قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
في 17 نوفمبر، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2803 بمساندة الدول العربية والإسلامية التي تجد نفسها غير قادرة على مواجهة إسرائيل ولا الولايات المتحدة، وبتأييد من السلطة الفلسطينية التي لا تفتأ تبحث عن دور، ووسيلة للعودة إلى حكم غزة عبر خطة ترامب، لكن من المهم الآن تقييم فرص تنفيذ القرار على الأرض، وقراءة نتائجه المرتقبة.
يَعْتَمِدُ القرارُ خطةَ الرئيس ترامب لوقف الحرب في غزة، ويدعو إلى تنفيذها، ويُضْفِي عليها الشرعيةَ الدولية، بعد أن كانت مُجَرَّدَ اقتراحٍ رحب به الكثيرون، على أن يتم التفاوض علي تفاصيله التي يشوبها الكثير من الغموض فيما يتعلق بالتزامات إسرائيل، وحقوق الجانب الفلسطيني. تَمَّ الترحيبُ بالقرار باعتباره الفرصة الوحيدة لوقف حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني انتقامًا من هجوم المقاومة على إسرائيل يوم 7 أكتوبر 2023، وهو الهجوم الذي أتى بدوره ردًا على ممارسات الاحتلال في المسجد الأقصى والأراضي المحتلة، وعلى الاتجاه إلى توسيع اتفاقات التطبيع العربي مع إسرائيل بصرف النظر عن القضية الفلسطينية.
يُرَحِّبُ القرارُ بتشكيل مجلس للسلام برئاسة ترامب، للإشراف على إدارة غزة، رغم أن المجلس لم يتشكل بعد. ويُعْتَبَرُ ذلك المجلس، في تقديري، تنفيذًا لما صرّح به ترامب، في مارس الماضي، من أنه سيتسلم غزة ويحكمها من أجل تحويلها إلى منتجع سياحي بعد إخراج أهلها منها، وطردهم إلى مصر والأردن. إذ يتضمن القرار في فقرته الرابعة الفرعية (من فقرته الرابعة العاملة باء)، ضمن المهام التي سيتولاها مجلس السلام هذا، «اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتيسير حركة الأفراد إلى داخل أو خارج غزة بما يتفق مع الخطة»1.
يُرَخِّصُ القرارُ في فقرته العاملة السابعة لمجلس السلام وللدول التي تعمل معه، بإنشاء قوة دولية للاستقرار International Stabilization Force (ISF) تحت قيادة مُوَحَّدَة يوافِقُ عليها مجلسُ السلام، وتعمل وفقًا لتوجيهاته الاستراتيجية. وتُعْتَبَرُ تلك القوةُ بذلك قوةً مُسْتَقِلَّةً عن مجلس الأمن، وعن إدارة عمليات حفظ السلام بالأمم المتحدة. ويُرَخِّصُ للقوة «استخدام جميع الوسائل»، أي القوة المسلحة، من أجل تنفيذ مجموعة من المهام الصعبة المُتعارضة: الحماية والمواجهة، والهدم والبناء، وإحكام الحدود، وتوفير ممرات آمنة2. ويُعَدُّ الترخيصُ بإنشاء قوةِ الاستقرار الدولية المستقلة عن الأمم المتحدة أحدَ أهم أهداف القرار، كما أعلنت الولايات المتحدة التي تقدمت بمشروع القرار واستخدمت جميع الوسائل لتمريره.
القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية. هناك سوابق كثيرة تتعلق بإنشاء قوات التحالف الدولي لتحرير الكويت بعد الغزو العراقي: القرار 678 (1990)، وللتدخل في البوسنة: القرار 1031 (1995)، وفي كوسوفو: القرار 1244 (1999)، ولإنشاء منطقة حظر للطيران وحماية المدنيين في ليبيا: القرار 1973 (2011). ويجمع بين مختلف هذه القرارات أن القوات المستقلة التي قامت بتشكيلها كانت مُوَجَّهة لإصلاح مخالفات جسيمة للقانون الدولي ارتكبتها الدولة المستهدفة مثل احتلال أراضي الغير، أو إبادة شعب دولة أخري، أو قمع وتقتيل شعبها.
