تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

في الداخل الإسرائيلي.. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

محمد حسني
12 دقيقة قراءة
في الداخل الإسرائيلي.. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

حرب جديدة على غزة، بلغ عدد ضحاياها حتى الآن أكثر من إثني عشر ألفًا، من بينهم خمسة آلاف طفل، وثلاثة آلاف امرأة، بالإضافة إلى أكثر من ثلاثين ألف مصاب. أكثر من ثلاثة أسابيع من الحصار الخانق والقصف المكثف جوًا وبحرًا، مع بدايات اجتياح بري يجري طوال ثلاثة أسابيع مضت.

جاء ذلك، كما نعلم، عقب عملية «طوفان الأقصى»، أو ما عُرف بـ«السبت الدامي» في إسرائيل، التي خلفت ما يقرب من 1400 قتيل إسرائيلي، وعشرات الأسرى من عسكريين ومستوطنين، في ضربة غير مسبوقة لإسرائيل.

كيف يفكرون على الجانب الآخر؟ ما هي التباينات في مواقف التيارات المختلفة؟ هل هناك استقطاب في المجتمع؟ وهل نتوقع حدوث تحول في السياسة الإسرائيلية؟ هل يمكن أن يُطرح الصراع الطبقي/الطائفي في إسرائيل على الساحة؟

في السطور التالية محاولة للإجابة عن تلك التساؤلات.

تركيب الحكومة الحالية

الحكومة الحالية هي الحكومة رقم 37 في تاريخ إسرائيل، نالت ثقة الكنيست في 29 ديسمبر 2022، في خامس انتخابات خلال أربع سنوات فحسب. تعد هذه الحكومة أكثر الحكومات يمينية وتدينًا في تاريخ إسرائيل. أكثر من نصف الوزراء (ونوابهم) من الأحزاب الدينية. أما البقية فهي من أحزاب يمينية قومية، من ضمنهم ثلاثة من المؤسسة العسكرية-الأمنية.

يتكون الائتلاف الحكومي من: الليكود، وشاس، ويهدوت هتوراة، والصهيونية الدينية، وعوتسماه يهوديت، ونوعم.

أما المعارضة فتضم: يش عاتيد، والمعسكر الرسمي، ويسرائيل بيتينو، إلى جانب أحزاب العمل والجبهة والقائمة العربية.

الجدير بالانتباه أن ما يصنف كمعارضة لا يتبنى توجهًا معارضًا للحكومة، بل هو في الحقيقة فقط «خارج الائتلاف» الحكومي. فالأحزاب الثلاثة الأولى هي أحزاب يمينية التوجه ولا تكاد تختلف عن أحزاب الائتلاف سوى أن المفاوضات بينها وبين نتنياهو لم تنجح.

أما حزب العمل، المؤسس الرئيسي للمشروع الصهيوني، والمهيمن على الحكم معظم تاريخه، فلم يخرج سوى بأربعة مقاعد، أقل حتى من الحزبين العربيين الآخرين، حيث حصلت قائمة حزب الجبهة (أيمن عودة) على خمسة مقاعد، ومثلهم للقائمة العربية (منصور عباس).

أي أنه من بين 120 مقعدًا، هناك 14 فقط ليسوا من اليمين.

كما يضم تشكيل الحكومة سبعة وزراء حريديم -التيار الانعزالي الأكثر تشددًا بين المتدينين- وكذلك ستة وزراء من سكان المستوطنات، على رأسهم إيتمار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش.

استعدادًا للحرب على غزة، صدّق الكنيست في 12 أكتوبر الماضي على حكومة الطوارئ بأغلبية 66 صوتًا ومعارضة أعضاء الجبهة، وامتناع القائمة العربية. خلال الجلسة نفسها، أكد نتنياهو مرارًا على مهمة الحكومة: «تحطيم وتصفية حماس ولا مجال للحوار».

أعلن حزب «معسكر الدولة» («همحنيه همملختي» بالعبرية ومعسكر الدولة حسب موقع الكنيست بالعربية) رغبته في الانضمام للمجلس الوزاري المصغر لإدارة الحرب، ومن ثم وافقت كتلة الائتلاف على انضمامه لحكومة طوارئ وطنية، ومنحه خمسة مقاعد وزارية، مع وعد من نتنياهو باستمرارهم في مناصبهم حتى بعد انتهاء الحرب. هكذا أصبحت مقاعد الحكومة أهم من أرواح الفلسطينيين، بل ومن أرواح الإسرائيليين، سواء الأسرى، أو من سيسقطون في المعارك.

أعلنت حكومة الطوارئ مبادئ عملها التي تشمل الحق الحصري لليهود في كل أراضي فلسطين، ودعم الاستيطان في الجولان والجليل والنقب والضفة، وتوحيد القدس كعاصمة لإسرائيل، إلى جانب العمل بكل طاقتها ضد ما أسمته بالإرهاب، وضد إيران.

من جانب آخر، أضافت الحكومة مبادئ لتهدئة الجبهة الداخلية، من بينها صيغة مائعة تتعلق بفصل السلطات، والتي كانت سببًا في موجات من التظاهرات ضد الحكومة، وكذلك عدد من البنود الخاصة بالرعاية الاجتماعية، والدعم النقدي، ودعم الإسكان والمرافق.

هذه التوطئة ضرورية لفهم حدود التباين في المواقف السياسية.

أنصار نتنياهو

بنيامين نتنياهو شخصية تستحق الوقوف عندها، وإن كان المقام لا يتسع. لكن ما يهم هنا هو أنه محور السياسة الإسرائيلية. يكفي أن نعرف أنه خلال سنوات قليلة تبدلت عدة حكومات، ولم يستقر النظام، فيما ظل الشعاران المتضادان في السياسة الإسرائيلية «بيبي فقط» و«فقط بدون بيبي» مهيمنين، ما يعد دليلًا على محوريته في السياسة الإسرائيلية. فمن المنطقي إذا أن يظل الخلاف حوله مطلاً برأسه حتى في ذروة الصراع.

لجأ أنصار نتنياهو، من الائتلاف اليميني-الديني، إلى التكتيكات المعروفة وأهمها المبادرة بإلقاء الاتهام على الآخرين، حيث ألقوا اللوم على الحركة الاحتجاجية خلال السنوات القليلة الماضية، وأهمها الاحتجاجات ضد التعديلات الدستورية التي قدمها نتنياهو لتوسع صلاحياته وحزبه على حساب السلطة التشريعية. وكذلك اعتصامات الطيارين ورفض جنود الاحتياط الخدمة العسكرية، التي اعتبرها البعض سببًا في الاستهانة بإسرائيل في أعين أعدائها، بل واتهامها باستنزاف القدرات الأمنية والتسبب في أحداث 7 أكتوبر.

أما التكتيك الثاني الذي يتبعه أنصار بيبي فهو التكتيك المعروف: «لا وقت للخلاف»، لأنه «وقت الوحدة الوطنية». خرج نتنياهو بخطاب: «يوم 7 أكتوبر هو يوم أسود في تاريخنا. يجب على الجميع إعطاء إجابات- حتى أنا، لكن ذلك سيحدث بعد الحرب».

وبينما تعالت المطالبات باستقالة نتنياهو، خرج مؤيدوه بحجة أن الحرب تحتاج لاستقرار، ولا داعي للالتفات إلى الصغائر، مثل: الجدالات حول الدستور، والنقاشات برلمانية.. إلخ. والأولى أن يؤجل كل ذلك بعد تحقيق «النصر» المأمول، وعودة المختطفين.

كما سعى أنصار نتنياهو عبر منصات الأحزاب اليمينية والدينية، وفي تصريحات لصحف أخرى، لتأكيد موقفهم، بتسجيل مظاهر التضامن بين الأطياف المختلفة سواء في عمليات الإغاثة والمعونة للضحايا، أو في الاستعداد للحرب، التي شهدت تطوع عدد من الشبان المتدينين، المعفيين من الخدمة الإلزامية، بالجيش.

