يفترض تحليلًا آخر لهذا الهجوم، على رأسها أن الجيش الإسرائيلي يدرك صعوبة تهجير السكان في شمالي قطاع غزة، ويقدر عددهم الآن بنحو 500 ألف شخص، ولم يقم الجيش الإسرائيلي بالترتيبات الإدارية التي قد تسمح بهذا المستوى من التهجير القسري الهائل. من ناحية أخرى، فإن شكل الهجوم الإسرائيلي على مخيم جباليا لم يتخذ شكل الضغط العسكري من الشمال لدفع السكان في اتجاه النزوح جنوبا، وإنما اتخذ شكل الحصار الصارم للمخيم، واستهداف أي شخص يتحرك في الشوارع على نحو لا يشجع السكان أصلا على النزوح. من الناحية الأخرى، لم يخفف الجيش الإسرائيلي غاراته على جنوبي القطاع، وتحديدا المخيمات في وسط القطاع التي يفترض بها أن تكون المحطة الأولى للنازحين من الشمال، وهو ما يضعف إغراء السكان بالنزوح الطوعي.

أمام تلك الشواهد، نفترض تفسيرًا بديلًا للهجوم على مخيم جباليا غير التفسير التهجيري، إذ يبدو أن القوات الإسرائيلية تحاول من خلال هجومها على المخيم الواقع على خط التماس بين محافظة الشمال ومدينة غزة أن تخلق محورًا اصطناعيًا تتمركز فيه القوات الإسرائيلية وتفصل بين المنطقتين، بما يمهد الأرض أمام إمكانية الحكم العسكري، والانتقال من الآلية العسكرية (القصف والاشتباك والتمشيط) في مواجهة المقاومة المسلحة، إلى آلية أمنية تعتمد الملاحقة والمراقبة.

عن الكتّاب

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).