لكن أقرب قرارات مجلس الأمن إلى القرار 2803، هو القرار 1386 الصادر في ديسمبر 2001 لدعم الحكومة الأفغانية المؤقتة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان انتقامًا من الهجوم بالطائرات المدنية الذي دمّر برجي التجارة العالمية في نيويورك بمن فيهما في 11 سبتمبر 2001. 3 فقد رَخَّصَ بتشكيلِ قوةٍ مستقلةٍ للدعم الأمني International Security Assistance Force (ISAF) من أجل تأمين البيئة الأمنية، ومكافحة مقاومة الحكومة الأفغانية السابقة، التي كانت تقودها حركة طالبان، للاحتلال الأمريكي، وتمكين الحكومة الأفغانية المؤقتة التي أتى بها الغزو الأمريكي من بسط سيطرتها على العاصمة الأفغانية، ومساعدتها على إعادة البناء والتعافي الاقتصادي. بدأت القوة بخمسة آلاف جندي من الدول الغربية، ثم تم تسليم قيادتها لحلف شمال الأطلسي عام 2003، وتم توسيع ولايتها تدريجيًا لتشمل كل أنحاء أفغانستان، ومضاعفة عدد القوات 30 ضعفًا حتى وصل إلى 150 ألفًا عام 2012، قبل إنهاء المهمة في 2014، وإنشاء قوةٍ مُقَلَصَةٍ بدلاً منها4. فشلت قوة الدعم الأمني تلك فشلًا ذريعًا في احتواء تمرد طالبان، وتعرضت لاختراقات عديدة أدت إلى مقتل ما يزيد على 5000 من أفرادها، وإهدار ما يزيد على تريليوني دولار، حتى أصبحت أولويتها الأولى بعد عشر سنوات من إنشائها الانسحاب دون إراقة ماء الوجه5.
استراتيجية «مكافحة التمرد»
يحاوِلُ القرار 2803 الخاص بغزة، مثله مثل القرار 1386 الخاص بأفغانستان، وما حاولَت إسرائيلُ فعله في غزة منذ أكتوبر 2023، وما حاولَته الولاياتُ المتحدةُ في أفغانستان بين 2001 و2021، ومن بعدها في العراق بين 2003 و2011، تطبيقَ استراتيجية مكافحة التمرد Counter Insurgency المعروفة اختصارًا بـCOIN التي ابْتَدَعَتْها الولاياتُ المتحدة والدول الغربية، وتتمثَّلُ في إغراق المنطقة المستهدف السيطرة عليها بالقوات لإجبار المتمردين على الهرب أو الاختفاء، مع اقتران ذلك بضخ الأموال والاستثمارات لتوزيع المساعدات الإنسانية، والمساهمة في إعادة البناء، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية من أجل استمالة السكان المحليين، وترويضهم للقبول بالحكومة الموالية للاحتلال. هذا من الناحية النظرية. لكن هذه الاستراتيجية تواجِهُ وضعًا مختلفًا تمامًا على أرض الواقع يتمثَّلُ في الاضطرار للتعامل مع حكومة عميلة فاسدة تسرق المساعدات، وتَزيدُها الأموالُ والمواردُ المتدفقة من أجل المعونات الإنسانية وإعادة البناء فسادًا.
كما تواجِهُ حقيقةَ رفضِ السكان المحليين للحكومة العميلة، ولتواجد قوات الاحتلال الأجنبية، وتواجه كذلك اضطرارَ القوات لتَوَسيع نشاطِها لتنفيذ مهام إعادة البناء، مع تحديد قواعد الاشتباك لتفادي استعداء السكان المحليين، مما يُوَسِّعُ فُرَصَ تَعَرُّضِ أفرادها للقتل والإصابة، ومن ثم تَذَمُّرِهم تجاه القيادة نتيجة تقليص قواعد الاشتباك بما لا يُمَكِّنُهم من الرد، ويؤدي ذلك في النهاية إلى تَدَهْوُرِ روحِهم المعنوية، وقدرتِهم القتالية، وكذلك إلى لجوئهم للرد غير المتناسب الذي يغذي استعداء السكان المحليين.
مثلًا، تَدَهْوَرَ حالُ قوةِ الدعم الأمني الدولية ISAF في أفغانستان، حتى أصبحت مضرب المثل لعدم الكفاءة القتالية، وبات يتم استخدامُ الأحرف الأولى من تسميتها باللغة الإنجليزية لإطلاق أسماء تسخر منها، على غرار: «أنا أقاتل بصورة سـيئة للغاية I Suck At Fighting»، و«أرى الأمريكيين يقاتلون I Saw Americans Fighting»، حتى أن أحد أبرز قادتها، الجنرال الأمريكي ستانلي ماكريستال، الذي تم تكليفه بالقيادة عام 2009 لإنقاذ الموقف، أطلق على القوة التي استلم قيادتها In Sandals And Flip-flops أي «قوة صنادل وشباشب»، للتعبير عن حالتها المُزْرِية، خلال مقابلة صحفية شهيرة مع مجلة The Rolling Stone، تم تسريبُها في مايو عام 2010 قبل نشرها في نهاية يونيو من نفس العام، مما كلَّفَهُ مَنْصِبَه، ومسارَه المهني في الجيش الأمريكي6.
تحديات تنفيذ القرار
تشكيل القوة: إذا عُدنا لوضع غزة بالتحديد، نجد أن التحديات التي تواجه تنفيذ القرار 2803 تتعدى مسألة إنفاذ ولاية قوة الاستقرار الدولية، إلى مسألة تشكيل القوة ذاتها. إذ بالمخالفة للسوابق، حيث كانت القوات الدولية جاهزة للتدخل بقيادة الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي أو الإثنين معًا قبل إصدار قرار مجلس الأمن، فإن قوةَ الاستقرارِ المُرْتَقَبَةَ لغزة لم يَتِمّْ تشكيلُها بعد. ولا تَجِدُ حتى الآن من هو مستعد للمشاركة فيها بعد أن اتضح أنها تستهدف الدخول في مهام قتالية ضد المقاومة الفلسطينية بالنيابة عن إسرائيل، مما يُعَرِّضُ أفرادَها للقتل والإصابة، أو للاتهام بارتكاب جرائم حرب (في حالة النجاة من القتل ومن الإصابة). ويتضح ذلك من الترحيبِ المبدئى والاستعدادِ للمشاركة الذي قابلت به دولٌ أوروبيةٌ وعربيةٌ وإسلاميةٌ عدةٌ الأفكارَ المتعلقةَ بإنشاء القوة عند إعلان خطة ترامب في نهاية سبتمبر 2025، ثم تَوَالِي إعلان تَرَدُّدِها ونكوصِها عن المشاركة، بعد أن تَبلْوَرَتْ ولايةُ القوة من خلال القرار 2803 والمفاوضات التي أفضت إليه.
الفساد وتعارض المصالح: هذا بخلاف تعارض المصالح، والفساد، والفضائح المالية المُتوقعة بشأن تشكيل مجلس سلام يرأسه الرئيس ترامب الذي أُدينَ هو نفسُه بجنحةِ فسادٍ في بلاده، وبشأن توريد المساعدات، وتطويرِ خطط إعادة البناء، وإعداد المشروعات ودراسات الجدوي وتنفيذها، وتلقِّي التمويل بواسطة مجلسٍ ليس بعيدًا عن الشبهات، ربما يسعى في النهاية لتحقيق نتيجة تقترب من خطة ترامب السابقة المتعلقة بإنشاء منتجع سياحي في غزة لصالحه علي حساب سكانها، وحديثه وقتَها، الذي لا يذكره أحدٌ الآن، بأنه سيتسلم غزة ويتولى حُكْمَها. كل ذلك ليس بعيدًا عن خبرات سابقة تتعلق بأفغانستان، والعراق وبرنامج «النفط مقابل الغذاء».
حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية: أما الاقتباس الذي تم إقحامه في الفقرة العاملة الثانية من القرار لنص الفقرتين الأخيرتين رَقَمَيِّ 19 و20 من خطة ترامب، بشأن الشروط المُبهمة شبه المستحيلة لمسارٍ ذي مصداقية لتقرير مصير الفلسطينيين وإنشاء دولة، فهي أبعد ما تكون عن الواقعية، وعن النوايا المُعلنة دون مواربة لمن أعد الخطة وصاغ القرار، الذي حرص على أن يُتْبِعَ الإشارةَ البعيدةَ لتلك المُحَرَّمات (حق تقرير المصير وإنشاء دولة) بالتزامٍ خاوٍ بترتيب مجرد «حوار من أجل الوصول إلى أفق سياسي للتعايش السلمي»، أخذًا في الاعتبار أن الأُفُقَ لا يُدْرَكُ أصلًا، إنما يبتعد عَمَّنْ يحاوِلُ الوصولَ إليه. فالقرار والخطة بالصيغة الحالية يمنحان إسرائيل ما يوازي خمسين عامًا من السماح على الأقل بشأن استحقاقات الدولة الفلسطينية. فَهُمَا يُعيدان الوضعَ خمسةً وثلاثين عامًا إلى الوراء: إلى ما قبل مؤتمر مدريد، وعملية أوسلو، ثم يؤجلان انطلاق الحوار المزعوم عشر سنوات على الأقل إن لم يكن أكثر، إلى أن يكتمل إصلاح السلطة الفلسطينية على نحوٍ يُرضي إسرائيل والولايات المتحدة، ويتحقق التقدم المطلوب في عملية إعادة بناء غزة. من المهم ملاحظة أن كل هذه الأفكار ليست جديدة، بل تم تطويرُها وتسريبُها بواسطة مسؤولين حاليين وسابقين في أجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية منذ ديسمبر 2023، ثم التشاور بشأنها مع دول عربية وإسلامية من أجل توكيل قوة إقليمية من الدول التي تهادِنُ إسرائيل لاحتواء الوضع في غزة أمنيًا، وتفادي احتمالات إزهاق أرواح وموارد قوات الاحتلال، على أن تحتفظ إسرائيل بحرية التدخل حين تشاء إذا استدعي الأمر، ويتمَّ تسليمُ الإدارة اليومية فيما بعد إلى هيئة حكم محلي لا تتبع حركة حماس ولا السلطة الفلسطينية، تنفيذًا لشعار «لا حماس ولا عباس» الذي أطلقه رئيس وزراء إسرائيل منذ البداية، ثم إجراء انتخابات بين أهالي القطاع، وما تَبَقَّي من الضفة الغربية بعد استتباب الأوضاع، بعد عمر طويل تم تقديره بعشر سنوات على الأقل، ثم النظر في الخطوات المقبلة وفقًا لنتيجة الانتخابات. تم عرض تلك الأفكار في مواضع عدة، أبْرَزُها المقابلة التي أجرتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مع السياسي الفلسطيني البارز محمد دحلان، المُنْشَقِّ عن السلطة الفلسطينية، المُقيم بالإمارات، في فبراير 2024. 7
كان رد الفعل العربي الرسمي المبدئي وقتها رفض التدخل بقوات لقتال الفلسطينيين تنفيذًا لأولويات إسرائيل، مع إبداء الاستعداد للنظر في المشاركة في قوة حفظ سلام دولية يتم تشكيلُها بقرار من مجلس الأمن لوقف الحرب وحماية الفلسطينيين، على النحو الذي دعا إليه البيان الختامي للقمة العربية السنوية التي انعقدت في المنامة بالبحرين في مايو عام 2024. 8
ولا شك أن القرار 2803 يُعْتَبَرُ استجابةً أمريكية للتحايُل على ذلك الشرط، والضغط على الدول العربية المُسْتهدفة للمساهمة بالقوات والتمويل اللازميْن لأداء تلك المهمة. لكن رغم كل ذلك، فإن احتمالَ النجاح في تنفيذ المهمة محدودٌ إذا تم تشكيل القوة أصلًا، والأرجحُ أن تتحولَّ إلى قوةٍ عقيمة، على غرار قوة «الشبشب» التي فشلت في إتمام مهمتها في أفغانستان9. ومن الوارد أيضًا أن يتعثر تشكيل القوة من الأساس، وأن يظل القرار حبرًا على ورق، على غرار قرارات مجلس الأمن السابقة التي تناولت مسألة حل الدولتين10.
أسلوبُ ترامب.. العوار الأكبر
تُوَضِّحُ النقاطُ السابقةُ مختلفَ التحديات العملية التي تواجه تنفيذ القرار 2803 بما يتضمنه من عدم توازن، وأفكارٍ لا تَتَّفِقُ مع مَنْطِقِ عمل المنظمات الدولية. لكن إلى جانب العقبات المتعلقة بالترتيبات العملية المتضاربة، وتلك المتعلقة بخصوصية القضية الفلسطينية، وانحيازه لمشاغل إسرائيل، فإن السبب الرئيسي لكل ذلك العوار يعودُ إلى مصدر الخطة نفسه: الرئيس ترامب، أخطر رجل في العالم، الذي عاد لينتقم، ويفرض رؤيته المصلحية الضيقة النابعة من خلفيته كرجل أعمال رأسمالي قُح على الشؤون الدولية. فهو لا يتمسك بمبدأ، ولا يعبأ بالقانون الدولي، ولا بحقوق الإنسان، ولا بالمنظمات الدولية. إنه يهتم فقط بالمكاسب الشخصية، والأموال والمشروعات التي يستطيع استقطابها لصالح شركاته وأسرته، وشركات مساعديه وأقربائهم. ويبدو ذلك من خلال تعاملاته على المستوى الداخلي والخارجي على السواء. مثلما تبيّن من ترحيبه غير المتوقع بغريمه زوهران ممداني، عمدة نيويورك المنتخب، خلال لقائهما بالبيت الأبيض، عندما أدرك أن أفكار ممداني المتعلقة بضرورة مراعاة مشاغل الناس بشأن تكاليف المعيشة، هي مفتاح اجتذاب أصوات الناخبين على كل المستويات. فهو يتبع أسلوب بسيط مكشوف، يبحث من خلاله عن الطرف القوي في أي صفقة أو موقف أو نزاع، للاتفاق معه على تحقيق مكاسب مشتركة، وعلى سحق الطرف الضعيف عند الحاجة، إن أمكن، لإجباره على التنازل عن حقوقه حتي لا يُعَطِّلَ المكاسبَ المنتظرة.
أوكرانيا.. أوروبا تشرب من نفس الكأس
وآخر مثال على ذلك، أحدثُ خُطَطِه لتحقيق السلام، ليس في غزة هذه المرة، بل في أوكرانيا. فقد تَقَرَّبَ إلى رئيس روسيا، وَوَجَّهَ مساعديه بالعمل معه لإعداد خطة تحقق لروسيا ما تتطلع إليه، مقابل حصول الولايات المتحدة على استثمارات ومنافع في صورة مشاريع توكل إلى شركات أمريكية لإعادة البناء في أوكرانيا وروسيا. والمفارقة هنا أن أوروبا التي ابتدعت أسلوب التعامل مع ترامب بالمداهنة والاستجداء، وتَحَمَّست لخطة ترامب بشأن غزة، وساهمت في إقناع أو إجبار الفلسطينيين والعرب على قبولها، وفي تطوير وثيقة مؤتمر الدولتين التي استهدفت اعتبار إقصاء حماس، ونزع سلاحها، وإصلاح السلطة الفلسطينية شروطًا مسبقة لأي تحرك دولي مستقبلي بشأن الحقوق الفلسطينية التي سبق الاتفاق عليها وتثبيتها في قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، أوروبا هذه تذوقُ في أوكرانيا من نفس الكأس التي شاركت في إجبار الفلسطينيين والدول العربية علي تَجَرُّعِها بشأن غزة. والمفارقة الأخرى أن جهود ترامب تلك بشأن أوكرانيا التي يستهدف بها الحصول على جائزة نوبل للسلام، لا شك أنها ستُفْقِدُهُ الجائزةَ المَرْجُوَّة التي يسيطر الأوروبيون على اللجنة التي تُحَدِّدُ صاحبَها. كما أن خططَه غيرَ المتوازِنة لن تحقِّقَ حلولًا للقضايا التي تتناولها، كما يَظْهَرُ من استمرار إطلاق النار من جانب إسرائيل بدعم أمريكي يوميًا في غزة، ولبنان، وكذلك من الوضع بين إسرائيل وأمريكا وإيران المُرَشَّحِ للاشتعال قريبًا. وكما سَيَظْهَرُ في أوكرانيا، حيث يوجد سيناريوهان لا ثالث لهما، عَبَّرَ عنهما رئيسُ أوكرانيا عندما عَقَّبَ بأن الخطةَ تفرض عليه إما خسارة الدعم الأمريكي، أو التنازل عن الكرامة. السيناريو الأول: صمود الدول الأوروبية في دعمها لأوكرانيا، مما يؤدي إلى تعديل الخطة لموازنتها، أو تراجع ترامب عنها واستمرار القتال، ويُثْبِتُ أن ما خسرته المقاومة في غزة وفي المنطقة عمومًا يعود لعدم مساندة الدول العربية لها، حتى تحافظ على الدعم الأمريكي، وأن ما حققته إسرائيل حتى الآن يعود للدعم الذي يوفره لها حلفاؤها، ليس لإمكاناتها الذاتية. والثاني، تنفيذ خطة ترامب وتنازل أوكرانيا وأوروبا عن الكرامة. وفي هذه الحالة، لن تتوقف روسيا عند أوكرانيا، بل ستستمر في فرض شروطها وتوسيع نفوذها، كما تفعل إسرائيل في المنطقة العربية. هذا، علمًا بأنه بصرف النظر عن مآل خطة أوكرانيا، فإن آثار سياسات ترامب هذه لا تقتصر علي الشرق الأوسط وأوروبا، بل تطالُ مكانةَ الولايات المتحدة في النظام الدولي، والنظامَ الدوليَّ ذاتَه، وكذلك الأممَ المتحدةَ التي لا تَزيدُها مثل تلك القرارات إلا ضَعْفًا وهَوَانًا.
