عن أبي السجين.. قبل فوات الأوان
كلما رأيت اسم أمي على شاشة الموبايل، ينبض قلبي بشكل سريع وأترك ما بيدي على الفور، وأرفع الموبايل ببطء وأنا أدعو في صمت. أحاول بهذه الطريقة السيطرة على مشاعر القلق، والتأهب لتلقي أية أخبار في غربتي قد تكون صادمة عن أبي المعتقل في مصر منذ ما يقارب ثماني سنوات.
أبي، عصام الحداد، كان مساعد الرئيس الأسبق محمد مرسي للشؤون الخارجية. استضافه العديد من الحكومات والمسؤولين في مختلف بلدان العالم. هو الآن يبلغ من العمر 67 عامًا ويقبع في زنزانة انفرادية، وعلى الرغم من حالته الصحية المتدهورة، إلا أنه محروم من الرعاية الطبية اللازمة وقد تعرض لأربع نوبات قلبية منذ اعتقاله. لا نعلم أكثر من ذلك عن حالته الصحية، فهذا ما تسمح به المرات النادرة التي تمكنت فيها الأسرة من التواصل معه، حيث كانت آخر زيارة للأسرة سمحت بها مصلحة السجون عام 2016.
ما يحدث مع أبي هو مشهد متكرر مع باقي المعتقلين منذ أحداث 2013، والذي يظهر كيف أن معترك السياسة المصري أصبح قاسٍ للغاية. هل يجب حقًا أن يكون بهذه الوحشية والقسوة؟ بالقطع هناك خيارات وبدائل أخرى. وهي بيد من يملك القرار في مصر. فهل المطلوب أن يمكث كل هؤلاء وراء القضبان لأجل غير مسمى فقط لأن فريقهم خسر معركة سياسية؟ وهل يستحق الوطن كل هذا الوجع والجروح الغائرة؟
هناك قرار تملكه السلطة في مصر، وهو الاختيار بين أن يقضي شخص مثل والدي ما تبقى من حياته وسط أهله وأحفاده الذين حُرموا منه بسبب سنوات السجن، أو أن يجلس وحيدا في زنزانة انفرادية يقضي فيها ما بقي له من العمر. وقطعًا ليست هناك أية تبعات أو عواقب تذكر للخيار الأول.
إن الكابوس الأكبر لأي أسرة من أسر المعتقلين السياسيين منذ 2013 هو أن تتلقى اتصالًا من السلطة في مصر لاستلام جثة قريبها السجين وتجهيز جنازته. وهو ألم يضاف لألم المنع من الزيارة وحظر التواصل بجميع أشكاله. إن الحرمان من لحظات الوداع شعور قاسٍ لا نتمنى لأي مصري أو أي إنسان أن يمر به.
ولعل أبرز حالة وفاة لمعتقل سياسي هو الرئيس مرسي، الذي سقط على بُعد أمتار من والدي في قفص المحكمة. إن وفاة مرسي بالنسبة لداعميه من السجناء السياسيين مثل والدي أسدلت الستار على فصل أليم من تاريخ مصر الحديث، وأصبحت وفاته شهادة على أن السياق المحلي والإقليمي الحالي لن يسمح بتكرار أي أداء سياسي على النحو الذي حدث بين عامي 2012 و2013.
خلال الفترة السابقة تسرب العديد من رسائل المعتقلين في السجون المصرية يطالبون فيها بالعفو والخروج من السجون مقابل الانسحاب تمامًا من الحياة العامة، مع التعهد بعدم خوض غمار السياسة من قريب أو بعيد، وهذه الرسائل كان يمكن أن تتسع دوائرها إذا سُمح بالتواصل بين المعتقلين السياسيين وبعضهم البعض داخل السجون المختلفة، وعلى الرغم من أن هذه خطوة غير مسبوقة ويمكن أن تكون بذرة إصلاح وتضميد جراح مجتمعية ، إلا أنها لم تلقَ الاهتمام الكافي من السلطات المصرية. ويبدو أن من يؤمن بأن الوضع الحالي يمكن الحفاظ عليه باستخدام وسائل قمعية هو الأعلى صوتًا في النقاشات الداخلية.
ويبدو أن هناك حقيقة غائبة عن هذه الأصوات العالية، وهي أن طاقات الأمل والحماس ورغبة التغيير التي شهدها الربيع العربي، والتي كانت سببًا في وصول مرسي للحكم قد تبددت بشكل كامل، وسلكت مصر طريقًا مختلفًا منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي سلطة الحكم منذ سبع سنوات، فقد أصبحت الممارسة السياسة بالنسبة لمن هم مثل أبي نوعًا من النشاط من المستحيل إعادة إنتاجه بنفس الطرق والوسائل التي حدثت قبل أكثر من عشر سنوات. وليس من الإنصاف أن تظل الملفات الإنسانية التاريخية الأليمة مفتوحة وأسيرة المربع السياسي الذي أصبح جزءًا من الماضي. خصوصًا أن أبي لم ولن يشكل أي تهديد لبلده مصر أو لأي شخص بأي حال من الأحوال.
قد يرى الكثيرون أن أبي من بقايا حقبة سياسية ماضية، سيُترك أصحابها في السجون المصرية وسط دوامة لا تنتهي من المحاكمات، والحبس الانفرادي والإهمال الطبي، ولكن بالنسبة لي هو والدي، جد أولادي، الذي يهتم بالجميع طوال عمره، وهذا ما دفعه في المقام الأول ليصبح طبيبًا، ودفعه بعد ذلك كطالب مصري يدرس في إنجلترا أن يؤسس أكبر منظمة خيرية إسلامية في العالم، تهدف لخدمة وإنقاذ حياة الناس في مختلف أنحاء العالم. كانت هذه بداية انطلاقته الحقيقية لخدمة وطنه بعد ذلك والعمل في الشأن العام. هذه هي الجوانب التي تغفل عنها وتتجاهلها العناوين الرئيسية و التقارير السياسية التي تصف تقلبات السياسة!
إن كل فترة في تاريخ البلاد هي التي تحدد شكل مُستقبلها، وطي صفحة الماضي مع الجيل السابق من الساسة المصريين هو ختام لفصل أليم وفرصة لأن تزرع بذور لتنمو وتُصبح بساتين في المستقبل تحصد منها الأجيال القادمة الخير الوفير.
أعلم أن العديد يدور في أذهانهم الآن أنه من الصعب، بل من المستحيل التعامل مع الحكومة المصرية الحالية، ولكننا رأينا بأعيننا جميعًا الهجوم الذي استمر ليلًا ونهارًا على قطر وتركيا بسبب دعمهما للرئيس مرسي، مما دفع مصر للانضمام لحصار قطر، والدخول في مواجهات مع تركيا بخصوص غاز شرق المتوسط. وعلى الرغم من كل ذلك، أجرى العديد من كبار المسئولين الأتراك محادثات مع مسؤولين مصريين خلال الأشهر الماضية، والتقى أمير قطر مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.
لا شك أن المتغيرات في السياسية الداخلية المصرية تلقي بظلالها على الدور الجيوسياسي الذي يمكن أن تلعبه بلادنا في منطقتنا المضطربة. وعلى الرغم أن المعتقلين في مصر منذ 2013 أصبحوا في طي النسيان، إلا أنهم عامل أساسي في ديناميكيات السياسة الإقليمية. وإذا قررت مصر تجاوز فترة القمع الصعبة التي نعيشها، فستكون قادرة على استعادة نفوذها وتعزيز مكانتها الإقليمية والعالمية مما يؤدي إلى تعاون ونجاح أكبر في التعامل مع العديد من القضايا التي تواجهها البلاد.
أنا لا أكتب هذه الكلمات بالنيابة عن أي طرف له أغراض سياسية، وإنما كمواطن مصري، وابن محروم من رؤية أبيه. أعلم أن والدي لن يكون قادرًا على قراءة هذه الكلمات، لكنني آمل أن تصل إلى زنزانته بشكل ما. وأتمنى أن تصل هذه الكلمات إلى مسامع أحد في مصر أو في أروقة السلطة في أي مكان في العالم يعتقد أن السياسة لا يجب أن تكون مليئة بالألم والانتقام، وأن مستقبل مصر سيصبح أقوى إذا تجاوزنا مرارات الماضي من أجل المصلحة الوطنية العليا.
آراء أخرى
الحديث عن الأشجار
«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»
تدوينة: عنبرة
«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد