تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

كيف تُعلمنا العبرية شيئاً عن ذواتنا “شهادة شخصية وغير شخصية”

نائل الطوخي
6 دقيقة قراءة

"كان من الأفضل أن نتحدث في هذا اللقاء بالعربية أو التركية، خاصة مع وجود إرث حضاري مشترك بيننا، كان من الضروري أن يوجد من يترجم إلي التركية، لذا فمن دواعي الأسف أن نتحدث بالإنجليزية"

أورهان باموق في معرض الكتاب بالقاهرة عام 2007

ذات مرة، وكنت في الفرقة الثانية من الكلية، وكانت العائلة قد عرفت أنني دخلت قسم اللغة العبرية في كلية الآداب، جلست مع عمي وسألني: "امتى تقدر تقول إنك أتقنت اللغة العبرية بنفس مستوى إتقانك للإنجلش مثلاً؟" حيرني السؤال لأني ببساطة، كنت يومها قد أتقنت العبرية أكثر بكثير من مستوى إتقاني لـ"الإنجلش"، وبشكل ما، اعتبرت هذا أمراً بديهياً. لم أكن متفوقاً في الإنجليزية، لم أكن شاباً متأمركاً على غرار أبناء عمومتي. كنت شاباً معقداً وكئيباً أكتب القصص وأتقن اللغة العربية. في الحقيقة، فحتى وقتها، ولسنوات بعدها، لم أكن قد أدرت حواراً واحداً بالإنجليزية مع أي صديق أجنبي. وقتها كانت عبريتي أفضل من إنجليزيتي بلا جدال، وعربيتي أفضل من الاثنتين.

دخلت قسم اللغة العبرية، كما قلت من قبل، عن طريق الصدفة. كنت أريد الإنجليزية ودرجاتي في الإنجليزية لم تكن تسمح. ولم يكن في كلية آداب جامعة عين شمس من أقسام تدرس لغات منفصلة غير الفرنسية والعبرية، وأنا لا أعرف شيئاً في الفرنسية. إحدى نتائجي في الفرنسية في أحد الأعوام كانت نصفاً (نصف درجة) من عشرين. كنت فاشلاً في تعلم اللغات.

رغم فشلي هذا، شغفت بالعبرية. ويبدو أن هذا حدث مبكراً، أذكر جيداً أني من أيامي الأولى في الكلية كنت على أهبة العشاء، أمسكت رغيفاً وتأملته جيداً، ثم قلت لأمي إن شكل الخبز يذكرني بشكل حرف الصاد العبري، ويُرسم على هيئة צ. كانت القطعة منبعجة، وحرف الصاد بالعبرية يتلوى في أسفله كالراقصة، وفور رأيت رغيف الخبز تخيلت الحرف العبري على الفور. وهذا يدلنا طبعاً على أية أرغفة خبز نأكلها في القاهرة.

مرت السنوات وتزايد الهوس، أذكر أنني بدأت أقرأ روايات بالعبرية، وأنا في السنة الثالثة، وكنت أقرأ تفسيرات وتحليلات للعهد القديم بالعبرية أيضاً، وعندما أردت التوسع، قرأت تفسيرات بالإنجليزية، وبعد التخرج قرأت عدة كتب بالإنجليزية لمؤلفين إسرائيليين. على عكس الغالبية  في العالم العربي الذين رأوا إسرائيل عن طريق الإنجليزية، فأنا رأيت الإنجليزية عن طريق إسرائيل. كان كل من يعرف أنني أترجم عن العبرية يعتبر أنني أجيد الإنجليزية بالتبعية، وهذا حتى وقت طويل لم يكن صحيحاً. الآن، تقوت علاقتي بالإنجليزية أكثر، على الأقل كلاماً. الآن صنفت نفسي بشكل أفضل، أنا أقرأ وأكتب أفضل بالعبرية، وأسمع وأتكلم أفضل بالإنجليزية، وهذا يبدو منطقياً في مصر، ومنطقياً في جميع العالم. لأن الإنجليزية لغة التواصل العالمي مع الجميع، والعبرية لا يتكلمها أحد.

هذا هو الثقب الأساسي في علاقتي بالعبرية. أنا أدرس لغة لا أستطيع الكلام بها. ويبدو أيضاً أنني أتعلم ثقافة لا يهتم بها أحد في محيطي. لأنني إذا جلست مع أحد وكلمته عن عمل قرأته بالعبرية أو فيلم إسرائيلي شاهدته، فكيف أتوقع أن يرد علي؟ أما أن يسمعني للنهاية، بدون أن ينطق بكلمة، أو يعلق "إنت خاين"، أو "إنت فشيخ"، أو يخبرني أنه قرأ رواية إسرائيلية مرة، وحينها سيبدو غبياً، وجميعنا نحب أن نبدو أذكياء. أصبحت أكتم أغلب ما أقرأه، أعتبره سري الخاص.

هذه التجربة تختلف بالطبع عن تجربة زملائي وأصدقائي من الفلسطينيين، والعبرية بالنسبة لهم لغة يومية، وليس فقط لغة يومية، وإنما لغة الاحتلال اليومي، لغة الكلام مع الطرف المهيمن، لغة الإذلال في الحواجز العسكرية، لغة التناقض مع العربية، لم يُتح لي أن أعيش تجربة كهذه. كنت مدللاً في علاقتي بالعبرية، وأصلاً، أنا دخلت العبرية من مدخل العربية.

النظرة لإسرائيل هي نظرة مركبة دائماً. هذا يعود للتناقض البنيوي لإسرائيل نفسها، التي تنظر لنفسها كدولة غربية في الشرق الأوسط، وينعكس هذا على علاقة العرب بها. فمن ناحية يُنظر إلى إسرائيل ككيان غربي، ويعاديها أعداؤها العرب عداءهم للغرب، كما يحبها أصدقاؤها العرب حبهم للغرب، ولكن أيضاً يُنظر إليها في سياق شرقي أكثر خفاء. في الحقيقة أن وضعها في سياق شرقي هو أمر لا يخص إسرائيل بالتحديد، وإنما يخص اليهودية والعبرية. الأصدقاء كانوا يقرأون ترجماتي عن العبرية ويسخرون من الأسماء العبرانية، يخترعون أسماء من قبيل "أزاحيا بن شمعون بن حمطيئيل"، مثلاً، اسم هو الأكثر شرقية من أي شيء، بل وربما يبدو أكثر شرقية من الأسماء العربية. هذا ليس عارضاً، فكلنا، حتى المكابرون، نعرف أن العبرية ولدت فيما يُعرف اليوم بالشرق الأوسط، وأنها جاءت من رحم العربية، أو أن العربية جاءت من رحمها، أو جاء الاثنان من رحم واحد. هذا لا ينطبق على "دولة إسرائيل"، التي تأسست على يد مهاجرين صهاينة شرق أوروبيين.

هذا الارتباك عاناه الكثيرون، ومن بدايات الصهيونية. يحكي المؤرخ إيلان پاپيه، في مقال كتبه بمجلة "ميطاعام"، أن هرتسل وهو يخطط لدولته أراد أن تكون لغتها الرسمية هي الألمانية، لا العبرية، لأن الألمانية لغة التقدم والعبرية لغة "بدائية".

صحيح أن وجهة نظره لم تنتصر في النهاية، وأن دولته المستقبلية تحدثت العبرية، ولكن ستحدث تسوية بين العبرية واللغات الأوروبية، "غير البدائية". تحكي ليتال ليڤي، في كتابها "الانتهاكات الشعرية. الكتابة بالعبرية والعربية بين إسرائيل/ فلسطين"، أن اليهود في هجراتهم الأولى لفلسطين في نهايات القرن التاسع عشر كانوا منبهرين باللغة العربية بوصفها اللغة الأصلية للمكان، وأوصوا بدراستها بهدف فهم أفضل لبنية اللغة العبرية، كما انبهروا، انبهاراً استشراقياً على ما يبدو، بملابس البدو وأنماط حياتهم، ولم يفلت من هذا الانبهار الاستشراقي إليعازر بن يهودا، الذي يعد محيي اللغة العبرية وواضع أول قاموس بالعبرية الحديثة، وعارض الاستعارة من لغات غير سامية في العبرية الحديثة. بحسب كتاب ليڤي، فإعجاب بن يهودا بالعرب، وغيرته البادية منهم، بدآ منذ رحيله على السفينة إلى فلسطين، حتى أنه كتب عنهم: "طويلون وأقوياء... أحسست أنهم يشعرون بأنفسهم كأبناء لهذه الأرض، بينما أنا جئت لهذا المكان كغريب، كأجنبي".

ولكن سرعان ما انتصرت النظرة الأوروبية المعادية للعربية، بل وتم الزعم أنه ليس هناك ما يسمى بالثقافة العربية، ومن حينها أخذت اللغة العبرية سمتاً أوروبياً، سواء من ناحية تركيب الجملة أو الأصوات أو غيرها. فيما بعد، في الخمسينيات، سيحتقر اليهود الأوروبيون أولئك القادمين من البلدان العربية وينطقون العبرية بحرفي الحاء والعين العبريين/ العربيين، بل وسيتساءلون: كيف أن هؤلاء يهود وليسوا عرباً؟

***

عودة لتاريخي مع تعلم العبرية، في العام القادم ستمر عشرون عاماً على بدء تعلمي هذه اللغة. خلال العشرين عاماً ظلت العبرية تروح وتأتي في حياتي، كنت أنقطع عنها فترات وأعود إليها فترات، ولكن إن كان هناك من تسلسل في حياتي في العشرين عاماً الماضية فهو يقع في أمرين، الكتابة الأدبية واللغة العبرية. وهذا يحدث بالتبادل، انشغل بالكتابة لفترة وأنسى العبرية، ثم أنشغل بالعبرية وأنسى الكتابة.

هكذا، مع انتهائي من كتابة روايتي الأخيرة، ومع اتضاح أمارات على فشل الثورة، وبدء دخولنا في الاكتئاب العميق، والانسحاب بالتدريج عن الشارع، خطرت العبرية على بالي. كانت عندي كتب كثيرة مركونة بالعبرية، فبدأت أخرجها من المكتبة وأقرأ الواحد إثر الآخر، قرأت عشرين كتاباً ربما، وأحدها، رواية "تشحلة وحزقيل" لألموج بيهار، قرأتها وفتنت بها وقررت ترجمتها، وأنهيت الترجمة خلال عامين. لسنتين عاشرت العبرية يومياً، عبرية توراتية تلمودية آرامية وعربية، خليط مذهل كان في هذه الرواية.

أنقذتني العبرية من جنون هزيمة الثورة، وجدت فيها ملاذاً يشرح لي أشياء أكثر عن مكان بعيد، مكان تأسس على الدم والنار ويدين بالفضل للجيش وعقيدته، تأسس على رغبات قاسية في إعادة تشكيل مجتمع من جديد، في طرد أناس وجلب أناس، وفي إقامة جدار عملاق يفصل بين الداخل المتحضر والخارج الهمجي. أفهمتني إسرائيل أشياء كثيرة عن مصر ما بعد 30 يونيو. 

عن الكاتب

نائل الطوخي

نائل الطوخي هو روائي ومترجم عن العبرية. آخر أعماله رواية "نساء الكرنتينا" الصادرة عام 2013، وينتظر قريبا صدور ترجمته لرواية "تشحلة وحزقيل" للكاتب الإسرائيلي ألموج بيهار.

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).