1 التي تتضمن بدورها في فقرتها السادسة «توفير ممرات آمنة لأعضاء حركة حماس الذين يرغبون في المغادرة»، وتوضح فقرتها الثانية عشرة أنه «لن يتم إجبار أحد على مغادرة غزة، لكن من يرغب في الخروج ستكون له حرية الخروج وحرية العودة، مع تشجيع السكان على المكوث وتوفير الفرص لهم لبناء غزة أفضل».
2 حماية المدنيين/ نزع سلاح المجموعات المسلحة من غير الدول، وفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية بالتنسيق بين الدول المعنية، وتأمين المناطق الحدودية بالتعاون والتنسيق بين مصر وإسرائيل، اللتين تتسم علاقتهما بالتوتر الظاهر، وهدم البنى التحتية العسكرية الهجومية الإرهابية، دون توضيح من يحدد تلك البنى التحتية، ويؤكد انطباق الصفات التي تجعلها مرشحة للهدم/ تأمين البيئة الأمنية من أجل التمكن من إعادة البناء والتعافي الاقتصادي.
3 يُضاف إليه مشروع القرار الذي أعدته الولايات المتحدة للترخيص بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لكنه لم يصدر بعد أن هددت فرنسا باستخدام حق الفيتو.
4 «قوة الدعم الحاسم» التي تم إنهاء مهمتها هي الأخري عام 2021، بعد الانسحاب المُذِلِّ للقوات الأمريكية بقليل.
5 هذا، فضلاً عن قتل ما يزيد على 40 ألف مدني على أقل تقدير، وقتل أضعافهم من أنصار طالبان ومن أفراد الجيش والشرطة الأفغانية، حتى تجاوز عدد الضحايا المباشرين 170 ألفًا. بينما تُقَدِّرُ نفسُ المصادر عددَ الضحايا غير المباشرين بأربعة أضعاف ذلك العدد، وفقًا لمشروع «تكاليف الحرب» الذي أعدته جامعة براون الأمريكية.
6 مجلة The Rolling Stone، العدد رقم 1108/ 1109، 8-22 يوليو 2010.
7 المنشورة في موقع نيويورك تايمز الإلكتروني بتاريخ 14 فبراير 2024 تحت عنوان: «منشق فلسطيني يدعو لرؤية عربية لغزة» A Palestinian Exile Champions an Arab Vision for Gaza.
8 ندعو إلى نشر قوات حماية وحفظ سلام دولية تابعة للأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى حين تنفيذ حل الدولتين.
9 من المصادفات ذات المغزى أن الاختصار الإنجليزي لاسم القوتين يكاد يكون متطابقًا: ISAF، وISF، ويصلح لإطلاق نفس الاسم الساخر: In Sandals and Flip-flops.
10 القرار 1397 عام 2002؛ والقرار 1515 عام 2003 الذي اعتمد خارطة طريق اللجنة الرباعية بشأن حل الدولتين، والقرار 2334 لعام 2016 الذي تقدمت به مصر أثناء عضويتها في مجلس الأمن، نهاية عام 2015، لإدانة أنشطة الاستيطان الإسرائيلية، ثم سحبته بناءً على اتفاق الرئيس السيسي مع الرئيس الأمريكي المنتخب لأول مرة ترامب، لإتاحة الفرصة للأخير لتقديم صفقة القرن بعد توليه منصبه، لكن إدارة الرئيس المنتهية ولايته أوباما أوعزت إلى دول غير عربية أعضاء في مجلس الأمن بالإصرار على التصويت عليه ردًا على استفزازات إسرائيل لتلك الإدارة، والقرار 2735 الذي اعتمد الخطة الإسرائيلية لوقف إطلاق النار التي أعلنها الرئيس الأمريكي السابق بايدن في نهاية مايو 2024، ثم تراجعت عنها إسرائيل.
آراء أخرى
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
عن الرهانات الخاسرة.. في ذكرى يحيى صبيح
«اوجعت قلوبنا يا يحيى.. فمن ذا الذي يسد فراغًا في القلب تركه من أحببناه»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد