نحو «المؤتمر الفلسطيني العالمي»
في تعليق سريع لي على مواقع التواصل الاجتماعي صبيحة الإعلان عن وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وإسرائيل، اقترحت أن هذه هي اللحظة المناسبة لتأسيس كيان أو تنظيم دولي تطوعي -بعيدًا عن ضغوط وقيود السياسات الرسمية- لمناصرة الحقوق الفلسطينية المشروعة، وذلك تحت مسمى «المؤتمر الفلسطيني العالمي» على غرار المؤتمر اليهودي العالمي، الذي تأسس عام 1936 في جنيف، وأضفت القول «فليكن تنفيذ هذا الاقتراح من باب التعلم من العدو»
ما قصدته بالتعلم من العدو تحديدًا هو الرد مقدمًا على معارضة الاقتراح بحجة التخوف من تعدد جهات أو منظمات تمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات، وهو ما يُحتمل أن يؤدي إلى تشتت الجهود والموارد أو تعارض المواقف، بل إذكاء الصراعات، وكأنه لا يكفينا الانقسام الحاد الحاصل في الأرض المحتلة بين سلطة محمود عباس في رام الله المُعترف بها دوليًا كحكومة وحركة حماس الحاكمة في قطاع غزة وحلفائها، فضلًا عن وجود منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد لعموم الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة وفِي الشتات.
لقد تأسس المؤتمر اليهودي العالمي في وقت كانت المنظمة الصهيونية العالمية قد بلغت فيه من العمر حوالي 40 سنة، وكانت في عنفوان قوتها، وفي ذروة نجاح خططها لإنشاء الدولة الإسرائيلية. وفي ذات الوقت كانت الوكالة اليهودية تعمل بفاعلية على الأرض في فلسطين كحكومة يهودية محلية أو كسلطة حكم ذاتي، كممثل شرعي لليهود هناك لدى سلطة الانتداب البريطاني. ولم يكن بين المنظمات الثلاث تعارض أو صراع، لكن كان لكل منها دوره المتكامل مع الأدوار الأخرى ومع المنظمتين الأخريين. اختصت المنظمة الصهيونية العالمية بالعمل الرسمي خارج فلسطين لضمان تدفق المهاجرين اليهود، بالتنسيق مع الحكومات والمنظمات الدولية منذ عصبة الأمم حتى الأمم المتحدة، وبتنفيذ حملات التعبئة والضغوط على تجمعات اليهود في العالم لدفعهم إلى الهجرة إلى ما يسمونه بأرض الآباء والأجداد، وتقديم كل التسهيلات التنظيمية واللوجستية لأولئك المهاجرين، وإمداد الوكالة اليهودية بالمال والسلاح. في حين كان دور الوكالة اليهودية يبدأ من لحظة وصول المهاجر إلى الأرض الفلسطينية باعتبار أن تلك الوكالة هي -كما سبقت الإشارة- الحكومة المحلية أو الذاتية لليهود التي تنظم وتدير كل الشؤون من الإسكان إلى العمل إلى الحراسة إلى الصحة والتعليم، وحتى التجنيد والتدريب العسكري وتكوين الوحدات المقاتلة والميليشيات، فضلًا عن تمثيل كل يهودي على أرض فلسطين لدى الحاكم البريطاني.
أما المؤتمر اليهودي العالمي فقد تأسس كاتحاد بين جميع التنظيمات اليهودية في كل دول العالم التي توجد فيها جاليات يهودية، ليصبح هو الممثل «الشعبي» لكل اليهود، ومن ثم فقد أصبح ظهيرًا دوليًا شعبيًا أو أهليًا لكل من المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية في فلسطين، ثم لإسرائيل بعد قيامها دون أن يتقيد بما تتقيد به الحكومات والمنظمات الرسمية من قواعد ومراسم. انشغل المؤتمر بمخاطبة الرأي العام المحلي في كل دولة، ومن ثم الرأي العام العالمي، فضلًا عن الرأي العام بين اليهود خارج فلسطين. كان ولا يزال نشطًا في عقد المحاضرات والمؤتمرات البحثية وإصدار الكتب والدوريات والمنشورات والاتصال بالصحف والجامعات ومراكز البحث والتفكير والأحزاب السياسية والبرلمانات والنقابات. ولكن بالطبع دون أن يكون له دور رسمي أو مؤسسي في اتخاذ القرار السياسي الذي بقى اختصاصًا أصيلًا وانفراديًا للوكالة اليهودية، ثم لحكومة إسرائيل بعد تأسيسها.
