سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
عندما عدت من جنوب قطاع غزة، بعد نزوح قاس دام قرابة الشهر، كان من الصعب عليّ مواجهة حجم الدمار الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مدينتي.
في الأيام الأولى لعودتي إلى مدينة غزة، سرت في شوارع المدينة، محاولًا تذكر كيف كانت ملامحها ومعالمها ومبانيها القديمة.
وجدت نفسي في لحظة ما تائهًا في مكان يُفترض أنني أعرفه عن ظهر قلب. تشابهت الأنقاض، اختفت الألوان والملامح، فبدت المدينة تشبه بعضها، مكسوة بلون رمادي قبيح موحد يصيب الروح بالكآبة.
لمحت صبيًا نحيلًا يكافح لحمل حزمة أخشاب للنار، بدت كأنها بقايا سرير طفل صغير. سألته في أي مكان أنا، ليجيبني: «أنت في منطقة النديم، غرب حي الزيتون».
أُصدم من الإجابة، فهذا المكان أعرفه جيدًا. التفتُ يمينًا ويسارًا لعلي أميز شيئًا فيه أقارنه مع ما أحفظه في ذاكرتي. لكن الأمر كان صعبًا. فهذه منطقة من الواضح أنها تعرضت للتدمير مرات ومرات حتى اختفت كل معالمها.
اتجهت شرقًا، ومع كل خطوة في هذا الاتجاه يزداد الدمار قبحًا، ويزداد اللون الرمادي قتامة.
أدركت من النظرة الأولى أن أكثر من عربة مفخخة انفجرت هنا، فالمباني بدت وكأن زلزالًا عظيمًا ضربها، أو قنبلة نووية انفجرت بها.
أسير وحواسي كلها متحفزة لأي خطر. فكانت أعداد الناس تقل كلما واصلت السير شرقًا، ما يعني شيئًا واحدًا: أنني أقترب من «الخط الأصفر».
الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة، فهناك يتمركز الجيش الإسرائيلي، يصوب مدافعه وبنادقه نحو كل من تسول له نفسه الاقتراب، سواء كان أعزل أو مسلحًا، صبيًا أو رجلًا. الكل مستهدف.
عندما هممت بالعودة، ناداني أحد الأشخاص محذرًا: «تشرقش أكتر وإلا مش حترجع»، أي لا تذهب شرقًا أكثر وإلا لن تعود. هززت له رأسي وبدلت اتجاهي. لكني قبل أن أرحل سألته عن موقعي، فقال: «هذا الشارع أمامك هو شارع صلاح الدين».
شارع صلاح الدين، أكبر شوارع قطاع غزة وأهمها. قرب الجيش منه يعني أن الاحتلال ابتلع نصف المدينة وأبقاها تحت سيطرته.
فكرت في أشجار الزيتون الكثيرة التي كانت تتركز في المنطقة الشرقية من هذا الحي. بالتأكيد لم يبق لها أي أثر الآن.
اتجهت شمالًا هذه المرة. أسير فوق طريق لم يعد طريقًا. حفرة هنا وأخرى هناك. تعثرت أكثر من مرة وأنا أنظر حولي. اضطررت إلى الجلوس فوق حجر أحد المنازل المدمرة لألتقط أنفاسي. ثم عادوت المسير.
في طريقي رأيت رجلًا يجلس هو وعائلته فوق أنقاض أحد البيوت المدمرة. تبادلنا الحديث، ليخبرني عن بيت عمره أكثر من 40 عامًا كانت تسكنه 11 عائلة، تحول اليوم إلى مجرد أنقاض.
كان كمال السرحي يتحدث إليّ وهو يشير إلى بيته وبيت عائلته، وتكاد عيناه تفيضان بالدموع.
قال لي: «نزحت إلى جنوب القطاع عندما اشتد القصف على حي الزيتون. كنت آخر من غادر هذا الحي عندما وصلت العربات المتفجرة تحت منزلي بالضبط. أدركت حينها أن الإخلاء هو السبيل الوحيد للنجاة بروحي وأرواح عائلتي». وتابع: «حملت ما يمكن حمله من المتاع وخرجت أنا وعائلتي تحت جنح الظلام، متجهين إلى غرب المدينة، ومن ثم جنوبًا، سعيًا للبحث عن بعض الأمان»، مضيفًا، «عشنا هناك كل أنواع المعاناة، من النزوح والتشرد والبحث عن خيمة تؤوينا. وعندما علمت بأن هناك وقفًا لإطلاق النار وانسحابًا للجيش من بعض مناطق المدينة، آثرت العودة فورًا لأرى ما حل ببيتي».
«لكن ما وجدته صعقني تمامًا وتركني في حالة صدمة لم أفق منها حتى اللحظة. بيتي وبيت عائلتي سوي بالأرض. وها أنا اليوم أجلس فوق أنقاضه، لا أعلم ماذا تخبئ لنا الأيام»، يقول السرحي.
آلاف المباني والمنازل في مدينة غزة سويت بالأرض، والبنية التحتية اختفت كما لو أنها لم تكن موجودة يومًا.
حسين جمال، أحد سكان حي الزيتون، قال لي إن الاحتلال لم يكتف بتدمير المنازل والمباني، بل سعى إلى تدمير كل شيء قد يجعل هذه المدينة صالحة للحياة بعد ذلك. فلا مياه ولا كهرباء ولا صرف صحي ولا مستشفيات ولا مدارس ولا جامعات، كل هذا أضحى ركامًا اليوم.
«فقط لنحصل على الماء أحتاج إلى السير لساعات بحثًا عن مصدر، ولشحن هاتفي المحمول، أحتاج إلى السير أميال حتى أجد شخصًا يمتلك لوح طاقة شمسية»، يقول جمال، مضيفًا «الحياة هنا أضحت صعبة إلى أقصى الحدود». وتابع «نزحت إلى جنوب القطاع عندما لم يكن هناك مناص من النزوح، فالدبابات وصلت إلى عمق الحي، وكان كل شيء في طريقها هدفًا مستباحًا. وعندما عدت بعد أن انسحب الجيش، وجدت منزلي وقد تحول إلى أنقاض، وأضحت الذكريات معه شيئًا من الماضي».
وفي أثناء سيري داخل الحي، قابلت رجلًا مسنًا يحفر بين الأنقاض، قال لي: «هذا منزلي، وتحته جثة ابني».
كيف لأب تجاوز السبعين من عمره، ومع كل ما عايشه من أهوال خلال حرب الإبادة، أن يقوم بمثل هذه المهمة الثقيلة والمؤذية نفسيًا: الحفر بين الأنقاض بحثًا عن ابنه، الذي قد يجده أو لا.
سألته عما حدث، فقال لي: «ابني رفض النزوح. كان يظن أن الجيش لن يصل إلى منطقتنا. لكنه كان مخطئًا»، وأضاف «أبحث منذ أيام تحت الأنقاض لعلي أجد جثته، أو جزءًا منها، لأواسي نفسي بأني وجدته ودفنته. في البداية كان هناك من يساعدني، لكن مع الوقت، يئس الناس، وبقيت وحدي أبحث عنه».
ربّت على كتفه وواصلت السير، كنت أحاول استعادة ملامح المدينة التي مُسحت.
هنا كان يوجد مسجد، أعرفه من مئذنته التي لم يبق منها سوى قمتها. وهنا كان متنزه. وهناك مطعم كنت ارتاده قبل الحرب. وذاك بيت أحد أقاربي. أما هذا فكان منزل صديقي عمر، الذي استشهد قبل أشهر وهو يحاول الحصول على بعض الطعام لأسرته، بعدما قنصه جندي جبان كان يتخذ من قنص الشباب الأعزل الجائع لعبة لتسلية نفسه.
استشهد عمر وهو يحلم بأن يصل بكيس الطحين الذين كان يحمله إلى عائلته. وها هو بيته يلحق به.
أقف أمام منزله الذي كان مليئًا بالحياة والضحكات التي جمعتنا أيامًا عديدة، كيف أضحى اليوم مجرد أنقاض يكسوها اللون الرمادي.
ألقي السلام على البيت وأصحابه الذين قضوا، وأتابع سيري.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
عن الرهانات الخاسرة.. في ذكرى يحيى صبيح
«اوجعت قلوبنا يا يحيى.. فمن ذا الذي يسد فراغًا في القلب تركه من أحببناه»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد