تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

جاري أنس الشريف

عمر موسى
4 دقيقة قراءة
جاري أنس الشريف

ليلة الثالث والعشرين من أكتوبر 2023، التقط أنس الشريف صورة لقمر غزة وكتب: «قمر الليلة مع غبار القصف». مثل ابتسامته الودودة، كانت الصورة برهانًا على آدميته في وجه التوحش الإسرائيلي: تخلى للحظة عن ارتيابه المشروع بينما القصف يدمر أمكنته ويقتل ناسه، ورفع رأسه يعاين كيف يحجب دخان القصف -الإرث الإجرامي الثقيل الذي لا يتبدد- القمر من سماء غزة. بدت تلك اللحظة كأنها نجاة مؤقتة من المجزرة. أنظر الآن إلى عبارته ولا أجد في وصف رحيله أكثر صدقًا منها.

تصوير: أنس الشريف

لم أعرف أنس من شاشة الأخبار، ولم أعرف والده الشيخ جمال لحظة أن استشهد إثر جريمة إسرائيلية. أعرفهما منذ ولدت، فقد كانا جيراننا في مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، ولا يفصل بين بيتنا وبيتهما سوى صف قصير من بيوت المخيم.

قبل عقد ونصف، كان الشيخ جمال صاحب محل فلافل صغير عُرِف بخلطته المميزة، حد أن يأتي الناس إليه من الحارات المجاورة، ومثالية حد أن الناس كانوا يتحملون حرج المرور على بسطات الفلافل في حاراتهم وهم يحملون «فلافل الشريف». حين كنت أقصد محله وأجده مغلقًا، كنت أعود إلى بيتي وأقول بخيبة لعائلتي: «الشريف مسكر، جبت الفلافل والمسبحة من محل تاني».

كنت أكبر، وكانت شخصية الشيخ جمال تكبر في ذاكرتي وترتقي من مكان إلى آخر. ترك الشيخ جمال محل الفلافل بعد أن أصبح رجل إصلاح اجتماعي إثر سمعته الطيبة في المخيم، وصار يتنقل يوميًا من حارة إلى حارة لحل الخلافات العائلية. صنع الشيخ جمال سيرته الذاتية، ثم صنعت له حرب الإبادة الإسرائيلية سيرة ثانية بعد أن صار امتدادًا سياسيًا لابنه أنس، وهي سيرة الشهيد الذي قتله جيش الاحتلال بقصف منزله يوم 11 ديسمبر 2023، ليخضع ويعاقب ابنه أنس.

مثل أبيه، تدرجت ذكرياتي مع أنس مثل كل جيراني، فشهدت أنس الصغير الذي كان يجاور والده في محل الفلافل. أتذكر صورة الابن الودود التي كان يمثلها، ثم بدأت شيئًا فشيئًا أبصر أنس وهو يكبر ويطارد حلمًا ممكنًا قبل أن يحيله الاحتلال إلى حلم مستحيل. كان أنس، الشغوف بالتصوير، يدير مع أصدقائه شبكة الشمال أون لاين التي كانت تغطي الأخبار العاجلة في غزة. كنت أراه دائمًا يحمل شنطة الكاميرا على ظهره، ويتنقل من مكان إلى مكان فوق دراجته النارية، ومثلما تظهره الصور والفيديوهات: كانت الابتسامة أسهل شيء عند أنس؛ يفرج وجهه البشوش عنها لحظة أن تلتقي عينك بعينه.

لحظة أن قرأت الخبر، لا أعرف لماذا اجتاحتني رغبة في أن أقول للعالم: إنيّ خسرت أنس ابن جيراننا. لماذا تملكتني هذه الرغبة؟ هل أسيئ له بذلك أم أعبر له عن اعتزاز أكثر عمقًا وترابطًا؟ لماذا شعرت برغبة أن أحتفظ بصورة أنس الحية؛ صورة أنس المركبة النابضة، أن أتمسك بالمكان الذي شغله في حياة عائلته وحياة أصدقائه وحياتي قبل حرب الإبادة؟ ربما لأن في هذه الصورة بالتحديد، تتجسد غزة التي كنت أعرفها وأقاوم الآن نسيانها، لا غزة التي تعيد حرب الإبادة تشكيلها.

حين كنت أُسأل عن أنس، كنت أجيب باعتزاز: «أنس جاري». وكل ما تلا ذلك، كان انعكاسًا لآثار حرب الإبادة وامتدادًا للجريمة الإسرائيلية وعنفها المركب عليه وعلى كل أهالي غزة. لم يُخلق جاري أنس لتحاصر لفظة «مجزرة» لسانه وهو يحكي عن أهله وناسه، ولم يحلم جاري أنس بموته، لكنه قُتل ظلمًا بعد أن رصفت له دولة نووية مجرمة مجهزة بكل وسائل القتل والتدمير ومدعومة من كل دول العالم، طريق خوف طويل كانت نهايته أشد ظلمًا.

تصوير: سائد حسب الله

في كل ثانية من عمر حرب الإبادة، عاش أنس ابن جيراننا ومثله أهلنا في غزة، حياةً كاملةً من العنف والحرمان، لم يصبه وحده، بل أصابنا نحن أيضًا، ومثلما هو ضحية هذا العنف الهمجي، نحن ضحية العنف الذي أصابه وأصاب آلاف غيره؛ فالخسارة هنا ليست شخصية بل انكسار جماعي عميق.

أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرفه؛ بل وتحمل قدرًا كبيرًا من الظلم بحقه، إذ بدا أن القتل كان عتبة اكتمال صورة الصحفي الرمز؛ فهل كان مجد أنس في موته لا في الدفاع عنه ومنع الظلم الذي أصابه؟ وما نفع التضامن الذي لا يردع الظلم والقتل عنا، بل يرى أن مجدنا الموعود هو القتل واليتم؟

أمام الفقد الذي لا يتوقف بفعل الجريمة الإسرائيلية المستمرة. يؤنبني ضميري كلما حاولت الوقوف والحديث عن شهيد، وتتزاحم في رأسي صور كل الذين حرمتني منهم حرب الإبادة: أهلي وأقاربي وأصدقائي وجيراني. كل واحد منهم يسألني:«وأنا؟» فأخاف، وأهرب، وأقول: «سيحين الوقت». لكني شعرت أن عليّ أن أقول شيئًا ضد استباحة ذاكرتي، وأن أظهر أبعاد الجريمة الإسرائيلية المستمرة ضدنا، وأن أستعيد سيرة غزة وأهلها التي أعرفها بينما أشاهد في كل ثانية صورًا ومقاطع فيديو لغزة التي لم أعد أعرفها: غزة التي يعيد جيش الاحتلال تشكيلها وصياغتها لتصير إرث إجرامه وخلاصة أخلاق العالم.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).