معارضو نتنياهو

كان خطاب نتنياهو، بعد صمت وانتظار، استعراضًا لمهارات التملص والتلاعب بالألفاظ، حيث تجاهل مسؤوليته عما حدث، معلنًا مسؤوليته المستقبلية، أي أنه يصر على الاستمرار في السلطة.

منذ ذلك الخطاب، وحتى من قبله، تتعالى الهتافات بالاستقالة خشية التمادي في الأخطاء خلال الحرب نفسها.

لم يبتدع نتنياهو هذه الطريقة، فقد عرفت إسرائيل منذ حرب 1973، سياسة تشكيل لجان التحقيق الرسمية، كوسيلة للتسويف والتأجيل وإسكات النقد. وهكذا فإن نتنياهو يستنكف أن يلقي بالمسؤولية على الحكومة السابقة أو الأسبق، أو حتى اتفاقية أوسلو، وربما اتفاقية السلام مع مصر، فعندما يكون الكل مذنبين فلا أحد مذنب.

ولكن، لننتبه أن الذنب المقصود هنا هو الإخفاق العسكري في حماية المستوطنين، وليس في حصار غزة. فالاستطلاعات التي تمت، والتي تؤكد تراجع شعبية نتنياهو، لا تشي بتحول ثوري، حيث إن الأصوات أعيد توزيعها لصالح أحزاب يمينية أخرى في الائتلاف الحكومي نفسه وربما أشد يمينية من حزب الليكود. وقد بادر نتنياهو بتدعيم ائتلافه أكثر بإعلان حكومة الطوارئ، كما أشرنا.

اليسار الصهيوني

ينتمي أصحاب الموقف المعارض إلى حزب العمل الذي عقد اتفاقية أوسلو قبل ما يقرب من ثلاثين عامًا. وهؤلاء مواقفهم تعتبر على يسار النظام والرأي الغالب على الإعلام.

أول هذه المواقف، الموقف المعلن للحزب، والمشارك في الحكومة، والذي يؤيد في برنامجه التسوية السلمية التي قادها الحزب نفسه في الماضي، بما في ذلك الإجراءات أحادية الجانب، مثل فك الارتباط مع غزة والجدار العازل في الضفة.

لكن في المقابل، فإن الحزب نفسه ضد حق العودة، وضد تقسيم القدس. وفي 11 أكتوبر، أعلن الحزب تأييده للحرب، ودعا المجلس الوزاري الأمني لإعطاء الأولوية لاستعادة الأسرى. وصرحت رئيسة الحزب،ميراف ميخائيلي، بإن «التسوية السياسية هي مصلحة دولة إسرائيل وليست موقفًا سياسيًا لهذا أو ذاك».

كما يرى رئيس الحكومة الأسبق عن حزب العمل، إيهود باراك، أن على إسرائيل الانصياع للضغوط الدولية، وتسليم غزة إلى قوة عربية مشتركة تحافظ على الوضع الأمني وتمنع الصدام مع إسرائيل. تتضمن هذه القوة حسب اقتراحه، مصر والمغرب والإمارات، وتقوم بتأمين القطاع حتى تستعيد السلطة الفلسطينية سيطرتها مرة أخرى. وأضاف باراك أنه في حالة قرار نتنياهو دخول غزة، سيجعل هذا منه أسوأ زعيم في تاريخ اليهود.

يُحمِّل تيار اليسار الصهيوني نتنياهو مسؤولية تردي الوضع على الجانب الفلسطيني. فمنذ عودته  لرئاسة الحكومة في 2009، عمل على دعم حماس في غزة، في مقابل إضعاف سلطة فتح في الضفة، وكذا إحداث شقاق بين الفلسطينيين في كلا الجانبين.

يستشهد البعض على ذلك بتصريح نتنياهو في جلسة للحزب (مارس 2019): «من يريد إحباط إقامة دولة فلسطينية، يجب أن يدعم تقوية حماس وتحويل الأموال إليها.. هذا جزء من سياستنا، الفصل بين الفلسطينيين في غزة والضفة».

كان نتنياهو يعتقد أنه بخلق كيان حمساوي في غزة سيستطيع ضم الضفة الغربية. ويكون بإمكانه الزعم أنه لا يمكن الوصول إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، لأن حماس قوية وتحظى بتأييد الفلسطينيين وتريد تدمير إسرائيل، فيما فتح ضعيفة ولا تحظى بتأييد، وأن الفلسطينيين منقسمين بين الضفة وغزة وبين فتح وحماس، لذا فليس هناك كيان موحد يمكن التوصل معه إلى اتفاقية سلام.

يضاف إلى ذلك تفاخره بما نجح فيه من اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية، متبجحًا بأنه أثبت إمكانية التطبيع مع الدول العربية دون المرور بالفلسطينيين.

في المقابل، ومنذ 2015، قطع نتنياهو أي اتصال بالسلطة الفلسطينية في الضفة، كما حفز مشروعات الاستيطان في الضفة وحول غزة. وفي الأخيرة، وضع ثمانية آلاف مستوطن على الحدود مع مليوني غزاوي في أكثر المناطق كثافة في العالم، في مستوطنات متناثرة ظلت معرضة لصواريخ حماس طوال عقدين وأكثر، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون إهمالًا وتضحية بهم في سبيل تحقيق مخططات نتنياهو.

لا يستبعد أصحاب هذا الاتجاه قيام إسرائيل بعملية عسكرية، لكنهم يؤكدون على أمرين: أولهما هو محدوديتها وتركيزها، وثانيها ضرورة سرعة إنهائها، والقيام بصفقة تبادل للأسرى، والسماح بدخول مساعدات إنسانية، بالاستعانة بوساطة عربية، على الأغلب مصرية وأردنية وقطرية، بدعم أمريكي. وأخيرًا، حتمية إيجاد تسوية دائمة، قد تختلف تفاصيلها حسب كل رؤية.

سيناريو البرغوثي

أحد سيناريوهات التسوية الدائمة المقترحة عرضها الباحث في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في «معاريف»، رافي نيتس-تسينجوت، والذي يستند إلى رؤية وحدة أبحاث بوزارة الخارجية الإسرائيلية حول مستقبل العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية بعد الحرب.

 يتضمن الاقتراح الاستعانة بقوة متعددة الجنسيات بجانب الجيش الإسرائيلي، للسيطرة مؤقتًا على القطاع. 

يعتمد هذا السيناريو على إطلاق سراح مروان البرغوثي، وإجراء انتخابات لرئاسة السلطة الفلسطينية (يُنتخب فيها البرغوثي) لأن نقل المسؤولية في غزة للسلطة الفلسطينية لن ينجح، بينما يرفض 80% من الفلسطينيين في الضفة وغزة سلطة أبو مازن. أظهرت الاستطلاعات أنه في حالة المنافسة بين أبو مازن وإسماعيل هنية، سيحصل الأول على 33% مقابل 56% للثاني. بينما في حالة المنافسة بين البرغوثي وهنية، سيحصل الأول على 57% والثاني على 38%. والمتوقع ترحيب كل الأطراف الدولية والإقليمية بذلك طالما سيؤدي لاستقرار الوضع.

لكن طبعًا ليس من المتوقع أن يُقدِم نتنياهو على مثل هذه الإجراءات، التي تتنافى مع كل ما انتهجه خلال أكثر من عقدين من الزمان، ويظل المتغير الوحيد لدفع هذا السيناريو، أو عملية التسوية عمومًا، هو ضغط حركة من الشارع، خارج حدود هيمنة الحكومة الحالية وأدواتها.

الحرب.. الحرب

الصوت الغالب على الشارع الإسرائيلي عبر وسائل الإعلام العامة أو الحزبية، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو صيحات الحرب، التي تُطرح كحل وحيد، هوس يعمي العيون والعقول، حتى عن التفكير في سقوط المزيد من الضحايا من الجانب الإسرائيلي.

فكرة الانتقام مسيطرة على الساحة. ويستدعي أصحابها المواجهات التي وقعت بين اليهود والفلسطينيين منذ بدايات المشروع الصهيوني، بهدف الوصول إلى استنتاج أنه لا أمل في «هؤلاء» ويجب القضاء عليهم نهائيًا: يجب أن تسوى بهم الأرض مثل المدن الألمانية عقب الحرب العالمية، أو حتى مثل هيروشيما ونجازاكي، يجب أن تصبح غزة منزوعة السلاح، وأن يقتل كل عناصر حماس، ويُعدم كل من يُعتقل حيًا، حتى لو تطلب الأمر تشريعًا خاصًا لإصدار أحكام الإعدام.

تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل قد كونت بالفعل وحدة «نيلي» -على اسم وحدة تجسس وتخريب صهيونية في عشرينيات القرن الماضي- ومهمتها السعي لتصفية المشاركين في أحداث السبت الدامي ومحاكمة من تم اعتقالهم محاكمات عسكرية وإعدامهم.

توسيع دوامة الدم 

تتجاوز الحرب، في تصور آخر، كونها حرب إقليمية، بل كتحالف دولي، باعتبار إسرائيل في مواجهة «محور الشر»، المكوّن حسب هذا التصور في حماس وإيران، ويتسع لسوريا وحتى روسيا والصين. لذلك فمن المنتظر أن تنضم إلى إسرائيل، في المقابل، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، التي كان رئيسها أول من طرح الفكرة، والباب مفتوح لكل من يريد الانضمام لتحالف «محور الخير» هذا.

ما يشجع على تبني هذا الاتجاه، الذي يجر المنطقة والعالم إلى دوامة من الدم، هو ما أبداه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، من حماس شديد لإسرائيل، والمساعدات الفورية (14.3 مليار دولار) التي قدمها الرئيس ضمن حزمة مساعدات شملت أوكرانيا وتايوان. وقبل ذلك، الجسر الجوي وحاملة الطائرات وبقية المساعدات التي هرعت الولايات المتحدة لتقديمها إلى إسرائيل. ولذا لا تنتهي تلك الحرب المجنونة بالقضاء على حماس بل تمتد بالضرورة إلى حزب الله وإيران.

كما لا تتوقف النزعة العنصرية عند حد الحرب، حيث طرح البعض خيار الترحيل، بدفع من يبقى حيًا من الحرب على غزة إلى مصر، على أن تتحمل دول الغرب تكلفة توطينهم حتى لو بلغت عشرات المليارات.

وفي الضفة، أطلق الوزير بن جفير أيدي المستوطنين ودعمهم بالسلاح على رؤوس الأشهاد، ليهاجموا الفلسطينيين في بيوتهم وحقولهم. أما فلسطينيو الداخل فتلاحقهم تهمة الخيانة، حيث عانى كل من يتعامل مع إسرائيليين بحكم السكن أو العمل، من حصار نفسي، واجبار على إعلان موقف -لن يُصدق أيضًا- بإدانة حماس. كما تعرض آخرون للاعتقال بسبب أدنى تعبير عن هويتهم الفلسطينية في الحي أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي.

أين اليسار

خلاف اليسار الصهيوني، المتمثل في حزب العمل، هناك اليسار الجذري، وهو للأسف شديد الضآلة، ومشوه الملامح، بفعل عوامل كثيرة، لا مجال للدخول فيها.

يعتبر الإسرائيليون بقايا الحزب الشيوعي حزبًا عربيًا، حيث لا يضم إلا قلة قليلة من اليهود، ويشارك في الحياة السياسية خلال «الجبهة الوطنية للسلام والمساواة». وقد أصدرت الجبهة، وكذلك القائمة العربية الموحدة، بيانات تدين أحداث 7 أكتوبر، كما تدين الحرب على غزة، وتهديدات الترحيل، وفي الوقت نفسه تدعو إلى التسوية السلمية.

وبرغم ذلك، نجد بعض اليساريين الذين امتلكوا من الشجاعة لاتخاذ موقف خارج الإجماع، وتواجه «الفزاعة» والحمى التي انتابت الجمهور، ومن مظاهرها، البحث عن طابور خامس، واتهام كل الأسرى الذين أفرجت عنهم حماس بأنهم «يساريين وعملاء»، وكان على رأسهم الأسيرة يوكابد ليفشيتس، لأنها صرحت ببساطة بأنها لم تتعرض لا للتعذيب، ولا حتى للإهمال، وأنهم عاملوها بلطف. 

إن شهادة الأسيرة تحطم ببساطة الصورة المرسومة للفلسطيني باعتباره وحش، والتي تهدف إلى نزع اللإنسانية عنه، وبالتالي تبرر قصف بيته، إبادته، وإبادة أطفاله.

الاحتلال.. أصل المشكلة

في 22 سبتمبر 1967، كتبت منظمة ماتسبين/البوصلة، الاشتراكية الثورية، أن «الاحتلال يجر وراءه سلطة أجنبية، السلطة الأجنبية تؤدي إلى المقاومة، المقاومة تؤدي إلى القمع، القمع يؤدي إلى إرهاب وإرهاب مضاد». فلا يمكن أن تقوم بالاحتلال وتحافظ على آدميتك، وتظن أن الحياة يمكن أن  تسير بسلام وهدوء.

هل يمكن أن يشكل الصراع الطبقي/الطائفي متغيرًا في المعادلة؟

راودني هذا السؤال، والذي يرجع إلى تصورات قديمة لدى اليسار بأن تناقضات المشروع الصهيوني ستؤدي لتقويضه من الداخل، وأن الصراع الطائفي/الطبقي سيلتحم بالنضال ضد الاحتلال.

ولكن للأسف، الواقع يقول إن اليهود القادمين من بلدان عربية وإسلامية (المزراحييم/السفاردايم) يصوتون للأحزاب الدينية، قومية كانت أو دينية، وأن معظم مستوطني غزة هم من الشرقيين. ربما رآهم أحد المحللين اليساريين يمثلون طبقة كادحة مستغَلة ومضطهَدة، ومحرومة من التمثيل السياسي، لكنه يوقف تحليله الطبقي عند جدران غزة، ويتجاهل معاناة مليوني مواطن تحت الاحتلال.

كما أن حكومة نتنياهو لم تغفل ذلك الخطر، فبعد ما يقرب من عقدين، صعّد خلالهما نتنياهو سياسة نيو-ليبرالية، أعلنت حكومة الطوارئ، كما أشرنا، حزمة من المساعدات الاجتماعية لتقليل الاحتقان.

إسرائيل دولة استعمارية، وإن بدا خلال الربع الأخير من القرن العشرين أن هناك احتمالات لتسويات سلمية، إلا أنها التزمت بعد ذلك مسار أقصى اليمين، الذي تصاعد في السنوات الأخيرة، ليفرز حكومات يمينية-يمينية بأغلبيتها ومعارضتها، وهيمنتها على الكنيست، والحكومة هي انعكاس على هيمنتها على الشارع، دون الخوض في الوسائل. 

مشروع هذه الحكومات هو دولة يهودية عنصرية، واستمرار الاستيطان، والقضاء على الشعب الفلسطيني، مع اختلاف الطريقة. كما تسعى لتوسيع نطاق الصراع بتوريط أطراف إقليمية ودولية، مهما بلغت كارثية ذلك.

أصوات اليسار التي تعارض تلك السياسات، ولو نسبيًا، أضعف من أن تحدث تغييرًا. أما العنصر الوحيد، الذي  قد ينجح في إدارة الدفة نحو حل التسوية هو المقاومة. فحين تدرك إسرائيل نتنياهو فداحة الثمن -بالرغم أنه لا يقاس بما يتكبده الشعب الفلسطيني- ستضطر للاعتراف أن هناك حلولًا أخرى غير الحرب. ولو كان هناك القليلين يكترثون لدماء الفلسطينيين، فربما جعلت حماقة نتنياهو كثيرين يكترثون لدماء أبنائهم.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).