هذه بالضبط هي الأنشطة والمهام التي أدعو على أساسها إلى تأسيس المؤتمر الفلسطيني، حيث لا تعارض ولا ازدواجية بل تكامل بين هذه المهام وأدوار ومسؤوليات السلطة الوطنية الفلسطينية، التي تناظر الوكالة اليهودية، حسب ما شرحنا توًا، وكذلك الحال فيما يختص بمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تناظر المنظمة الصهيونية العالمية في العرض السابق.
بلغة الدراما، هناك دور يبحث عن بطل. فالسلطة الوطنية الفلسطينية المستنزفة في مشكلات التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفي إدارة الحياة اليومية لمواطنيها وفي الاتصالات الرسمية مع دائرة ضيقة من الدول الكبرى والعربية، وفي الصراعات داخل صفوفها ومع حماس وحلفائها، غير قادرة على القيام بكل تلك الأدوار، وليس مطلوبًا منها أن تقدر. هذه مهام كما أشرنا متسعة الجبهات، تتجاوز الحكومات إلى أعماق المجتمعات وتشكيلاتها المتعددة، بل الأفراد في كل مناحي وأعماق الحياة الحديثة. وبالطبع فإن منظمة التحرير هي الأخرى مكبلة بصراعات مكوناتها، فضلًا عن أنها مشلولة بحكم جمع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بين رئاسة هذه السلطة ورئاسة المنظمة. ثم أن التنظيم المقترح سيكون بطبيعته وبمهامه فوق الخلافات الإيديولوجية والسياسية، ولا يتدخل فيها انشغالًا بالقضية الفلسطينية في عمومياتها الكبرى كقضية تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال وقضية حقوق إنسان ضد التمييز العنصري، بما في ذلك حقوق اللاجئين أينما كانوا في التعليم والصحة والسكن والمركز القانوني حتى التسوية النهائية، وذلك سواء بسواء مع المؤتمر اليهودي العالمي.
صحيح أن هذا المقترح كان يجب دراسته والعمل على تحقيقه منذ اتفاقية أوسلو على الأقل، ولكن ربما يكون الوقت الحالي أكثر ملاءمة، وربما لم تكن بعض الشروط الموضوعية متوافرة، حين كان الكفاح السياسي الفلسطيني -معززًا بخبرة وثقل الدبلوماسية المصرية ومساندة سعودية- مُركزًا على تأمين الاعتراف الأمريكي بحق تقرير المصير، وعلى الاعتراف المتبادل مع إسرائيل، تأمينًا لحق منظمة التحرير في التفاوض وحدها حول قضية الشعب والأرض.
علي أية حال، فها هي الفرصة قد سنحت من جديد، فقد تفاعلت نتائج الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس وحلفائها في غزة مع سلسلة من المتغيرات الإقليمية والدولية المهمة يمكن استثمارها لإنجاح الفكرة، مثلما أن تلك المتغيرات تمثل مكاسب للقضية الفلسطينية في سائر جوانبها، فلا خلاف على أن تلك الحرب أعادت القضية إلى مركز متقدم على جدول أعمال السياسة الخارجية إقليميًا وعالميًا، وعلى أجندة إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، التي ورثت من الرئيس السابق، دونالد ترامب، إخفاق محاولته لتصفية القضية بما سماه صفقة القرن، واضطراره (ترامب) للضغط على بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، لتأجيل قرار الضم النهائي لأراضي المستوطنات الصهيونية في الضفة للسيادة الإسرائيلية، كما كان متفقًا عليه بينهما. ذلك في وقت تتسع فيه -بمعدلات سريعة- دوائر الرفض للعدوانية والعنصرية وغطرسة القوة الإسرائيلية في الحياة السياسية الأمريكية خاصة في الحزب الديمقراطي (حزب الرئيس) إلى حد إمكان وصف الحال داخل هذا الحزب -ودون مبالغة- بظهور جناح يرفض سياسة تأييد إسرائيل دون قيد ولا شرط ويتفهم الحقوق الفلسطينية ويتعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. وكما نعلم فإن هذا الجناح يضم أعضاء في الكونجرس بمجلسيه، ومن رموزه البارزة جهيرة الصوت، السيناتور بيرني ساندرز، المرشح الرئاسي في دورتين تمهيديتين حزبيتين، كذلك نعلم أنه سبق على تبلور ذلك الجناح في الحزب الديمقراطي تنامي تيار بين الأكاديميين الأمريكيين، وفي مراكز البحث وكبريات الصحف يتفهم عدالة القضية الفلسطينية، ويرفض التأييد الأعمى من الإدارات الأمريكية المتعاقبة لإسرائيل، بل أن تيارًا مماثلًا قد ظهر بين اليهود الأمريكيين أنفسهم، معبرًا عن نفسه بحركة «جي ستريت»
وإذا كان ذلك يحدث في الولايات المتحدة، فمن باب أولى توقع أن دوائر التفاهم والتأييد للقضية الفلسطينية في معظم دول أوروبا الغربية أوسع وأقوى، كما أثبتت الأحداث الأخيرة أن العلاقات المتنامية بين إسرائيل والدول الآسيوية الكبرى لم تدفع هذه الدول إلى تجاهل تراثها الطويل في الكفاح من أجل تحررها الوطني هي ذاتها، بحيث تتجاهل حق الشعب الفلسطيني في التحرر من الاحتلال وتمالئ إسرائيل، وهذا ما أثبتته رئاسة الصين لمجلس الأمن الدولي في أثناء الحرب الأخيرة.
على المستوى الإقليمي كانت أهم النتائج التي تتصل بموضوعنا أن القضية استعادت زخم تأييد الرأي العام في كل الدول العربية والإسلامية، وتوارت أو تدنت خلافات الدول مع بعض الفصائل الفلسطينية كحالة مصر وحماس مثلًا، واختفى ضجيج اتفاقات التطبيع (المُسماة باتفاقات أبراهام) بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، والأهم هو استبعاد التطبيع الإسرائيلي السعودي إلى أجل غير مسمى.
أما على صعيد الداخل الفلسطيني والإسرائيلي، فقد استعاد الشعب الفلسطيني وحدته المعنوية والشعبية، أو بتعبير محمد نعيم في «مدى مصر» فشلت «خطط غزغزة غزة وضفضفة الضفة وأسرلة فلسطيني 1948» وهذه بحد ذاتها رافعة رئيسية لمشروع المؤتمر الفلسطيني العالمي، إذ أن القانون الدولي (وليس القانون الإسرائيلي فقط) يمنع الفلسطينيين حاملي الجنسية أو المواطنة الإسرائيلية من الانضمام لمنظمة التحرير أو التبعية للسلطة الوطنية الفلسطينية، ناهيكم عن الانخراط في أية منظمات تتبنى المقاومة المسلحة. أما في حالة المؤتمر المقترح فهو لعموم الفلسطينيين على اختلاف مراكزهم القانونية وأوضاعهم السياسية (سواء بسواء مع المؤتمر اليهودي العالمي مرة أخرى) بما أنه ليس ممثلًا سياسيًا رسميًا للشعب الفلسطيني، وإنما إطار أشمل، وظهير شعبي يضمن استمرار وفاعلية التواصل الفلسطيني-الفلسطيني ثقافيًا واجتماعيًا وإنسانيًا. وكذلك التواصل والتفاعل الفلسطيني مع المجتمعات التي يعيش ويعمل فيها فلسطينيون، ويجمع كل تلك الروافد في مجرى واحد. ملتزمًا في هذا كله بقرارات الأمم المتحدة المبينة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وملتزمًا بالوسائل المبينة في تلك القرارات الدولية.
من الشروط الموضوعية لوجوب تأسيس المؤتمر الفلسطيني العالمي الظاهرة بقوة في السنوات الأخيرة، استتباب أوضاع الجاليات الفلسطينية في الأمريكتين وفي أوروبا الغربية وفي بعض الدول العربية، وليس فقط مجرد وجود أو انتشار هذه الجاليات. فإذا كان عدد الأمريكيين من أصل فلسطيني يزيد على ربع مليون شخص، وإذا كان العدد في دول أمريكا اللاتينية يتجاوز 600 ألف ومثلهم في أوروبا، فإن نسبة التعليم العالي بينهم تقترب من النصف، ومنهم عدد من أشهر أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين إلى جانب رجال أعمال يصنفون من أثرياء مجتمعات مهجرهم. وبحكم انفتاح الحياة السياسية في الغرب، فهؤلاء هم من يجب أن يكونوا المبادرين لتأسيس المؤتمر، في انتظار مساندة وانضمام الفلسطينيين المنتشرين بكثرة في دول الخليج العربية.
لعلي أختتم هذه السطور بالقول إنني الآن، وبأثر رجعي، كنت أفضل لو أن الراحل إدوارد سعيد كان قد تبنى مثل هذا المشروع في حياته، إذ كان العائد سيكون أكبر كثيرًا من ارتباطه بمنظمة التحرير، ومع ذلك فبين الفلسطينيين كثيرون مؤهلون لريادة المشروع، يحضرني منهم يزيد صايغ وحنان عشراوي، فكلاهما وجه معروف جيدًا بقوة واحترام في العالم، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
تفاهة التطبيع (1-3)
«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»
حطام التاريخ ومعنى أن نقاوم
«الحروب تصنع سردياتها لكنها لا تذكر أسماء الجميع»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد